دراسات في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

في ضمن فعل الصلاة ، أو في ضمن ضدها من النوم والجلوس ونحوه ، وعلى الأول يكون الأمر بالصلاة مشروطا بالغصب من قبيل طلب الحاصل ، وعلى الثاني طلب الجمع بين ضدين ، وكلاهما محال.

وبعبارة أخرى : بناء على الامتناع وكون العنوانين عنوانا لوجود واحد يلزم من الالتزام بالترتب ان يكون عصيان النهي موجبا لاتصاف متعلقه بالوجوب ، ومن البديهي انّ الحرام لا يعقل ان يتبدل ويصير واجبا في ظرف العصيان ، فالترتب فيه غير معقول.

ونقول : الصحيح انّ باب اجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناع أجنبي عن باب التزاحم بالكلية ، بل يكون داخلا في باب التعارض ، لوقوع التنافي بينهما حينئذ في مرحلة الجعل لا الفعلية ليكون ناشئا من عجز المكلف عن الامتثال ، وذلك لأنّ القول بالامتناع مبني على أحد امرين : امّا القول بأنّ المعنون بالعنوانين موجود واحد وانّ التركيب بينهما اتحادي لا انضمامي ، أو القول بأنّ التركيب بينهما وان كان انضماميا إلّا أنّ الأمر يسري إلى متعلق النهي وبالعكس ، ومن الواضح انه على كلا التقديرين يكون التكاذب بين الحكمين في مرحلة الجعل ، فلا معنى حينئذ للترتب.

فنزاع جريان الترتب وعدمه لا بدّ وان يكون على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي ، وانّ التركيب بين متعلقيهما انضمامي من دون ان يسري الأمر إلى متعلق النهي أو العكس ، غاية الأمر يكون بين امتثال كل منهما وعصيان الآخر ملازمة خارجة لا يتمكن المكلف من امتثالهما لعدم وجود المندوحة ، فحينئذ يقع التزاحم بين الحكمين ، فيتقدم الأهم منهما لا محالة ونفرضه الغصب فيتقدم النهي.

وعليه يقع البحث في انه هل يمكن الأمر بالصلاة مشروطا بعصيان النهي المتعلق بالغصب بان يقول المولى ان عصيت وغصبت فصل؟ من الظاهر انه لا مانع من ذلك لأنّ الغصب على القول بجواز الاجتماع بنفسه موجود مستقل ، ولا يلزم ان

٦١

يكون في ضمن فعل الصلاة ، أو في ضمن ضده ليكون الأمر بها مشروطا بالغصب من طلب الحاصل أو طلب الجمع بين ضدين ، كما لا يلزم منه حينئذ انقلاب الحرام وصيرورته واجبا بعصيان النهي ، فلا مانع من الترتب أصلا.

هذا تمام الكلام في الترتب.

٦٢

فصل : هل يجوز الأمر

مع علم الآمر بانتفاء الشرط

تارة : يقع الكلام في شرائط الجعل ، وأخرى : في شرائط مقام المجعول أعني الفعلية.

امّا مقام الإضافة إلى الجعل فيتحقق الحكم منوطا بفعلية شرائطه خارجا ، ومنها وجود الجاعل وانقداح الداعي له على الجعل وعند انتفائها لا يتحقق الجعل وإلّا لزم تحقق المعلول بدون وجود علّته من دون ان يكون للعلم والجهل دخل في ذلك.

وامّا شرائط المجعول والفعلية ، فهي راجعة إلى قيود الموضوع ، كما انّ قيود الموضوع ترجع إلى شرائط الحكم من غير فرق بين الإخبارات ، كقولك النار حارة فانه بمنزلة ان نقول: إذا وجد شيء وكان نارا فهو حار ، والإنشاءات كما في قوله تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ)(١) ، فانها بمنزلة ان يقال : إذا استطاع المكلف يجب عليه الحج ، وعليه فمعنى قولهم يجوز الأمر مع العلم بانتفاء الشرط انه يجوز الأمر مع العلم بانتفاء الموضوع.

فنقول : ان كان انتفاء الموضوع مسببا عن نفس جعل الحكم ، كما لو فرضنا انّ جعل القصاص أوجب سد باب الجناية والقتل وانّ جعل الكفارة للإفطار أوجب انتفاء موضوعه وهو الإفطار فلا ريب في جواز مثل ذاك الجعل بل لزومه ، كما يقع

__________________

(١) آل عمران : ٩٧.

٦٣

ذلك في القوانين العرفية بل في القضايا الشخصية أيضا.

واما ان كان الموضوع منتفيا في نفسه مع قطع النّظر عن جعل الحكم ، كما لو قال إذا «طرت إلى السماء فتوضأ» وانّ الطيران إلى السماء في نفسه منتف فلا يجوز جعله ، لأنه لغو محض إلّا ان يكون صورة حكم بداعي الامتحان والاختبار ، كما لو قال المولى لعبده : «اشتر اللحم» مع علمه بانتفائه بداعي اخباره وانه يشتغل بمقدمات شرائه من المشي إلى السوق ونحوه أم لا.

وبالجملة فالصحيح في المقام هو التفصيل بان يقال : امّا شرائط الجعل فبانتفائها ينتفي الجعل ، سواء كان الجاعل عالما به أو لم يكن وامّا شرائط المجعول فيصح الجعل مع علم الآمر بانتفائها فيما إذا كان نفس الجعل سببا للانتفاء ، واما إذا لم يكن الانتفاء مستندا إليه فجعله لغو غير جائز إلّا إذا كان الجعل صوريا بداعي الامتحان ونحوه.

٦٤

فصل : هل يتعلق الأمر بالطبيعي أم بالأفراد؟

وقع النزاع في انّ الأمر متعلق بالطبيعي أو بالأفراد. ونتعرض للثمرة المترتبة على ذلك في بحث الاجتماع الأمر والنهي أيضا ، وقد خالفوا في ذلك مع تسالمهم على امرين :

الأول : استحالة تعلق الطلب بإيجاد الموجود ، فانه من طلب الحاصل.

الثاني : استحالة تعلقه بالماهية من حيث هي ، فانها ليست إلّا هي وغير قابلة لأن تكون مطلوبة.

فيستنتج منهما بالضرورة انّ متعلق الطلب إيجاد الماهية في الطلب التكويني والتشريعي من غير فرق بينهما ، غايته انّ المطلوب في الأول فعل نفسه ، وفي الثاني فعل غيره ، وعلى هذا فلا وقع للنزاع المزبور أصلا.

فالصحيح انّ هذا النزاع مبني على أمور أخر :

أحدها : ان يكون مبنيا على المسألة المعروفة في الفلسفة من انّ الكلي الطبيعي موجود في ضمن حصصه وأفراده بان يكون الوجود الواحد وجودا للفرد والطبيعي ، بل لماهيات عديدة طولا إلى ان ينتهي إلى جنس الأجناس ، لصحة حمل الكلي على الفرد بالحمل الشائع ، وملاكه انما هو الاتحاد في الوجود ، أو انه غير موجود خارجا ، وانما الموجود أفراده ، ونسبة الطبيعي إليها نسبة الأمر الانتزاعي إلى منشأ انتزاعه.

فعلى الأول يكون متعلق الطلب نفس الطبيعي ، فانه لا وجه لرفع اليد عن ظهور الأمر في طلب الطبيعي بعد إمكان تحققه خارجا ، فانّ المادة موضوعة

٦٥

للطبيعي ، والهيئة تدل على الطلب امّا بالمطابقة وامّا بالالتزام على المختار من كونها موضوعة لإبراز اعتبار اللابدّية فانّ دلالتها على الطلب حينئذ تكون بالالتزام كما هو واضح.

وعلى الثاني لا بدّ من تعلقه بالأفراد ، لأنّ الطبيعي غير قابل للوجود غاية الأمر للاختصار علق الطلب بالطبيعي لكونه أخصر ، وعليه يكون التخيير بين الأفراد شرعيا ، وعلى الأول عقليا ، وكون النزاع مبنيا على هذا الخلاف مما لا بأس به.

ثانيها : ان يكون المبنى ما ذكره القوم من انّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد ، فانهم ذكروا أيضا انّ الشيء ما لم يوجد لا يتشخص ، فمن ذهب إلى انّ الوجود انما يعرض التشخصات وانّ الشيء في الرتبة السابقة على عروض الوجود عليه لا بد وان يتشخص ثم يعرضه الوجود ، لا مناص له من القول بأنّ متعلق الطلب انما هو الأفراد ، ومن ذهب إلى عكس ذلك وانّ التعين ناشئ من الوجود يقول بتعلق الطلب بالطبيعي دون الفرد ، وقد ذكر هذا المبني المحقق النائيني قدس‌سره وجعل النزاع مبنيا عليه.

ونقول : لو أمكن النزاع في انّ الوجود يعرض التشخصات وانّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد لكان ما أفاده تاما ، إلّا انّ ذلك بديهي الفساد لا يحتمل ان يتوهمه أحد ، ولا مناص من ان يكون التشخص ناشئا من الوجود ، وذلك لأنّ ما يتصور أمور ثلاثة : الوجود والعدم بمفهومهما والماهية ، فتشخصه بالعدم غير معقول ، كما انّ تشخصه بضم ماهية أخرى إليه لا يوجب تعينه ، لأنّ تقيد الكلي بالكلي لا ينافي الكلية وان وجب تضييق دائرته إلّا انه لا يوجب التعيين كما هو واضح ، فلا بدّ وان يكون التشخص بالوجود.

وامّا الكلام المعروف من انّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد ، فليس المراد منه

٦٦

عروض الوجود على التشخص ، بل المراد انّ الشيء ما لم يتعين في مرتبة علّته أي لم يتعين ان تكون العلّة علّة لهذا المعلوم بوجود الربط بينهما لا يوجد المعلول ، فانّ لكل موجود تعيّن في نفسه في نظام الوجود وتعيّن آخر له في مرتبة علّته ، وهذا هو المراد من التشخص في الكلام ، وعلى هذا فلا معنى لجعل مبنى النزاع المعروف الخلاف في انّ الشيء ما لم يتشخص لم يوجد ، أو ما لم يوجد لم يتشخص.

ثالثها : ان يكون النزاع مبنيا على ما تقدم في بحث مقدمة الواجب من لزوم اتحاد المتلازمين وجودا في الحكم وعدمه. فعلى الأول يكون الطلب متعلقا بالأفراد ، وعلى الثاني بالطبيعي.

بيانه : انّا وان التزمنا بوجود الطبيعي في ضمن الحصص والأفراد إلّا انّ الكلي الطبيعي لا يوجد في الخارج إلّا معروضا لعوارض يعبر عنها بالمشخصات مسامحة في التعبير من الكم والكيف والشكل ونحوه ، وهي الخصوصيات الفردية ، فبناء على القول بلزوم اتحاد المتلازمين في الحكم لا محالة تكون تلك الخصوصيات واجبة أيضا غايته بوجوب آخر ثان ، ولو لم نقل بذلك ، وقلنا بأنه يعتبر عدم مخالفتهما في الحكم ، فلا وجه لتعلق الطلب بالخصوصيات الفردية. والظاهر انّ ابتناء النزاع على هذا أوجه وأنسب ، وبما بيناه ظهر مدرك القولين وما هو الصحيح منهما.

٦٧

فصل : نسخ الوجوب

إذا نسخ الوجوب فهل يبقى الجواز بالمعنى الأعم؟

يقع الكلام تارة : في دلالة كل من دليل الحكم المنسوخ أو الناسخ على البقاء مستقلا ، وأخرى : في دلالتهما عليه منضما. ثم على تقدير عدم دلالة شيء منهما على ذلك هل يمكن إثباته بالاستصحاب أم لا؟

امّا دلالة دليل الحكم المنسوخ على بقاء الجواز بعد نسخ الوجوب فهي واضحة الفساد ، فإنه غير متكفل لبيان حكم ما بعد ارتفاع مدلوله ، وكذلك دلالة الدليل الناسخ ، فانّ غاية مدلوله رفع الحكم السابق ، وليس ناظرا إلى إثبات حكم آخر أصلا.

وامّا هما معا بقرينية كل منهما على الآخر فغاية تقريب دلالتهما على ذلك ان يقال : انّ دليل الواجب بالمطابقة يدل على الالتزام وبالالتزام الأعم من التضمن يدل على رجحان متعلقه ، ويدل على الترخيص في فعله بمعنى عدم ثبوت استحقاق العقاب عليه ، ودليل الناسخ لا ينفي الدليل المنسوخ بجميع مدلولاته ، وإلّا لزم ثبوت الحرمة عند ارتفاع الوجوب ، بل يحتمل ان ينفي خصوص الإلزام ، كما يحتمل نفيه لأصل الرجحان أو للجواز أيضا فيؤخذ بالمقدار المتيقن وهو نفي اللزوم فيبقى الرجحان على حاله.

وفيه : أولا : انّ الأحكام ليست من الأمور المتأصلة ، لا من الجواهر ولا من الاعراض ، بل هي اعتبارات ، فالوجوب اعتبار اللابدّية وثبوت الفعل في ذمة المكلف ، والحرمة اعتبار حرمان المكلف ، والإباحة اعتبار الإطلاق والإرسال

٦٨

للمكلف وهكذا ، وتكون اعتبارات متباينة ليس بعضها من مراتب بعض آخر ، كما يتصور ذلك في الموجودات المتأصلة ، مثلا البياض الشديد مرتبة من وجود البياض كما انه إذا ضعف أيضا يكون مرتبة ضعيفة لذاك البياض ، والجسم الضعيف يكون مرتبة من مراتب الجسم فإذا سمن أيضا يكون ذاك الوجود بعينه غايته مرتبة قوية منه ، وعلى هذا فإذا اعتبار الوجوب لشيء ونسخ لا يعقل القول ببقائه في مرتبة ضعيفة ليكون مستحبا ، لأنّ الاستحباب ليس من مراتب الوجوب بل هو اعتبار مباين له.

وثانيا : قد ذكرنا مرارا انّ الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية حدوثا وبقاء ، فإذا فرضنا انتفاء الدلالة المطابقية وسقوطها تسقط الدلالة الالتزامية أيضا ، ولذا لو قال المولى «أكرم كل عالم» وورد في دليل «لا يجب إكرام زيد العالم» لم يحتمل أحد استحباب إكرامه بتخيل انّ العام بالالتزام أثبت رجحان إكرامه والمخصص انما رفع لزومه ، فاصل رجحانه باق على حاله ، والمقام من هذا القبيل ، فانّ النسخ تخصيص من حيث الأزمان فلا يمكن القول ببقاء الرجحان بعد زمان نسخ الوجوب.

فتحصل انه لا يمكن استفادة بقاء الجواز أو الاستحباب في المقام من الدليلين لا مستقلا ولا منضما.

وامّا استصحاب الجواز فهو غير جار ، لأنه من قبيل القسم الثالث من استصحاب الكلي ، فانّ الرجحان أو الجواز المتيقن في ضمن الوجوب قد ارتفع قطعا ، وشك في حدوثه في ضمن الاستحباب مقارنا لارتفاع الوجوب ، وبينا في محله عدم جريانه ، فلا بدّ من الرجوع لحكم ما بعد النسخ إلى الأدلة الاجتهادية ان كان وإلّا فإلى الأصل العملي من البراءة والاشتغال ، ولا ينبغي التعرض لهذا البحث أزيد مما ذكر.

٦٩

فصل : في الوجوب التخييري

لا إشكال في إمكان الوجوب التخييري ووقوعه في الشرع والعرف. وحيث انّ الواجب هو ما لا يجوز تركه ويستحق العقاب عليه ، وقع الإشكال في الواجب التخييري في انه كيف يكون واجبا مع جواز تركه ولو إلى بدل؟! فكأنّ ذلك يكون من اجتماع النقيضين وقد ذكروا في تصويره وجوها :

أحدها : ما نسبه المعتزلة إلى الأشاعرة وبالعكس ، وتبرأ منه كلتا الطائفتين من انّ الواجب هو ما يختاره المكلف ويأتي به ، المعلوم عنده تعالى ولو كان مجهولا لغيره.

وفيه : أولا : انه لو عصى المكلف ولم يأت بشيء منها فما يكون الواجب حينئذ؟

وثانيا : انّ الواجب التخييري موجود في الأمور العرفية أيضا ، وأهل العرف لا يعلمون الغيب ، فمطلوبهم في الواقع أيّ شيء؟ مضافا إلى انّ الظاهر اشتراك المكلفين في الأحكام ، ولا فرق بينهم في ذلك.

ثانيها : انّ كلا منها واجب إلّا انّ وجوب جميعها يسقط بفعل واحد منها.

وفيه : انّ الإتيان بمتعلق كل امر لا يوجب إلّا سقوط امره دون الأمر المتعلق بغيره.

وفصل في الكفاية (١) بين ما إذا كان هناك غرض واحد للأمر قائم بكل من الأمور بحيث يحصل بإتيان كل منها ، فالامر حينئذ امر واحد متعلق بالجامع بينها ،

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٢٥.

٧٠

فيكون التخيير عقليا ، وما إذا كان هناك غرضان أو أكثر كل منها مترتب على شيء غايته انّ المكلف غير متمكن من استيفاء الغرض الثاني والثالث بعد استيفاء الغرض الأول ، وعليه يكون هناك تكليفان غايته سنخ تكليف يسقط كل منهما بامتثال الآخر.

وبعبارة أخرى : ان كان هناك غرض واحد مترتب على كل من أطراف الواجب التخييري على البدل ، فحيث انّ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد ، ويستحيل ان يؤثر امران متباينان بما هما متباينان في أثر واحد يستكشف انّ هناك جامع ذاتي بين تلك الأفعال وهو المأمور به ، وعليه يكون التخيير بينها تخييرا عقليا : وان كان هناك غرضان أو أكثر كل منها قائم بفعل منها غاية الأمر لا يتمكن المكلف من استيفائها لا لعجزه عن إتيان الفعلين أو الأفعال وتضادها ذاتا ، واتفاقا ليدخل في باب التزاحم ، بل لتضاد الغرضين والملاكين في نفسيهما ، وعلى هذا فيكون هناك وجوبان غايته سنخ وجوب يسقط كل منهما بفعل الآخر ، فإذا أتى المكلف بأحد الواجبين يسقط كلا الأمرين ، اما سقوط الأمر المتعلق به فلاستيفاء غرضه ، واما سقوط الأمر الآخر فلعدم التمكن من استيفاء ملاكه.

هذا وفيما أفاده بكلا شقيه نظر.

اما الشق الأول ففيه : أولا : انا قد ذكرنا في أول الكتاب انّ برهان الواحد لا يصدر إلّا من الواحد على فرض صحته فانما يتم في الواحد الشخصي ، فانه يستحيل صدوره من شخصين وإلّا لزم توارد علّتين على معلول واحد ، وإلى هذا يشير الشاعر بقوله :

وفي كل شيء له آية

تدل على انه واحد

واما الواحد بالنوع فلا مانع من صدوره من مقولات متباينة لا جامع بينها أصلا ، وذكرنا لذلك أمثلة ، فلا نعيدها ، والغرض في المقام من الأمر بإتيان النار أو

٧١

الفروة مثلا ليس واحدا شخصيا ، بل واحد بالنوع وهو الإدفاء مثلا ، فلا مانع من ان يؤثر كل من الأمرين في فرد من الغرض من دون ان يكون بين الأمرين جامع أصلا.

وثانيا : لو سلمنا ذلك فهذه التدقيقات انما تفيد في الأمور الفلسفية ، واما الأحكام الشرعية فلا بدّ وان تترتب على أمور يفهمها العرف ، والجامع بين الواجبات التخييرية المستكشف من وحدة الغرض ليس كذلك ، فلا معنى لإيجابه ، إذ الغرض من إيجاب الشيء انما هو انبعاث المكلف نحوه ، فإذا لم يمكن الانبعاث لعدم إمكان معرفته لا يكون إيجابه صحيحا.

والقول بأنّ النبي وأوصياءه عليهم‌السلام يبينون لنا ذلك ببيان مصاديقه سخيف جدا ، إذا الأفراد على هذا لا تكون واجبة ، فالقول بوجوبها تشريع محرم ، فكيف يبين الإمام عليه‌السلام وجوب ما ليس بواجب دون ما هو واجب؟!

واما الشق الثاني من كلامه فيرد عليه :

أولا : انّ التضاد بين الغرضين والملاكين مع تمكن المكلف من الإتيان بالفعلين فرض ملحق بأنياب الأغوال (١) إذ لا وجه لعدم تمكن المكلف من استيفاء الملاكين بعد تمكنه من الإتيان بالفعلين.

وثانيا : لو سلمنا ذلك ، فهل يكون التضاد بين الغرضين في خصوص ما إذا أراد المكلف استيفائهما طولا ، بمعنى استحالة استيفاء الغرض الثاني إذا استوفى الغرض الأول وانّ التضاد بينهما ثابت حتى عرضا؟ وعلى الأول أي إذا أمكن استيفاء الملاكين دفعة واحدة لا وجه لتفويت المولى على المكلف أحد الملاكين ، بل لا بدّ له من إيجاب كلا الفعلين دفعيا ، وعلى الثاني إذا فرضنا انّ المكلف أتى بفردين

__________________

(١) أغوال جمع غول وهو : كل ما أخذ الإنسان من حيث لا يدري فأهلكه وتزعم العرب انه نوع من الشياطين تظهر للناس في الفلاة ـ المعجم الوسيط ٢ : ٦٦٧.

٧٢

من الواجب التخييري في آن واحد بان أعتق الرقبة وأطعم ستين مسكينا دفعة واحدة ، فالغرضان لم يستوفهما على الفرض. والقول باستيفاء الغرض المترتب على عتق الرقبة دون المترتب على الإطعام ترجيح بلا مرجح ، وهكذا عكسه ، فلا بد من الالتزام بعدم استيفائه حينئذ لشيء من الغرضين ووجوب الإتيان بأحدهما عليه ، ولم يلتزم بذلك أحد.

وذكر المحقق النائيني (١) قدس‌سره ما حاصله : انّ الإرادة التكوينية تفترق عن الإرادة التشريعية في انّ متعلق الإرادة التكوينية لا بدّ وان يكون هو الشخص المعين ولا معنى لتعلقها بأمر مردد ، وهذا بخلاف الإرادة التشريعية فانها متعلقة بالكلي ، فلا مانع من ان تتعلق بالمردد ، وكان يعبر قدس‌سره عن ذلك بواقع أحد الأمرين أو الأمور لا مفهومه.

ونقول : لا يمكننا المساعدة على ما أفاده بعد ما صرح به في ذيل كلامه ، فانّ الواقع المردد لا معنى له أصلا ، إذ المردد لا ذات له ولا ماهية ولا وجود. اللهم إلّا أن يرجع كلامه إلى الوجه الأول ، وهو كون الواجب ما يختاره المكلف خارجا ، وقد عرفت ما فيه.

وذكر بعض أعاظم مشايخنا قدس‌سرهم ما حاصله : انّ الواجب كل من الطرفين أو الأطراف بالخصوص لاشتماله على المصلحة ، إلّا انّ الشارع إرفاقا يرفع اليد عن وجوب بقية الأطراف إذا أتى المكلف بأحدها.

والفرق بين هذا الوجه والوجه الثاني غير خفي ، فانّ في ذلك الوجه ذهب القائل إلى سقوط وجوب بقية الأطراف بإتيان طرف واحد ، ولذا أشكلنا عليه بأنّ إتيان الواجب لا يوجب سوى سقوط الأمر المتعلق به دون غيره ، واما في هذا

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ١٨٣.

٧٣

الوجه فالسقوط يكون بإسقاط المولى إرفاقا ، فلا يرد عليه ما أوردناه هناك ، إلّا انّه أيضا غير تام لوجهين :

الأول : انّ الواجب التخييري ليس منحصرا بالشارع ، لأنه موجود في العرف أيضا ، وإذا راجعناهم نرى انّ في الوجوب التخييري العرفي ليس للآمر امران ثم يسقط أحدهما بامتثال الآخر ، كما لو امر المولى عبده بإحضار أحد الأمرين من النار أو الفروة ، بل ليس له إلّا امر واحد.

والثاني : انّ لازم ذلك تعدد العقاب فيما لو عصى المكلف ولم يأت بشيء من الأطراف.

فالوجوه المتقدمة كلها غير تامة.

والصحيح ان يقال : انّ الواجب التخييري ثبوتا يمكن تصويره على وجهين.

أحدهما : ان تكون هناك مصلحة واحدة قائمة بكل من الأطراف على البدل.

ثانيهما : ان يكون في كل منها مصلحة مستقلة إلّا انهما معا ليستا بملزمتين ، فذات المصلحة موجودة في كل من الأطراف إلّا انها بصفة الإلزام غير موجودة إلّا في الجامع بينهما أعني أحدهما ، ولذا لا يمكن إلّا إيجاد الجامع.

وكل من الأمرين ممكن ثبوتا ، إلّا انّ مقام الإثبات انما يساعد الصورة الأولى دون الثانية ، وعليه فالواجب انما هو عنوان أحد الأمرين أو أمور الّذي هو كلي طبيعي انتزاعي نظير الكلي المتأصل وكل منهما قابل الانطباق على ما في الخارج.

هذا وربما يستشكل في ذلك من حيث انّ العنوان الانتزاعي الّذي لا وجود له كيف يتعلق به الطلب ويكون موردا لاعتبار اللابدّية؟!

والجواب عنه انا نرى بالوجدان انه قابل لأن يتعلق به الصفات النفسانيّة المتأصلة فكيف بالأمر الاعتبار. وأوضح مثال لذلك ما إذا علمنا إجمالا بنجاسة

٧٤

أحد المائعين وكان كلاهما نجسا في الواقع ، فالمعلوم نجاسة أيّ منهما؟ أو علمنا بفسق أحد شخصين وكانا معا فاسقين ، فهل المعلوم فسق أحدهما معينا أو فسقهما معا أو فسق غيرهما؟ كل ذلك خلف ، فليس المعلوم إلّا عنوان أحدهما ، وهو عنوان قابل الانطباق على ما في الخارج ، وكما يصح ان يقال : هذا عباء مثلا يمكن ان يقال : مشيرا إليه هذا أحد مملوكات زيد من غير مسامحة ، وهكذا يمكن ان يتعلق الشوق بعنوان أحد الأمرين أو الأمور فنقول إنّي أشتقت أحد الطعامين ، وإذا أمكن تعلق الصفة النفسانيّة به فإمكان تعلق الأمر الاعتباري به يكون بطريق أولى ، فتأمل. فلا مانع من ان يأمر المولى بعنوان أحد الأمرين ويطلب نفس هذا العنوان الانتزاعي على ما له من الوجود الانتزاعي خارجا عنه.

وعلى هذا فالفرق بين التخيير العقلي والشرعي هو انّ الشارع تارة يعلق حكمه على الطبيعي ابتداء ، فيكون تطبيقه على افراده بيد المكلفين من غير اختصاصه بأحد دون أحد ، وهذا هو التخيير العقلي ، وأخرى يبين الشارع افراد متعلق حكمه وان كان كل منها كليا ، ثم العقل ينتزع جامعا عنوانيا بين تلك الافراد ، وهذا هو مورد التخيير الشرعي.

«التخيير بين الأقل والأكثر»

إذا عرفت حقيقة الواجب التخييري. فنقول : وقع الخلاف في إمكان التخيير بين الأقل والأكثر ، فذهب بعض إلى إمكانه ، وجماعة إلى استحالته وانّ الزائد على الأقل اما يقع مستحبا ، وامّا يكون تشريعا محرما.

والتحقيق : انّ الأقل تارة : لا يكون موجودا في ضمن الأكثر ، بل يكون الأقل موجودا بوجود مغاير لوجود الأكثر كما في الطويل والقصير ، مثلا لو امر

٧٥

المولى بإيجاد خط مستقيم وهو اقتصر خط يفرض بين نقطتين ، فشرع العبد في إيجاده ، فلما لم يرفع قلمه لا يوجد الخطّ المستقيم لاحتمال ان يميل قلمه ويجعله منحنيا أو مثلثا أو غير ذلك من الإشكال ، وإذا رفع القلم يكون ذلك خطا واحدا محدودا بحد خاص كشبر أو متر ونحوه ، وليس وجود الخطّ المستطيل بمقدار شبرين وجود خطين كل منهما بقدر شبر مثلا ، فانّ الاتصال مساوق للوحدة بالدقة العقلية وإلّا لزم وجود الجزء الّذي لا يتجزأ ، وهو محال ، وبنظر العرف أيضا ، بداهة انّ الحبل المستطيل لا يعد عرفا إلّا حبلا واحدا لا حبالا كثيرة.

ونظير ذلك ما إذا كانت القلة والكثرة من حيث الكم لا المساحة ، كما لو امر المولى عبده بان يتصدق درهما أو عشرة دراهم دفعة واحدة لا تدريجا ، فانه لو اختار الثاني لا يكون تلك العشرة مشتملة على درهم واحد وزائد ، وهذه الصورة في الحقيقة خارجة عن التخيير بين الأقل والأكثر ويكون من قبيل المتباينين.

وأخرى : يكون الأقل موجودا في ضمن الأكثر ، وهذا ينقسم إلى قسمين ، فإنّ الأقل الموجود في ضمن الأكثر ربما يكون مأخوذا بشرط لا عن الزائد في متعلق الأمر ، وربما يكون لا بشرط بالإضافة إليه.

مثال الأول التخيير بين القصر والتمام في مواضع التخيير ، فانّ ركعتين وان كانتا موجودتين في ضمن أربع ركعات وهي مشتملة عليهما ، إلّا انهما مأخوذتان بشرط لا عن الزيادة ، ولذا لو صلى المكلف ثلاث ركعات لم يأت بالواجب بحده وان أتى بذات الركعتين في ضمن الثلاث ، فمرجع هذا أيضا إلى المتباينين وان كانت الصورة صورة الأقل والأكثر ، فلا مانع من التخيير في مثاله أيضا.

واما القسم الثاني ، كالتخيير في ذكر الركوع والسجود بين الواحد والأكثر ، وفي مثل ذلك يستحيل التخيير ، لأنه بعد ما أتى المكلف بالأقل فقد أتى بالواجب إذ المفروض انه لم يكن محدودا ، بل كان حده اللابشرطية فيسقط الوجوب لا محالة ،

٧٦

فكيف يمكن ان يقع بقية الوجودات أيضا مصاديقا للواجب ، فلا بد من الالتزام في نظائر ذلك باستحباب المقدار الزائد لا محالة ، ولا يجري منها ما ذكره في الكفاية من إمكان التخيير بين الأقل والأكثر أصلا.

٧٧

فصل : في الواجب الكفائي

قد ذكرنا غير مرّة انّ غرض المولى ربما يكون متعلقا بالطبيعي ، سواء كان كليا متأصلا أو كليا منتزعا بنحو صرف الوجود ، فتكون جميع الخصوصيات الفردية خارجة عن حيز طلبه وهكذا امره ، وربما يكون متعلق غرضه وامره الطبيعي بقسميه بنحو مطلق الوجود أي السريان ، مثلا يقول : «أكرم كل عالم» أو «أضف كل جيراني» وهكذا. وهذان القسمان كما يمكن تصويرهما بالإضافة إلى متعلق التكليف كذلك يتصوران بالقياس إلى المكلفين ، فقد يكون الغرض قائما بصدور الفعل من طبيعي المكلفين بنحو صرف وجودهم ، فتكون خصوصيات المكلفين كلها ملغاة في نظره ، ولا يكون لشيء منها دخل في امره أصلا ، وقد يكون غرضه صدوره من جميع المكلفين أي كل واحد منهم.

وبعبارة أخرى : ربما يكون الغرض حصول الفعل خارجا من طبيعي المكلف ، ويعبر عنه بالمعنى الاسم المصدري ، فليس للمولى غرض إلى خصوصية الفاعل من كونه زيدا أو عمرو أصلا ، وربما يكون الغرض صدور الفعل من كل مكلف أو من اشخاص معينين منهم.

والواجب على الأول هو الواجب الكفائي ، وعلى النحو الثاني يسمى بالعيني ، وحيث انّ المكلف في الأول هو طبيعي الإنسان البالغ العاقل الواجد لشرائط التكليف فإذا عصى جميع الافراد ولم يأت بالواجب أحد منهم يكون كلهم معاقبين ، لأنّ جميعهم كانوا مصداقا للطبيعي وكان الطبيعي منطبقا على كل واحد منهم ، كما انهم لو امتثلوا جميعا دفعة واحدة كلهم يثابون ، وإذا أتى بالواجب بعضهم دون بعض يثاب الممتثل لا بما انه شخص ، بل بما انه مصداق لطبيعي المكلف الممتثل

٧٨

للأمر ، ولا يثاب غيره من افراد الطبيعي لعدم وجود المقتضي للثواب فيهم ، وهذا كله واضح.

ثم انّ بعضهم ارجع الوجوب الكفائي إلى الوجوب العيني المشروط ، وذهب إلى انّ التكليف في الواجبات الكفائية متوجه إلى كل واحد من المكلفين مشروطا بعدم إتيان غيره بالواجب.

وكأنّ الميرزا قدس‌سره ارتضاه ثبوتا وإمكانا ، حيث لم يستشكل عليه إلّا من ناحية الإثبات ، وانه لا وجه لتعدد الإيجاب مع وحدة الغرض.

ونقول : ان كان متعلق التكليف مما يستحيل ان يوجده إلّا واحد من المكلفين ، كما لو فرضنا انّ غرض المولى تعلق بان لا تبقى اللقمة من الخبز في الخارج وان تؤكل فيأمر كلا من عبيده بأكله مشروطا بعدم أكل غيره له ، فلا مانع منه ثبوتا ، بل المانع منحصر بالمانع الإثباتي ومن حيث انّ وحدة الغرض لا يقتضي تعدد الإيجاب.

واما ان كان الواجب مما يمكن ان يوجده جمع من المكلفين دفعة واحدة ، كالصلاة على الميت ، فلا يمكن ان يؤمر كل منهم بإيجاده مشروطا بترك غيره ثبوتا أيضا ، وذلك لأنه ما المراد من الشرط أعني به ترك غيره؟

ان أريد به الترك آناً ما أي بمقدار يسع الوقت للإتيان به فلازمه ان يكون الواجب فعليا بالإضافة إلى عامة المكلفين فيما إذا مضى زمان يمكن فيه الإتيان بالواجب ولم يأت به أحد ، لحصول شرطه بالقياس إليهم أجمعين ، فلا يسقط الوجوب بعد ذلك عن الجميع بفعل البعض ، وهذا لا يلتزم به.

وان أريد بالترك الترك في مجموع الوقت بان يكون الترك في كل آن شرطا لوجوب الفعل في ذلك الآن ، نظير ما ذكرناه في الترتب واشتراط الأمر بالمهم بعصيان الأهم ، وعليه لو فرضنا انّ جماعة من المكلفين تقارن شروعهم في الإتيان

٧٩

بالواجب ، وفرغوا عنه في آن واحد لازم ذلك ان لا يقع فعلهم مصداقا للواجب الفعلي أصلا ، لعدم تحقق شرط الوجوب بالإضافة إليهم فيجب إعادته.

اللهم إلّا ان يقال : انّ الشرط هو عدم سبق الغير بالشروع لا الترك ، ومن الواضح انّ هذا تمحل لا وجه له أصلا.

ثم انه ذكر في المقام فرع لا بأس ببيانه : وهو : انه لو كان هناك محدثان أو متيممان فوجدا في أثناء الوقت مثلا ماء بمقدار لا يفي إلّا لوضوء أحدهما لا كليهما ، فان كان الماء مباحا لأحدهما دون الآخر فلا إشكال في انتقاض تيممه بذلك لو كان متيمما ووجوب الطهارة المائية عليه دون صاحبه.

وامّا لو فرضنا إباحة الماء لكل منهما ، فهل يجب الوضوء عليهما معا وجوبا مطلقا ، أو على خصوص أحدهما ، أو لا يجب على شيء منهما ، أو يجب على كل منهما مشروطا باستيلائه على الماء؟

الصحيح : هو الأخير ، فانّ هذا الفرع يكون نظير باب التزاحم ، غايته في الإتيان الخارجي لا في حكمين ، وعليه فحيث انّ طلب الماء واجب ووجوبه مطلق يجب على كل منهما السعي لأن يحصل الماء ، فإذا استولى عليه أحدهما يكون وجوب الوضوء أو الغسل بالإضافة إليه فعليا دون الآخر ، وإذا استوليا معا عليه وكان من المباحات الأصلية لا يكون الوجوب فعليا بالإضافة إلى أحد منهما لحصول الشركة ، كما انه لو تنازعا في الطلب إلى ان ضاق الوقت يسقط وجوب الطهارة المائية عنهما معا. وامّا وجوب الوضوء أو الغسل فهو متوجه إلى كل منهما غايته مشروطا كما عرفت. هذا في الحكم التكليفي.

وامّا من حيث الحكم الوضعي ، فهل ينتقض في الفرض تيمم كل منهما ، لأنّ وجدان الماء من نواقضه على ما صرح به في الروايات أو لا ينتقض تيممهما أصلا؟ بعد وضوح انه لا معنى للحكم بانتقاض كل من التيممين مشروطا.

٨٠