دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

واما الوجوب الطريقي ، فهو أيضا غير متصور في المقام ، لأنه مستلزم للدور ، إذ الوجوب الطريقي هو الّذي يترتب عليه احتمال العقاب ، ويكون منشأ له كوجوب الاحتياط الشرعي الثابت في موارده ، فان احتمال العقاب فيها انما ينشأ من هذا الوجوب المنجز للواقع على تقدير ثبوته ، والموصل له بطريقه ، مثلا إذا رأينا شبحا من بعيد واحتملنا كونه إنسانا فوجوب الاحتياط في النفوس هو الّذي أوجب احتمال العقاب في رميه ، لاحتمال ترتب قتل نفس محترمة عليه.

واما وجوب دفع الضرر المحتمل فاحتمال العقاب مأخوذ في موضوعه ، فلو فرضنا ترتبه عليه على ما هو مقتضى كون الوجوب طريقيا ، لزم الدور.

فتعين ان يكون وجوب دفع الضرر المحتمل إرشاديا ، لا يترتب عليه غير ما كان مترتبا على نفس احتمال العقاب من التحرز والاجتناب ، فان الإنسان بحسب جبلته وفطرته متحرز دائما عما يراه ضررا عليه ولو احتمالا ، وعليه فقبح العقاب بلا بيان يكون واردا على قاعدة وجوب دفع الضرر ، ورافعا لموضوعها ، فمورد كل من القاعدتين مغاير لمورد الآخر بالكلية ، توضيح ذلك : ان التكليف مهما بلغ من الأهمية لا يكون محركا للعبد وان وصل إليه صغرى وكبرى ، وانما المحرك له بعثا أو زجرا هو احتمال العقاب ، واستقلال العقل بحسنه وصحته ، وهذا هو معنى وجوب دفع الضرر المحتمل ، فان الإنسان لحبه بنفسه يحترز عن كل ما يراه مضرا له ، فإذا قطع بثبوت العقاب في مورد أو احتمله ينزجر عنه لا محالة ، وإلّا فمجرد بعث المولى أو زجره الّذي ليس إلّا امرا اعتباريا لا يكون محركا للعبد وان كان واصلا ، فانه لا يتحرك عن تحريك المولى إذا لم يكن فيه ما يرجع إلى نفسه من جلب نفع أو دفع ضرر ، والغالب في التحريك هو احتمال العفو والغفران من الله تعالى ، ولعل هذا هو المراد مما ورد في بعض الاخبار من أن العقل هو الرسول الباطني ، وان من ليس له زاجر من نفسه لا ينفعه زاجر من غيره.

٢٦١

إذا تحقق ذلك فالتكليف المحتمل إذا كان مقرونا بعدم الفحص ، أو كان له منجز خارجي من علم إجمالي أو غيره كان احتماله ملازما لاحتمال العقاب على مخالفته ، ولا يجري فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، وهذا هو مورد وجوب دفع الضرر المحتمل. واما إذا كان الاحتمال بعد الفحص وقيام العبد بوظيفة العبودية ، ولم يكن هناك منجز خارجي من علم إجمالي أو إيجاب احتياط أو غيرهما ، فالعقل يستقل بعدم صحة العقاب على مخالفة الواقع المجهول ، لأنه بلا بيان ، فمورد كل من قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل وقاعدة قبح العقاب بلا بيان يغاير الآخر ويباينه ، فان مورد وجوب دفع الضرر المحتمل فرض احتمال العقاب ، ومورد قبح العقاب بلا بيان انما هو فرض عدم احتماله. وبعبارة أخرى : مورد وجوب دفع الضرر المحتمل فرض وصول التكليف تفصيلا أو إجمالا ، بنفسه أو بطريقه ، كما في الشبهة قبل الفحص ، أو موارد وجوب الاحتياط الشرعي ، واما قبح العقاب بلا بيان فمورده الشبهة البدوية بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجة ، فكم فرق بين الموردين.

فتلخص مما ذكرناه أن توهم معارضة حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان مع حكمه بوجوب دفع الضرر المحتمل مبني على أن يكون الوجوب المزبور طريقيا موجبا لتنجز الواقع ، وقد عرفت أنه مستحيل وإنما هو وجوب إرشادي ، فيختص جريانه بما إذا كان الواقع منجزا في نفسه ، وعليه فلا تتوارد القاعدتان على مورد واحد أبدا. هذا كله إذا كان المراد بالضرر العقاب. وأما لو أريد به الضرر الدنيوي ، فاستقلال العقل بوجوب دفعه كي يستكشف وجوبه شرعا بقاعدة الملازمة ممنوع ، وذلك لما نرى العقلاء من أرباب المهن والتجارة يقدمون على الضرر المقطوع به لاحتمال تحصيل المنفعة ، فكيف بالضرر المحتمل. نعم الإقدام على الضرر الدنيوي من دون غرض عقلائي يكون سفهيا ، إلّا ان العقل غير مستقل بقبح الفعل السفهي

٢٦٢

بالمعنى الملازم لحرمته ، وإلّا كان كل فعل سفهي حراما شرعا ، وهو خلاف المقطوع به. هذا مضافا إلى ان احتمال الضرر الدنيوي لو كان فانما يكون في خصوص ارتكاب ما يحتمل تحريمه ، وأما ترك ما يحتمل وجوبه فليس فيه إلّا احتمال فوات المنفعة. على أن ترتب الضرر الدنيوي على فعل الحرام مطلقا ممنوع ، وانما يترتب عليه الوقوع في المفسدة ، وهي لا تلازم الضرر ، بل ربما تترتب على فعل الحرام المنفعة الدنيوية ، كما في موارد الانتفاع بمال الغير من دون رضاه ، وإذا لم يكن ارتكاب الحرام ملازما للوقوع في الضرر فكيف يكون احتماله ملازما لاحتماله.

واما لو أريد بالضرر المفسدة فالصغرى وان كانت مسلمة في خصوص ما يحتمل حرمته بناء على تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد ، فان احتمال حرمة شيء حينئذ لا ينفك عن احتمال وجود المفسدة فيه ، إلّا ان الكبرى ممنوعة ، إذ لا يحكم العقل بقبح الإقدام على ارتكاب ما يحتمل فيه المفسدة ، ومما يشهد له اتفاق الأصوليين بل العقلاء أجمع على عدم لزوم الاجتناب عما يحتمل فيه المفسدة في الشبهة الموضوعية.

الاستدلال على البراءة بالاستصحاب

ومما استدل به على البراءة الاستصحاب. وتقريبه على نحوين.

الأول : استصحاب عدم التكليف المتيقن قبل البلوغ ، وعدم استحقاق العقاب على ارتكاب الفعل أو تركه.

وقد أورد عليه بوجوه.

أحدها : ان المستصحب لا بد من أن يكون بنفسه أو بأثره امرا مجعولا شرعا ، فانه الّذي يكون أمر وضعه ورفعه بيد الشارع ، وعدم التكليف غير قابل للجعل ، فانه أزلي ، وليس بنفسه حكما شرعيا ، كما ليس له أثر شرعي ، وعدم العقاب من لوازمه العقلية ، فلا يجري فيه الاستصحاب.

٢٦٣

وقد نسب صاحب الكفاية في الثامن من تنبيهات الاستصحاب (١) هذا الوجه إلى الشيخ قدس‌سره ، وجعله وجها لاستشكاله في التمسك بالاستصحاب للبراءة ولكن الظاهر أن ذلك ليس منشأ إشكال الشيخ في الاستصحاب في المقام ، كيف وهو ممن يرى جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ، وسيجيء منشأ إشكاله قدس‌سره عن قريب إن شاء الله.

واما أصل الإشكال فيرد عليه : ان اعتبار كون المستصحب أمرا مجعولا لم يقم عليه دليل ، وانما المعتبر في جريان الاستصحاب ان يكون المستصحب قابلا للتعبد به ، ومن المعلوم ان العدم قابل لذلك كالوجود ، فان العدم يكون مقدورا بقاء وان لم يكن كذلك حدوثا ، ويكفي في المستصحب كونه قابلا للتعبد به بقاء ، وسيأتي تفصيله في مبحث الاستصحاب إن شاء الله.

ثانيها : ما أفاده المحقق النائيني قدس‌سره (٢) من ان المتيقن الثابت قبل البلوغ انما هو اللاحرجية العقلية ، أي عدم التكليف في مورد غير قابل له كما في الحيوانات ، ومثل ذلك لا يحتمل بقاؤه بعد البلوغ ، وانما المحتمل فيه عدم التكليف في المورد القابل له ، فلا معنى للتمسك بالاستصحاب. وان شئت قلت : ان العدم الثابت قبل البلوغ عدم محمولي وغير منتسب إلى الشارع ، والعدم بعد البلوغ لو كان فهو عدم نعتي منتسب إليه ، وإثبات العدم النعتيّ باستصحاب العدم المحمولي مبني على القول بالأصل المثبت.

وفيه : أولا : ان عدم التكليف في الصبي غير المميز وان كان كما ذكره من انه بمعنى اللاحرجية ، إلّا انه في المميز ليس كذلك ، بل هو عدم تكليف في مورد قابل له ، وانما الشارع رفع تكليفه عنه امتنانا كما هو ظاهر حديث رفع القلم عن

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢ ـ ٣٣١.

(٢) أجود التقريرات : ٢ ـ ١٩ ـ ١٩١.

٢٦٤

الصبي.

وثانيا : ان العدم المتيقن وان كان أزليا وغير منتسب إلى الشارع إلّا أنه يثبت انتسابه إليه بنفس الاستصحاب ، فالانتساب من الآثار المترتبة على نفس الاستصحاب ، لا المستصحب ليكون إثباته من الأصل المثبت ، وسيجيء لذلك مزيد توضيح إن شاء الله تعالى.

ثالثها : ما أفاده الشيخ (١) وحاصله : ان استصحاب البراءة لو كان مستلزما للقطع بعدم العقاب لصح التمسك به وإلّا فلا ، فان احتمال العقاب إذا كان موجودا مع جريانه لم يكن مناص من الرجوع إلى قبح العقاب بلا بيان ، ومعه كان التمسك بالاستصحاب لغوا محضا ، وعليه فان بنينا على كون الاستصحاب من الأمارات ، أو قلنا بحجية لوازمه ومثبتاته لحصل منه القطع بعدم العقاب ، وصح التمسك به ، إذ على الأول يكون استصحاب عدم المنع مستلزم للظن بعدم العقاب ، وهو في حكم القطع بالتعبد ، وعلى الثاني فالتعبد بعدم المنع من الفعل ملازم للرخصة فيه ، فانها من لوازمه ، فإذا فرضنا ثبوتها تعبدا لم يحتمل العقاب على الفعل ، لأن احتمال العقاب على الفعل المباح بديهي البطلان. واما لو لم نقل بهذا ولا بذاك كما هو الصحيح ، فمجرد استصحاب عدم التكليف لا يوجب القطع بعدم العقاب ، فنحتاج معه إلى التمسك بالقاعدة ، فالتمسك بالاستصحاب يكون لغوا.

وفيه : أولا : ان استصحاب عدم المنع كاف في القطع بعدم العقاب ، إذ العقاب انما هو من لوازم المنع من الفعل وتحريمه ، فإذا لم يكن منع بمقتضى الاستصحاب فلا عقاب من دون حاجة إلى إثبات الرخصة ، التي هي من لوازم عدم المنع ، ليكون مثبتا.

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٣٧٨ (ط. جامعة المدرسين).

٢٦٥

وثانيا : انه يمكن استصحاب نفس الترخيص الشرعي المتيقن ثبوته في آن قبل البلوغ الثابت بحديث رفع القلم وأمثاله ، فيترتب عليه القطع بعدم العقاب بلا واسطة.

رابعها : ما عن المحقق النائيني (١) من انه يعتبر في جريان الاستصحاب كون الأثر المرغوب فيه مترتبا على واقع المستصحب ، واما لو كان مترتبا على مجرد الشك في الواقع بخصوصه ، أو على الأعم منه ومن الواقع ، فلا يجري الاستصحاب ، مثلا لو فسرنا التشريع المحرم بإدخال ما لم يعلم انه من الدين ، في الدين أو بالأعم منه ومن إدخال ما ليس من الدين في الدين ، فبمجرد الشك في مشروعية شيء يترتب عليه حرمة استناده إلى المولى ، فإجراء استصحاب عدم المشروعية لإثبات حرمة الاستناد لغو محض ، لأنه تحصيل للحاصل ، بل من أردأ أنحائه ، فانه من قبيل إحراز ما هو محرز بالوجدان بالتعبد ، فإذا فرضنا ان الأثر المرغوب من استصحاب عدم المنع قبل البلوغ ليس إلّا عدم العقاب ، وهذا مترتب بقاعدة قبح العقاب بلا بيان على مجرد الشك في التكليف ، فلا يمكن معه التمسك بالاستصحاب.

وفيه : ان ما ذكر انما يتم لو كان الأثر مترتبا على خصوص الشك ، واما إذا كان الأثر أثرا للجامع فلا مانع من ان يعبدنا الشارع بالواقع ليترتب عليه ذلك الأثر ، والسر في ذلك ان جريان الاستصحاب يرفع موضوع الشك ، ويوجب وصول الواقع إلى المكلف ، فهو بحكم الشارع يكون محرزا للواقع ، والأثر أثر الواقع ، وليس معه شك ليكون من تحصيل الحاصل ولا من أردأ اقسامه. نعم لو لم يجر الاستصحاب كان الشك موجودا ، والأثر مترتبا عليه ، فترتب الأثر على الشك فرع

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ١٩٠ ـ ١٩١.

٢٦٦

عدم جريان الاستصحاب ، فكيف يمكن أن يكون مانعا عن جريانه ، وكما صح للشارع جعل الأمارة على عدم المنع عن شيء مع ان أصالة الحل كافية لإثباته ، صح له جعل استصحاب عدم المنع أيضا ، ومن هنا لم يستشكل أحد في التمسك باستصحاب الطهارة المتيقنة ، مع ان قاعدة الطهارة بنفسها كافية لإثباتها.

وبالجملة قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو أصالة البراءة الشرعية يتوقف جريانهما على تحقق موضوعهما أعني به عدم البيان ، فكما انهما لا يجريان مع بيان التكليف ، لا يجريان مع بيان عدمه ، والاستصحاب صالح لكونه بيانا للعدم ، فيرفع به موضوع قبح العقاب بلا بيان ، ويكون سابقا عليه في الرتبة.

خامسها : ما يظهر من كلام الشيخ رحمه‌الله من المناقشة في الاستصحاب المزبور من حيث عدم اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة في الموضوع (١) ، وتوضيحه انه يعتبر في جريان الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة والمشكوكة عرفا ليصدق نقض اليقين بالشك عند عدم ترتيب الأثر في ظرف الشك ، فانه مع عدمه كان إثبات حكم المتيقن للمشكوك من إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر ، وذلك داخل في القياس لا في الاستصحاب ، وعليه فالترخيص المتيقن في المقام بما انه كان ثابتا لعنوان الصبي على ما هو ظاهر قوله عليه‌السلام «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم» (٢) فهو مرتفع بارتفاع موضوعه ، والمشكوك انما هو حكم آخر لموضوع آخر أعني به البالغ ، فلا مجال للاستصحاب ، بيان ذلك : ان العناوين المأخوذة في موضوعات الأحكام تنقسم إلى قسمين ، فمنها ما يكون بنظر العرف مقوما لموضوع الحكم ، ومن قبيل الوسائط في العروض ، كعنوان الاجتهاد المأخوذ في موضوع جواز التقليد ووجوبه ، والعدالة المأخوذة في جواز الائتمام ونفوذ الشهادة ، والصباوة المأخوذة في

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٣٧٨ (ط. جامعة المدرسين).

(٢) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ٤ من أبواب مقدمة العبادات.

٢٦٧

رفع التكليف أو الترخيص الثابت قبل البلوغ. ومنها ما يكون عرفا من قبيل الوسائط في الثبوت ، أي علة لعروض الحكم على ذات المعنون من دون أن يكون مقوما للموضوع ، كعنوان التغير المأخوذ في نجاسة الماء المتغير.

اما على الأول ، فلا إشكال في ارتفاع الحكم بانعدام العنوان المأخوذ في موضوعه ، لأنه يدور معه حيثما دار ، فلو ثبت مثله بعد ذلك أيضا فهو حكم آخر حادث ، لا انه بقاء للحكم الأول.

واما على الثاني ، فان كان العنوان مما يكفي حدوثه في ثبوت الحكم حدوثا وبقاء فلا ريب في بقاء الحكم بعد زوال العنوان أيضا ، وهذا بخلاف ما إذا كان العنوان سببا للحكم حدوثا فقط ، فانه لو زال ارتفع الحكم بزواله ، فلو كان باقيا لا بد من ان يستند إلى سبب آخر ، ومورد الاستصحاب هو ما إذا أحرز ان العنوان من قبيل القسم الثاني ، ولم يحرز انه مما يكفي حدوثه في بقاء الحكم أم لا ، كما في الماء المتغير بالنجس إذا زال عنه التغير فيجري فيه استصحاب النجاسة كما هو واضح. واما فيما إذا علمنا بكون العنوان من قبيل القسم الأول ، فلا مجال للاستصحاب بعد انعدامه ، بل لو شككنا في ذلك ولم نحرز ان العنوان من أي القسمين لم يجر الاستصحاب ، لعدم إحراز صدق نقض اليقين بالشك على عدم ترتيب الأثر في ظرف الشك.

وإذا تحققت ذلك ظهر لك عدم صحة التمسك بالاستصحاب في المقام ، فان عنوان الصبي والمجنون ونحوهما في نظر العرف من العناوين المقومة للموضوع ، ومن قبيل الوسائط في العروض ، وعلى تقدير التنزل فلا أقل من احتمال ذلك ، ومعه كيف يمكن التمسك بالاستصحاب بعد زوالهما بعروض البلوغ أو العقل. هذا تمام الكلام في التقريب الأول.

التقريب الثاني : وحاصله التمسك في الحكم بالإباحة باستصحاب عدم جعل

٢٦٨

الحكم الإلزامي ، فان الأحكام الشرعية لما كانت في جعلها تدريجية فالحكم المشكوك فيه لم يكن مجعولا في زمان قطعا ، فنستصحب ذلك ما لم يحصل اليقين بجعله. ولا يرد على هذا التقريب ما أوردناه على التقريب المتقدم ، فان الموضوع في هذا الاستصحاب هو البالغ المكلف بنحو القضية الحقيقة في حالتي اليقين والشك.

نعم أورد عليه المحقق النائيني قدس‌سره بإيرادين (١).

أحدهما : ان عدم الجعل المتيقن سابقا عدم محمولي أزلي ، والعدم المشكوك فيه هو العدم النعتيّ المنتسب إلى الشارع ، واستصحاب العدم المحمولي الأزلي لا يثبت العدم النعتيّ. وبعبارة واضحة العدم المتيقن عدم قبل الشرع والشريعة وفي زمان عدم إمكان الجعل ، وهو غير منتسب إلى الشارع ، والعدم المشكوك عدم في ظرف إمكان الجعل ومنتسب إلى المولى ، فالمتيقن غير محتمل البقاء ، وما هو مشكوك لم يكن متيقنا سابقا ، نعم العدم الجامع كان متيقنا إلّا ان استصحابه لا يثبت خصوص الفرد المشكوك فيه.

وقد ظهر جواب ذلك مما تقدم ، فان المستصحب انما هو العدم المنتسب إلى الشارع بعد ثبوت الشرع والشريعة ، لما عرفت من ان جعل الأحكام كان تدريجيا ، فقد مضى من الشريعة زمان لم يكن الحكم المشكوك فيه قطعا ، فيستصحب ذلك ، هذا مع انك قد عرفت ان الانتساب يثبت بنفس التعبد الاستصحابي ، وليس هذا من المثبت في شيء.

ثانيهما : ان المحرك للعبد أعني الباعث أو الزاجر له انما هو التكليف الفعلي لا الإنشائي ، فالحكم الفعلي هو المؤثر وجودا وعدما ، ومن الواضح ان استصحاب عدم الجعل لا يثبت عدم التكليف الفعلي إلّا على القول بالأصل المثبت.

__________________

(١) أجود التقريرات : ٢ ـ ١٩٠.

٢٦٩

ويرد عليه أولا : النقض باستصحاب عدم النسخ وبقاء الجعل ، الّذي لا خلاف في جريانه ، حتى جعله المحدث الأسترآبادي من الضروريات ، فلو كان نفي الحكم الفعلي باستصحاب عدم الجعل من الأصل المثبت كان إثبات الحكم الفعلي باستصحاب بقاء الجعل وعدم النسخ أيضا كذلك ، وهو واضح البطلان.

وثانيا : ان الإنشاء على ما حققناه في بحث الواجب المشروط وغيره ليس إلّا إبراز الأمر الاعتباري ، والاعتبار كما يمكن تعلقه بأمر فعلي يمكن تعلقه بأمر متأخر ، وعلى هذا فليس جعل الحكم وإنشائه إلّا اعتبار شيء على ذمة المكلف في ظرف خاص ، وبمجرد الاعتبار يتحقق الجعل والمجعول ، فان المعتبر موجود بنفس الاعتبار ، بل هما في الحقيقة أمر واحد ، وعليه فاستصحاب الحكم الإنشائي أو عدمه لا ينفك عن الاستصحاب الحكم الفعلي أو عدمه ، نعم مجرد ثبوت الحكم في عالم الاعتبار قبل تحقق موضوعه في الخارج لا يترتب عليه وجوب الإطاعة في حكم العقل ، وذلك من جهة ان الاعتبار قد تعلق بظرف وجود الموضوع على نحو القضية الحقيقية ، فمع عدم الموضوع لا يكون حكم في حق المكلف من الأول ، وانما الحكم لمن كان واجدا لتمام القيود المأخوذة في الموضوع ، والمحرك حينئذ نفس الاعتبار السابق لا أمر آخر يسمى بالحكم الفعلي.

فظهر ان التمسك باستصحاب البراءة بهذا التقريب متين جدا ، وعليه فلا يبقى مورد للرجوع إلى البراءة الشرعية أو العقلية إلّا في موارد عدم جريان الاستصحاب من جهة المعارضة أو غيرها ، من غير فرق في ذلك بين الشبهات الموضوعية والحكمية.

فان قلت : كيف يصح التمسك باستصحاب عدم الجعل في الشبهات الموضوعية مع ان مورد الشبهة لم يجعل له الحكم بشخصه ، واما الطبيعي المشكوك انطباقه على المورد فثبوت الحكم له يقيني ، فلا مورد للاستصحاب أصلا ، مثلا لو شككنا في كون

٢٧٠

المائع المعين خمرا ، فالمائع بشخصه لم يجعل له الحرمة ولا الإباحة ، وثبوت الحرمة لطبيعي الخمر كثبوت الإباحة لطبيعي الماء يقيني ، فكيف يصح التمسك باستصحاب عدم الجعل.

قلت : أولا : ان الأحكام حيث انها مجعولة بنحو القضية الحقيقية ، فهي تنحل إلى أحكام عديدة بحسب افراد موضوعاتها ، كما هو مبنى جريان البراءة في الشبهات الموضوعية ، إذ بدونه لا يكون هناك حكم مجهول ليرفع بالبراءة ، فلا محالة يكون الشك في خمرية مائع مثلا مستلزما للشك في جعل الحرمة له ، فانه لو كان الفرد المشكوك فيه من افراد الخمر واقعا لزاد عدد الحرمة المجهولة لعنوان الخمر بواحد وإلّا لنقص ، ومن الواضح ان جعل الحرمة لهذا الفرد المشكوك فيه مسبوق بالعدم ، فيستصحب ذلك.

وثانيا : انه لو سلم عدم جريان أصالة عدم الجعل في الشبهة الموضوعية ، فلا مانع من الرجوع إلى الاستصحاب الموضوعي ، اما محموليا كما في كثير من الموارد ، واما أزليا كما في بعضها ، وقد قربنا جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية فيما تقدم.

فان قلت : ان استصحاب عدم جعل الإلزام في الشبهة الحكمية أو الموضوعية معارض باستصحاب عدم جعل الترخيص ، فانا نعلم إجمالا بثبوت أحد الأمرين ، فيسقطان بالمعارضة ، فلا بد من الرجوع إلى البراءة حينئذ.

قلت : أولا : يمكن المنع عن العلم الإجمالي بثبوت أحد الجعلين من الإلزام أو الترخيص ، وذلك لاحتمال أن يكون الترخيص الشرعي ثابتا بعنوان عام لكل مورد لم يجعل الإلزام بخصوصه ، كما كان على ذلك عمل أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صدر الإسلام ، ولا يبعد استفادته من ردعه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه عن كثرة السؤال في قصة الحج

٢٧١

ونحوها ، وقوله عليه‌السلام «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» (١) ، وعليه فيكون استصحاب عدم جعل المنع حاكما على استصحاب عدم جعل الترخيص ، ومثبتا لموضوعه.

وثانيا : لا مانع من جريان كلا الاستصحابين بعد ما لم يكن فيه مخالفة عملية للتكليف الإلزامي ، فإذا ثبت عدم المنع من الفعل والترك كفى ذلك في نفي العقاب ، فان استحقاقه مترتب على المنع ، فلا يحتاج في نفيه إلى ثبوت الترخيص ، فإذا ثبت عدم المنع ينتفي العقاب ولو لم يثبت الترخيص.

نعم الآثار الخاصة المترتبة على عنوان الإباحة لا تترتب على استصحاب عدم جعل الإلزام ، كما لا تترتب آثار الطهارة المعتبرة في جواز الوضوء بالماء على استصحاب عدم جعل النجاسة له إذا شك في طهارته.

فان قلت : على هذا لا يبقى مورد للروايات الدالة على البراءة كحديث الرفع وغيره.

قلت : أولا : ليس لأدلة البراءة عنوان يوجب اختصاصها بغير موارد الاستصحاب ، ويمكن أن تكون الحكمة في ثبوت الترخيص في جملة من موارده عدم جواز نقض الحالة السابقة.

وثانيا : يكفي في ثبوت المورد لها فرض معارضة الاستصحابين ، وموارد الشك في الأقل والأكثر الارتباطيين ، فان التكليف بالأقل وان كان معلوما على كل تقدير إلّا ان أمره مردد بين أن يكون مطلقا بالإضافة إلى الزائد أو مقيدا به ، بعد ما علم إجمالا بثبوت أحدهما وعدم الإهمال في الواقع ، واستصحاب عدم التقييد معارض باستصحاب عدم الإطلاق ، ومن الواضح ان جواز الاكتفاء بالأقل لا بد

__________________

(١) بحار الأنوار : ٢٢ ـ ٣١.

٢٧٢

فيه من الترخيص ، فلا مناص فيه من الرجوع إلى البراءة على ما سيجيء الكلام فيه عن قريب إن شاء الله. ثم انه إذا فرض مورد كان الأثر الشرعي مترتبا فيه على الإباحة لم يكن مناص فيه من الرجوع إلى أصالة الإباحة ، ولا يكفي فيه الرجوع إلى استصحاب عدم المنع كما عرفت.

هذا كله في أدلة البراءة.

٢٧٣
٢٧٤

المبحث الثاني :

الأدلة التي استدل

بها على لزوم الاحتياط

ما يمكن أن يذكر كأدلة للأخباريين على لزوم الاحتياط أمور :

الاستدلال بالكتاب على الاحتياط

الأول : الآيات ، منها الناهية عن القول بغير العلم كقوله تعالى (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)(١) ومنها الناهية عن إلقاء النّفس في التهلكة كقوله عزّ شأنه (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)(٢) ومنها الآمرة بالتقوى كقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(٣) وقوله تعالى (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ)(٤).

وفي الاستدلال بها للمدعى ما لا يخفى. أما حرمة القول بغير العلم فهي مما لا خلاف فيها بين الأخباريين والأصوليين ، فالأصولي يعترف بان القول بالترخيص إذا لم يكن مستندا إلى دليل فهو تشريع محرم ، لكنه يدعي قيام الدليل على ذلك ، كما ان الاخباري القائل بوجوب الاحتياط كذلك ، فالاستدلال بحرمة القول بغير العلم للقول بالاحتياط أجنبي عن المقام.

__________________

(١) الإسراء : ٣٦.

(٢) البقرة : ١٩٥.

(٣) التغابن : ١٦.

(٤) آل عمران : ١٠٢.

٢٧٥

واما الآية الناهية عن إلقاء النّفس في التهلكة ، فان أريد من التهلكة فيها الهلكة الدنيوية ، فلا ريب في كون الإلقاء فيها محرما ، إلّا أن ارتكاب مورد الشبهة ليس فيه احتمال الهلكة ، وأن أريد منها الهلكة الأخروية أعنى العقاب ، فالحكم بترك إلقاء النّفس في الهلكة ، حينئذ لا يكون إلّا إرشادا ، ضرورة انه لا يترتب على إيقاع النّفس في العقاب الأخروي عقاب آخر. وكيف كان لا يصح التمسك بالآية في المقام ، فان الأصولي يرى ثبوت المؤمن من العقاب ، فلا أثر لهذا النهي.

واما التقوي المأمور بها في الآية الّذي هو بمعنى التحفظ فمتعلقه ان كان هو العقاب الأخروي فارتكاب الشبهة غير مناف له ، إذ المفروض ثبوت المؤمن من العقاب في مورده ، وان كان غيره من الوقوع في المفاسد الواقعية ونحوه فهو غير واجب قطعا ، ولذا اتفق العلماء حتى الأخباريين على جواز الرجوع إلى البراءة في الشبهات الموضوعية مطلقا ، وفي الحكمية إذا كانت وجوبية ، مع كون الارتكاب فيها منافيا للتقوى بهذا المعنى.

الاستدلال بالروايات على الاحتياط

الثاني : الاخبار ، وهي على طائفتين :

الطائفة الأولى : ما دل على الأمر بالوقوف عند الشبهة كقوله عليه‌السلام في ذيل مقبولة عمر بن حنظلة «إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك ، فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات» (١) وقوله عليه‌السلام في رواية أخرى «لا تجامعوا في النكاح على الشبهة ، وقفوا عند الشبهة ، إلى ان قال : فان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» (٢) ونظير هذه الاخبار قوله عليه‌السلام في بعض أخبار التثليث

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٨ ـ باب ٩ من أبواب صفات القاضي ، ح ١.

(٢) وسائل الشيعة : ١٤ ـ باب ١٥٧ من أبواب مقدمات النكاح ، ح ٢.

٢٧٦

«الأمور ثلاثة : امر تبين لك رشده فاتبعه ، وأمر تبين غيه فاجتنبه ، وأمر اختلف فيه فرده إلى الله» (١) إلى غير ذلك. والظاهر عدم دلالة شيء منها على وجوب الاحتياط.

اما اخبار التوقف فلوجهين :

الأول : ان الموضوع فيها عنوان الشبهة ، وهي ظاهرة فيما يكون الأمر فيه ملتبسا بقول مطلق ظاهرا وواقعا ، وكان ذا وجهين ، فلا يعم ما إذا علم فيه الإباحة الظاهرية الشرعية ، فان الحكم الواقعي في مورده وان كان مشكوكا فيه إلّا ان أدلة ترخيص الشارع في ارتكابه يخرجه عن عنوان المشتبه ، ويدرجه في معلوم الحلية.

ومما يدل على ما ذكرناه من اختصاص الشبهة بغير ما علم فيه الترخيص ظاهرا ، انه لا إشكال في عدم وجوب التوقف في موارد الشبهات الموضوعية أو الحكمية الوجوبية بعد الفحص ، فلو لا ان العلم بثبوت الترخيص فيها أخرجها عن عنوان الشبهة لزم الالتزام فيها بالتخصيص ، ولسان الروايات آبية عنه كما هو ظاهر.

الثاني : ان تعليل وجوب التوقف فيها بان الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ظاهر في كون الأمر بالتوقف إرشاديا لا مولويا ، فانه ظاهر في ثبوت الاحتياط مع قطع النّظر عن هذه الاخبار ليصح تعليل وجوب التوقف باحتمال الاقتحام في الهلكة ، ضرورة انه لا وجه للتعليل لو أريد إثبات وجوب الاحتياط بنفس تلك الاخبار كما هو مقصد الاخباري ، وعليه فيختص موردها بالشبهة قبل الفحص ، أو المقرونة بالعلم الإجمالي التي يجب فيها الاحتياط من غير جهة اخبار التوقف.

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٨ ـ باب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، ح ٢٣.

٢٧٧

لا يقال : ان تعليل وجوب التوقف في مطلق الشبهات باحتمال الاقتحام في الهلكة يدل على وجوب الاحتياط المولوي بالدلالة الالتزامية ، كما تدل الاخبار عن ترتب العقاب على ارتكاب شيء على حرمته بتلك الدلالة.

فانه يقال : فرق بين ما نحن فيه وبين الاخبار عن ترتب العقاب على ارتكاب شيء ، وذلك فان العقل لما أدرك عدم صحة العقاب على فعل المباح ، فلا محالة تكون الاخبار عن العقاب على فعل اخبار عن حرمته بالالتزام ، وهذا بخلاف التعليل في المقام ، إذ ليس المخبر به فيه إلّا كون التوقف خيرا من الاقتحام في الهلكة ، فكون الإقدام اقتحاما في الهلكة أمر مفروض الوجود ، والأمر بالتوقف متفرع عليه ، ومعه كيف يمكن أن يكون الأمر مولويا طريقيا ومصححا للعقاب على مخالفة الواقع ، فليتأمل.

لا يقال : انما يلزم حمل الأمر على الإرشاد لو كان المراد من الهلكة العقاب ، واما لو أريد به المفسدة الواقعية أمكن حمل الأمر بالتوقف على المولوي ، ومتى أمكن ذلك لم يصح الحمل على الإرشاد ، وحينئذ كانت الروايات كافية في إثبات العقاب على مخالفة الواقع المجهول ، لأنها حينئذ تكون إيصالا له.

فانه يقال : حمل الهلكة على المفسدة الواقعية مع أنه خلاف الظاهر في نفسه يستلزم الالتزام بالتخصيص في موارد الشبهة الموضوعية ، وقد أشرنا إلى ان الروايات آبية عنه ، فلا مناص من حمل الهلكة على العقاب ، ومعه كان الأمر ظاهرا في الإرشاد.

لا يقال : سلمنا ذلك ، إلّا ان عموم الشبهات لما كان هو محل الكلام يكشف عن جعل وجوب الاحتياط قبل ذلك ، فيكون التنجيز لأجله ، لا لأجل وجوب التوقف.

فانه يقال : إيجاب الاحتياط لو كان واصلا مع قطع النّظر عن اخبار التوقف

٢٧٨

فهو مع كونه خلاف المفروض ، يستحيل ان تكون اخبار التوقف كاشفة عنه ، وان لم يكن واصلا امتنع تنجز الواقع به ، فان الإيجاب الطريقي لا يزيد على الإيجاب الواقعي في استحالة الانبعاث عنه قبل وصوله ، فكما ان الوجوب الواقعي لا يكفي في التنجز قبل الوصول كذلك الوجوب الطريقي ، وعليه كان مورد اخبار التوقف خصوص الشبهات قبل الفحص ، أو ما كان من أطراف العلم الإجمالي ونحوه مما كان الواقع فيه منجزا مع قطع النّظر عن هذه الاخبار.

وقد أجاب الشيخ الأنصاري (١) عن الإشكال بأن إيجاب الاحتياط لا يكفي في تنجيز الواقع المجهول ، فانه ان كان وجوبا نفسيا فالعقاب حينئذ يكون على مخالفة نفسه لا على الواقع ، وان كان وجوبا غيريا فلازمه ثبوت العقاب على التكليف الواقعي مع فرض عدم وصوله.

ويرد عليه : ان الوجوب غير منحصر في القسمين ، بل ان وجوب الاحتياط على تقدير ثبوته طريقي ، وبه يتنجز الواقع.

ومما ذكرناه ظهر الجواب عن اخبار التثليث ، فان ما ثبت الترخيص فيه ظاهرا من قبل الشارع داخل فيما هو بين رشده لا في المشتبه ، فكما ان ما شك في حرمته الواقعية من الشبهات الموضوعية خارج من موارد وجوب التوقف كذلك ما شك في حرمته من الشبهات الحكمية بعد الفحص. وبالجملة المشكوك حرمته كالمشكوك نجاسته ، وكما ان الثاني غير مشمول لهذه الاخبار كذلك الأول ، والملاك في الجميع ثبوت الترخيص المانع عن صدق المشتبه على المشكوك حقيقة ، وان صح إطلاقه عليه بالعناية باعتبار التردد في الحكم الواقعي وعدم وضوحه.

الطائفة الثانية : الاخبار الآمرة بالاحتياط ، كقوله عليه‌السلام «أخوك دينك فاحتط

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ٣٨٤ (ط. جامعة المدرسين).

٢٧٩

لدينك» (١) وقوله عليه‌السلام «خذ بالحائطة لدينك» (٢) وقوله عليه‌السلام «ليس بناكب عن الصراط من سلك طريق الاحتياط» وغير ذلك مما بلغ فوق الاستفاضة ، فنحن في غنى عن البحث في سندها. وانما الكلام في دلالتها على وجوب الاحتياط في الشبهة البدوية بعد الفحص.

والصحيح عدم دلالتها على ذلك لوجوه.

الأول : ان حسن الاحتياط مما استقل به العقل ، وهذا يوجب وهن ظهور الروايات في المولوية ، خصوصا إذا كان الحكم حكما في مقام الامتثال ، لا أقول انه لا يمكن الحكم المولوي في موارد المستقلات العقلية ، فان الأحكام المولوية في موارد استقلال حكم العقل غير عزيزة ، بل ندعي ان ظاهر الأمر في مثل ذلك هو الإرشاد ، فيكون تابعا للمرشد إليه من حكم العقل بالاحتياط ، وهو يختلف باختلاف الموارد ، ففي بعضها يحكم العقل بلزوم الاحتياط كموارد احتمال الوقوع في المفسدة الواقعية والحكم الإرشادي يتبعه.

الثاني : ان هذه الاخبار بإطلاقها تعم الشبهة الوجوبية والموضوعية ، لكونها من الدين ، مع ان الاحتياط فيهما غير واجب قطعا ، فلا بد حينئذ من رفع اليد عن ظهورها في الوجوب ، أو الالتزام فيها بالتخصيص ، وحيث ان لسانها يأبى عن التخصيص ، يتعين حملها على الاستحباب ، أو على مطلق الرجحان الجامع بينه وبين الوجوب ، وعليه فلا يستفاد منها وجوب الاحتياط فيما هو محل الكلام ، وهو الشبهة البدوية بعد الفحص.

ثم انه لو سلم دلالة اخبار التوقف أو الاحتياط على ما ذهب إليه الاخباري من لزوم الاحتياط في الشبهة التحريمية ، فهي لا تعارض أدلة البراءة ، بيان ذلك. ان

__________________

(١) أمالي الطوسي : ١ ـ ١٠٩.

(٢) وسائل الشيعة : ٣ ـ باب ١٦ من أبواب المواقيت ، ح ١٤.

٢٨٠