دراسات في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

تتمة مبحث الأوامر

مباحث التزاحم.

امر الآمر مع العلم بانتفاء شرطه.

تعلق الآمر بالطبيعة أو الافراد.

دلالة الأمر بعد نسخ الوجوب على الجواز وعدمه.

الوجوب التخيري.

الوجوب الكفائي.

الواجب الموسع والمضيق.

الأمر بالأمر.

الأمر بعد الأمر.

٣
٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مباحث التزاحم

الكلام في الترتب

ثم أنّه على ما اخترناه من عدم إمكان استكشاف الملاك في الواجب المهم فيما إذا وقعت المزاحمة بين واجبين مضيقين يترتب على هذا البحث ثمر مهم كما لا يخفى ـ وهو الترتب ـ وهو بحث شريف ، وحيث أنه من فروع التزاحم فلا بدّ من بيانه وبيان الفرق بينه وبين التعارض.

الفرق بين التزاحم والتعارض :

إنّ مورد التزاحم هو ما إذا لم يستلزم تقديم أحد المتزاحمين رفع اليد عن دليل الآخر وإسقاطه ، وهذا بخلاف التعارض فإنّ تقديم أحد الحكمين المتعارضين يستلزم رفع اليد عن دليل الآخر بالكلية ، مثلا لو ورد دليل على وجوب القصر في بعض الموارد ، ودليل آخر على الإتمام ، فحيث نعلم بعدم وجوب صلاتين قصر وتمام على المكلف واقعا والحكم بالجمع حكم احتياطي لا واقعي لا بدّ من الأخذ بأحدهما ، فلو قدمنا دليل القصر يسقط دليل الإتمام لا محالة ، فلا يمكن الرجوع إليه أصلا ، وهكذا العكس فلا مجال فيه للترتب أصلا.

وقد خلط بعض غير معروف بين التزاحم والتعارض وذهب إلى سقوط دليل المهم بالكلية بعد تقديم الأهم كما في مورد التعارض ، فلا بد لنا من بيان كل من التعارض والتزاحم وبيان حكمهما.

وليعلم قبل ذلك أنّ المحقق النائيني حكى عن بعض أنّه أراد تأسيس أصل يرجع إليه عند الشك في كون التنافي بين حكمين من قبيل التعارض أو التزاحم ،

٥

وذكر قدس‌سره أنّ ذلك من قبيل تأسيس الأصل لما إذا شك في انّ الأصل في الأشياء هو الإباحة ، أو انّ البيع صحيح أو فاسد من حيث عدم المناسبة بين طرفي الشك.

والحق أنّ ما أفاده متين جدا ، فإنّ التعارض لا ربط له بالتزاحم ليشك في انّ التنافي بين الدليلين من أي البابين.

وعلى أي حال نقول : التعارض هو تنافي الدليلين من حيث الدلالة في مرحلة الجعل والتشريع وتكاذبهما بحيث يلزم من صدق كل منهما كذب الآخر من دون ان يلزم من كذب كل منهما صدق الآخر لاحتمال كذبهما معا ، كما لو ورد دليل على وجوب السورة ودليل آخر على عدم وجوبها ، فانه يستحيل جعلهما معا ، فيلزم من صدق كل منهما كذب الآخر.

ثم انّ التعارض تارة : يكون ذاتيا كالمثال ، وأخرى : يكون عرضيا ، كما إذا ورد دليل على وجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة ودليل آخر على وجوب صلاة الجمعة في يومها ، فإنّه ذاتا لا تنافي بين الحكمين ، ولا مانع من ثبوتهما معا ، إلّا أنّه حيث يعلم من الخارج بعدم وجوب صلاتين على المكلف يقع التعارض بينهما بالعرض. هذا في الشبهة الحكمية.

وأما في الشبهة الموضوعية فكذلك ربما يكون التعارض بالذات كما لو أخبرت البينة بأنّ المال المعين ملك لزيد وأخبرت بينة أخرى بأنّه ملك لعمر ، فإنّ الإخبارين متعارضان ذاتا ، وربما يكون التعارض بالعرض كما لو أخبر العادل بطهارة كل من الإناءين يعلم بملاقاة أحدهما مع البول مثلا ، فإنّ الاخبار بطهارة كل منهما لا يعارض الاخبار بطهارة الآخر إلّا من حيث العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما.

وأما التزاحم فهو تنافي الدليلين في مرحلة الفعلية والامتثال لا في مرحلة الجعل والتشريع ، فإنه لا منافاة بين أن يجعل وجوب صلاة الآيات للقادر على

٦

الإتيان بها ويجعل وجوب الصلاة اليومية كذلك ، غاية الأمر إذا تضيقا يقع التزاحم بينهما بالعرض لا محالة ، ومن ثمّ يمكن أن يكون دليل كل من الحكمين المتزاحمين متيقنا سندا ودلالة ، كما لو فرضنا ورود نصّ صريح من السنة المتواترة على وجوب الحج مثلا وورود مثله على وجوب رد السلام ، ووقع التزاحم بينهما.

وبالجملة فالتزاحم انما يكون في مرحلة الفعلية والامتثال مع ثبوت أصل الجعل والتشريع لكلا الحكمين المتزاحمين لعجز المكلف عن امتثالهما معا ، غاية الأمر انّ التزاحم تارة : يكون بالذات كما في المضيّقين ، وأخرى : بالعرض كما في تزاحم الموسع من المضيق.

وان شئت فقل : انّ التزاحم هو ما يكون تقديم أحد الحكمين فيه معدما لموضوع الحكم الآخر في عرضه ، فإنّ القدرة مأخوذة في موضوع كل حكم ، وهذا بخلاف التعارض ، فانّ تقديم أحد المتعارضين يوجب سقوط الحكم الآخر مع بقاء موضوعه ، كما هو واضح.

ثم انّ منشأ التزاحم في المتزاحمين ليس إلّا عجز المكلف عن امتثالهما ، ولكن المحقق النائيني قدس‌سره فرض صورة يكون التزاحم فيها من غير جهة العجز بل يكون التزاحم مع فرض قدرة المكلف على امتثال الحكمين ، وسنتعرض لاستحالة ذلك إن شاء الله.

وتلخص مما ذكر انّ التعارض والتزاحم ، وان كانا مشتركين في التنافي إلّا انّ التنافي بين المتعارضين انما يكون في مرحلة الجعل والتشريع بحيث يلزم من صدق كل منهما كذب الآخر ، ولا عكس لاحتمال كذبهما معا ، بداهة استحالة جعل الوجوب والحرمة معا لإكرام زيد مثلا الّذي فرض مصداقا للعالم والفاسق ، فلا محالة يكون تقديم أحدهما مستلزما لسقوط الحكم الآخر مع بقاء موضوعه. وهذا بخلاف باب التزاحم ، فإنّ التنافي بين المتزاحمين انما هو في مرحلة الفعلية ، ولا

٧

مانع من جعل كليهما ، غاية الأمر يلزم من فعلية أحدهما عدم فعلية الآخر ، فتقديم أحدهما يستلزم عدم فعلية الآخر بانعدام موضوعه ، فانّ القدرة معتبرة في موضوع الحكم الفعلي بالضرورة ، فإذا صرف المكلف قدرته في امتثال أحد الحكمين يكون عاجزا عن امتثال الآخر لا محالة.

وان شئت فقل : انّ التنافي في المتزاحمين بين الحكمين الفعليين ، فموضوع كل منهما مغاير مع الآخر بالكلية. هذا كله في بيان موضوعهما.

وأما حكم التعارض ، فلو كان بين المتعارضين جمع عرفي بحيث يرى العرف انّ أحدهما قرينة على الآخر ، كالعام والخاصّ والمطلق والمقيد ونحوهما ، فالتعارض صوري لا محالة يرتفع بالجمع العرفي.

وأما لو كان التعارض بينهما واقعيا ولم يكن أحدهما بنظر العرف قرينة على الآخر ، فبناء على الطريقية المحضة هو التساقط والرجوع إلى الأصل اللفظي من العموم الفوقاني أو الإطلاق كذلك ان كان موجودا ، ومع عدمه إلى الأصل العملي ، وذلك لأنّ نسبة دليل الحجية إلى كل منهما يكون على حد سواء ، إذ المفروض انّ كلّا من المتعارضين في نفسه حجة لو لا المتعارضة ، ومن الواضح انّ شمول الدليل لهما معا مستلزم لاجتماع حكمين واقعيين متضادين لموضوع واحد وهو محال ، ولأحدهما المعين ترجيح بلا مرجح ، والواحد لا بعينه لا تحقق له سوى هذا وذاك ، وثبوت الحجية لهما تخييرا مما لا دليل عليه ، ودليل الحجية غير متكلف لإثباتها كما هو واضح ، فلا مناص من سقوطهما عن الحجية ، نعم في خصوص الخبرين المتعارضين ورد الدليل الشرعي على الترجيح أو التخيير ، وامّا في غير الخبرين كما إذا تعارض الخبر مع الشهرة مثلا على القول بحجيتها فالعقل يحكم فيه بالتساقط كما عرفت.

واما الترجيح بسائر المزايا العقلية التي لا دخل لها في الحجية من كون رواة أحد الخبرين أعدل أو هاشميا أو أسن وأمثال ذلك ، فلا وجه له بعد ما الغى إطلاق

٨

دليل الحجية جميعها ، فلا اعتبار بشيء منها. هذا كله في المعارضة بين حكمين واقعيين أي على الطريقية.

واما المعارضة بين الدليلين من حيث الحكم الظاهري بأيّ معنى فسر ، فعلى مسلك الأشعري والمعتزلي يكون تنافيهما من باب التزاحم لتمكن المكلف من امتثال أحد الحكمين وعجزه عن الآخر ، فيلحقه حكمه ، واما على القول بالمصلحة السلوكية ، فالظاهر سقوطهما وعدم دخوله في باب التزاحم ، وذلك لأنّ فعلية حجية الطريق مقوم للمصلحة السلوكية ، وقد عرفت عدم شمول دليل الحجية لكل منهما.

هذا كله في حكم التعارض.

وأما التزاحم فالتخيير أو الترجيح فيه هو مقتضى القاعدة الأولية وبحكم العقل ، أي العقل يستكشفه ، فإذا كان لأحدهما مرجح على الآخر يحكم بتعينه ، كما لو فرضنا انّ أحد الغريقين مؤمن والآخر غير مؤمن ، أو فرضنا انه وقع من شاهق ودار الأمر بين أن يقع على رأس مؤمن فيقتله أو على رأس كافر ذمي فيقتله وكان متمكنا من تحريك بدنه نحو أيّ منهما شاء ، فيتعين الأول بحكم العقل لا محالة ، ولو لم يكن لأحدهما مرجح فيحكم بالتخيير ، ولا مجال فيه للتساقط بعد كون المكلف قادرا من امتثال أحد الحكمين ، فهل ترى من عقلك في الغريقين ان يقول بسقوط كلا الحكمين لعدم المرجح؟ كلا.

وبالجملة فالتخيير أو الترجيح في المتزاحمين انما هو بحكم العقل أي بإدراكه ، ولا مجال فيهما للتساقط ، وفي المتعارضين لا بدّ وان يثبت بدليل شرعي ، وإلّا فالعقل يحكم بالتساقط. ونتعرض إن شاء الله لمرجحات باب التعارض في محله.

واما مرجحات باب التزاحم ، فأمور :

الأول : ان يكون لأحد المتزاحمين بدل عرضي دون الآخر ، بان يكون

٩

أحدهما وجوبا تعيينيا والآخر تخييريا ، كما لو وقعت المزاحمة بين صوم الكفارة والحج الواجب ، فإنّ وجوب صوم الكفارة له بدل في عرضه بخلاف وجوب الحج فانه وان كان مشروطا بالاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة وأمنية الطريق ، إلّا أنّه بعد حصول شرطه يدور الأمر بين رفع اليد عن الحج أو عن صوم الكفارة ، وحيث انّ الصوم له بدل ، فيمكن امتثال كلا التكليفين ، بل الفرض خارج عن باب التعارض والتزاحم معا ، وذلك لأنّ الواجب للكفارة ليس خصوص الصوم الّذي هو طرف التزاحم ، وانما هو عنوان أحد الأمور على ما سنبينه في محله من انّ متعلق التكليف في الواجب التخييري هو الجامع بين الأطراف ، وستعرف إن شاء الله انه لو علم الإنسان إجمالا بوجود شبح في الدار مردد من جنس إنسان أو بقر أو غير ذلك ، فانّ متعلق العلم هو الوجود الخارجي يقينا مع انّ المعلوم ليس إلّا عنوان أحد الأمور ، فتعلق العلم بالجامع الانتزاعي لا ينافي تعلقه بالوجود الخارجي ، والطلب في الوجوب التخييري كذلك مع تعلقه بالجامع متعلقه الإيجاد الخارجي على ما سيأتي تفصيله في محله.

وبالجملة فحيث انّ متعلق الوجوب في المقام ليس إلّا الجامع ، والمفروض انّ طرف التزاحم ليس هو الجامع وانما هو خصوص الصوم فلا تزاحم في الحقيقة أصلا ، فالمقام خارج عن باب التعارض والتزاحم معا.

الثاني : ان يكون لأحد المتزاحمين بدل طولي ، كما لو دار الأمر بين الإتيان بالوضوء والصلاة مع الطهارة المائية وحفظ النّفس المحترمة في فرض انحصار الماء وعدم التمكن من استعماله في كلا الأمرين ، فإنّ للطهارة المائية أي الصلاة المقيدة بها بدل طولي وهو الصلاة مع الطهارة الترابية على ما يستفاد من التفصيل في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا)(١) وليس المراد من الوجدان هو القدرة العقلية على

__________________

(١) النساء ـ ٤٣.

١٠

الماء ، وانما المراد القدرة على استعمال الماء عقلا وشرعا على ما يستفاد من ذكر المريض والمسافر في آية التيمم ، فإنّ المريض غالبا متمكن من أصل الماء ولا يكون متمكنا من استعماله ، والمسافر بعكس ذلك ، وعليه فإطلاق الأمر بحفظ النّفس المحترمة يكون معجزا شرعيا له عن استعمال الماء ، فينتقل إلى التيمم ، وقد ذكرنا في محله انّ المستفاد من بعض الاخبار كقوله عليه‌السلام «رب الماء هو رب الأرض» (١) ، «التراب أحد الطهورين» (٢) وغير ذلك هو كون الصلاة مع الطهارة الترابية مشتملة على تمام مصلحة الصلاة مع الطهارة المائية في ظرف العجز ، فالمكلف عند التزاحم لو صرف الماء في حفظ النّفس يتمكن من استيفاء مصلحة الصلاة مع الطهارة أيضا ، وهذا بخلاف العكس فإنّه لو صرف الماء في الوضوء يموت ذلك الشخص ويفوته الملاك الملزم الثابت مطلقا كما هو واضح ، فيتعين تقديم ما ليس له البدل بحكم العقل.

ثم انهم ذكروا في العروة (٣) وحواشيها من فروع هذه المسألة ما إذا دار الأمر بين استعمال الماء المنحصر في الطهارة الخبثية عن الثوب أو البدن وبين استعماله في الطهارة الحدثية ، فذكروا تقديم الأول واستعمال الماء في رفع الخبث ثم الإتيان بالتيمم لرفع الحدث ، فإنّه حينئذ تكون الصلاة مشتملة على كلا الشرطين ، أي في الثوب الطاهر ومع الطهارة عن الحدث ، وهذا بخلاف العكس.

هذا ولنا كلام في المقام ، وحاصله : انّ التزاحم لا يتحقق في الواجبات الضمنية ، إذ ليس لها وجود مستقل ، فلا معنى لوقوع التزاحم بين الأمر بالقيد أو بالجزء وشيء آخر ، إذ لا يتعلق بالجزء أو بالقيد امر مستقل ، وانما الأمر المتعلق به من شئون الأمر بالمركب أو المقيد ، فطرف التزاحم دائما هو الأمر بالمركب ،

__________________

(١) وسائل الشيعة ـ باب ٣ من أبواب التيمم.

(٢) المصدر السابق ـ باب ٧ من أبواب التيمم.

(٣) العروة الوثقى ـ المجلد الأول ـ ٣٣٩ طبعة مدينة العلم.

١١

فوجوب الصلاة مع الطهارة المائية يزاحم وجوب حفظ النّفس المحترمة ، والصلاة في الثوب الطاهر تزاحم الصلاة مع الطهارة المائية وهكذا. والقدرة المأخوذة في الوضوء حقيقة معتبرة في الصلاة مع الطهارة المائية ، وبدلها هو الصلاة مع الطهارة الترابية ، وهكذا.

وعليه نقول : كما انّ القدرة مأخوذة شرعا في وجوب الصلاة مع الطهارة المائية كذلك القدرة مأخوذة شرعا في الصلاة في الثوب الطاهر ، وكما جعلت الصلاة مع التيمم بدلا عن الصلاة مع الطهارة المائية عند العجز كذلك جعلت صلاة العاري بدلا عن الصلاة في الثوب الطاهر ، لما ورد ما مضمونه «ان قدرت ان تصلي في الطاهر فصلّ فيه ، وان لم تقدر فصلّ عاريا» فالصلاة عاريا تكون بدلا عن الصلاة في الثوب الطاهر ، فاذن يكون لكل منهما بدل طولي ، فلا بدّ في تزاحمهما من الحكم بالتخيير ، ولا وجه لترجيح الطهارة الخبثية.

وحاصل ما تقدم ببيان آخر : هو انّ الميرزا قدس‌سره (١) ذكر في أول مرجحات باب التزاحم ان يكون أحد الواجبين المتزاحمين ذا بدل دون الآخر ، فيتقدم ما ليس له البدل على ما له البدل. ثم ذكر بعد ذلك انه تارة تكون القدرة في كلا المتزاحمين معتبرة عقلا ، وأخرى تكون معتبرة فيهما شرعا ، وثالثة تكون في أحدهما شرعية وفي الآخر عقلية ، فهذه أقسام ثلاثة. فان كان المتزاحمان من قبيل الأولين فلا يرجح أحدهما على الآخر ، وان كان من قبيل الثالث فيتقدم ما يكون اعتبار القدرة فيه بحكم العقل على ما يكون القدرة معتبرة فيه بحكم الشارع ، انتهى.

ونقول : انّ مجرد كون أحد المتزاحمين ذا بدل لا يوجب تقدم ما ليس له البدل عليه ، فإن رجع ما ذكره أولا إلى ما بينه في ذيل كلامه من اعتبار القدرة عقلا أو

__________________

(١) فوائد الأصول ـ المجلد الأول ـ ٣٢٣.

١٢

شرعا فهو ، وإلّا فلا عبرة بمجرد وجود البدل لأحد المتزاحمين دون الآخر ، فإنّ حكم العقل بالتعيين في دوران الأمر بين صرف الماء في الوضوء وصرفه في حفظ النّفس المحترمة انما هو من جهة انّ ذلك لا يوجب تفويت ملاك ملزم أصلا بخلاف العكس ، وهذا المعنى لا يتم بمجرد كون أحد المتزاحمين مما له البدل دون الآخر ، وانما يتم فيما إذا كانت القدرة معتبرة في أحدهما بحكم الشارع وفي الآخر بحكم العقل.

توضيح ذلك : انه لو كان لأحد الواجبين المتزاحمين افراد عرضية من حيث القدرة وان كانت طولية من حيث الزمان ، كما في موارد التخيير العقلي أو الشرعي ـ وان كان أحدهما يرجع إلى الآخر على ما بين في محله ـ ففي الحقيقة لا مزاحمة هناك بين واجبين كما هو واضح.

واما ان كان له افراد طولية من حيث القدرة ، كعتق رقبة وإطعام ستين مسكينا وصوم ستين يوما بناء على طولية هذه الأمور ـ فالمستفاد من دليلها حينئذ اختصاص المرتبة السابقة كعتق الرقبة بالقادر ، فتكون القدرة مأخوذة في وجوبها شرعا ، كما قد تؤخذ القدرة شرعا فيما ليس له البدل أصلا كالحج ، فإنّ وجوبه مشروط بالاستطاعة مع أنه لا بدل له. وظاهر أخذ القدرة في لسان الدليل بحسب فهم العرف كونها دخيلة في الملاك أيضا ، فبدونها لا ملاك أصلا.

وعليه فإذا وقعت المزاحمة بين ما له بدل طولي وما لم يعتبر فيه القدرة شرعا ، فيتقدم عقلا على ما له البدل ، لما عرفت من انّ عكسه مستلزم لتفويت الملاك الملزم بخلاف تقديم ما لا بدل له ، لأنّه بإطلاق دليله يكون معجزا عما له البدل فينتقل إلى المرتبة المتأخرة من دون ان يلزم تفويت ملاك أصلا.

واما إذا كان التزاحم بين ما له البدل وبين ما اعتبرت فيه القدرة شرعا ، كما لو دار الأمر بين ان يصرف المكلف ماله في عتق الرقبة أو يصرفه في الحج ، فلا وجه

١٣

لتقديم أحدهما على الآخر أصلا ، إذ ليس لما لا بدل له إطلاق يعجّز المكلف عما له بدل ، والمفروض انّ القدرة في كل منهما شرعية ودخيلة في الملاك ، والمكلف ليس له إلّا قدرة واحدة يصرفها في أحدهما ، فيكون مخيرا في صرفها في أيّ منهما شاء ، إذ لا ترجيح في البين.

وبالجملة فالمرجح الأول أن تكون القدرة في أحدهما عقلية وفي الآخر شرعية ، فإنّه يتقدم حينئذ الأول على الثاني لما عرفت.

ثم لو سلمنا الكبرى وجعلنا مجرد كون أحد الواجبين ذا بدل دون الآخر من موجبات الترجيح فالفرع المعروف أعني دوران الأمر بين الطهارة المائية والطهارة الخبثية ليس من صغرياتها ، وذلك لأنّ الأمر بالمركب ينحل إلى الأمر بالاجزاء بنحو الانضمام ، ولذا ذكرنا انّ الأوامر الضمنية لا تزاحم بينها ، فإذا تعذر بعض اجزائه فمقتضى القاعدة سقوط الأمر رأسا ، ومن ثمّ التزمنا بذلك في جملة من الموارد ، كالصوم مثلا ، فانّ المكلف لو لم يتمكن من الإمساك مقدارا من النهار يسقط عنه وجوب الصوم لا محالة ، نعم في خصوص الصلاة ورد الأمر بغير المتعذر من الاجزاء في موارد خاصة وبنحو العموم أيضا بقوله عليه‌السلام «فانها لا تدع الصلاة بحال» وعليه فإذا فرضنا تعذر أحد الأمرين من الطهارة المائية أو الخبثية فالامر بالصلاة المشتملة عليها ساقط لا محالة ، غاية الأمر نعلم من الخارج بثبوت امر مردد بين ان يكون متعلقا بالمشتمل على الطهارة المائية دون الخبثية وبالعكس ، ومن الواضح خروج ذلك عن باب التزاحم ، لأنّ في التزاحم لا بدّ وأن يكون هناك تكليفان يعجز المكلف عن امتثالهما معا ، وأما التكليف الواحد المردد فبابه باب التعارض ، فتقع المعارضة بين دليليهما لا محالة.

وهذا الحال جار في جملة من الفروع المذكورة في المقام ، كدوران الأمر بين ترك البسملة أو التشهد ، أو بين ترك القيام أو الإيماء للركوع والسجود وغير ذلك

١٤

فانّ جميعها خارجة عن باب التزاحم بالكلية.

بقي الكلام فيما إذا دار الأمر بين الصلاة عن طهارة مائية وإدراك ركعة من الوقت وبين إدراك تمام الوقت مع الطهارة الترابية ، وقد طبق المحقق النائيني قدس‌سره تلك الكبرى على هذا المورد ، وأفتى بلزوم تقديم الوقت والإتيان بتمام الصلاة في الوقت مع الطهارة الترابية التي هي بدل عن الطهارة المائية ، وحكى انه نسب عكس ذلك إلى السيد الشيرازي قدس‌سره ثم كذّب النسبة.

ونقول : قد عرفت انه ولو سلمنا انّ مجرد كون أحد الواجبين مما له بدل طولي والآخر مما ليس له بدل من المرجحات إلّا انّ تلك الكبرى غير منطبقة على هذا الفرع ، لما عرفت من عدم وقوع التزاحم بين الواجبات الضمنية ، وانّ مقتضى القاعدة عند تعذر بعض اجزاء المركب هو سقوط الأمر المتعلق به.

فالتحقيق ان يقال : انه لو قلنا بما ذهب إليه بعض الأخباريين وهو الشيخ حسين آل عصفور من انّ ضيق الوقت ليس من مسوغات التيمم ، إذ لا دليل عليه مع انّ موضوعه غير الواجد أي من لم يكن متمكنا من استعماله ، وعند ضيّق الوقت يكون المكلف واجدا للماء ومتمكنا من استعماله غايته انّ الوقت ضيق ، والشاهد على ذلك هو انّ التيمم لضيق الوقت ليس رافعا للحدث ، وانما هو مبيح للصلاة فقط ، ولذا لا يجوز معه الدخول في المسجد إذا كان بدلا عن الغسل ، ولا مس المصحف وأمثال ذلك. وبالجملة على هذا المسلك لا ينبغي الإشكال في تقديم الطهارة المائية على إدراك تمام الوقت.

واما على المشهور من كون ضيق الوقت من مسوغات التيمم ، كما هو الصحيح ، فالحق ما ذهب إليه المحقق النائيني قدس‌سره.

أما كون ضيق الوقت من مجوزات التيمم فبيانه : انّ المستفاد من قوله تعالى (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ)(١) هو كون مجموع الوقت وقت لمجموع

__________________

(١) الإسراء : ٧٨.

١٥

الصلوات الأربع لكن لا بحيث يمكن الإتيان بكل منها في أيّ جزء من اجزاء الزمان شاء ، بل ورد في الروايات المفسرة للآية انه «إذا زالت الشمس فقد دخل الوقتان إلّا أنّ هذه قبل هذه» (١) إلى غير ذلك من الأخبار ، وأنه إذا دخل المغرب فقد دخل وقت العشاءين ، فبمقتضى الأخبار بل ضرورة الدين لا يجوز تقديم العشاءين على الغروب ، والظهرين على الزوال ، ولا يجوز تأخيرهما عن المغرب ، فالواجب بعد الزوال هو الإتيان بثمان ركعات قبل المغرب.

هذا وقد استفدنا من التفصيل في الآية القاطع للشركة انّ الجنب مكلف بالغسل ، وغيره مكلف بالوضوء ، كما استفدنا من ذلك أيضا كون واجد الماء مكلفا بالصلاة عن طهارة مائية ، وغير الواجد بالصلاة عن طهارة ترابية ، ومن الواضح بقرينة ذكر المريض في آية التيمم انّ المراد بغير الواجد هو من لم يكن متمكنا من استعمال الماء ، لا من مطلق استعماله ، فإنّ المريض متمكن من كثير من استعمالاته بل من استعماله في الوضوء أو الغسل للصلاة الواجبة وهي الصلاة في الوقت ، فإذا فرضنا انّ الوقت ضيق لا يسع للوضوء ، أو الغسل والإتيان بتمام الصلاة في الوقت ، فالمكلف عاجز عن استعمال الماء في الطهارة للصلاة الواجبة ، فيكون داخلا في قوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً)(٢) فتكون وظيفته التيمم وإدراك الوقت.

وامّا حديث «من أدرك» فالمستفاد منه انّ الصلاة بما لها من الاجزاء والشرائط بحسب اختلاف وظيفة المكلفين إذا وقعت ركعة منها في الوقت فكأنها بأجمعها وقعت في الوقت ، فمن كان وظيفته الصلاة مع التيمم ، أو جلوسا ، أو إيماء ، أو غير ذلك نفس تلك الوظيفة إذا تحقق ركعة منها في الوقت فقد أدرك الفاعل تمام الوقت. واما إخراج المكلف عن موضوع وإدخاله في موضوع آخر كالواجد مثلا

__________________

(١) وسائل الشيعة ـ ٣ ـ ٩٢.

(٢) النساء ـ ٤٣.

١٦

والتغيير فيما كان وظيفة المكلف من حيث الأجزاء أو الشرائط فلا يتكفل به حديث «لا تعاد» وتمام الكلام موكل إلى محله ، فعلى مسلك المشهور لا بدّ من التيمم وفعل تمام الصلاة في الوقت.

وبالجملة تارة يكون كلا الواجبين المتزاحمين مما اعتبر فيهما القدرة شرعا في لسان دليلهما ، ومرادنا من اعتبار القدرة الشرعية في الواجب أن تكون القدرة دخيلة في ملاكه بحيث لو لم يكن متعلقه مقدورا لا يكون هناك ملاك أصلا ، وأخرى تكون القدرة دخيلة في ملاك أحدهما دون الآخر ، وثالثة لا تكون القدرة دخيلة في ملاك شيء منهما أصلا.

اما القسم الثاني : فلا إشكال فيه في تقدم ما لم تعتبر القدرة في ملاكه على ما اعتبرت القدرة فيه شرعا ولو كان من أهم الواجبات وكان ما زاحمه من أضعفها ، كما لو فرضنا وقعت المزاحمة بين وجوب الحج ووجوب رد السلام الّذي هو أضعف الواجبات فيتقدم هو على الحج ، والوجه في تقدمه واضح ثبوتا وإثباتا.

اما ثبوتا ، فأنّ تقديم الحج يوجب تفويت الملاك الملزم الفعلي وهو ملاك رد السلام ، بخلاف العكس فإنه لا يوجب تفويت الملاك أصلا ، ولا يلزم على المولى ان يلزم المكلف بإدخال نفسه في موضوع ما له الملاك كما في الصوم للحاضر مثلا ، وملاك الحج وان كان أهم إلّا انه مشروط بتحقق موضوعه ، والمفروض عدمه لعجز المكلف بعد امتثاله للحكم المزاحم له ، فيكون انتفاؤه بانتفاء موضوعه.

وامّا إثباتا ، فلأنّ إطلاق الدليل الغير المشروط بالقدرة شرعا يكون معجزا للمكلف عن امتثال التكليف المشروط بالقدرة شرعا ، ولا يمكن أن يكون ذلك التكليف معجزا عن هذا ، لأنّه مستلزم للدور ، فإنّ معجزيته عنه متوقفة على فعلية موضوعه ، وفعلية موضوعه متوقفة على ان لا يكون التكليف الغير المشروط معجزا له ، وهو متوقف على معجزية هذا التكليف عنه ، وهو دور واضح.

١٧

فاذن لا بدّ من تقدم ما يكون القدرة دخيلة فيه عقلا على ما يكون القدرة دخيلة في ملاكه ، من غير فرق بين كونهما متقارنين زمانا ، أو كون الأول سابقا على الثاني ، أو العكس.

امّا في الأولين فالوجه ظاهر كما عرفت.

وامّا في الأخير فلما وقعت المزاحمة بين الخروج للحج وأداء الدين الواجب في غد مثلا فلأنّ الحكم المطلق أي وجوب أداء الدين في المثال وان لم يكن موجودا في ظرف وجوب الحج والخروج إليه إلّا على القول بالواجب المعلق إلّا أنّ ملاكه تام فعلا فتأمل ، فيجري فيه ما تقدم من لزوم حفظه برفع اليد عن الواجب الآخر الّذي ملاكه مشروط بالقدرة ، فيكون معجزا عن غيره.

وأما القسم الأول : فلا إشكال في انه ليس هناك إلّا ملاك واحد ، لأنّ المكلف لا يقدر إلّا على الإتيان بأحدهما بشرط لا عن الآخر ، وإمّا على امتثالهما بنحو الانضمام فلا يتمكن. وفي هذا القسم إن كان أحدهما متأخرا عن الآخر في الزمان كما لو دار أمره بين ان يتوضأ لصلاة الظهر أو العصر ، فيتقدم الأول لأنّه تمكن على امتثاله ، وتفويته يكون بلا عذر ، وامّا لو كانا عرضيين فيتخير بينهما لعدم الترجيح.

وبالجملة في هذا القسم أي فيما إذا كانت القدرة مأخوذة شرعا في كلا الواجبين والمتزاحمين ، وكانت دخيلة في ملاكهما ، إذا كان ظرف أحد الواجبين متقدما زمانا على الآخر ، كما إذا دار الأمر بين ان يصلي المكلف صلاة الظهر بطهارة مائية أو صلاة العصر يتعين الأول دون الثاني ، وذلك لأنه في ظرفه مقدور عقلا وشرعا ، فيجب الإتيان به ، فيكون ذلك معجزا عن الإتيان بالثاني في ظرفه من غير فرق بين ان يكونا متساويين من حيث الملاك أو يكون أحدهما أهم من الآخر.

وأمّا إذا كانا متقارنين زمانا فالملاك التام الفعلي لا يكون إلّا واحدا ، لأنّ

١٨

المفروض عجز المكلف عن امتثالهما ، والقدرة دخيلة في الملاك ، فحيث انّ القدرة واحدة فالملاك الفعلي أيضا واحد ، وعليه فجعل الوجوبين معا مضافا إلى استلزامه التكليف بما لا يطاق يكون بلا ملاك ، وهو قبيح وترجيح أحدهما المعين على الآخر بلا مرجح ، فالعقل يستكشف وجوب أحد الأمرين تخييرا ، فالتخيير شرعي وكاشفه العقل ، وهذا بخلاف التخيير في المتساويين من القسم الثالث ، أي ما إذا كانت القدرة معتبرة فيهما عقلا فانه يكون بحكم العقل بمعنى لزوم الإتيان بكل منهما مشروطا بترك الآخر على ما سيأتي بيانه ، ويمكن إرجاع التخيير في المقام إلى ذلك أيضا بوجه دقيق.

وأما إذا كان أحد الملاكين أهم من الآخر ، فذهب فيه المحقق النائيني إلى التخيير أيضا بدعوى : إنّ أهمية الملاك انما هي بعد فعليته ، وهو أوّل الكلام ، إذ لا يجب على المكلف إدخال نفسه في موضوع الملاك الأهم ، فله ان يصرف قدرته في المهم ، فيكون عاجزا عن الأهم.

ولكن التحقيق : انّ ما أفاده انما يتم في باب التعارض ، فانه إذا ورد دليلان متعارضان لا تكون أهمية أحد الحكمين على تقدير ثبوته من مرجحاته ، واما في باب التزاحم فأهمية أحد الملاكين توجب تقدمه لا محالة ، وذلك لأنّ الملاك الأهم وإن كان مشروطا بالقدرة إلّا انّ القدرة التكوينية على استيفائه موجودة على الفرض ، فلا يكون عاجزا عنه وجدانا. وأما العجز الشرعي بان يقدم المولى جانب المهم ويأمره بصرف قدرته فيه فهو ترجيح المرجوح على الراجح ، فلا بدّ من استيفاء الأهم ، وذلك يكون معجزا عن الملاك المهم لا محالة.

فتلخص مما ذكر انه لو كان أحد الواجبين المتزاحمين المشروطين بالقدرة شرعا متقدما زمانا على الآخر يتقدم السابق على اللاحق مطلقا ، وامّا إن كانا متقارنين زمانا فيتقدم الأهم ان كان أحدهما أهم من الآخر ، وإلّا فيحكم فيهما

١٩

بالتخيير.

ثم ذكروا من صغريات المقام ـ أي المتزاحمين السابق أحدهما على الآخر زمانا مع دخل القدرة في ملاكهما ـ مسألة نذر زيارة الحسين عليه‌السلام في كل عرفة ، اما لو كان النذر بعد حصول الاستطاعة فلا ينعقد ، لأنه من مصاديق تحليل الحرام ، وامّا لو كان قبل ذلك ، فهل يتقدم النذر لسبقه على الحج زمانا ، كما فيما نحن فيه ، وذهب إليه صاحب الجواهر ، أو ينعكس الأمر من تسليم كونه من صغريات الباب كما ذهب إليه الميرزا النائيني؟

الظاهر انه خارج عن هذه الكبرى ، وذلك لأنّ ما نحن فيه انما هو سبق زمان أحد الواجبين على الآخر ، وفي النذر المزبور زمان الواجبين مقارن ، غايته زمان سبب أحد الوجوبين وهو النذر مقدم على الآخر ، أو أحد الوجوبين مقدم على الآخر على القول بالواجب المعلق ، وهذا لا يوجب تقدم السابق ، لأنّ المتقدم في مفروض الكلام انما هو من جهة انّ الإتيان بالواجب السابق يكون معجزا عن الإتيان باللاحق ، وهذا غير جار في المثال ، لأنّ مجرد سبق أحد الوجوبين لا يكون معجزا عن الآخر بعد تقارن زماني الواجبين ، والوجوب السابق حدوثا باقي في زمان تحقق الوجوب الثاني ، فتقع المزاحمة بينهما.

وامّا الواجبان فهما متقارنان زمانا ، بل ربما يقال بسبق زمان الحج على زمان الوفاء بالنذر ، لأنه يجب الإتيان ببعض ما يعتبر في الحج قبل يوم عرفة بخلاف الزيارة المنذورة فيه ، فيعكس المطلب.

ثم لو تنزلنا عن ذلك ، وسلمنا كون المثال مما نحن فيه ، إلّا أنّه لا بد من تقديم الحج على الوفاء بالنذر لوجهين :

الأول : انّ كلا من وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر وان كان مشروطا بالقدرة شرعا ، إلّا أنه يعتبر في وجوب الوفاء بالنذر امر آخر ، وهو ان لا يكون

٢٠