دراسات في علم الأصول - ج ٣

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٣

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٥٤٧
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

لم ينجسه شيء» (١) فانه لا يقتضي عدم تنجس كل ماء بالملاقاة إذا اتصف فرد منه بالكرية ، بل مقتضاه عدم انفعال الكر منه بالملاقاة ، وانفعال القليل منه بملاقاة النجاسة. وكأن المتوهم خلط رجوع القيد إلى الموضوع في مقام الإثبات برجوعه إليه في مقام الثبوت.

وقد انقدح بما ذكرناه ما في الكفاية (٢) من دلالة الآية على حجية خبر العادل ولو كانت القضية مسوقة لبيان الموضوع ، بدعوى ظهورها في حصر التبين عن النبأ بخبر الفاسق ، فيستفاد انتفاؤه عن غيره ، وذلك لأن الشرط المسوق لبيان الموضوع لا يفيد إلّا كون الموضوع في القضية أمرا خاصا ، ومن الواضح ان إثبات الحكم لموضوع خاص لا يستلزم انتفائه عن موضوع آخر أجنبي عنه.

الثاني : من وجوه الإشكال على مفهوم الشرط ما ذكره شيخنا الأنصاري رحمه‌الله من إبداء المانع عن الأخذ بمفهوم الآية بعد فرض اقتضاء القضية له (٣). وبهذا يفترق عن الوجه السابق المبني على إنكار أصل المقتضي ، توضيحه : ان مورد نزول الآية وان كان خبر الوليد بارتداد بني المصطلق إلّا ان موضوع القضية هو مطلق خبر الفاسق ، لا خصوص خبر الوليد ، وعليه فذكر إصابة القوم بجهالة في مقام التعليل انما يكون لمناسبة المورد ، وإلّا فالفاسق لا يخبر دائما عما يرجع إلى القوم ، بل ربما يخبر عن حال شخص ، أو ملكية شيء ، أو كرية مائع ، فالمراد منها مطلق الوقوع في المفسدة المتعقبة بالندم. ثم ان العمل بخبر الفاسق لا يستلزم الوقوع في المفسدة دائما ، فالمراد بالتعليل ان الأخذ بقول الفاسق معرض للوقوع في المفسدة بسبب الجهالة وعدم العلم بمطابقته الواقع ، وهذه العلة جارية في خبر العادل أيضا ، لأن عدم تعمده

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١ ـ باب ٩ من أبواب الماء المطلق.

(٢) كفاية الأصول : ٢ ـ ٨٣.

(٣) فرائد الأصول : ١ ـ ١٦٧.

١٦١

الكذب لا يمنع عن احتمال غفلته واشتباهه ، فالعمل به معرض الوقوع في المفسدة ، لعدم العلم بمطابقة ما أخبر به للواقع ، فعموم التعليل قرينة قطعية على عدم إرادة المفهوم ، ولا أقل من كونه صالحا للقرينية ، فلا ينعقد للقضية ظهور في المفهوم.

وفيه : ان الإشكال المزبور يتوقف على إرادة عدم العلم من لفظ الجهالة ، وهو غير مراد قطعا ، بل الظاهر ان المراد منه السفاهة وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل ، ويدل على ذلك انه لو أريد به عدم العلم لزم تخصيص الحكم بما دل على حجية البينة وفتوى الفقيه وأهل الخبرة وغير ذلك مما ثبت حجيته شرعا ، مع ان سياق الآية آب عن التخصيص ، فإذا لا مناص من ان تكون الجهالة بمعنى السفاهة وفعل ما يترتب عليه الوقوع في الندم العقلائي ، وحينئذ فمفاد الآية هو التحذير عما يكون العمل به سفاهة عند العقلاء ، وليس العمل بقول العادل من هذا القبيل كما هو المعروف من سيرتهم.

نعم أشكل الشيخ رحمه‌الله على ما ذكرناه من تفسير الجهالة بما حاصله (١) : ان العمل بقول الوليد لو كان سفاهة لما صدر ذلك من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى نزلت الآية رادعة لهم.

وجوابه : ان ترتيبهم الأثر على قوله لعله كان لعدم علمهم بفسقه ، فبين الله سبحانه لهم بلسان نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وان العمل بقول الوليد بعد ثبوت فسقه مع عدم التبين يعد من السفاهة.

وقد أورد المحقق النائيني قدس‌سره بعد فرض كون الجهالة بمعنى عدم العلم على إنكار الشيخ رحمه‌الله للمفهوم بإيرادين (٢).

الأول : ما ذكره في تعارض المفهوم مع العموم ، وهو ان كلا من العموم

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ١٦٨ (ط. جامعة المدرسين).

(٢) فوائد الأصول : ٣ ـ ١٧٠ ـ ١٧٣.

١٦٢

والمفهوم يتوقف على مقدمتين : إحداهما مستفادة من الوضع ، والأخرى : من مقدمات الإطلاق. اما العموم فهو متوقف على ما يدل على إسراء الحكم إلى افراد ما يراد من مدخوله ، والمتكفل له أداة العموم بحسب وضعها ، وعلى كون مدخولها نفس الطبيعي غير المقيد بما لم يذكر في اللفظ ، ويستفاد ذلك من الإطلاق ومقدمات الحكمة. واما المفهوم فيتوقف على رجوع القيد إلى الحكم ، والمتكفل له وضع أداة الشرط ، ولذا يعد استعمالها في تقييد الموضوع غلطا ، وعلى انحصار الشرط المعبر عنه بالعلية المنحصرة ، وهو مستفاد من الإطلاق وعدم ذكر العدل ، لا من أداة الشرط وإلّا لكان استعمالها في موارد ذكر العدل مجازا ، وهو خلاف الوجدان ، وحينئذ إذا وقع التنافي بين المفهوم وعموم التعليل لا يكون العام مانعا عن المفهوم ، لأن تقدم العموم عليه ان كان يمنعه عن ظهور الأداة في تعليق الحكم على الشرط فهو غير ممكن ، لأن الظهور الإطلاقي ولو ببعض مقدماته لا يصلح لمعارضة الظهور الوضعي خصوصا في مثل الآية. وان كان يمنعه عن انحصار العلة المستفاد من الإطلاق فهو غير تام ، لأن العموم لا يكون ناظرا إلى إثبات العدل للشرط ، بل غاية مدلوله هو السريان في افراد موضوعه ، وأين ذلك من إثبات العدل للشرط المذكور في القضية الشرطية ، وعليه فلا مانع من الأخذ بظهور القضية في المفهوم.

وفيه : ما لا يخفى ، فانا قد بينا في محله ان إطلاق مدخول أداة العموم غير مستند إلى مقدمات الحكمة ، لأن نفس الأداة مصرحة بالإطلاق ، ولا يستلزم ذلك مجازية التخصيص على ما هو المبين في مورده ، وعلى هذا فيتقدم العموم على المفهوم فيما إذا كانا في كلام واحد ، لأنه بالوضع ، بخلاف المفهوم ، فان إحدى مقدمتيه مستفادة من الإطلاق. على انه لو سلم توقف إطلاق المدخول على مقدمات الحكمة كان التنافي في المقام بين إطلاقين ، فلا وجه لترجيح المفهوم على العموم ، لأن ثبوت كل منهما متوقف على الإطلاق ، فتكون القضية مجملة.

١٦٣

واما ما أفاده قدس‌سره من عدم دلالة العام على إثبات العدل للشرط فيرده : ان العام وان لم يكن متعرضا لبيان العدل بعنوانه إلّا انه يدل عليه بالالتزام ، فهو نظير ما لو قال : «إذا بلت فتوضأ» ثم قال : «النوم ناقض للوضوء» فان المستفاد من القضية الثانية ثبوت العدل للشرط المذكور في القضية الشرطية بالدلالة الالتزامية لا محالة.

الإيراد الثاني : ان المفهوم على تقدير ثبوته يكون حاكما على عموم التعليل ، ورافعا لموضوعه ، فكيف يكون العموم مانعا عن انعقاد ظهور القضية فيه. وتوضيحه : ان القضية الحقيقية لا تتكفل إثبات موضوعها ، لأنها حكم ثابت على الموضوع المفروض وجوده ، فإحراز ذلك لا بد وان يكون من الخارج ، فإذا ورد دليل حاكم على العموم يكون مضيقا له لا محالة ، فلا يعارضه العام ، لأن شمول العام لفرد متوقف على عدم ثبوت دليل حاكم مخرج لذلك الفرد عن موضوع العام ، فلا يعقل أن يكون مانعا عنه ، والمقام من هذا القبيل ، فان المفهوم في الآية حاكم على عموم العلة. نعم لو وقع التنافي بين المفهوم وعموم العلة أمكن القول بكون العموم مانعا عن المفهوم ، كما لو قيل : «ان كان هذا رمان فلا تأكله ، لأنه حامض» فعموم التعليل فيه يمنع عن أكل كل حامض ، ومفهوم الشرط يقتضي جواز أكله ما لم يكن رمانا ، فيقع التنافي في كل حامض غير الرمان.

واما أفاده قدس‌سره متين جدا.

وكأن الشيخ أعلى الله مقامه غفل عن خصوصية المقام ، وهي ان ثبوت المفهوم يخرج العمل بخبر العادل عن موضوع العمل بغير العلم ، فكيف يعقل ان يكون العموم مانعا عنه. نعم لو لا ذلك كان عموم التعليل مانعا عن ظهور القضية في المفهوم كما عرفت.

ومما ذكرناه يظهر فساد ما في كلام بعض أعاظم مشايخنا قدس‌سره من استلزام تقديم

١٦٤

المفهوم على عموم التعليل الدور (١) بتقريب : ان ثبوت المفهوم متوقف على عدم انعقاد عموم العلة لكونها متصلة ، فإذا خصصنا العموم بالمفهوم يلزم توقف الشيء على نفسه. ووجه فساده ان ثبوت المفهوم غير متوقف على رفع اليد عن عموم التعليل وتخصيصه ، وانما يتقدم عليه بالحكومة.

الثالث : من وجوه الإشكال على الاستدلال بالآية ما أورده بعض الأعاظم ، وحاصله (٢) : ان التبين في الآية ان أريد به خصوص العلم الوجداني فلا يمكن استفادة المفهوم ، لأن حجية العلم ذاتية ، ووجوب العمل به عقلي ، فالامر به لا محالة يكون إرشادا ، ولا يستفاد المفهوم من الأمر الإرشادي. وان أريد به مجرد الوثوق ، فيقع التنافي بين المفهوم والمنطوق ، فان المنطوق يوجب العمل بالموثق وان كان المخبر فاسقا ، والمفهوم يقتضي حجية خبر العادل وان لم يكن موثقا ، كما إذا أعرض الأصحاب عنه ، والمفروض ان العلماء بين من اعتبر العدالة في حجية الخبر ولم يكتف بمجرد الوثوق ، وبين من اعتبر الوثوق ولم يعمل بخبر العادل الّذي أعرض عنه الأصحاب ، فاعتبار أحد الأمرين إحداث قول ثالث.

وفيه : أولا : انه لا تنافي بين المنطوق والمفهوم ، فان المنطوق كما ذكر يفيد حجية خبر الثقة مطلقا ، والمفهوم يقتضى حجية خبر العادل كذلك ، إلّا ان إطلاقه يقيد بما إذا لم يكن الخبر معرضا عنه ، وهذا لا يستلزم التهافت بين المفهوم والمنطوق أصلا. ومن ذلك يظهر عدم استلزام القول بدلالة الآية على حجية خبر العادل احداث قول ثالث.

وثانيا : ان ما ذكره من كون الأمر بالتبين إرشاديا على تقدير كون التبين بمعنى العلم لاستقلال العقل بحجيته غير تام ، فان ما يظهر من الآية انما هو وجوب تحصيل

__________________

(١) نهاية الدراية : ٣ ـ ٢١٢.

(٢) نهاية الأفكار : ٣ ـ ١٠٨.

١٦٥

العلم عند إرادة العمل بخبر الفاسق ، لا وجوب العمل على طبق العلم ليكون حكم الشارع به إرشاديا.

الرابع : من وجوه الإشكال ان مورد الآية هو الاخبار بارتداد بني المصطلق ، ولا إشكال في عدم الاعتداد بخبر الواحد إذا كان المخبر به هو ارتداد شخص واحد فضلا عن ارتداد جماعة ولو كان المخبر عادلا ، فلو كان للآية مفهوم وجب تخصيصه بغير المورد ، وهو أمر مستهجن.

وأجاب عنه الشيخ رحمه‌الله بما حاصله (١) : ان الموضوع لوجوب التبين عن النبأ هو طبيعي الفاسق ، لا الفاسق الواحد ، فيلزم ان يكون الموضوع في المفهوم أيضا طبيعي العادل ، وإطلاقه شامل للواحد والأكثر ، إلّا انه قيد في خصوص المورد بالتعدد ، ولا يخرج بذلك عن المفهوم.

وأورد عليه بعض الأعاظم بما ذكره سابقا من ان التبين ان كان بمعنى العلم كان الأمر إرشاديا. وان كان مجرد الوثوق لزم خروج المورد عن الحكم المستفاد من المنطوق ، ضرورة عدم جواز الاعتماد على خبر الفاسق الموثوق به في مثل ذلك ، وهو قبيح.

وفيه : مضافا إلى ما تقدم من ان الواجب في الآية هو تحصيل العلم ، لا العمل به ، انّ معنى التبين لغة هو الظهور والوضوح ، يقال : بان الشيء وتبين إذا ظهر ، فالامر بالتبين امر بطلب الظهور والوضوح ، والظهور الطبعي انما يكون بالعلم الوجداني ، واما في غيره فان دل دليل على التعبد به وتنزيله منزلة العلم فهو ظهور تعبدا ، وعليه فعدم لزوم التبين عن خبر العادل الثابت بالمفهوم يدل بالملازمة العرفية على حصول الوضوح به ، كما ان ما دل على اعتبار البينة في الموارد الخاصة يفيد عدم كون خبر

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ١٧٢ (ط. جامعة المدرسين).

١٦٦

العدل الواحد فيها ظهورا ووضوحا ، وان الوضوح فيها لا يكون إلا بشهادة عدلين.

ثم انه قد أشكل بعضهم على أصل حجية خبر الواحد بأمرين :

الأول : انه لو كان خبر الواحد حجة لزم قبول قول السيد المرتضى قدس‌سره الناقل للإجماع على عدم حجيته.

وفيه : أولا : ما تقدم من انّ حجية الخبر منحصرة بما إذا كان الاخبار مستندا إلى الحس لا إلى الحدس ، وخبر السيد حدسي.

وثانيا : ان نقله معارض بما حكاه الشيخ الطوسي من الإجماع على الحجية ، فيتعارضان ، وأدلة الحجية غير شاملة للمتعارضين.

وثالثا : انه يستحيل شمول دليل حجية الخبر لنقل السيد ، فانه يلزم من وجوده عدمه ، إذ لو كان خبر السيد حجة لزم عدم حجية كل خبر لا يفيد العلم ، وبما ان خبر السيد بنفسه خبر غير علمي لم يكن حجة ، فيلزم من حجية خبر السيد عدم حجيته.

وقد أورد على هذا الوجه بان اخبار السيد بعدم حجية خبر الواحد لا يشمل نفسه ، وذلك لأن المحكي بخبر السيد أعني به عدم حجية خبر الواحد في مرتبة سابقة على اخبار السيد ، ومن الظاهر ان عدم الحجية لو كان حكما لخبر السيد أيضا كان متأخرا عنه تأخر الحكم عن موضوعه ، وهذا خلف.

والجواب عنه : ان للأحكام الكلية إنشائية كانت أو إخبارية مقامين : مقام الجعل على الموضوعات المقدر وجودها ، ومقام الفعلية ، وهو الّذي يتوقف على فعلية الموضوع ، ويكون نسبة الموضوع إليه نسبة العلة إلى المعلول ، فان جعل الحكم بنحو القضية الحقيقية غير متوقف على وجود الموضوع خارجا ، كوجوب الحج المجعول على المستطيع ، والحرمة المجعولة للخمر ، ولو لم يكن في الخارج مستطيع ولا خمر ، وقد ذكرنا غير مرة ان كل قضية حقيقية تنحل إلى قضية شرطية مقدمها ثبوت الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له ، فتأخر الحكم عن الموضوع انما يجري في

١٦٧

الأحكام الفعلية دون الإنشائية ، وعلى هذا نقول : المحكي في خبر السيد انما هو عدم الحجية إنشاء ، فلا يتوقف على وجود الموضوع في الخارج فضلا عن تأخره عنه.

وان شئت قلت : المتأخر عن خبر السيد هو عدم الحجية الفعلية ، واما المتقدم على خبره فهو عدم الحجية الإنشائية ، فلا خلف.

ثم ان المورد المزبور ذكر وجها آخر لدفع أصل الإشكال ، وحاصلة ان خبر السيد كما لا يعمه ما حكاه من عدم الحجية للمحال المذكور ، لا يمكن ان يحكم عليه بالحجية أيضا ، وذلك لأن الحجية وعدم الحجية متناقضان ، والنقيضان في مرتبة واحدة ، فإذا كان عدم الحجية في رتبة سابقة على خبر السيد كانت الحجية أيضا في الرتبة السابقة على خبره ، لفرض مساواتهما في الرتبة ، فلو حكمنا عليه بالحجية لزم تأخرها عنه في الرتبة ، وقد فرضنا ان عدم الحجية كان سابقا في الرتبة على الخبر ، هذا خلف.

وفيه : أولا : ان المحكي بخبر السيد كما عرفت انما هو الحكم الإنشائي ، وهو غير متوقف على ثبوت الموضوع ، فليس له تأخر رتبي عن الموضوع ، وكذلك نقيضه وهو الحجية.

وثانيا : قد تقدم في مسألة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده ان المتقدم أو المتأخر عن شيء زمانا يتبعه مقارناته في التقدم والتأخر ، والسر فيه واضح ، فان ملاك التقدم أو التأخر الزماني انما هو سبق بعض اجزاء الزمان على بعض ، وهو ثابت في المقارنات الزمانية أجمع ، وهذا بخلاف السبق الرتبي ، فان ملاكه الموجب له ربما يتحقق في بعض مقارناته في الرتبة ، وقد لا يتحقق ، مثلا وجود النار متقدم رتبة على الحرارة الناشئة منه وعدم النار الّذي هو متحد مع وجوده في الرتبة لكونهما نقيضين ليس له سبق رتبي على الحرارة أصلا ، لعدم العلية بينهما ، وعلى هذا فملاك تقدم عدم الحجية على اخبار السيد كونه محكيا بنفس ذاك الخبر ، وهذا الملاك غير

١٦٨

موجود في الحجية ، وهذا كما لو أخبر شخص بعدم حرمة الكذب شرعا ، فما أخبر به وهو عدم حرمة الكذب ولو سلم أنه لا يشمل نفس إخباره لاستلزامه تقدم المتأخر وبالعكس إلّا انه لا مانع من اتصافه بالحرمة لكونه فردا من افراد الكذب المحكوم بالحرمة شرعا.

فالجواب الصحيح : عن أصل الإشكال أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة ، ومع الإغماض عنها نقول : ان دليل الحجية لا يشمل خبر السيد ، لدوران الأمر بين دخول خصوص خبر السيد تحت أدلة الحجية وخروج ما عداه وبالعكس ، والثاني متعين ، لأن الأول يستلزم تخصيص الأكثر المستهجن ، فانه على ذلك ينحصر مورد الآية بشخص خبر السيد ، مضافا إلى استلزامه بيان أحد النقيضين بذكر النقيض الآخر ، أي بيان عدم حجية الخبر بلسان حجيته ، وهو قبيح ، إذ لا معنى لجعل الحجية لخبر الواحد مطلقا ليثبت به حجية خبر السيد بعدم حجية خبر الواحد.

ثم ان ما نسب إلى بعض الأعاظم رحمه‌الله من دوران الأمر انما يكون بين شمول أدلة حجية الخبر لخبر السيد والأخبار المتحققة قبله وبين شمولها لجميع الأخبار وخروج خبر السيد فقط ، ولا يلزم من الالتزام بالأول تخصيص الأكثر المستهجن ، غير تام.

اما أولا : فلأنّ المحكي بخبر السيد هو عدم حجية الخبر في الشريعة المقدسة في جميع الأزمنة ، لا خصوص الأخبار المتأخرة ، فلو كان خبره حجة لزم عدم حجية أخبار الآحاد مطلقا.

وثانيا : لو سلمنا ان ما أخبر به السيد هو عدم حجية الأخبار المتأخرة عن خبره ، كما إذا فرض أنه صرح بذلك ، نقول : إن ما هو الملاك لحجية الاخبار المتقدمة بعينه موجود في الأخبار المتأخرة ، فان الحجية ان كانت مجعولة لخبر الواحد في الشريعة فالاخبار المتقدمة والمتأخرة في ذلك سواء ، وان لم تكن مجعولة له لم يفرق

١٦٩

بين المتقدم والمتأخر ، فالتفصيل باطل لعدم القول بالفصل.

الثاني : مما أورد على حجية الخبر ما ذكره الشيخ رحمه‌الله (١) وهو مختص بالأخبار الحاكية لقول الإمام عليه‌السلام بواسطة أو بوسائط ، كالأحاديث الموجودة في الكتب المؤلفة من الأصول التي هي محل ابتلائنا ، ونستفيد منها ، فإذا تم الإشكال قلّت فائدة حجية الخبر بالإضافة إلينا ، فان الأحاديث الواصلة إلينا من الراوي عن الإمام عليه‌السلام بغير واسطة كما في أخبار الأصول الأولية نادرة أو معدومة ، فلا يبقى أثر للبحث عن حجية خبر الواحد. وتقرير الإشكال من وجهين.

الوجه الأول : ان موضوع كل حكم متقدم عليه رتبة ، ولذا قالوا ان نسبة الموضوع إلى الحكم نسبة العلة إلى معلولها ، فيستحيل ان يكون الحكم موجدا لموضوعه ، فإذا فرضنا ان حكما أوجد موضوعا امتنع ثبوت ذلك الحكم له ، لاستلزامه تقدم المعلول على علته ، وفي المقام الخبر المحرز لنا وجدانا انما هو خبر الكليني والشيخ ونحوهما مما ليس بيننا وبينهم واسطة ، واما خبر من يروي عنه هؤلاء من الرواة المتقدمين إلى ان ينتهي إلى المعصوم عليه‌السلام فهو غير محرز لنا وجدانا ، بل هو ثابت بخبر الكليني بعد شمول دليل حجية خبر العادل له ، فالحكم بحجية خبر العادل هو الّذي أثبت لنا ذلك الخبر ، فهو متأخر عن هذا الحكم ، فيستحيل أن يكون موضوعا له.

الوجه الثاني : ان التعبد بالمخبر به والحكم بلزوم تصديقه يتوقف على أن يكون ذلك بنفسه حكما شرعيا ، أو يكون ذا أثر شرعي ليصح التعبد بلحاظه ، فان التعبد بدونهما يكون لغوا ، وحينئذ نقول : إخبار الشيخ بخبر المفيد مثلا ليس إخبارا عن الحكم الشرعي ، كما انه مع قطع النّظر عن التعبد بحجيته ليس ذا أثر شرعي ، إذ لا أثر

__________________

(١) فرائد الأصول : ١ ـ ١٧٠ ـ ١٧١.

١٧٠

عملي لقول المفيد من حيث هو ، فدليل الحجية لا يشمل مثل إخبار الشيخ عن خبر المفيد ، لأن المخبر به ليس بحكم شرعي ولا ذا أثر شرعي مع قطع النّظر عن دليل حجية الخبر. وهذا الإشكال سار في إخبار جميع سلسلة الرّواة. نعم نقل الراوي الأول عن نفس الإمام عليه‌السلام بلا واسطة يترتب عليه الأثر العملي كما هو واضح ، وعليه فتختص حجية الخبر بالنقل عن الإمام عليه‌السلام بلا واسطة ، فلا يمكننا إثبات ما يهمنا من حجية الأخبار الموجودة فيما بأيدينا.

والجواب أولا : بالنقض بالإقرار على الإقرار فيما لو أقر المنكر باعترافه للمدعي سابقا ، وادعى انه كذب في إقراره الأول ، فانه يؤخذ بإقراره ، ويثبت به الاعتراف الأول ، لقاعدة الإقرار ، مع انه لا دليل على حجية الإقرار على الإقرار بخصوصه ، ولو كان ذلك مستحيلا لم يعقل بناء العقلاء عليه. وينتقض أيضا بالبينة على البينة ، فانه يعمل على طبقها ، لدليل حجية البينة ، ولو لا ذلك لانسد باب اعتبار السجلات والإسناد ، فان الشهود الموجودين فيها ينقرضون بعد مدة ، فمن أين للمتأخر عنهم الوقوف على شهادتهم وعدالتهم لو لا قيام البينة الثانية وحجيتها.

وثانيا : بالحل ، وهو انه لو كان الحكم المنشأ واحدا شخصيا ، وقد ثبت لموضوعات عديدة ، وكان بعض افراد الموضوع مستندا في وجوده إلى ذلك الحكم كان للإشكال المزبور مجال. واما لو كانت هناك أحكام عديدة منشأة بإنشاء واحد على ما هو الشأن في القضايا الحقيقية ، فلا ضير في أن يكون أحد تلك الأحكام وموجودا لموضوع الآخر ، وما نحن فيه من هذا القبيل ، فان حجية خبر العادل ووجوب تصديقه مجعول بنحو القضية الحقيقية ، فهناك أحكام عديدة بحسب افراد الخبر وان كان مبرزها امرا واحدا ، فوجوب تصديق خبر الشيخ يثبت لنا خبر المفيد ، ويترتب عليه حكمه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أول الوسائط.

وبهذا يظهر : فساد الإشكال من الوجه الثاني ، فان كلا من الوسائط يخبر عن

١٧١

موضوع ذي أثر مع قطع النّظر عن التعبد بتصديق العادل ، لوقوع جميع الحكايات في سلسلة إثبات قول المعصوم عليه‌السلام من وجوب أو حرمة ، ويجري ما ذكرناه في الإقرار على الإقرار ، والبينة على البينة.

وما أورد في المقام على عموم دليل الحجية لخبر الوسائط من استلزامه اتحاد الحاكم والمحكوم عليه بتقريب : أن أخبار الوسائط غير محرزة بالوجدان ، وإنما إحرازها بالتعبد بتصديق العادل ، فشمول هذا الحكم لها مستلزم لحكومة وجوب تصديق العادل على نفسه ، غير تام ، فان الحكومة تكون على أقسام ثلاثة :

الأول : أن يكون الحاكم بمدلوله اللفظي شارحا للمحكوم ومبينا لما هو المراد منه بكلمة أعني ، وهذه الحكومة قل ما توجد في الروايات.

الثاني : ان يكون الحاكم ناظرا إلى عقد الحمل في المحكوم كحكومة لا ضرر ولا حرج على الأحكام الواقعية ، أو إلى عقد الوضع توسعة كقوله عليه‌السلام في الفقاع هي خمرة استصغرها الناس» (١) أو تضييقا كقوله عليه‌السلام : «لا شك لكثير الشك» والحكومة بهذا النحو كثيرا ما توجد في الأخبار.

الثالث : الحكومة في تطبيق الموضوع على فرد إثباتا أو نفيا ، ومن هذا القبيل حكومة الأمارات على الواقع ، وحكومتها على الأصول العملية ، وحكومة الأصل السببي على المسببي.

إذا عرفت هذا فنقول : التعدد في دليل الحاكم والمحكوم انما يعتبر في القسمين الأولين ، واما في القسم الثالث فلا حاجة إلى تعدد الدليل ، إذ الحكومة في الحقيقة انما تكون بين الحكمين ، وقد فرض تعددهما ، كما في حكومة الأصل السببي على المسببي ، فان دليل حرمة نقض اليقين بالشك وان كان واحدا إلّا انه منحل إلى أحكام عديدة

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٧ ـ باب ٢٨ من أبواب الأشربة المحرمة ، ح ١.

١٧٢

بعدد افراد اليقين والشك ، فلا مانع من حكومة أحدها على الآخر ، كما في الثوب المتنجس المغسول بماء كان متيقن الطهارة وقد شك في نجاسته بقاء.

تتميم :

قسم المتأخرون من علمائنا الأعلام رضوان الله عليهم الأخبار على طوائف أربع.

الأول : الخبر الصحيح ، وهو ما كان جميع رواته عدولا ، زكاهم علماء الرّجال ، وقد يعبر في كتب الرّجال عن العادل بالثقة.

الثاني : الخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور.

الثالث : الخبر الموثق ، وهو ما كان رواته موثقين وان لم يكونوا إماميين ، ويدخل فيه خبر الفاسق الموثق ، سواء كان إماميّا أم لم يكن.

الرابع : الخبر الحسن ، وهو ما كان رواته من الإماميين الممدوحين بالخير والصلاح من دون أن يصرح بعدالتهم (١).

اما الخبر الصحيح فهو القدر المتيقن في دخوله تحت الآية الشريفة. والخبر الضعيف المنجبر بعمل المشهور يمكن استفادة حجيته من منطوقها ، بتقريب : ان المراد من قوله عزّ شأنه (فتبينوا) طلب الوضوح عن صدق خبر الفاسق الّذي لم يحرز تحرزه عن الكذب ، ومن طرق الوضوح والتبين عمل المشهور بذلك الخبر ، فالعمل به بعد ذلك بالواضح المبين.

__________________

(١) ذكر السيد الخوانساري في روضات الجنات ص ١٩ ان السيد جمال الدين أحمد بن طاوس أول من قسم أخبار الإمامية إلى الأقسام الأربعة ، واقتفى اثره تلميذه العلامة الحلي رحمه‌الله ، وزيد عليها في زمن المجلسيين المضمر والمرسل والمعضل على ما قيل وفي خاتمة مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج ٣ ص ٧٠٤ ان السيد جمال الدين ابن طاوس أول من فتح باب الجرح والتعديل ، وناظر في الرّجال ، وكيفية الجمع بين الأخبار.

١٧٣

واما الخبر الموثق والحسن فيستفاد حجيتهما من الآية بوجهين.

الأول : دعوى شمول المفهوم لهما ، بتقريب : ان الموضوع فيها بمناسبة الحكم والموضوع هو الفاسق من حيث عدم تحرزه عن الكذب ، لا من الحيثيات الأخر كشربه الخمر وعدم العدالة في القسمة بين الزوجات وعدم الإنفاق عليهن إلى غيرها ، فان هذه الأمور أجنبية عن التبين عن خبره ، فكأن الموضوع من لم يتحرز عن الكذب ولو كان فاسقا.

وهذا الوجه وإن كان لا بأس به ، لكن الاعتماد عليه مشكل ، فإنّ الفاسق الموثوق به وإن كان مأمونا في نوع اخباره ، إلّا أنه لا وثوق بصدقة في خصوص خبره الّذي هو محل الابتلاء بالعمل على طبقه ، إذ ربما يكون ارتكابه لبقية المعاصي موقعا له في الكذب ، بخلاف العادل فان كذبه مناف لعدالته ، فهو مأمون من الكذب ، وعليه فتحرز الفاسق نوعا عن الكذب لا يكفي في حجية خبره بعد احتمال كذبه في خصوص خبر من أخباره.

اللهم إلّا أن يقال : إن موضوع وجوب التبين في الآية إنما هو خبر الفاسق مع قطع النّظر عن خصوص خبره ، فمفهومها عدم وجوب التبين عن خبر العادل مع قطع النّظر عن خصوص خبره ، المحتمل صدقه وكذبه ، فإذا فرضنا ان المراد بالفاسق بمناسبة الحكم والموضوع من لم يتحرز عن الكذب دلت الآية على وجوب تصديق اخبار من كان متحرزا عن الكذب في نفسه وان احتمل كذبه في خصوص خبره هذا.

ويمكن ان يقال : ان ظاهر الآية المباركة تعليق وجوب التبين على كون المخبر فاسقا ، ومن المحتمل أن يكون عدم تحرز الفاسق عن الكذب نوعا حكمة لإيجاب التبين عن خبره مطلقا ولو كان المخبر بخصوصه مأمونا من الكذب ، وعليه فلا تدل الآية على حجية خبر الموثق إذا كان فاسقا.

١٧٤

الثاني : إدخالهما تحت منطوق الآية ، وتقريبه : ان التبين كما يحصل بالفحص عن نفس الخبر يحصل بالفحص عن حال المخبر والراوي ، فان إحراز وثاقته قسم من التبين وبعد ذلك يكون العمل بالخبر عملا بالمبين الواضع. ويشهد لهذا بناء العقلاء وعدم ردع الشارع عنه ، بل امره عليه‌السلام بالأخذ منهم ، كقوله في بني فضال (خذوا ما رووا وذروا ما رأوا) (١).

فتحصل ان المستفاد من الآية حجية خبر الواحد بجميع اقسامه الأربعة.

ومنها : أي مما استدل به على حجية خبر الواحد آية النفر ، وهي قوله تعالى (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(٢) وتقريب الاستدلال بها : ان ظاهر تقابل الجمع بالجمع هو الاستغراق والتفريق ، بمعنى انّ كل واحد من الطائفة ينذر بعضا من قومه ، لا انّ مجموع الطائفة ينذرون مجموع القوم ، كما ان طبع الحال أيضا يساعد على ذلك ، فان الطائفة الخارجة للتفقه إذا رجعوا إلى أوطانهم لا يجتمعون عادة في ناد واحد ليرشدوا القوم دفعة ، وانما يذهب كل منهم إلى خاصته ، فيلقي عليهم الدروس الإلهية ، وعليه فالتفقه والإنذار واجب على كل فرد من افراد الطائفة ، وغاية ذلك هو تحذر المنذورين.

ثم ان ظاهر : الحذر هو التحفظ والتجنب في مقام العمل ، كما يتجنب الخائف ، لا مجرد الخوف النفسانيّ. كما ان كلمة لعل في جميع موارد استعمالاتها ظاهرة في كون ما بعدها علة غائية لما قبلها ، سواء كان امرا خارجيا كقولك : «اشتريت الدار لعلي أسكنها» أم كان حكما مولائيا كما في المقام. وعلى الثاني فان كان ما بعدها امرا غير قابل لتعلق التكليف به كما يقال : «استغفر الله لعله يغفر لك» فيستفاد منها حسن تلك

__________________

(١) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : ٢٤٠.

(٢) التوبة : ١٢٢.

١٧٥

الغاية ، وأما إذا كان ما بعدها امرا قابلا لذلك فنفس الكلام يدل على كونه محكوما بحكم ما قبله من وجوب أو استحباب ، بداهة ان الغاية الموجبة لا يجاب امر آخر تكون بنفسها واجبة بالطريق الأولى.

إذا وضح ما ذكرناه فقد ظهر دلالة الآية بمنطوقها على وجوب العمل بقول المنذر المتفقه وان لم يحصل العلم ، ولا الاطمئنان بصدقة ومطابقة قوله للواقع ، بل دلالتها أظهر من آية النبأ ، غايته انها تدل على حجية مطلق الخبر ، فيقيد بما دل على اعتبار العدالة في المخبر.

وقد أورد على الاستدلال بها بإيرادات.

الأول : ان الآية انما سيقت لبيان النفر والإنذار ، لا ترتب الحذر عليه ، فليس لها إطلاق من حيث وجوب الحذر ، حتى حكى عن شرح الأربعين (١) ما ملخصه : ان الاستدلال لحجية الخبر بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما» (٢) ليس بأدون من الاستدلال عليها بآية النفر ، وحينئذ فالمتيقن من مورد وجوب الحذر خصوص ما لو حصل للمنذر ـ بالفتح ـ اطمئنان من الخارج أو من نفس الخبر لاحتفافه بقرينة قطعية.

وفيه : أولا : ان تخصيص وجوب الحذر عند إنذار المنذر بما إذا حصل الاطمئنان بصدقة مناف لأخذ عنوان الإنذار موضوعا للحكم ، فان العمل حينئذ انما هو بالاطمينان من دون خصوصية للإنذار ، وذلك يستلزم رفع اليد عن عنوان الموضوع ، وهو خلاف ظاهر الدليل ، ومن هنا قدمنا أدلة عاصمية الماء الجاري على أدلة انفعال الماء القليل ، وبنينا على عدم انفعال الجاري القليل مع ان النسبة بينهما عموم من وجه ، والوجه فيه ان تقديم أدلة الانفعال يستلزم إلغاء عنوان الجاري

__________________

(١) الأربعين للشيخ البهائي : ٧٠ ـ ٧١.

(٢) الخصال : ٢ ـ ٥٤١.

١٧٦

بالكلية ، وهو خلاف ظاهر أدلته. هذا مضافا إلى أن تخصيص وجوب الحذر بموارد الاطمئنان من التخصيص بالفرد النادر ، وهو مستهجن.

وثانيا : ان ما ذكر من عدم حصول إطلاق للآية من حيث وجوب الحذر خلاف الظاهر ، فان ظاهر الآية المباركة هو بيان وظيفة المنذرين والمنذرين ، فكما ان إطلاقها يقتضي وجوب الإنذار ولو مع العلم بعدم حصول اليقين بصدقة ، كذلك يقتضي وجوب الحذر في فرض احتمال كذب المنذر أو خطائه. هذا مضافا إلى أنّ الأصل في كلام كل متكلم أن يكون في مقام البيان ، ولا بد للمانع عن التمسك بالإطلاق من إثبات عدم كون المتكلم في مقام البيان ، وانّى له بذلك.

الثاني : ان الإنذار بمعنى التخويف وظيفة الواعظ والمفتي ، فان الواعظ ينذر الناس بالأمور الواضحة المسلمة ، كما ان المفتي ينذرهم بالأمور النظرية الخلافية بعد الاستنباط ، واما مجرد نقل الخبر فلا إنذار فيه ، إذ ربما ينقل الراوي مجرد الألفاظ من دون فهمه المعنى لينذر به ، وقد ورد عنهم عليهم‌السلام «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه».

وفيه : انه ان أريد بالإنذار الإنذار الاستقلالي فالراوي وان خرج عن مورد الآية إلّا انه يستلزم انحصاره بالواعظ الّذي ينذر ابتداء ، ولا يعم المفتي ، وهو مناف لقوله تعالى (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) وان أريد به ما يعم الإنذار الضمني فالراوي أيضا يكون منذرا بنقله الرواية فتكون الرواية ، حجة عند تحقيق الإنذار بها ، وبعدم القول بالفصل يثبت حجية مطلق الرواية ولو مع عدم تحقق الإنذار بها ، كما إذا لم يكن الراوي ملتفتا إلى معنى الرواية لكونه عاميا أو الرواية مجملة.

الإيراد الثالث : ان الإنذار الّذي رتب عليه وجوب الحذر انما هو الإنذار عن تفقه ومعرفة في الدين ، لا مطلق الإنذار ولو كان ناشئا عن غير التفقه ، فيختص مورد الآية بما إذا أحرز كون الإنذار ناشئا عن التفقه ، وبدونه يكون التمسك بالآية من التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية.

١٧٧

وفيه : ان مرجع هذا الإيراد إلى الإيراد الأول ، والجواب عنه هو الجواب ، ونفس التعبد بالإنذار يثبت كونه إنذارا بما تفقه فيه كما هو واضح.

الإيراد الرابع : انه أخذ في الآية عنوان التفقه ، ففي الحقيقة يكون موضوع الحكم هو الفقيه ، وما يجب التحذر عنه انما هو إنذاره بما هو فقيه ، فلا يعم إنذار الراوي ، بما هو راوي ، ولا يمكن التمسك في المقام بعدم القول بالفصل بين حجية قول الفقيه ورواية الراوي ، لعدم ارتباط أحد الأمرين بالآخر. واما القول بان الفقه لغة هو الفهم ، وإرادة الاستنباط منه خروج عن المعنى الموضوع له اللفظ ، فهو مدفوع بورود تفسيره بذلك في كلماتهم عليهم‌السلام مثل قوله عليه‌السلام «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا» (١) وهذا أمتن الإيرادات في المقام.

وفيه : ان الفقاهة في الصدر الأول لم تكن من الصعوبة بهذه المرتبة الثابتة في عصرنا ، فانها حصلت من كثرة الروايات ، وتعارضها في أبواب العبادات ، وقلة الأدلة في المعاملات ، فالسلف من الرّواة كان يصدق عليهم الفقيه بمجرد سماع الحديث وتحمله ، لكونهم في الغالب من أهل اللسان ، فكانوا فقهاء فيما ينقلونه ، وبمقتضى ظهور الآية تكون روايتهم حجة لنا بما انهم رواة ، وإذا ثبتت حجية خبر فقهائهم بما هم رواة ثبتت حجية خبر الراوي غير الفقيه بعدم القول بالفصل.

ثم انه استدل على حجية الخبر بوجوه لا دلالة فيها.

منها : آية الكتمان. والاستدلال بها مبني على ثبوت الملازمة بين حرمة الكتمان ووجوب العمل بالخبر ، وإلّا لزم لغوية تحريم الكتمان ، ومن ثم حكموا بحجية قول المرأة في كونها حاملا تمسكا بقوله تعالى (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَ)(٢) فانه بالملازمة العرفية يدل على حجية قولهن في ذلك.

__________________

(١) معاني الاخبار : حديث ١.

(٢) البقرة : ٢٢٨.

١٧٨

وفيه : أولا : ان مورد إحدى الآيتين لا يقاس بالآخر ، فان طريق إحراز ما في الأرحام منحصر بإخبارهن ، ولولاه لكان ذلك أمرا خفيا ، وهذا بخلاف ما نحن فيه ، فان تحريم الكتمان فيه إنما هو في شأن علماء اليهود ، الذين أخفوا على الناس ما كان ظاهرا بينا جاء به التوراة من صفات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبعثه وأحواله ، كما أخفى بعض أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر الغدير مع وضوحه بين المسلمين في نفسه ، فالغرض من تحريم الكتمان انما هو وضوح الحق وظهوره لعامة الناس بإخبارهم ، لا مجرد التعبد بقولهم كما هو المطلوب. ومما يشهد لورود الآية في حرمة ستر ما هو ظاهر في طبعه قوله سبحانه في ذيلها (مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ) أي أظهرناه لهم ، فلا ربط لها بوجوب العمل بالخبر الّذي هو إظهار ما هو خفي في نفسه.

وثانيا : ان موضوع حرمة الكتمان في الآية عام استغراقي ، فيحرم الكتمان على كل واحد واحد منهم ، وربما يحصل من اخبار جميعهم القطع ، كما يحصل من الخبر المتواتر ، وعليه فيحتمل أن يكون ذلك ملاك حرمة الكتمان ، فلا ملازمة بينها وبين وجوب القبول ، كما كانت في آية حرمة كتمان النساء.

فان قلت : ان مقتضى إطلاق الآية حرمة الكتمان ولو مع تيقن المخبر بان إخباره لا يفيد القطع للسامعين ، ولا ينضم إلى خبره اخبار غيره ممن يكتم اخباره ، فيدل على وجوب القبول بالملازمة.

قلت : ان المصلحة النوعية الداعية للتكليف لا يلزم ان تكون سارية في جميع الموارد ، ولا يلزم الاطراد في الحكمة ، ولذا تجب العدة على المطلقة ولو كانت عقيما ، مع ان الحكمة في تشريع العدة عدم اختلاط المياه ، وكذلك يجب على الشاهد أن يشهد عند الحاكم إذا طلب منه الشهادة ولو علم بعدم انضمام الشاهد الثاني إليه ، مع ان حكمة وجوب الشهادة حفظ حقوق الناس.

١٧٩

ومنها : آية الذّكر ، وهي قوله تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(١) وفي آية أخرى (بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ)(٢). وتقريب الاستدلال بها واضح.

وأورد عليه الشيخ رحمه‌الله بان أهل الذّكر ظاهر في العلماء (٣) ، وحجية قولهم لا تستلزم حجية خبر الراوي.

وأجاب في الكفاية (٤) بأن أغلب الرّواة في الصدر الأول كانوا فقهاء ، وإذا ثبت حجية قولهم بالآية يثبت حجية اخبار غيرهم أيضا بعدم القول بالفصل.

وفيه : أنه لا ملازمة بين حجية قول الفقيه بما هو فقيه وحجية خبر الواحد ، ويحتمل وجود القائل بالتفصيل.

فالأولى في الجواب ان يقال : ان المراد من أهل الذّكر وان كان هم العلماء إلّا ان لكل علم أهل بحسبه ، فالرجاليون أهل علم الرّجال ، والفقهاء المجتهدون أهل علم الاستنباط والفقه ، وأهل علم الرواية والحديث هم الرّواة المحدثون ، إما مطلقا أو إذا فهموا منها المراد ، فتعم الآية اخبارهم بما انهم رواة لا بما هم فقهاء ، فهي تدل على حجية قول الراوي اما مطلقا أو في خصوص ما إذا كان عارفا بمعناه ، ويثبت حجية اخبار غيره من الرّواة الّذي لا يفهمون معنى الحديث بعدم القول بالفصل.

ويرد على الاستدلال بالآية على حجية خبر الواحد ان ظاهر تعليق الأمر بالسؤال على عدم العلم ان الغاية منه حصول العلم بالجواب ، ولا أقل من الاطمئنان ، ونظير ذلك أن يقال : ان كنت لا تدري الأمر الفلاني فاسأل العارف به ، فان المفهوم منه حصول العلم بجوابه ، لا التعبد بقوله ، فلا دلالة فيها على حجية الخبر

__________________

(١) الأنبياء : ٧.

(٢) النحل : ٤٣.

(٣) فرائد الأصول : ١ ـ ١٨١ (ط. جامعة المدرسين).

(٤) كفاية الأصول : ٢ ـ ٩٥ ـ ٩٦.

١٨٠