دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

استصحاب عدم جعل الحرمة بناء على جريانه لا ريب في كونه حاكما على هذه الاخبار ورافعا لموضوعها ، لأنه يحرز به عدم التكليف وعدم العقاب ، فيتقدم عليها لا محالة ، كما ان اخبار البراءة لا تعم الشبهة قبل الفحص ، ولا المقرونة بالعلم الإجمالي ، إما في نفسها ، واما من جهة الإجماع وحكم العقل ، بل بعضها مختصة بالشبهات التحريمية كقوله عليه‌السلام «كل شيء مطلق» بخلاف اخبار الاحتياط والتوقف ، فانها شاملة لها قطعا ، فيتخصص بها.

وتوهم : الإطلاق في أدلة البراءة ، وكونها شاملة في نفسها لجميع الشبهات ، غاية الأمر انها مخصصة بحكم العقل أو بالإجماع ، فلا وجه لتقدمها على اخبار التوقف.

مدفوع : بان المانع عن شمول أدلة البراءة لتلك الموارد ان كان حكم العقل باستحالة شمولها فحاله حال المخصص المتصل في منعه عن انعقاد الظهور في العموم أو الإطلاق من أول الأمر ، وان كان المانع هو الإجماع فحاله حال المخصص المنفصل ، والمختار فيه القول بانقلاب النسبة ، ويأتي تفصيل الكلام فيه في محله.

ثم ان هناك وجها آخرا لتقديم اخبار البراءة على خصوص اخبار الاحتياط ، وهو ان اخبار البراءة كقوله عليه‌السلام «كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي» (١) نصّ في عدم وجوب الاحتياط ، واخبار الاحتياط على تقدير تمامية دلالتها ظاهرة في وجوبه ، والجمع العرفي يقتضي رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب بسبب النص ، بحمله على الحسن الجامع بين الوجوب والندب. وهذا الوجه لا يجري بالنسبة إلى اخبار التوقف ، لأن العلة المذكورة فيها وهي عنوان الوقوف في الهلكة يجعلها كالنص في عدم جواز الاقتحام ، ولكنا بينا قصور دلالتها على الحكم المولوي

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه : ١ ـ ٣١٧ ، ح ٩٣٧ (ط. جامعة المدرسين).

٢٨١

في نفسها.

ثم انه ربما يتوهم ان اخبار التوقف والاحتياط على تقدير تمامية دلالتها تتقدم على اخبار البراءة بتقريب : ان حديث الرفع ونحوه انما يرفع ما لا يعلم من الأحكام ، ووجوب الاحتياط بناء على استفادته من الاخبار معلوم ، فهو خارج مما لا يعلم.

ولكن ذلك انما يتم لو كان الاحتياط واجبا لنفسه ، واما لو كان وجوبه طريقيا ، فالمترتب عليه هو لزوم امتثال الحكم الواقعي المجهول ، وحديث الرفع يرفعه ، فتقع المعارضة بين الدليلين لا محالة ، وقد عرفت تقدم حديث الرفع وأمثاله على أدلة الاحتياط.

الاستدلال على الاحتياط بحكم العقل

الثالث : مما استدل به على وجوب الاحتياط هو حكم العقل. وتقريبه على أنحاء.

الأول : ان كل مسلم يعلم إجمالا في أول بلوغه بتكاليف إلزامية ، وليس في البين ما يوجب انحلاله ، فان الطرق والأمارات انما تثبت أحكاما في مواردها ، وليس لها تعرض لنفي أحكام أخر ثابتة في غير مواردها. وبعبارة أخرى : العلم الإجمالي بثبوت التكاليف قد نجز الأحكام الواقعية على تقدير ثبوتها ، وليس الطرق والأمارات رافعة لتنجزها ، بيان ذلك : انه لا بد في انحلال العلم الإجمالي من ثبوت دليل على نفي التكليف عن بعض الأطراف ، اما مطابقة واما التزاما ، وإلّا فالتنجز يبقى على حاله ، ففيما إذا كان المعلوم بالإجمال تكليفا مرددا بين امرين ، كالعلم الإجمالي بوجوب الصلاة مرددة بين الظهر والجمعة ، يكون قيام الأمارة على تعيين التكليف في أحد الطرفين نافيا له في الطرف الآخر بالالتزام ، فينحل به العلم الإجمالي. واما لو فرضنا ان المعلوم بالإجمال أحكام كثيرة لا تعين لها ، فقيام الدليل

٢٨٢

على ثبوت أحكام خاصة في موارد مخصوصة لا ينفي ثبوت الحكم في الموارد الأخر ، فلا ينحل العلم الإجمالي.

ولا يرد على هذا التقريب ما ذكره في الكفاية (١) من ان قيام الأمارة على التكليف في بعض الأطراف يوجب صرف تنجزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف ، كما إذا علمنا بحرمة إناء زيد وتردد بين إناءين ثم قامت البينة على أن أحدهما المعين إناؤه ... إلى آخر ما أفاده ، وذلك لأن محل كلامنا لا يقاس بالمثال الّذي ذكره ، إذ المعلوم بالإجمال في المثال أمر معين خاص ، فقيام الأمارة على تعيينه في أحد الطرفين ينفي كونه في الطرف الآخر بالالتزام ، وهذا بخلاف المقام ، فان المعلوم بالإجمال فيه أحكام لا تعين لها ، وليس لها عنوان ولا علامة.

فالصحيح : ان يجاب عن الاستدلال المزبور.

أولا : بالنقض بالشبهات الوجوبية والموضوعية ، فان هذا العلم الإجمالي لو كان مانعا عن الرجوع إلى البراءة في الشبهات الحكمية التحريمية كان مانعا عن الرجوع إليها في الشبهات الوجوبية وفي الشبهات الموضوعية أيضا ، مع انه خلاف مسلك الاخباري.

وثانيا : بالحل ، فان العلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية ينحل بقيام الأمارات على تكاليف إلزامية بمقدار المعلوم بالإجمال ، بل أكثر ، بيانه : ان لنا علوم إجمالية ثلاثة.

الأول : علم إجمالي كبير ، ومنشؤه العلم بثبوت أصل الشريعة ، وأطراف هذا العلم كل ما يحتمل فيه التكليف.

الثاني : علم إجمالي متوسط ، ومنشؤه العلم بمطابقة بعض الأمارات للواقع

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ١٨٨.

٢٨٣

وعدم احتمال الكذب في جميعها ، وأطراف هذا خصوص موارد قيام الطرق والأمارات بأجمعها ، معتبرة كانت أو غير معتبرة.

الثالث : علم إجمالي صغير ، ومنشؤه القطع بمطابقة مقدار من الأمارات المعتبرة للواقع ، وصدورها من المعصوم عليه‌السلام ، وأطراف هذا العلم خصوص موارد قيام الأمارات المعتبرة.

ثم ان المقدار المقطوع صدوره من الأمارات المعتبرة لا يقل عددا من المعلوم بالعلم الإجمالي الكبير ، وعليه فلا يتنجز التكليف في غير مؤديات الطرق والأمارات المعتبرة من الأول ، بل لا يتحقق العلم الإجمالي الكبير أصلا ، ويكون ضم غير تلك الموارد إلى مؤديات الطرق من قبيل ضم إناء ثالث محتمل النجاسة إلى إناءين يعلم بنجاسة أحدهما ، الّذي لا يوجب توسعة في دائرة العلم الإجمالي أصلا ، ونظير ما نحن فيه ما إذا علمنا إجمالا بوطء إنسان خمسة شياة من قطيع الغنم ثم علمنا بأن خمسة من خصوص الشياه البيض موطوءة ، فان العلم الإجمالي الأول ينحل بالثاني لا محالة.

ثم لا يخفى ان ما ذكرناه من الانحلال وان كان ظاهرا إلّا انه مبني على تسليم العلم الإجمالي بمطابقة الأمارات المعتبرة للواقع بمقدار ما علم ثبوته في أصل الشريعة من الأحكام ، وهذا الأمر وان كان صحيحا ، إلّا ان لقائل منع ذلك بدعوى عدم العلم بمطابقة تلك الأمارات للواقع بمقدار المعلوم بالإجمال أولا ، وعليه فلا بد لنا من إثبات انحلاله حتى مع عدم العلم الوجداني بمطابقة شيء من الأمارات المعتبرة للواقع ، ولتوضيح ذلك نقدم مقدمة وهي : ان القضية المتعلقة للعلم الإجمالي دائما تكون مركبة من قضية متيقنة وقضيتين مشكوكتين أو أكثر حسب كثرة الأطراف ، فالمعلوم بالإجمال قضية منفصلة مانعة خلو ، ففي مثل العلم الإجمالي بنجاسة أحد الإناءين يصدق قولنا اما هذا الإناء نجس واما ذاك ، وقد يحتمل نجاستهما معا ، والمدار

٢٨٤

في تنجيز العلم الإجمالي على هذا الترديد حدوثا وبقاء ، فإذا فرضنا ان القضية المنفصلة انقلبت إلى قضيتين حمليتين ، إحداهما متيقنة ولو باليقين التعبدي والأخرى مشكوكة بنحو الشك الساري ، فلا مناص من الانحلال وسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز ، والسر في ذلك هو ان تنجيز العلم الإجمالي لم يكن ثابتا بالتعبد ، وانما كان العقل حاكما به لكاشفيته كالعلم التفصيليّ ، فلا بد في تنجيزه من أن يكون علما بالتكليف الفعلي على جميع التقادير ، فإذا زالت كاشفيته بطرو الشك الساري زال التنجيز لا محالة ، كما هو الحال في العلم التفصيليّ بعينه ، ولا ينتقض ما ذكر بما إذا علم بحدوث تكليف جديد في أحد الأطراف معينا ، فانه لا يوجب انقلاب القضية المنفصلة ، بل هي باقية على حالها ، كما لا ينقض بصورة طرو الاضطرار إلى بعض الأطراف ، أو تلفه ، أو امتثال التكليف فيه ، فان العلم بالتكليف الفعلي السابق في جميع هذه الفروض باق على حاله ، غاية الأمر بتحقق أحد هذه الأمور يشك في سقوط ذاك التكليف ، فلا بد من تحصيل اليقين بسقوطه.

وبالجملة إذا كان العلم الإجمالي بحدوث التكليف باقيا على حاله ، وكان الشك في سقوطه لعارض ، كان اللازم تحصيل الجزم بسقوطه ، فان الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية. واما إذا زال العلم الإجمالي ، وانقلبت القضية المنفصلة إلى قضيتين حمليتين على ما عرفت زال التنجيز أيضا.

إذا عرفت ذلك نقول : الأقوال في ما هو المجعول في الطرق والأمارات ، ثلاثة.

أحدها : ما اختاره المحقق النائيني (١) من انه نفس الطريقية والمحرزية في مقام الإثبات.

ثانيها : ما ذهب إليه صاحب الكفاية (٢) من انه المنجزية والمعذرية.

__________________

(١) فوائد الأصول : ٣ ـ ١٠٦ ـ ١٠٨ ، أجود التقريرات : ٢ ـ ٧٥.

(٢) كفاية الأصول : ٢ ـ ٤٤.

٢٨٥

ثالثها : ما نسب إلى المشهور من انه أحكام فعلية على طبق المؤديات ، ويعبر عن ذلك بالسببية.

اما على القول الأول ، فانحلال العلم الإجمالي بقيام الطرق على ثبوت التكليف بمقدار المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف أمر واضح ، فان قيام الطريق يوجب العلم بالواقع تعبدا ، وكما تنحل القضية المنفصلة إلى حمليتين بالعلم الوجداني ، كذلك تنحل إليهما بالعلم التعبدي.

واما على القولين الآخرين ، فقد استصعب المحقق النائيني رحمه‌الله القول بالانحلال (١). والإنصاف ان الاستصعاب في محله إذا قلنا باشتراط منجزية الطرق والأمارات بالوصول ، فان العلم الإجمالي الثابت في أول البلوغ قد أثر اثره من تنجيز جميع المحتملات ، وقيام منجز آخر بعد ذلك على الحكم في بعض الأطراف لا يوجب سقوط المنجز السابق.

وما ذكره المحقق الخراسانيّ رحمه‌الله في وجه الانحلال من ان الأمارة القائمة على حكم إلزاميّ بمفهومها تنفي تنجز التكليف المحتمل في بقية الأطراف ، فينحصر التنجز بمورد قيام الأمارة ، نظير ما إذا علم إجمالا بنجاسة إناء زيد المردد بين الإناءين ، فإذا قامت الأمارة على كون إناء معين منهما هو إناء زيد كان التنجز منحصرا به (٢) غير صحيح ، ضرورة انه ليس للأمارة المزبورة مفهوم ينفي الحكم عن غير موردها كما كان له ذلك في المثال ، بل غاية ما يستفاد منها ثبوت الحكم في موردها ، وعليه فقيام الأمارة على ثبوت التكليف في بعض الأطراف يكون لغوا ، إذ لا أثر له بعد تنجز الواقع بمنجز سابق وهو العلم الإجمالي. نعم إذا قلنا كما هو الصحيح ان مجرد كون الأمارة في معرض الوصول كاف في تنجزها وان لم تصل ، فيسهل دفع الشبهة ، فان

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ١٩٣.

(٢) كفاية الأصول : ٢ ـ ١٨٨.

٢٨٦

المكلف حينئذ في أول بلوغه ، واحتمال وجود أمارات متضمنة للأحكام الثابتة في الشريعة قد تنجز عليه مؤدياتها بمجرد ذلك الاحتمال المفروض كونه قبل الفحص ، وحيث يكون هذا الاحتمال مقارنا زمانا لعلمه الوجداني بثبوت تكاليف في الشريعة المقدسة فلا ينجز ذلك العلم جميع أطرافه ، لتنجز التكليف في بعض أطرافه بمنجز مقارن له ، وهو نظير ما لو علمنا بوقوع نجاسة في أحد الإناءين وعلمنا نجاسة أحدهما المعين مقارنا لذاك العلم الإجمالي ، فانه لا ينجز حينئذ أصلا ، والسر فيه واضح ، فان تنجيز العلم الإجمالي انما هو بتساقط الأصول في أطرافه ، وفي مثل الفرض يجري الأصل في الطرف المشكوك فيه بلا معارض ، وقد ذكرنا في محله انه لو كان الأصل الجاري في بعض الأطراف مثبتا وفي بعضها نافيا لا يكون العلم الإجمالي منجزا.

ومما ذكرناه يظهر الحال على القول بالسببية ، فان قيام الأمارة يكشف عن ثبوت أحكام فعلية في مواردها من أول الأمر ، فلا يبقى أثر للعلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية مرددة بينها وبين غيرها.

فالمتحصل من جميع ما ذكرناه انه على جميع الأقوال الثلاثة في جعل الأمارات تكون المحتملات في غير مواردها موردا لأصالة البراءة ، اما على القول بالطريقية فينحل العلم الإجمالي بقاء بالشك الساري والعلم التفصيليّ. وعلى القول بجعل المنجزية والمعذرية يكشف قيام الأمارة عن تنجز التكليف في بعض الأطراف من أول الأمر من غير جهة العلم الإجمالي. وعلى القول بالسببية تكشف الأمارة عن اشتمال مؤدياتها على مصلحة أو مفسدة مستلزمة لثبوت الحكم على طبقها من أول الأمر.

الثاني : من تقريب حكم العقل ما ذكره بعضهم من ان الأصل في الأفعال هو الحظر ، وحاصله : دعوى استقلال العقل بالمنع عن التصرفات غير الضرورية في سلطان المولى قبل ورود شرع وشريعة ، وبعده أيضا يرجع إلى الحكم العقلي السابق

٢٨٧

ما لم يثبت ترخيص من المولى كما هو المفروض.

وفيه : أولا : ان أصالة الحظر ليست من الأصول الاتفاقية ، فقد ذهب جماعة إلى القول بأصالة الحل في الأشياء ، فليست المسألة من الأمور المسلمة.

وثانيا : انه لا ارتباط بين ما نحن فيه وبين تلك المسألة كما أشار إليه في الكفاية (١) فان العقل يستقل بالحظر في تلك المسألة بمناط غير موجود في المقام ، وهو عدم قابلية المورد للبيان ، اما لعدم قابلية الموجودين في ذاك الزمان لتوجيه التكليف إليهم ، واما لمانع آخر ، فلا مجال حينئذ لقبح العقاب بلا بيان ، وهذا بخلاف محل الكلام المفروض فيه ثبوت الشرع والشريعة ، وقابلية المورد للبيان ، فإذا لم يرد البيان من المولى يستقل العقل بقبح العقاب ، فلا ارتباط بين المسألتين.

وثالثا : ان ما ذكر لو تم فانما هو فيما إذا لم يثبت الاذن والترخيص في مورد الشك في التكليف ، وقد عرفت فيما تقدم ثبوته ، وان أدلة البراءة مقدمة على اخبار الاحتياط ، إما لأخصيتها أو لأنصيتها.

الثالث : ان في ارتكاب المشتبه احتمال الوقوع في الضرر والعقل يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل ، وقد تقدم الجواب عن ذلك مفصلا فراجع.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ١٨٩.

٢٨٨

تنبيهات أصالة البراءة

التنبيه الأول : ان موضوع البراءة العقلية هو عدم البيان. كما ان موضوع البراءة الشرعية هو الشك وعدم العلم ، وعليه فكل ما يكون بيانا ورافعا للشك ولو تعبدا يتقدم عليها بالورود أو الحكومة ، من غير فرق بين أن تكون الشبهة موضوعية ، كما لو علم خمرية مائع وشك بعد ذلك في انقلابه خلا ، فانّ استصحاب بقاء الخمرية يرفع موضوع أصالة البراءة عن حرمة شربه ، أو تكون حكمية كما إذا شك في جواز وطي الحائض بعد انقطاع الدم وقبل ان تغتسل ، فان استصحاب بقاء الحرمة السابقة يمنع عن التمسك بأصالة البراءة. وقد عبر الشيخ رحمه‌الله عن هذا الأصل بالأصل الموضوعي (١) لأنه رافع لموضوع الآخر ، ولم يرد منه خصوص الأصل الجاري في الموضوع كما توهم.

وقد رتب أعلى الله مقامه على ما أفاده جريان أصالة عدم التذكية فيما إذا شك في حلية لحم وحرمته من جهة الشك في قابلية الحيوان للتذكية وعدمه. وأورد على نفسه بان أصالة عدم التذكية معارضة بأصالة عدم الموت حتف الأنف. وأجاب عنه بان الموت حتف الأنف عبارة أخرى عن عدم التذكية ، فلا مغايرة بينهما.

وزاد في الكفاية (٢) ان المأخوذ في الدليل ليس إلّا عنوان غير المذكى

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٤٠٩ ـ ٤١٠ (ط. جامعة المدرسين).

(٢) كفاية الأصول : ٢ ـ ١٩٠.

٢٨٩

والتحقيق ان يقال : ان الشبهة في حرمة اللحم تارة : تكون حكمية ، وأخرى : موضوعية. والشبهة الموضوعية على أقسام.

أحدها : ما كان الشك في حلية اللحم من جهة دوران الأمر بين كونه من مأكول اللحم أو من غيره ، مع العلم بوقوع التذكية بجميع شرائطها عليه ، وذلك كالشك في كون اللحم المتخذ من حيوان علم وقوع التذكية عليه من شاة أو أرنب

ثانيها : ما إذا كان الشك في الحلية من جهة احتمال طرو عنوان على الحيوان مانع من قبوله للتذكية ، بعد العلم بقابليته لها في حد ذاته ، كاحتمال عروض الجلل على الشاة ، أو كونها موطوءة إنسان ، أو ارتضاعها من لبن خنزيرة.

ثالثها : ما يكون الشك في حليته لاحتمال عدم قبول الحيوان للتذكية ذاتا ، بعد العلم بوقوع الذبح الجامع للشرائط عليه ، كما لو تردد الحيوان المذبوح بين كونه شاة أو كلبا ، لأجل ظلمة أو عمى.

رابعها : ما يكون الشك فيه من جهة احتمال عدم وقوع التذكية عليه ، لكن لا من حيث قابلية الحيوان ، بل من حيث احتمال اختلال بعض شرائطها الأخرى ، مثل كون الذابح مسلما ، أو كون الذبح بالحديد ، أو إلى القبلة وهكذا.

ونحن نتعرض للشبهة الموضوعية بأقسامها ، ثم نتكلم في الشبهة الحكمية ، وهي أيضا على أقسام ، فنقول :

اما القسم الأول : وهو الشك في حلية أكل اللحم بعد العلم بوقوع التذكية عليه ، فهو مورد لأصالة الحل والبراءة من دون حاجة إلى الفحص ، لكون الشبهة موضوعية. واما ما أفاده الشهيد قدس‌سره من ان الأصل في اللحوم مطلقا هو الحرمة (١) فهو بالإضافة إلى هذا الفرض غير صحيح ، إذ لا وجه له بعد فرض إحراز وقوع التذكية

__________________

(١) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية : ١ ـ ٢٨٥ ـ ١٨٦.

٢٩٠

عليه على كل تقدير.

واما ما ذكره بعض من التمسك باستصحاب حرمة أكله الثابتة قبل زهاق الروح فهو أيضا غير وجيه.

اما أولا : فلأن حرمة أكل الحيوان الحي غير مسلّم وان قال به جمع ، تمسكا بقوله سبحانه «إلّا ما ذكيتم» (١) وقد أفتى صريحا جملة من الاعلام بجواز بلع السمك الصغير حيا ، مع ان تذكيته انما هي بموته خارج الماء ، لا بنفس إخراجه منه ، ولذا التزموا بعدم جواز أكل القطعة المبانة من السمك الحي بعد إخراجه من الماء حيا.

وثانيا : ان الحرمة الثابتة على تقرير تسليمها كانت ثابتة لعنوان الحيوان المتقوم بالحياة ، وما يشك في حليته انما هو الحكم ، وهو مباين مع الحيوان.

واما القسم الثاني : أعني به ما إذا شك في عروض مانع عن قبول الحيوان للتذكية ، فلا مانع من الرجوع فيه إلى استصحاب عدم طروه ، لا إلى استصحاب بقاء قابليته للتذكية ليقال ان القابلية ليس لها أثر شرعي ، فإذا تحقق وقوع الذبح عليه جامعا للشرائط المعتبرة فيه يثبت التذكية بضم الوجدان إلى الأصل ، فيحكم حليته.

واما القسم الثالث : وهو ما لو شك في قابلية الحيوان للتذكية في نفسه مع العلم بوقوع الذبح عليه خارجا ، فان قلنا : بثبوت دليل عام يدل على قابلية كل حيوان للتذكية إلّا ما خرج بدليل خاص ، كما ادعاه صاحب الجواهر رحمه‌الله (٢) ، واستدل عليه برواية علي ابن يقطين الواردة في الجلود (٣) ، وبنينا على جريان استصحاب العدم الأزلي حتى في العناوين الذاتيّة كعنوان الكلبية ونحوها ، فلا مانع من التمسك بذلك العموم بعد إجراء استصحاب عدم تحقق العنوان المأخوذ في المخصص ، وعليه فيحكم

__________________

(١) المائدة : ٣.

(٢) جواهر الكلام : ٣٦ ـ ١٩٦.

(٣) وسائل الشيعة : ٣ ـ باب ٥ من أبواب لباس المصلي ، ح ١.

٢٩١

بحلية لحم تردد بين الشاة والكلب بالشبهة الموضوعية. واما لو منعنا عن كلا الأمرين ، أو عن أحدهما ، فان قلنا بأن التذكية أمر وجودي بسيط مسبب عن الذبح بشرائطه ، كما هو الظاهر من لفظ المذكى المرادف في الفارسية للفظ (پاكيزه) نظير الظاهرة المسببة عن الوضوء أو الغسل ، والملكية الحاصلة عن الإيجاب والقبول ، فيستصحب عدمها ، كما في نظائرها. واما إذا قلنا انها عبارة عن نفس الفعل الخارجي مع الشرائط الخاصة كما استظهره المحقق النائيني رحمه‌الله من اسناد التذكية إلى المكلف في قوله تعالى (إلّا ما ذكيتم) الظاهر في المباشرة دون التسبيب (١) فلا مجال حينئذ لإجراء أصالة عدم التذكية ، لأنها مقطوعة التحقق ، فيرجع إلى أصالة الحل. ولكن هذا المبنى فاسد ، إذ يصح اسناد الفعل التسبيبي إلى المكلف من غير مسامحة ، فيقال : زيد ملك داره.

واما القسم الرابع : وهو ما إذا شك في وقوع التذكية على الحيوان بعد إحراز قابليته لها ، اما للشك في تحقق الذبح ، أو للشك في ثبوت بعض شرائطه غير القابلية ، فالمرجع هو أصالة عدم التذكية على جميع التقادير ، أي أصالة عدم تحقق الذبح ، أو عدم تحقق شرطه من كون الذبح مسلما أو كون الذبح بالحديد ، ما لم يكن أمارة على وقوع التذكية ، فيترتب على ذلك حرمة الأكل ، وعدم جواز الصلاة فيه ، لأن غير المذكى قد أخذ مانعا عن الصلاة.

هذا كله في الشبهة الموضوعية.

واما إذا كان الشك في الحلية من جهة الشبهة الحكمية ، فله صور.

الأولى : أن يكون الشك من غير جهة التذكية ، كما لو شك في حلية لحم الأرنب ، لعدم الدليل على ذلك ، مع العلم بوقوع التذكية عليه ، والمرجع فيه أصالة

__________________

(١) فوائد الأصول : ٣ ـ ٣٨٢.

٢٩٢

الحل. ولا يتوهم جريان أصالة الحرمة الثابتة قبل وقوع التذكية ، لما تقدم في الشبهة الموضوعية.

الثانية : أن يكون الشك في الحلية للجهل بقابلية الحيوان للتذكية لشبهة حكمية ، كما في الحيوان المتولد من حيوانين كالشاة والخنزيرة من دون أن يشبه أحدهما ، فان وجد عموم حاكم بقابلية كل حيوان للتذكية إلّا ما خرج فليتمسك به من دون حاجة إلى استصحاب العدم الأزلي ، وانما احتجنا إلى الاستصحاب في الفرض المتقدم لأن الشبهة فيه كانت موضوعية ، ولا يمكن فيها الرجوع إلى عموم العام إلّا بعد إثبات موضوعه بالاستصحاب ونحوه. وان لم يوجد عموم ، فان قلنا بان التذكية أمر بسيط فالأصل عدم تحققها ، وإلّا فيرجع إلى أصالة الحل ، هذا كله فيما إذا لم يكن الشك في القابلية ناشئا من احتمال طرو المانع. واما ان كان مستندا إلى ذلك ، كما لو شككنا في ان الجلل الحاصل مانع عن التذكية أم ليس بمانع فيرجع إلى أصالة عدم تحقق المانع.

الثالثة : ما إذا كان منشأ الشبهة الشك في ان الذبح الواقع بغير الحديد مثلا يوجب التذكية حتى مع التمكن من الحديد أم لا؟ والظاهر انه لا إشكال في الرجوع فيها إلى أصالة عدم تحقق التذكية ، حتى على مختار المحقق النائيني من كون التذكية أمرا مركبا ، للشك في تحققه. ودعوى الرجوع إلى إطلاق دليل التذكية لنفي اعتبار الأمر المشكوك فيه ممنوعة ، إذ ليست التذكية أمرا عرفيا لينزل الدليل عليه ، ويدفع احتمال التقييد الزائد بالإطلاق كما كان الحال ذلك في مثل قوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(١) وأمثاله ، وهذا واضح.

وانما الكلام في انه هل يترتب على أصالة عدم التذكية خصوص حرمة الأكل

__________________

(١) البقرة : ٢٧٥.

٢٩٣

وعدم جواز الصلاة فيه ، أو يترتب عليها النجاسة أيضا؟ الحق هو الأول ، وذلك لأن حرمة أكل اللحم مترتب على ما لم يذك بمقتضى قوله تعالى : (إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) وهكذا عدم جواز الصلاة في أجزاء الحيوان ، بخلاف النجاسة فانها مترتبة على عنوان الميتة ، والموت في عرف المتشرعة على ما صرح به في مجمع البحرين زهاق النّفس المستند إلى سبب غير شرعي ، كخروج الروح حتف الأنف ، أو بالضرب ، أو الشنق ونحوها ، فيكون أمرا وجوديا ، وليس الموت عبارة عما لم يستند إلى سبب شرعي ليكون أمرا عدميا مترتبا على أصالة عدم التذكية. وبالجملة لا كلام في ان الحيوان الميت حتف أنفه نجس وحرام ، وكذلك الحيوان الميت بغير تذكية شرعية. وانما الكلام في ان النجاسة الثابتة لغير المذكى هل هي بعنوان وجودي وهو الموت بغير سبب شرعي ، أو بعنوان عدمي أعني به عدم استناد الموت إلى سبب شرعي؟ ولا دليل على تعيين عنوان الموضوع ، بل الظاهر انه من قبيل الأول ، وقد عرفت ان الموت أمر وجودي كالتذكية.

وعلى هذا فيتم كلام الفاضل النراقي رحمه‌الله من معارضة أصالة عدم التذكية بأصالة عدم الموت ، فيتساقطان ، ويرجع إلى قاعدة الطهارة ، وان كان الصحيح جريانهما معا ، إذ لا يلزم من ذلك مخالفة عملية ومجرد كون عدم التذكية ملازما للنجاسة لأن التذكية والموت ضدان لا ثالث لهما غير مانع عن جريانهما ، إذ التفكيك بين اللوازم في الأصول غير عزيز ، كما في المتوضئ بمائع مردد بين الماء والبول ، فانه محكوم بالطهارة الخبثية دون الحدثية للاستصحاب ، مع وضوح الملازمة بين الأمرين ، ونظائره كثيرة.

ثم ان المحقق الهمداني رحمه‌الله ذهب إلى ان العنوان الّذي رتب عليه النجاسة هو ما لم يذك ، مستدلا بما يستفاد من ذيل مكاتبة الصيقل «فان كان ما تعمل وحشيا ذكيا فلا بأس» (١) زاعما ان مفهومه انه لو لم يكن ذكيا ففيه بأس ، والمراد بالبأس

__________________

(١) وسائل الشيعة : ٢ ـ باب ٣٤ من أبواب النجاسات ، ح ٤.

٢٩٤

النجاسة ، لأنها هي المسئول عنها.

والظاهر انه لا دلالة في المكاتبة على ذلك ، وانما هي دالة على نفي البأس عن ما كان يستعمله في عمله من جلود الحمر الوحشية الذكية في قبال الميتة المذكورة في صدر الكلام ، وليس فيها دلالة على اعتبار التذكية في الحكم بالطهارة في قبال عدمها ، ويؤيد ذلك ذكر الوحشية في الكلام ، مع ان كون الحمار وحشيا لا دخل له في طهارة جلده أصلا.

فتحصل مما ذكر ان مقتضى أصالة عدم تحقق التذكية إذا جرت في مورد انما هو حرمة اللحم ، وعدم جواز الصلاة بجلده. واما النجاسة فهي لا تترتب على هذا الأصل ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة ، وعلى هذا يحمل كلام الشهيد رحمه‌الله من ان الأصل في اللحوم هو الحرمة والطهارة ، ويشهد لذلك انه جعل مورد كلامه الحيوان المتولد من طاهر ونجس (١).

ثم لا يخفى ان صاحب الحدائق رحمه‌الله أورد على الأصوليين في المقام ، بل تعجب منهم ، حيث حكموا بحرمة اللحم المشكوك فيه تمسكا بأصالة عدم التذكية ، مع انهم يقولون بعدم إجراء الأصل مع وجود الدليل ، والدليل على الحل موجود في محل الكلام ، وهو قوله عليه‌السلام «كل شيء فيه حلال وحرام» الحديث. وفساد ما ذكره غني عن البيان ، فان دليل البراءة التي هي من الأصول العملية المجعولة وظيفة للشاك ليس دليلا على الحكم الواقعي لتتقدم على الاستصحاب ، بل ان دليل الاستصحاب يخرج مورد جريانه عن ما لا يعلم حرمته ، ويدرجه في معلوم الحرمة ، ومعه كيف يتمسك بدليل حلية المجهول حكمه.

التنبيه الثاني : لا إشكال في حسن الاحتياط في الواجبات التوصلية ، فان

__________________

(١) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية : ١ ـ ٢٨٥ ـ ٢٨٦.

٢٩٥

المقصود فيها تحقق ذات الواجب ليس إلّا ، فالاحتياط فيها نوع من الانقياد. وهكذا في العبادات فيما إذا كان أصل الرجحان محرزا وتردد أمر الفعل بين الوجوب والندب ، فان الاحتياط فيها ممكن بإتيان العمل بداعي امره الواقعي ، ولا إشكال فيه إلّا من حيث قصد الوجه ، وقد بين في محله ان اعتباره على تقدير تسليمه انما هو مختص بصورة الإمكان ، واما إذا لم يحرز أصل الرجحان ودار الأمر بين الوجوب واللغوية فلا يمكن إحراز محبوبية العمل على كل حال ، فانه ان أتى به بداعي الأمر كان تشريعا ، وان لم يأت به بذاك الداعي فلم يأت بالعبادة المقيدة بقصد الأمر ، ومن هنا ربما يشكل في جريان الاحتياط في العبادة في الفرض.

لا يقال : انه يستكشف ثبوت الأمر من حكم العقل بحسن الاحتياط بقاعدة الملازمة أو بنحو الإن.

لأنا نقول : حكم العقل بحسن الاحتياط لا يثبت موضوعه ، ولا إمكان تحققه في العبادات.

والتحقيق أن يقال : ان الأقوال في عبادية الواجب ثلاثة.

الأول : ما اختاره في الكفاية (١) من انه لا فرق بين العبادات والتوصليات من ناحية متعلق الأمر فان الأمر ، مطلقا متعلق بذات العمل ، وانما تفترق العبادة عن غيرها من ناحية الغرض ، ففي التوصليات يحصل الغرض المترتب على الواجب بمجرد الإتيان بالعمل من دون قصد الأمر ، بخلاف التعبديات فان الغرض منها لا يحصل إلّا بالإتيان بالعمل متقربا به إليه تعالى ، والعقل يستقل باعتباره تحصيلا لغرض المولى.

الثاني : ما أفاده المحقق النائيني رحمه‌الله (٢) من ان قصد الأمر أيضا مأمور به ، لكنه

__________________

(١) كفاية الأصول : ١ ـ ١٠٧.

(٢) أجود التقريرات : ١ ـ ١١٥ ـ ١١٧.

٢٩٦

بأمر ثان تتميما للجعل الأول ، فالأمر الأول متعلق بذات العمل ، والثاني بإتيانه بداعي الأمر ، فالفرق بين الواجب العبادي وغيره انما هو بوجود الأمر الثاني وعدمه.

الثالث : ما حققناه من ان قصد القربة مأخوذ في متعلق الأمر الأول في العبادات ، نظير أخذ سائر الشروط المأخوذة فيه ، فالفرق بين العبادة وغيرها انما يكون بأخذ قصد القربة في المتعلق وعدمه.

أما على القول الأول ، فالإشكال في جريان الاحتياط في العبادة يبتني على أن يكون الدخيل في غرض المولى هو الإتيان بالعمل بقصد الأمر الجزمي ، بان يكون الحصة التي تترتب عليها الغرض خصوص الحصة الملازمة مع قصد الأمر الجزمي ، ومن الواضح بطلان ذلك ، فان الانقياد رجاء لاحتمال وجود امر المولى أرقى وأعلى من الامتثال التفصيليّ للأمر الجزمي ، إذ ربما يكون الانبعاث في الثاني لأجل الخوف من العقاب ، وهو غير محتمل في فرض عدم وصول الأمر والإتيان بالعمل برجاء المحبوبية. هذا مضافا إلى ان الجزم بالنية على تقدير اعتباره وكون الامتثال الإجمالي في طول الامتثال التفصيليّ انما هو مع التمكن من ذلك كما مر تفصيله في محله ، وعلى ذلك فلا مانع من جريان الاحتياط في العبادة بالإتيان بها رجاء ، فان صادف الواقع وإلّا كان انقيادا.

واما على القول بكون اعتبار قصد القربة شرعيا ، سواء قلنا بأنه بالأمر الأول أم قلنا بأنه بالأمر الثاني ، فالإشكال يبتني على أن يكون المأمور به هو خصوص قصد الأمر الجزمي ، مع ان دليل اعتبار قصد القربة فيما اعتبر فيه انما هو الإجماع ، وما ورد في بعض اخبار الوضوء من اعتبار كونه بنية صالحة يقصد بها ربه ونحو ذلك ، ولم يرد ما يدل على لزوم إتيان العمل العبادي بداعي الأمر الجزمي. وبعد ما عرفت من ان الإتيان بداعي رجاء المحبوبية من جملة الدواعي القربية بل من أرقاها لا يبقى

٢٩٧

إشكال في جريان الاحتياط في العبادة.

وبالجملة الإشكال في جريان الاحتياط في العبادات انما يتجه لو كانت عبادية الواجب متوقفة على الإتيان به بقصد الأمر الجزمي ، وليس كذلك ، فانه يكفي في عبادية الشيء مجرد إضافته إلى المولى ، ومن الواضح ان الإتيان بالعمل برجاء المحبوبية من أحسن أنحاء الإضافة ، والحاكم بذلك هو العقل والعرف ، فلا فرق في إمكان الاحتياط بين العبادات وغيرها على جميع الأقوال.

بقي الكلام في أمرين :

الأول : أن أوامر الاحتياط هل هي كالأمر بالطاعة إرشادية إلى ما استقل به العقل ، فلا يترتب عليها سوى ما كان العقل مستقلا به من حسن الانقياد واستيفاء الواقع به ، أو أنها أوامر مولوية ، فيكون الاحتياط مستحبا كبقية المستحبات ، فإعادة الصلاة التي شك في صحتها مستحب شرعي وان كانت محكومة بالصحّة لقاعدة الفراغ ونحوها؟

الثاني : أنه بناء على أن تكون هذه الأوامر مولوية فهل هي في طول الأمر الواقعي ، فيلزم قصد الأمر الواقعي في مقام الاحتياط رجاء ، أو أنها في عرضه ، فيجوز قصد امتثال نفس تلك الأوامر ، كما هو الحال في ما إذا نذر الإتيان بواجب أو مستحب ، فانه يجزي قصد الأمر النذري ولو كان الآتي بالعمل غافلا عن الأمر الوجوبيّ أو الندبي المتعلق به؟

وبعبارة أخرى : أوامر الاحتياط هل هي متعلقة بذات العمل حتى يصح الإتيان به بداعي الأمر الاحتياطي ، أو أنها متعلقة بالعمل المأتي به بداعي الأمر الواقعي رجاء؟

أما الأمر الأول : فقد ذكر المحقق النائيني رحمه‌الله ما حاصله (١) : ان سياق جل

__________________

(١) فوائد الأصول : ٣ ـ ٣٩٨ ـ ٣٩٩.

٢٩٨

الاخبار الواردة في الاحتياط يقتضي كونها مؤكدة لحكم العقل في مرحلة امتثال الأحكام الواقعية وسلسلة معلولاتها ، فتكون تلك الأوامر إرشادية ، توضيحه : ان الحكم العقلي ان كان في مرتبة علل الأحكام وملاكاتها كحكمه بحسن العدل والإحسان ، وقبح الظلم والعدوان ، فيستتبع الحكم المولوي. وان كان في مرحلة الامتثال المترتب على ثبوت الحكم الشرعي كحكمه بلزوم الإطاعة فلا يستتبع الحكم المولوي ، بل يكون الأمر الوارد في هذا المقام إرشاديا ، والأمر بالاحتياط من هذا القبيل.

ثم ذكر قدس‌سره ان الأمر بالاحتياط يمكن أن لا يكون ناشئا عن مصلحة إدراك الواقع ، بل يكون ناشئا عن مصلحة في نفس الاحتياط ، كحصول قوة للنفس باعثة على الطاعات وترك المعاصي وحصول التقوي للإنسان ، وإلى هذا أشار عليه‌السلام في قوله «من ترك ما اشتبه عليه من الإثم فهو لما استبان له أترك» (١) فان حصول الملكات الحميدة أو المذمومة أمر تدريجي ، ولترك الشبهات في ذلك أثر بين ، وعليه فمن الممكن أن يأمر المولى بالاحتياط بهذا الملاك ، وهو ملاك واقع في سلسلة علل الأحكام ، فيكون الأمر الناشئ عنه مولويا ، انتهى.

أقول : ان ما أفاده ثانيا من إمكان أن يكون الأمر بالاحتياط مولويا بملاك حصول التقوي وقوة العقل متين جدا. وأما ما ذكره أولا من كون الأمر بالاحتياط إرشاديا إذا كان بملاك إدراك الواقع ، لكونه واقعا في سلسلة معلول الحكم فلا يمكن المساعدة عليه ، فان مجرد ورود الأمر في مرحلة معلولات الأحكام من الإطاعة والعصيان لا يستلزم الإرشادية ، ولا يجوز رفع اليد عن ظهور اللفظ في المولوية. ولا يقاس المقام بالأمر بالإطاعة ، وذلك لأن الأمر بالإطاعة يستحيل فيه المولوية ،

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٨ ـ باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، ح ٦١.

٢٩٩

حتى لو لم نقل باستحالة التسلسل ، لما ذكرناه من ان مجرد الأمر المولوي ولو لم يكن متناهيا لا يكون محركا للعبد ما لم يكن له إلزام من ناحية العقل ، فلا بد وان ينتهي الأمر المولوي في مقام المحركية نحو العمل إلى الإلزام العقلي ، فلا مناص من ان يجعل الأمر الوارد في مورده إرشادا إلى ذلك ، وهو بخلاف الأمر بالاحتياط ، فان حسن الاحتياط وان كان من المستقلات العقلية الواقعة في سلسلة معلولات الأحكام الواقعية ، إلّا ان العقل بما أنه لا يستقل بلزوم الاحتياط فلا مانع من ان يأمر به المولى مولويا ، حرصا على إدراك الواقع ، لزوما كما يراه الاخباري ، أو استحبابا كما نراه. وبالجملة المناط في الحكم الإرشادي كونه من المستقلات العقلية التي لا يعقل فيها ثبوت الحكم المولوي ، لكونه لغوا أو لغير ذلك. واما مجرد وقوع الشيء في سلسلة معلولات الأحكام ومقام امتثالها فهو غير مانع من الأمر به مولويا ، وعليه فالامر بالاحتياط مولوي ، غايته انه يحمل على الاستحباب بقرينة ثبوت الترخيص في الترك المستفاد من اخبار البراءة.

واما الأمر الثاني : فقد ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي ان الأوامر مطلقا توصلية تسقط بإتيان متعلقاتها خارجا ، غاية الأمر ان متعلق الأمر في التوصليات هو ذات العمل ، وفي التعبديات مقيدة بالإتيان به مضافا إلى المولى ، وهذا القيد مأخوذ في متعلق الأمر الأول على المختار ، أو متعلق للأمر الثاني كما اختاره المحقق النائيني (١) رحمه‌الله.

وعلى كل من المسلكين ما اعتبر في العبادة ليس خصوص قصد الأمر ، بل المأخوذ فيها عنوان جامع القربة ، وإضافة العمل إلى المولى سبحانه بأي نحو كان ، وهو كما يحصل بقصد الأمر الواقعي يحصل بقصد الأمر الاحتياطي المتعلق بذات

__________________

(١) فوائد الأصول : ١ ـ ١٦١ ـ ١٦٢.

٣٠٠