دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

العمل. نعم لو كان المعتبر في العبادة قصد خصوص امرها العبادي ، أو كانت أوامر الاحتياط متعلقة بالعمل المأتي به بداعي احتمال الأمر الواقعي لكان اللازم فيما نحن فيه إتيان العمل بقصد الأمر الواقعي رجاء ، لكنك عرفت انه خلاف الواقع ، وعليه فلا حاجة إلى ما ذكره الشيخ رحمه‌الله من انّ الأمر بالاحتياط في العبادات تعبدي ، وفي غيرها توصلي كما هو الحال في الأمر المتعلق بالوفاء بالنذر ، فانك قد عرفت ان الأوامر مطلقا توصلية ، غاية الأمر ان متعلق بعضها مقيد بقصد القربة ، فعدم سقوط الأمر عند عدم قصد القربة انما هو لأجل عدم الإتيان بالمأمور به كما هو الحال في بقية الشرائط.

التنبيه الثالث : لقد استفاضت الاخبار الدالة على الحث نحو العمل بمجرد بلوغ الثواب عليه ، حتى عقد لها في أول الوسائل بابا ، وذكر تسعة روايات (١) ، فلا وجه للمناقشة في سندها ، مع ان بعضها صحيحة ، غير انا نذكر منها حديثين (٢) تيمنا.

في الكافي بسنده إلى محمد ابن مروان قال : سمعت أبا جعفر عليه‌السلام يقول : «من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب ، أوتيه ، وان لم يكن الحديث كما بلغه». وفيه بسنده إلى هشام ابن سالم عن الصادق عليه‌السلام «قال : من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه ، كان له ، وان لم يكن على ما بلغه».

والبحث في هذه الاخبار يقع من جهات :

الأولى : في مفادها. والمحتمل فيه وجوه ثلاثة.

الوجه الأول : أن يكون إرشادا إلى حكم العقل بحسن الانقياد وترتب الثواب على الإتيان بالعمل الّذي بلغ عليه الثواب ببلوغ وجداني أو تعبدي صحيح ، الّذي هو معنى البلوغ حقيقة ولو لم يكن الأمر كما بلغ ، ولا تكون ناظرة إلى

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ١٨ من أبواب مقدمة العبادات.

(٢) أصول الكافي : ٢ ـ ٨٧ ، باب من بلغه ثواب من الله على عمل.

٣٠١

كيفية البلوغ ، وانه بأي شيء يتحقق.

الوجه الثاني : أن يكون مفادها إسقاط شرائط حجية الخبر في باب المستحبات ، وتوسعة للحجية في أدلتها ، بمعنى انه لا يعتبر فيها ما كان معتبرا في حجية الخبر من العدالة أو الوثاقة فيما إذا كان المخبر به حكما إلزاميا.

الوجه الثالث : أن يكون مفادها ثبوت الثواب على العمل بالعنوان الثانوي الطاري ، أعني به عنوان بلوغ الثواب عليه ، نظير عنوان أمر الوالد ، وقضاء حوائج الإخوان ونحو ذلك.

والاحتمال الأول بعيد عن ظاهرها ، فانها واردة في مقام الترغيب والحث على العمل. والاحتمال الثاني أبعد منه ، وذلك لأن لسان الحجية إنما يكون بإلغاء احتمال الخلاف والشك ، والبناء على ان مؤدى الطريق هو الواقع ، كما في أدلة الطرق والأمارات ، وأما فرض عدم ثبوت المؤدى في الواقع كما هو لسان هذه الاخبار فهو مناف لجعل الحجية والطريقية. فالمتعين هو الاحتمال الثالث ، وهو الّذي يساعده الظهور العرفي والذوق الطبعي ، فان المناسب لعظمة الشخص انه إذا أسند إليه الوعد بشيء ان ينجزه وان لم يكن الإسناد مطابقا للواقع ، ومن هنا يظهر ان تعبير الفقهاء في المقام بالتسامح في أدلة السنن غير خال عن المسامحة ، فانه انما يناسب الوجه الثاني لا الثالث. وكيف كان فالظاهر من هذه الروايات هو استحباب العمل بمجرد بلوغ الثواب عليه.

ثم ان الظاهر انه لا ثمرة عملية تظهر بين الوجهين الأخيرين. واما ما توهم من ظهور الثمرة فيما إذا دل خبر ضعيف على استحباب ما ثبت حرمته بعموم أو إطلاق بتقريب : أنه إذا كان الخبر المزبور حجة كان مخصصا للعام أو مقيدا للمطلق ، واما على ما اخترناه من ثبوت الاستحباب الشرعي بالبلوغ فيقع التزاحم بين الحكم الاستحبابي والتحريمي من جهة العنوان الذاتي والعرضي ، فيقدم الحكم

٣٠٢

الإلزامي ، فيدفعه ان أدلة المقام كلها مختصة بما إذا كان المورد مما بلغ عليه الثواب فقط ، ولا تشمل ما إذا ثبت العقاب عليه بدليل معتبر ، كما نشير إليه فيما يأتي ، وعليه فالخبر الضعيف الدال على استحباب ما ثبت حرمته بعموم أو إطلاق غير مشمول لهذه الأدلة على الوجهين.

الجهة الثانية : ان المستفاد من هذه الاخبار على تقدير دلالتها على استحباب العمل البالغ عليه الثواب هل هو استحباب ذات العمل ، أو استحبابه فيما إذا أتى به بعنوان الرجاء والاحتياط؟ وجهان. وليعلم انه لا ثمرة للبحث عن هذه الجهة بناء على ما اخترناه من ان مفاد أدلة الاحتياط هو استحباب ذات العمل المحتمل وجوبه أو استحبابه ، فانه على ذلك يكون ذات العمل الّذي بلغ عليه الثواب مستحبا بأدلة الأمر بالاحتياط مع قطع النّظر عن اخبار التسامح. نعم بناء على عدم ثبوت الاستحباب الشرعي بأدلة الاحتياط ، أو ثبوته للعمل المأتي به باحتمال الأمر الواقعي كان لهذا النزاع مجال ، إلّا ان الظاهر مع ذلك هو استحباب ذات العمل من دون تقييد بما إذا أتى به برجاء إدراك الواقع ، فان الثواب في تلك الروايات مترتب على نفس العمل من دون قيد ، فيكون المستحب هو نفس العمل أيضا.

وذكر في وجه التقييد امران :

أحدهما : ان تفريع العمل على بلوغ الثواب في بعض الاخبار ظاهر في ذلك.

وثانيهما : ان قوله عليه‌السلام في بعضها «فعمله التماس ذلك الثواب أو طلب قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقتضي كون المستحب خصوص ما يؤتى به لالتماس الثواب أو طلبا لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبذلك يقيد ما ورد من المطلقات في المقام ، وان لم نقل بحمل المطلق على المقيد في المستحبات ، وذلك للعلم بوحدة الحكم فيما نحن فيه ، ومعه لا مناص من حمل المطلق على المقيد من دون فرق بين كون الحكم وجوبيا أو استحبابيا.

٣٠٣

وقد أجاب صاحب الكفاية (١) عن الأول بان التفريع لا يدل إلّا على ان الباعث للمكلف وداعيه على العمل هو رجاء الثواب والتماسه ، ولا يوجب ذلك تعنون العمل بهذا العنوان ، ولا كونه وجها لمحبوبيته.

وعن الثاني بان الحكم في الروايتين المشتملتين على التقييد إرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد ، والإتيان بالعمل برجاء الثواب والمحبوبية ، ومن الظاهر ان الحكم الإرشادي لا يوجب تقييد المطلقات الدالة على الحكم المولوي ، بيان ذلك : ان الروايات الدالة على ترتب الثواب على نفس العمل ظاهرة في ثبوت الاستحباب الشرعي ، إذا الثواب لا يترتب إلّا على العمل الحسن عقلا أو المحبوب شرعا ، وحيث ان ذات العمل البالغ عليه الثواب لا حسن فيه عقلا ، فمن ترتب الثواب عليه يستكشف بنحو الآن استحبابه ، وهذا بخلاف الروايتين المقيد فيهما الثواب بما إذا أتى بالعمل رجاء ، فان الحكم فيه إرشادي لا محالة ، وكون الحكم فيهما إرشاديا لا يقتضي حمل الحكم في غيرهما على الإرشاد ورفع اليد عن ظهوره في المولوية ، إذ لا منافاة بين ثبوت الحكم الإرشادي للمقيد والحكم المولوي للمطلق ، انتهى.

والتحقيق : في الجواب عن المناقشين يقتضي تقديم مقدمة وهي : ان ترتب الثواب على العمل لا يمكن أن يكون داعيا إليه بلا واسطة بأن يؤتى به بداعي مجرد ترتب الثواب عليه ، وذلك فان الثواب إنما يترتب على العمل المأتي به قربيا ، فذات العمل في غير ما دل الدليل على ترتب الثواب على مطلق وجوده ، كنفس الصائم في شهر رمضان وكإدارة السبحة في اليد بعد الإتيان بالذكر الخاصّ في أول الصبح ونحوهما ، لا يترتب عليه الثواب ليصح الإتيان به بداعي ترتبه عليه فلا مناص في فرض كون الثواب داعيا إلى العمل من توسيط القربة ، وإضافة العمل إلى المولى

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ١٩٧.

٣٠٤

بوجه.

ثم إن كل فعل لا يشتاق إليه الفاعل في نفسه لا بد في الإتيان به من داع آخر. والغالب في الواجبات أن الداعي إلى الإتيان بها أحد أمرين ، الخوف من العقاب ، أو الطمع في الثواب ، وقد يكون الداعي إليه إدراك الفاعل كمال نفسه بإطاعة المولى ، حيث أنه أهل للعبادة مع قطع النّظر عن الثواب والعقاب ، ولا يتفق ذلك في غير المعصومين عليهم‌السلام إلّا للأوحدي من الناس. واما المستحبات فبما أن تركها لا يستتبع العقاب فالغالب أن الداعي إلى الإتيان بها هو الثواب لا غير.

إذا عرفت ذلك نقول : أن الرواية الأولى وإن كانت ظاهرة في ترتب العمل على بلوغ الثواب عليه ، إلّا أنه لا ينافي استحباب ذات العمل ، إذ الفعل بعد ما لم يكن مما يشتاق إليه الإنسان بطبعه كان الداعي إلى الإتيان به ترتب الثواب عليه بتوسيط إضافته إلى المولى ، فبلوغ الثواب الّذي هو الموضوع للحكم بالاستحباب في الاخبار المتقدمة من اجزاء علة العمل في الخارج ، إذ لو لم يبلغ الثواب على العمل لم يكن محكوما بالاستحباب ، لعدم تحقق العنوان المأخوذ في أدلة الاستحباب ، وما لم يكن مستحبا لم يكن داع آخر إلى الإتيان به ، فبلوغ الثواب هو الّذي أوجب صدور العمل في الخارج ، ولا منافاة بين ذلك وبين عدم تقييد متعلق الطلب بما إذا أتى به رجاء لإدراك الواقع.

وبعبارة أخرى : المذكور في الرواية تفرع العمل وترتبه على نفس البلوغ ، وذلك لا يستلزم كون الإتيان به بعنوان الرجاء واحتمال إدراك الواقع. واما الروايتان المقيدتان للعمل بما إذا أتى به التماسا للثواب الموعود ، أو طلبا لقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا تدلان إلّا على اعتبار قصد التقرب في ترتب الثواب على العمل ، لما عرفت من أن التماس الثواب لا يمكن إلّا بتوسيط الإضافة إلى المولى في غير الموارد

٣٠٥

الخاصة ، والإتيان بالمستحبات القطعية أيضا انما يكون لالتماس الثواب غالبا ، فليس ذكر ذلك إلّا لبيان أمر واقعي أعنى به كون الداعي إلى الإتيان بالعمل عبادة هو ترتب الثواب عليه ، وإنما اقتصر على ذكر الثواب دون الخوف من العقاب لأن مورد الرواية هي المستحبات ، ولا يتصور فيها الخوف من العقاب. وفرض كون الداعي أهلية المولى للعبادة فرض نادر ، والرواية ناظرة إلى حال الغالب.

وبالجملة ليس في شيء مما ذكر دلالة على تقييد العمل بما إذا أتى به برجاء إدراك الواقع ليتكلم في صلوحه لتقييد الاخبار المطلقة وعدمه.

ومما ذكرناه يظهر ما في كلام صاحب الكفاية من الجواب عن المناقشتين ، فانه يرد عليه.

أولا : ما عرفت من أن تقييد العمل بالإتيان به بداعي الثواب لا ينافي استحبابه.

وثانيا : أنه لو سلم أن التقييد المزبور يوجب كون طلبه إرشاديا ، ففيما إذا فرض كون الداعي إلى العمل هو ذلك كيف يمكن استفادة الاستحباب الشرعي مع استقلال العقل بحسن مثل هذا الفعل في نفسه. وبعبارة أخرى ان لم يكن الإتيان بالعمل بداعي الثواب منافيا لاستحباب نفسه ، فلا فرق بين أخذ ذلك قيدا في لسان الدليل وعدمه ، كما أنه لو فرض منافاته له لم يكن فرق بين الأمرين أيضا ، فتسليم دلالة الرواية الأولى على استحباب نفس العمل دون الروايتين الأخيرتين بلا موجب.

ثم انه قد يقال : ان اخبار من بلغ حيث عين فيها مقدار الثواب المترتب على العمل لا يمكن أن تكون إرشادا إلى حكم العقل ، لأن العقل لا يستقل إلّا على حسن العمل وترتب أصل الثواب عليه ، وأما تعيين مقداره فهو خارج عن وظيفته.

وفيه : انه لا مانع من كون الطلب إرشادا وكان ترتب خصوص الثواب البالغ

٣٠٦

تفضلا من المولى ، كما وقع نظير ذلك في الاخبار عن ترتب ثواب خاص على الإطاعة في قوله تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ)(١).

بقي امران قد استشكل بهما على الاستدلال بهذه الاخبار ، قد تعرض لهما الشيخ رحمه‌الله في رسالته في التسامح في أدلة السنن (٢).

أحدهما : ان هذه الاخبار معارضة لما دل على اعتبار عدالة المخبر في حجية خبر الواحد.

وفيه : أولا : ان هذه الاخبار أخص مطلقا من ذلك لاختصاصها بالمستحبات ، فلا معارضة بينهما.

وثانيا : لو فرضنا ورود دليل على اعتبار العدالة في خصوص الاخبار عن المستحبات ووقوع المعارضة بينها وبين أدلة التسامح بالتباين لتقدمت أدلة التسامح عليها ، لأشهريتها ووجود الصحاح فيها ، حتى ذكر في هامش الوسائل أنها مقطوعة الصدور ، بل ادعى تواترها.

وثالثا : ان هذه الاخبار على ما اخترناه أجنبية عن الحجية رأسا ، لأن مفادها استحباب العمل بالعنوان الثانوي ، وهو بلوغ الثواب عليه ولو بخبر ضعيف ، فالخبر الضعيف يثبت موضوع البلوغ ، واما استحباب العمل فالمثبت له اخبار من بلغ لا الخبر الضعيف ، ولا يلزم ذلك حجيته.

ثانيهما : ان هذه الاخبار من اخبار الآحاد ، فلا يجوز التمسك بها في المسألة الأصولية.

وفيه : أولا : ان هذه الاخبار لكثرتها وتظافرها لا يبعد أن تكون مقطوعة

__________________

(١) النساء : ١٣.

(٢) رسائل فقهية للشيخ الأنصاري : ١٤٣ ، ١٥١.

٣٠٧

الصدور كما ادعى.

وثانيا : لا نسلم عدم صحة التمسك بخبر الواحد في المسألة الأصولية ، فان من أهمها مسألة الاستصحاب ، وعمدة دليله الاخبار وهي آحاد على ما ستعرف ان شاء الله.

نعم لا يمكن الاستدلال بخبر الواحد على حجية الخبر ، لاستلزامه الدور ، لا لكونها أصولية ، فما لا يتمسك فيه بخبر الواحد انما هو أصول العقائد لا أصول الفقه.

وثالثا : ان ذلك لو تم فانما يبطل به القول بحجية الخبر الضعيف في المستحبات ، واما على ما اخترناه فالثابت بها حكم فرعي موضوعه بلوغ الثواب.

الجهة الثالثة : ان البلوغ المذكور في الاخبار لا يخص البلوغ بالدلالة المطابقية ، بل يعم البلوغ بالدلالة الالتزامية ، وعليه فلو دل خبر ضعيف على وجوب عمل أو استحبابه لثبت استحبابه ، وذلك لأن الاخبار عن استحباب شيء اخبار عن ترتب الثواب عليه ، كما ان الاخبار عن وجوبه كذلك ، غاية الأمر أنه اخبار عن ترتب العقاب على تركه أيضا ، إلّا انه لا يثبت بالخبر الضعيف ، لكن الاخبار عن الثواب لا مانع من شمول أدلة التسامح له ، فيثبت بذلك الحكم باستحبابه ، ومن هنا أفتى الفقهاء باستحباب العمل الّذي قام على وجوبه خبر ضعيف ، وهذا واضح.

واما لو دل خبر ضعيف على حرمة شيء ، فهل يثبت به كراهته أم لا؟ قولان ، الظاهر هو الثاني ، وذلك لأن المذكور في الدلالة انما هو بلوغ الخبر والثواب على العمل الظاهر في الأمر الوجوديّ ، كما يشهد له التفريع بقوله عليه‌السلام «فعمله أو صنعه» فلا يشمل بلوغ الثواب على الترك. واما التمسك بالمناط بدعوى ان المقصود هي التوسعة في مقام الإطاعة فيما لا إلزام فيه فهو غير قطعي ، غاية الأمر انه مظنون ، وهو لا يغني من الحق شيئا.

٣٠٨

ثم الظاهر شمول الاخبار لفتوى الفقيه باستحباب العمل ، لصدق عنوان بلوغ الثواب عليه ، اما فيما علم كون فتوى الفقيه موافقا لمتون الروايات فالامر واضح ، كما هو كذلك في فتاوى ابن بابويه ، وقد صرح بذلك في المقنع (١) ، وذكر ان ما أودعه فيه مجموع اخبار حذف إسنادها لئلا يثقل حمله ويصعب حفظه ، واما في غير ذلك كالفتاوى المتعارفة في عصرنا فلا يبعد أيضا دعوى ثبوت الاستحباب بذلك ، لأن الفقيه يخبر عن ترتب الثواب على العمل ، غايته يكون اخباره عن حدس لا عن حس اللهم ، إلّا ان يدعى انصراف أدلة التسامح عن الاخبار الحدسي ، لكنها بعيدة جدا.

الجهة الرابعة : الظاهر اختصاص البلوغ المذكور في الروايات بالبلوغ في موارد الشبهات الحكمية ، فلا يعم الشبهات الموضوعية ، فلو دل خبر ضعيف على كون مكان خاص مسجدا لا يثبت به استحباب الصلاة فيه مثلا ، وذلك لأن البلوغ المذكور فيها ظاهر في اختصاصه بما يكون بيانه من وظيفة الشارع ، ومن الواضح ان بيان الموضوعات وتطبيق الكبريات على صغرياتها لا يرجع إلى النبي أو الإمام عليه‌السلام بما هو امام.

ثم ان الظاهر عدم شمولها لنقل فضائل أهل البيت عليهم‌السلام ومصائبهم فيما لم يقم على ثبوته دليل معتبر ، فان الأدلة وان أفادت رجحان نقل فضائلهم ، وما جرى عليهم من الظلم والعدوان ، إلّا انه لم يظهر منها رجحان النقل الخالي عن مدرك صحيح ، فالرجوع إليها يكون من التمسك بالعامّ في الشبهة الموضوعية ، ولم يرد خبر ضعيف في رجحان نقل ما لم يثبت كونه فضيلة أو مصيبة ليدعى انجباره بأدلة التسامح ، على انه لو فرض وروده لم ينفع في المقام ، فان القول بغير علم محرم

__________________

(١) المقنع والهداية : ٣٢ (ط. بيروت).

٣٠٩

شرعا ، ولا يمكن رفع اليد عن دليل الحرمة بالخبر الضعيف على ما ستعرف ، فلا بد لمن أراد نقل ما لم يثبت صحته من أن يكون نقله بعنوان روي ونحوه لئلا يكون من القول بغير العلم المحرم.

الجهة الخامسة : ان هذه الاخبار لا تشمل ما قامت الحجة على تحريمه من عموم أو إطلاق ، فإذا ورد خبر ضعيف على استحباب بعض افراده لا يرفع به اليد عن العموم أو الإطلاق. والوجه فيه : ان ذلك الفرد بما انه مقطوع الحرمة ولو بالقطع التعبدي لا تشمله تلك الاخبار ، فانها منصرفة عن مثل ذلك قطعا. وان شئت قلت : بقاعدة الملازمة نعلم بأنه لا ثواب على فعله ، فكيف يعقل شمول الاخبار له.

ثم انه إذا بنينا على عدم شمول اخبار من بلغ للاخبار عن الكراهة أو الحرمة فلا ريب في ثبوت الاستحباب فيما إذا دل خبر ضعيف على وجوب شيء أو استحبابه ، ولو مع وجود خبر آخر دل على كراهته أو حرمته ما لم يكن حجة شرعية ، ولا موجب لما ادعاه المحقق النائيني (١) من انصراف الاخبار عن هذا الفرض. واما إذا بنينا على شمولها للاخبار عن الكراهة أو الحرمة أيضا ، فهل تقع المعارضة بين الخبرين في الفرض ، أو يكون ذلك من باب التزاحم؟ وجهان بل قولان : ظاهر الشهيدين هو الثاني ، وهو محتمل كلام الشيخ رحمه‌الله بدعوى ان كلا من الفعل والترك حينئذ يكون مستحبا ، فيكونان من المستحبين المتزاحمين ، والتزاحم في المستحبات غير عزيز ، بل انه حاصل في كل آن من الآنات ، وعليه فيكون المقام من قبيل صوم يوم عاشوراء الّذي يكون فعله وتركه معا مستحبا.

ولكن الصحيح : القول بالتفصيل بين الموارد ، بيان ذلك : ان الفعل والترك البالغ عليهما الثواب إذا كان أحدهما أو كلاهما عباديا فلا مانع من جعل

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ٢١٣.

٣١٠

الاستحباب لهما في مقام الثبوت ، لأنهما من قبيل الضدين اللذين لهما ثالث ، غاية الأمر ان المكلف لا يقدر على امتثالهما ، فهما من قبيل المستحبين المتزاحمين. واما إذا كان كل من الفعل والترك غير عبادي فلا يعقل الحكم باستحباب كل منهما في مقام الثبوت ، لاستحالة طلب المتناقضين ، ومحبوبية كل منهما بالفعل ، نعم يمكن أن يكون كل منهما مشتملا على الملاك ، إلّا انه مع التساوي يحكم بالإباحة ، ومع الترجيح يحكم على طبقه ، وكيف كان فلا يتصف النقيضان بالاستحباب ، وعليه فلا محالة يقع التعارض بين الدليلين ، ولا يكون شيء منهما مشمولا لأدلة التسامح لعدم الترجيح.

ومن ذلك يظهر الحال فيما لو دل دليل معتبر على استحباب شيء والآخر على استحباب تركه ، فانه لا مانع من الأخذ بكل منهما في الفرض الأول ، واما في الفرض الأخير فيجري عليهما حكم المتعارضين من الترجيح أو التخيير ، فافهم وتأمل.

الجهة السادسة : في ثمرة البحث عن دلالة هذه الاخبار على الاستحباب ، مع ان الثواب يترتب على العمل المأتي به برجاء المطلوبية لا محالة ، سواء قلنا باستحباب العمل شرعا أم لم نقل به. وبعبارة أخرى : لا فرق بين القول باستفادة الحكم المولوي من أخبار من بلغ والقول بكونها إرشادية في انه يترتب الثواب على الإتيان بالعمل الّذي بلغ عليه الثواب ، فلا فائدة في البحث عن ثبوت الحكم المولوي وعدمه.

وقد ذكر الشيخ رحمه‌الله في بيان الثمرة موردين (١).

الأول : جواز المسح ببلة المسترسل من اللحية لو دل على استحباب غسله في الوضوء خبر ضعيف ، بناء على ثبوت الاستحباب الشرعي ، وعدم جواز المسح به بناء على عدم ثبوته ، لعدم إحراز كونه من أجزاء الوضوء حينئذ.

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٤٢٣ (ط. جامعة المدرسين).

٣١١

وقد نوقش في ذلك بوجهين :

الأول : ما ذكره المحقق الخراسانيّ في تعليقته على الفرائد من عدم جواز المسح بالبلة المزبورة حتى على القول باستحباب الغسل شرعا ، لأنه مستحب مستقل في واجب أو في مستحب ، وليس من اجزاء الوضوء المستحبة.

وفيه : ان ذلك خروج من الفرض ، إذ المفروض دلالة الخبر الضعيف على كونه جزء من الفرد الفاضل من الطبيعة ، كاستحباب الاستعاذة بعد تكبيرة الإحرام في الصلاة ، فلو قلنا بثبوت الاستحباب الشرعي فلا بد من القول بما يدل عليه الخبر الضعيف لا بشيء آخر أجنبي عن مدلوله.

الثاني : ما يظهر من الشيخ رحمه‌الله من أنه لا دليل على جواز الأخذ من بلة الوضوء مطلقا حتى من الاجزاء المستحبة ، وانما ثبت جواز الأخذ من الاجزاء الأصلية ، فالقول باستحباب غسل المسترسل من اللحية لا يستلزم جواز المسح ببلته.

المورد الثاني : الوضوءات التي دل خبر ضعيف على استحبابها لغايات خاصة ، كالوضوء لقراءة القرآن أو للنوم وأمثال ذلك ، فانه على القول باستحبابها يرتفع الحديث بها ، وإلّا فلا ، وظاهر كلام الشيخ الإيراد عليه بان كل وضوء مستحب لم يثبت كونه رافعا للحدث ، فانه يستحب الوضوء على الجنب والحائض في بعض الأحوال مع انه لا يرتفع به الحدث وهكذا الوضوء التجديدي.

وفيه : أولا : ان الوضوء انما يرتفع به الحدث الأصغر ، والجنب والحائض محدثان بالحدث الأكبر ، فعدم ارتفاع الحدث فيهما من جهة عدم قابلية المورد ، فكيف ينتقض بذلك لإثبات عدم ارتفاع الحدث في مورد قابل كما هو محل الكلام. ومن ذلك يظهر الحال في النقض بالوضوء التجديدي.

وثانيا : من الممكن أن يكون وضوء الجنب والحائض رافعا للحدث وللظلمة

٣١٢

النفسانيّة ، لكن رفعا خفيفا لا بمثابة ارتفاع الحدث في غيرهما. واما الوضوء التجديدي فيمكن أن يكون موجبا لشدة الطهارة ، كما هو الظاهر من قوله عليه‌السلام «الوضوء نور على نور» (١).

وعلى ما ذكرناه هذه الثمرة تامة ، لكنها مبنية على القول بعدم استحباب نفس الغسلات والمسحات نفسيا من دون أن يقصد بها غاية من الغايات. واما لو قلنا باستحبابها كذلك ، كما هو الظاهر من الاخبار ، فلا تتم الثمرة ، إذ عليه يكون نفس الوضوء مستحبا رافعا للحدث ، سواء ثبت استحبابه لغاية خاصة أم لم يثبت.

فلا ثمرة في كل من الموردين ، إلّا ان نتيجة انتفاء الثمرة في المورد الأول عدم جواز الأخذ من بلة المسترسل من اللحية ، سواء قلنا باستحباب غسله أم لم نقل ، ونتيجة عدمها في المورد الثاني استحباب ذات الوضوء ، سواء قلنا باستحبابه لغاية خاصة أم لم نقل ، فهما على طرفي النقيض.

فتحصل أنه لا ثمرة لهذا البحث إلّا من جهة فتوى الفقيه باستحباب نفس العمل ، فانه على تقدير استظهار الحكم المولوي جاز للفقيه الإفتاء باستحباب العمل الّذي بلغ عليه الثواب بخبر ضعيف ، كما جاز للمقلد الإتيان به بقصد الأمر ، وإلّا فلا يجوز شيء من الأمرين.

التنبيه الرابع : أن الشيخ بعد ما حكى عن بعض المحققين اختياره جريان البراءة في الشبهات الحكمية لحديث الرفع ونحوه ، وعدم جريانها في الشبهات الموضوعية بدعوى ان الشك فيها ليس في أصل الحكم وجعله من قبل المولى ليكون موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان أو لحديث الرفع ونحوه ، بل الشك فيها انما هو في مقام الامتثال والتطبيق ، فلا بد فيها من الاحتياط بقاعدة الاشتغال ، أو رد عليه بما

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ٨ من أبواب الوضوء ، ح ٨.

٣١٣

حاصله : أن الأحكام الشرعية بما أنها من قبيل القضايا الحقيقية التي يحكم فيها على الافراد المقدر وجودها بواسطة العناوين المعرفة لتلك الأفراد فهي انحلالية ، لكل فرد من أفراد الموضوع المأخوذ في القضية حكم مغاير للحكم الثابت للفرد الآخر ، كما هو الحال في القضايا الخبرية بعينها ، فلو قيل : النار حارة كان عنوان النار فيه معرّفا للوجودات الخارجية ، وكان كل فرد من أفراده محكوما بحكم مستقل ، فالقضية اللفظية وإن كانت واحدة إلّا أنها في اللب تنحل إلى أحكام عديدة حسب ما لعنوان موضوعها من الأفراد ، وعلى هذا لو شك في كون مائع مصداقا للخمر ، فلا محالة يشك في ثبوت الحرمة له ، فيكون الشك في أصل التكليف وجعله للمشكوك ، والمرجع فيه هو البراءة.

وذكر المحقق الخراسانيّ في الكفاية (١) ما حاصله : أن النهي تارة يكون انحلاليا بأن يكون كل فرد من افراد موضوعه محكوما بحكم مستقل ، وأخرى يكون حكما واحدا متعلقا بمجموع التروك. وعلى الأول ، يكون الشك في انطباق الموضوع على شيء شكا في ثبوت التكليف له ، فيرجع إلى البراءة وعلى الثاني ، يكون تعلق التكليف بترك الطبيعة معلوما ، ولا يحرز امتثاله إلّا بترك كل ما يحتمل انطباق الطبيعي عليه ، إلّا إذا كان للترك حالة سابقة فيستصحب ، فيكون الامتثال محرزا بالتعبد.

وما ذكره قدس‌سره في الصورة الأولى وان كان تاما إلّا أنه غير تام في الصورة الثانية. وتفصيل ذلك أنه تارة يراد من طلب الترك الزجر عن الفعل ، لوجود مفسدة فيه على ما هو معنى النهي حقيقة ، وأخرى يراد منه البعث نحو الترك لوجود مصلحة فيه.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٠٠.

٣١٤

أما على الأول ، فيكون للنهي أنحاء ثلاثة :

الأول : أن يكون النهي عن الطبيعة انحلاليا بأن يكون ناشئا عن المفسدة الثابتة في كل فرد من أفرادها ، فينحل ذلك إلى تكاليف عديدة ، لكل منها إطاعة وعصيان مستقل ، فإذا شك في فردية شيء لتلك الطبيعة فلا محالة يشك في ثبوت أصل التكليف له ، فيرجع فيه إلى البراءة.

الثاني : أن يكون زجرا واحدا متعلقا بمجموع الأفعال ، بحيث لو اجتنب فردا واحدا من الطبيعي وارتكب بقية الأفراد بأجمعها لم يكن عاصيا ، ومن الواضح أنه في هذا الفرض يجوز للمكلف ارتكاب بعض الأفراد المتيقنة فرديتها للطبيعة مع ترك غيره فضلا عما هو مشكوك الفردية ، والوجه فيه ظاهر. وهل يجوز ارتكاب جميع الافراد المعلومة وترك خصوص الفرد المشكوك؟ الظاهر هو ذلك ، لأنه يرجع إلى الشك في الأقل والأكثر في المحرمات ، وهو على العكس في الواجبات ، فان تعلق التكليف بالأقل عند دوران الواجب بين الأقل والأكثر متيقن ، وإنما يشك في التكليف الزائد ، وهو يدفع بالبراءة. وأما في باب المحرمات فتعلق التكليف بالأكثر وكونه مبغوضا للمولى بنفسه أو بما اشتمل عليه هو المتيقن ، وإنما يشك في حرمة الأقل ، ويدفع ذلك بالبراءة ، وعليه فالإتيان بالأكثر أعنى الأفراد المتيقنة والفرد المشكوك فيه محرم قطعا ، فلا يجوز ارتكابه ، واما ارتكاب ما عدى الفرد المشكوك فيه فحرمته غير معلومة ، والأصل فيه هو البراءة. وقد أشار الشيخ رحمه‌الله إلى ما ذكرناه في أواخر بحث الأقل والأكثر من غير تفصيل.

وبالجملة الفرق بين الحرمة والوجوب من حيث مقدماتها الداخلية هو الفرق بين مقدماتها الخارجية ، فان وجوب ذي المقدمة يقتضي وجوب مقدماته على القول به ، لتوقفه عليها ، بخلاف مقدمات الحرام ، فان الانزجار عن المحرم لا يتوقف على الانزجار عن مقدماته ، فلا تكون محرمة. ونظير هذا البيان يجري في المقدمات

٣١٥

الداخلية.

الثالث : أن يكون النهي عن الطبيعة بنحو صرف الوجود ، أعنى به أول الوجود من الطبيعة ، فلا يتصف غيره بالحرمة ، ولا يبعد أن يكون النهي عن بعض أنواع المفطرات في بعض أقسام الصوم من هذا القبيل. وفي هذا الفرض لو أراد المكلف ارتكاب مشكوك الفردية فلا محالة يشك في صدق أول وجود الطبيعي عليه ليكون حراما ، فيرجع فيه إلى البراءة.

فاتضح أن المرجع في الزجر عن الفعل بجميع أقسامه هو البراءة.

وأما على الثاني : أعني ما لو أريد من النهي البعث نحو ترك الفعل لثبوت مصلحة فيه ، كما لا يبعد أن يكون النهي عن تروك الإحرام من هذا القبيل ، فله أيضا أقسام.

الأول : أن يكون المصلحة في كل واحد من التروك ، فيكون الحكم انحلاليا ، وعليه فالمرجع في الفرد المشكوك هو البراءة ، للشك في تعلق التكليف به.

الثاني : أن يكون المصلحة الواحدة قائمة بمجموع التروك ، وربما يعبر عنه بالجمع في الترك. وفي هذا الفرض أيضا يكون كل فرد من أفراد التروك واجبا ، غايته بوجوب ضمني لا استقلالي ، فإذا شك في فردية شيء للطبيعة فلا محالة يشك في تعلق التكليف الضمني به ، فيرجع فيه إلى البراءة ، إذ لا اختصاص لها بالتكاليف الاستقلالية ، بناء على جريانها عند الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين ، كما هو الصحيح على ما سيأتي الكلام فيه مفصلا.

الثالث : أن يكون المطلوب أمرا وحدانيا بسيطا متحصلا من مجموع التروك ، ويعبر عنه بخلو صفحة الوجود عن الطبيعة ، وفي مثل ذلك لا مناص من القول بالاشتغال ، وعدم جواز ارتكاب ما يشك في فرديته لها ، لرجوع الشك حينئذ إلى الشك في المحصل بعد ثبوت التكليف ، فما أفاده قدس‌سره من عدم جريان البراءة إنما يتم

٣١٦

في خصوص هذا الفرض. نعم لو كان ذلك الأمر البسيط متحصلا سابقا فمع ارتكاب الفرد المشكوك يجري استصحاب بقاء ذلك الأمر البسيط ، فيكون ممتثلا بالتعبد الشرعي ، ويكفي ذلك في مقام الامتثال.

ثم إنه قدس‌سره أفاد في المقام ان ما يشك في فرديته للطبيعة وإن كان موردا للبراءة من حيث كونه مشكوك الحكم ، إلّا أن العقل يحكم فيه بالاشتغال ، تحصيلا للامتثال اليقيني (١). وكلامه قدس‌سره وان كان قابلا للانطباق على هذا الفرض والفرض السابق أعنى به كون المطلوب مجموع التروك ، إلّا أنه غير تام على التقديرين ، فانه إن كان مورده هذا الفرض فليس المشكوك فيه حينئذ موردا ، للقطع بعدم تعلق التكليف به بخصوصه ، إذ المفروض تعلقه بعنوان بسيط متحصل من مجموع التروك. وان كان مورده هو الفرض السابق ، أعنى به تعلق التكليف بمجموع التروك ، فلا مجال حينئذ لحكم العقل بالاشتغال على ما عرفت.

ثم أنه قد يناقش فيما ذكرناه من جريان استصحاب عدم تحقق الطبيعة فيما إذا كان له حالة سابقة بأنه يعتبر في المستصحب أن يكون بنفسه حكما شرعيا ، أو مما يترتب عليه أثر شرعي ، وليس شيء منهما متحققا في ما نحن فيه ، فان عدم تحقق الطبيعة ليس بنفسه حكما شرعيا ولا أثر شرعي له ، وأما ترتب حصول الفراغ عليه فانما هو بحكم العقل لا بحكم الشرع.

ويرد عليه : ما بيناه مرارا من أنه لم يدل دليل على اعتبار ذلك في جريان الاستصحاب ، وانما هو أمر ذكره بعض الأصوليين ، بل الّذي يعتبر في المستصحب أن يكون أمرا قابلا للتعبد الشرعي ، ومن الواضح قابلية الامتثال لأن تناله يد الجعل والتعبد ، وقد تحقق ذلك بالنسبة إلى موارد قاعدة التجاوز والفراغ واستصحاب

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٢٠٢.

٣١٧

الطهارة وغير ذلك ، فنتيجة الاستصحاب فيما نحن فيه هو التعبد بعدم تحقق الطبيعة في فرض ارتكاب الفرد المشكوك فيه ، ويترتب عليه الفراغ ، لأنه من الآثار المترتبة على الواقع والظاهر.

ثم لا يخفى أن هذا الاستصحاب إنما يجري فيما إذا كان تحقق ذلك الأمر البسيط بترك الافراد العرضية ولو آناً ما ، وأما لو فرض عدم كفاية ذلك ، وتوقفه على ترك الافراد الطولية أيضا كالترك إلى المغرب مثلا ، فلا مجال حينئذ للتمسك بالاستصحاب ، لعدم اليقين بتحققه في أثناء الوقت ليستصحب.

إرشاد :

إن النزاع المعروف في اللباس المشكوك مبني على الخلاف في ما يستفاد من النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل ، وأنه من أي قسم من الأقسام المتقدمة ، فان النهي المزبور بعد فرض عدم كونه نهيا تحريميا تكليفيا يقع الكلام في أن المستفاد منه هل هي الشرطية أو المانعية؟ وعلى الثاني ، فهل المانعية انحلالية بأن يكون كل فرد من أفراد ما لا يؤكل متصفا بها على استقلاله ، أو أنها ثابتة لصرف وجود الطبيعة أعني به الوجود الأول منها ، فيكون المعتبر مجموع التروك الخارجية ، أو أن المعتبر في الصلاة أمر بسيط عدمي متحصل من ترك الافراد الخارجية ، فالتروك بنفسه غير معتبر فيها لا بنحو الانحلال ولا بنحو الانضمام ، وإنما المعتبر فيها أمر آخر مسبب عنها؟ فعلى الأول والأخير لا مناص من القول بالاشتغال ، كما أنه على الوجهين المتوسطين لا بد من القول بالبراءة بناء على ما هو الصحيح من عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة بين موارد التكاليف الاستقلالية والتكاليف الضمنية.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الأدلة الناهية عن الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ظاهرة في المانعية ، واعتبار عدم وقوع الصلاة فيما لا يؤكل ، لا شرطية إيقاعها في غير ما لا يؤكل كما توهم استظهارا من قوله عليه‌السلام في رواية ابن بكير «لا تقبل تلك الصلاة

٣١٨

حتى يصلّي في غيره مما قد أحلّ الله أكله» (١) ، فان صدر الحديث كبقية روايات المقام ظاهرة في المانعية ، واعتبار وقوع الصلاة فيما أحل الله أكله في ذيل الرواية غير ظاهر في الشرطية ، بل هو من جهة فرض وقوع الصلاة في أجزاء الحيوان ، فبعد الحكم ببطلانها إذا وقعت في غير المأكول لا بد في صحتها من وقوعها في المأكول ، ولو لا الفرض المزبور لم يكن وجه لاعتبار وقوعها فيه بعد القطع بصحتها إذا وقعت في القطن والكتان وغيرهما مما ليس من أجزاء الحيوان.

ثم ان الظاهر أن المانعية انحلالية ، فان القضية الحقيقية في نفسها ظاهرة في ذلك ، فكما أن النواهي الواردة في المقام لو كانت تحريمية تكليفية كانت ظاهرة في الانحلال ، كذلك إذا كانت إرشادية ، إذ لا فرق في ظهور القضية في الانحلال بين كون الحكم المذكور فيها إرشاديا وعدمه ، كما هو ظاهر ، وعليه فالشك في كون موجود خارجي من أجزاء ما لا يؤكل لحمه شك في تعلق تكليف ضمني به زائدا على المقدار المعلوم ، وهو مورد للبراءة. ثم لو تنزلنا عن ذلك فغاية الأمر أن يكون المطلوب بهذه النواهي مجموع التروك ، وعليه أيضا لا بد من الرجوع إلى البراءة ، لأن الشك في كون شيء من غير المأكول شك في اعتبار عدمه في متعلق التكليف الضمني المتعلق بمجموع التروك ، ولا فرق في جريان البراءة عند دوران الأمر بين الأقل والأكثر بين دورانه في متعلق التكليف الاستقلالي أو الضمني ، والملاك فيهما أمر واحد ، وقد ذكرنا في محله أنه لا منافاة بين وحدة التكليف وتنجزه من جهة دون جهة ، فكل ما علم تعلق التكليف به وجب الإتيان به بحكم العقل ، وكل ما لم يعلم فيه ذلك جرى فيه البراءة.

وبعبارة أخرى : إذا استند ترك المأمور به إلى ترك ما علم كونه جزء له جاز للمولى أن يعاقب عليه ، وأما إذا استند تركه إلى ترك الجزء المشكوك فيه المرفوع

__________________

(١) وسائل الشيعة : ٣ ـ باب ٢ من أبواب لباس المصلّي ، ح ١.

٣١٩

حكمه بالبراءة كان المكلف معذورا ، ولا يصح العقاب عليه ، وسيجيء لذلك مزيد توضيح في محله إن شاء الله. نعم لو كان المعتبر في الصلاة إيقاعها في غير ما لا يؤكل على أن يكون المعتبر فيها أمرا وجوديا ملازما للتروك الخارجية الّذي نعبر عنه بالشرط ، أو كان المعتبر فيها أمرا عدميا بسيطا متحصلا من تلك التروك ولم تكن هي بنفسها معتبرة فيها كان الفرد المشكوك فيه موردا للاشتغال لا محالة ، لأن الشك حينئذ يرجع إلى مرحلة الامتثال بعد العلم بالتكليف وتنجزه ، لا إلى مرحلة الجعل. فمبنى القول بفساد الصلاة في اللباس المشكوك أحد أمرين ، إما الالتزام باعتبار أمر وجودي ملازم للتروك ، أو اعتبار أمر عدمي بسيط متحصل منها ، ولكن كلا الأمرين مجرد فرض لا واقع له ، ولا يساعده شيء من الأدلة.

ثم لا يخفى أنه على القول بالمانعية وكونها انحلالية كان الشك في محل الكلام مندرجا في كبرى دوران الواجب بين الأقل والأكثر من جهة ، وفي كبرى الشبهة الموضوعية من جهة أخرى. أما اندراجه في الشبهة الموضوعية فواضح. وأما اندراجه في كبرى دوران الأمر بين الأقل والأكثر فلأجل رجوع الشك في المقام إلى الشك في اعتبار عدم الفرد المشكوك في الصلاة زائدا على ما علم اعتباره فيها.

وأما بناء على عدم الانحلال وكون المانع صرف وجود الطبيعة ، الّذي هو عبارة عن اعتبار مجموع التروك فيها ، فالشبهة أيضا موضوعية ، ولكن اندراجها في كبرى دوران الواجب بين الأقل والأكثر فهو من جهتين ، الأولى من جهة دوران متعلق الأمر بالصلاة بين الأقل والأكثر ، والثانية من جهة دوران متعلق الأمر الضمني بين الأقل والأكثر ، والحكم بالبراءة وإن كان مشتركا بين الوجهين ، إلّا أن الصحيح هو الوجه الأول كما عرفت ، ويؤيده فهم الفقهاء وتسالمهم على عدم جواز ارتكاب الموانع زائدا على المقدار المضطر إليه ، فان ذلك لا يستقيم إلّا على القول بالانحلال ، وأما بناء على كون المانع هو صرف الوجود فعند الاضطرار إلى فرد

٣٢٠