دراسات في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

لا يكون بينهما تناف أصلا ، وقد عرفت ثبوت ذلك في المقتضيين في الأمور التكوينية.

وقد يتفق ذلك في الأمرين الصادرين من آمرين مثلا يقول : أحد الجارين للجار الّذي يريد بيع داره بعه إيّاي ويقول الجار الآخر بعه إياي ، فلا محالة يقع التزاحم بينهما ، وهناك جار ثالث يقول للمالك ان لم تبعه إياهما فبعه إياي ، فهل يتوهم التزاحم بين امره وامر الجارين الأولين؟! والمقام كذلك.

ثم بما بيناه ظهر ما في كلام الكفاية (١) من انّ الأمر المطلق متحقق في زمان فعلية الأمر المشروط فيقع التزاحم بينهما ، وذلك لأنّا لا ننكر وجود الأمرين معا ، إلّا انا نريد ان نقول : لا يلزم من ذلك التنافي ، ولا طلب الجمع بين الضدين كما عرفت.

وقد أوضح الميرزا ما ذكر بمثال ، وهو انه لو امر المولى عبده بدخول المسجد ثم أمره بالقراءة على تقدير ترك الدخول في المسجد ، فلو فرضنا انّ المكلف أتى بهما معا بان دخل المسجد وقرأ لا يكون آتيا بواجبين بالوجدان ، ويستكشف من ذلك عدم استلزامه طلب الجمع بين ضدين.

وهكذا لو فرضنا محالا تمكن أحد من الجمع بين الضدين وأتى بهما معا لا يكون ممتثلا لأمرين وآتيا بواجبين.

وبما بيناه ظهر أيضا فساد ما في الكفاية (٢) من انّ اشتراط التكليف بأمر اختياري لو كان موجبا لجواز الأمر بالجمع بين ضدين لجاز ذلك في مثل ان يقال : ان صعدت السطح فاجمع بين ضدين ، ومن الظاهر استحالته ، وذلك لما عرفت من أنّه إذا اشترط أحد الخطابين بترك الآخر لا يلزم من ذلك طلب الجمع بين ضدين كما عرفت ، لا انه جائز إذا استند إلى سوء اختيار المكلف كما توهم ، كما لو فرضنا انّ

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢١٣.

(٢) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢١٧.

٤١

الوالد امر ولده بالصعود إلى السطح وأمرته والدته بالنزول إلى السرداب فإنّ التنافي بين الأمرين ظاهر ، وامّا لو فرضنا انّ الوالد امره بالصعود إلى السطح لكن مشروطا بعدم نزوله إلى السرداب ، فليس بين الأمرين حينئذ تنافي أصلا ، وإذا صح ذلك في امرين من آمرين يصح في أمرين من شخص واحد أيضا.

وحاصل الكلام : انّ الأمر بالضدين يتصور على أقسام أربعة : لأنه تارة : يؤمر بكل منهما بنحو الإطلاق ، مثلا يقول المولى تحرك إلى الشمال وتحرك إلى الجنوب.

وأخرى : يؤمر بكل منهما مشروطا بأمر غير عصيانه الآخر ، وقد حصل الشرط خارجا.

وثالثة : يؤمر بأحدهما مطلقا وبالآخر مشروطا كذلك.

ويستحيل الجمع بين الطلبين في جميع الأقسام الثلاثة ، لاستلزامه طلب الجمع بين الضدين ، اما مطلقا وامّا عند حصول الشرط.

ورابعا : يؤمر بكل منهما مشروطا بعصيان الآخر ، أو بأحدهما مطلقا وبالآخر مشروطا بترك الآخر وعصيانه. والقائل بالترتب يدعي عدم استلزام هذا القسم لطلب الضدين أصلا ، وذلك لأنّ الأمر بالأهم وان كان ثابتا في ظرف عصيانه لكون العصيان عصيانا له ، كما انّ الأمر بالمهم أيضا فعلي حينئذ لتحقق شرطه إلّا انه مع ذلك لا تنافي بينهما ، لأنّ الأمر بالأهم وان كان معدما للأمر بالمهم لأنه ناف لعصيان نفسه إلّا انّ الأمر لا يقتضي عصيانه بل يأمر بالمهم على تقدير العصيان ، هذا حل المطلب.

واما نقضه فيما إذا صدر من المولى امران بغير الضدين مما يمكن الجمع بينهما وكان أحدهما مشروطا بترك الآخر ، مثلا قال المولى : ادخل المسجد وإذا تركته فاقرأ القرآن ، فلو أتى المكلف بهما معا فهل يكون آتيا بواجبين؟ من الواضح خلافه ، بل

٤٢

لم يأت إلّا بواجب واحد ، لأنّ الآخر كان وجوبه مشروطا بعدم الإتيان بذاك ، فيعلم من ذلك عدم تعلق الأمر بهما بنحو يلزم منه طلب الجمع ، ونمثل لتوضيح ما ذكرناه بمثالين أحدهما عرفي ، والآخر شرعي.

امّا العرفي فيما إذا امر الوالد ولده بالمطالعة وامره بالكتابة على تقدير عدم المطالعة ، ومثل هذين الأمرين كثيرا ما يصدر منا ، وبالوجدان نرى انّ لنا طلبين مولويين لا إرشاديان إلى ثبوت ملاكين ، فإذا أتى الولد بالمطالعة يكون مطيعا ، وان فات منه ملاك الكتابة إلّا انه مستند إلى عجزه لا إلى اختياره ، واما لو تركهما معا يكون معاقبا عندنا بعقابين.

واما المثال الشرعي فيما لو فرضنا انّ السفر على شخص كان واجبا والإقامة كانت محرمة عليه حدوثا وبقاء ، فدائما يكون مأمورا بالسفر ويقال له لا تنو الإقامة ، ولكن إذا فرضنا انه عصى ونوى الإقامة فهل يكون مكلفا بالصوم في شهر الصيام وبإتمام الصلاة مع ثبوت المضادة بينهما وبينه أم لا؟ من البديهي كونه مكلفا بذلك ، ولا يتم هذا إلّا بالترتب بان يقال له لا تنو الإقامة وان عصيت فصم وأتم صلاتك فالترتب لا بدّ من الالتزام به في مثل المقام ، فتأمل.

وبما بيناه ظهر انّ الشرط في الترتب ليس هو العصيان حدوثا وإلّا لزم منه طلب الجمع بين الضدين لو تحقق العصيان آناً ما ، بل العصيان حدوثا وبقاء ، ففي كل آن يكون الأمر بالأهم ثابتا يتبعه الأمر بالمهم مشروطا بعصيان ، فدائما يكون الأمر بالمهم مشروطا حتى في فرض تحقق العصيان ، لأنّ المشروط لا ينقلب مطلقا بعد فعلية شرطه ، فأين طلب الجمع بين ضدين؟

وتوهم المنكرين للترتب عمدته ناشئ من ذلك ، ويندفع ذلك بما بيناه من اشتراط الأمر بالمهم دائما وفي كل آن بعصيان الأهم ، فلا يلزم منهما التنافي وطلب الجمع بين ضدين.

٤٣
٤٤

تنبيهات

الأول : انّ القول بالترتب مستلزم لتعدد العقاب عند ترك كلا الأمرين وعصيان كلا الخطابين ، فانّ الأمر بالأهم مطلق فعصيانه يوجب استحقاق العقاب ، والأمر بالمهم وان كان مشروطا إلّا انه بعد حصول شرطه على الفرض يكون فعليا بفعلية شرطه ، فيستلزم عصيانه العقاب.

وتخيل انّ ذلك مستلزم لثبوت العقاب على امر غير اختياري ، مدفوع بما مر في طيّ كلماتنا من انّ العقاب ليس على ترك الجمع ليكون على أمر غير مقدور ، بل هو على الجمع في الترك وضم الترك الثاني إلى الترك الأول ، ومن الواضح انّ كليهما مقدور للمكلف. ونظير ذلك جميع الواجبات الكفائية ، فانّ التكليف في الواجب الكفائي تكليف واحد غير انحلالي متوجه إلى عامة المكلفين ، نظير ان يأمر المولى العرفي غلمانه بدخول واحد منهم عليه بحيث لو دخل منهم اثنان لا يكون أحد الدخولين مصداقا لمطلوبه ، ففيما كان الواجب الكفائي مما لا يمكن صدوره من عامة المكلفين دفعيا لو فرضنا ترك ذلك الواجب ولم يأت به أحد منهم فان عاقب منهم البعض المعين كان بلا مرجح ، كما انّ البعض الغير المعين لا معنى له ، فتعين ان يكون المعاقب جميع المكلفين مع عدم تمكن جميعهم من الإتيان بالواجب بما هو واجب ، فلا بد وان يكون عقاب كل منهم على ضم تركه إلى بقية التروك الّذي كان اختياريا له ، وفي المقام أيضا كذلك.

الثاني : قد ذكرنا انّ إمكان الترتب كاف في وقوعه ، ولا نحتاج إلى إقامة دليل عليه في مقام الإثبات.

٤٥

بيان ذلك : انّ مقتضى إطلاق كل من دليلي الواجبين المتزاحمين ثبوت الأمر به سواء أتى بالآخر أو لم يأت به ، والتنافي انما ينشأ من هذين الإطلاقين ، فالعقل عند التساوي ، يقيد كل منهما بعدم الإتيان بالآخر ، وإذا كان أحدهما أهم فإطلاق غيره مقيد قطعا ، واما تقييد إطلاقه فمشكوك فيه ، فيؤخذ به ، وأما رفع اليد عن أصل الخطاب فلا وجه له.

الثالث : انّ الترتب انما يتصور فيما إذا كانت القدرة في كلا الخطابين معتبرة بحكم العقل ، وامّا إذا كانت القدرة مأخوذة في أحدهما أو كليهما شرعا فلا مجال للترتب أصلا ، وذلك لأنّ الترتب معناه اشتراط الخطاب بعصيان الآخر ، وهو انما يعقل فيما إذا لم يكن مجرد الأمر معدما لموضوعه.

وبالجملة تارة يكون نفس أحد الأمرين معدما لموضوع الآخر ، وأخرى يكون امتثاله معدما لموضوعه ، والترتب يتصور في الثاني ، إذ عند تحقق العصيان فيه يقدر المكلف على الإتيان بالثاني.

واما لو كان نفس الأمر معدما لموضوعه فبمجرد تحقق الأمر انعدم موضوع ذلك سواء عصى المكلف أو امتثل ، ولا دخل للعصيان وعدمه في ذلك ليؤمر به على فرض العصيان ، وموارد أخذ القدرة في الحكم شرعا دائما من هذا القبيل ، كالأمر بالطهارة المائية للواجد بمعنى القادر المعبر عنه باللغة الفارسية (توانائى) ، فإذا فرضنا أمر المولى المكلف بصرف مائه في حفظ النّفس المحترمة ، فمجرد ذلك يوجب خروجه عن عنوان الواجد ، لأنه غير متمكن من استعمال الماء شرعا ، فلو عصى وتوضأ لا يمكن تصحيحه بالترتب كما نسب ذلك إلى العروة وان لم نعثر عليه فيه ، ولا بالملاك عند القائلين به ، لأنّ ظاهر أخذ القدرة في الخطاب عرفا هو دخلها في الملاك بحيث لا يكون له ملاك عند العجز أصلا.

نعم فيما كان امتثال الخطاب معدما لموضوع الخطاب الآخر لا نفسه يصح

٤٦

الترتب ، لأنه عند عصيان الأول يتحقق الموضوع للثاني لا محالة ، ويترتب على هذا فروع.

منها : مسألة الحج ، فإنّه لو كان أحد مديونا بدين معجل ولم يؤد دينه وحج لا يكون مستطيعا ، لأنّ مجرد امر المولى بأداء الدين يخرجه عن عنوان المستطيع ولو عصاه.

ونظيره الخمس المترتب على فاضل المئونة ، فلو فرضنا انّ المكلف مديون من نفس سنة الخمس ولم يؤد دينه ، فمجرد امر المولى بأدائه يخرج مقدار الدين عن فاضل المئونة ، فلا يتعلق به الخمس ، نعم في الديون من السنوات السابقة خلاف ، قول يتعلق الخمس به وعدم احتسابه من المئونة مطلقا ، وقول بعكسه مطلقا ، وقول بالتفصيل بينما ما إذا أداه قبل تمام السنة ، أو لم يؤده ، والقول الأول هو الأولى وأحوط.

نعم فيما كان الأمر بالأداء مجرد امر تكليفي لا وضعي كما في باب الإنفاق على الزوجة أو على الوالدين والوالد ، لو عصى ولم ينفق يتعلق الخمس بذلك المقدار أيضا.

وبالجملة فيما كانت القدرة دخيلة في الملاك لا معنى للترتب أصلا ، لانعدام الملاك فيه بمجرد الأمر بالآخر.

وما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره من انّ الترتب انما يتم فيما إذا أحرز الملاك في كل من الواجبين وان كان راجعا إلى ما ذكرناه إلّا انّ إحراز الملاك انما يكون بنفس الترتب فيما لم يؤخذ القدرة فيه شرعا ، لا انه لا بدّ أولا من إحراز الملاك ثم الحكم بالترتب لأجل ثبوت الملاك ليكون الحكم مؤخرا عنه رتبة ، إذ ليس لنا كاشف عن الملاك غير نفس الخطابات الشرعية.

الرابع : لا إشكال في صحة الإتمام في موضع القصر ، والإجهار في مورد

٤٧

الإخفات ، وبالعكس إذا لم يكن عن عمد لو كان الجاهل مقصرا.

وظاهر كلام الأصحاب ثبوت استحقاق العقاب في ذلك أيضا ، كما هو الحال في مطلق تارك الفحص إذا كان عن تقصير ، فانّ عمله يكون محكوما بالبطلان ظاهرا بمعنى عدم الاجتزاء بما أتى به عقلا.

وفي اعتبار مطابقة ما أتى به لرأي من كان يجب عليه تقليده حين العمل أو من يجب عليه تقليده فعلا في صحة عمله واقعا كلام يذكر في محله.

وكيف كان وقع الإشكال في الموردين في انه كيف يمكن القول بصحة ما أتى به الجاهل مع كونه مستحقا للعقاب؟ وأجاب عنه الشيخ الكبير كاشف الغطاء قدس‌سره بالترتب ، وانّ القصر للمسافر واجب مطلقا والإتمام واجب على تقدير تركه القصر ، فإذا أتم المسافر يعاقب على عصيانه الأمر الأول ، ويكون ما أتى به صحيحا لكونه مصداقا لما امر به بنحو الترتب. وأورد عليه شيخنا الأنصاري باستحالة الترتب مطلقا.

وحيث انّ المحقق النائيني قدس‌سره يرى إمكانه ذكر انّ الترتب في نفسه وان كان صحيحا إلّا أنّه مستحيل في المقام لوجوه ثلاثة (١) :

أحدها : الترتب انما يجري فيما إذا كان التضاد اتفاقيا ناشئا من عجز المكلف وعدم قدرته على الجمع بين الأمرين ، فإطلاق الخطاب المتعلق بالأهم حينئذ يبقى على حاله ، وإطلاق خطاب المهم يقيّد بحكم العقل بعصيان الخطاب الأهم ، واما موارد التضاد الدائمي فهي خارجة عن باب التزاحم ، ولا يعقل ثبوت الملاك في كل منهما ولا تعلق الأمر بهما أصلا ، بل يكون بابها باب التعارض ، ولا معنى فيه للترتب.

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٣١٠.

٤٨

وفيه : انّ ما أفاده تام من جهة ، وغير تام من جهة ، وذلك لأنّ الترتب الّذي يكفي إمكانه في وقوعه ولا حاجة فيه إلى إقامة دليل على وقوعه في مرحلة الإثبات يختص بباب التزاحم دون التعارض ، لعدم وجود إطلاقين فيه ليقيد أحدهما ويبقى الآخر.

واما أصل الترتب والأمر بأحد الضدين مطلقا وبالآخر مشروطا بعصيان الأول ، فإمكانه فيه واضح ، إذ لا يلزم منه طلب الجمع بين الضدين ، ولا اختصاص الترتب بموارد ثبوت ملاكين لا يتمكن المكلف من استيفائهما ، ولذا يجري بحث الترتب حتى على مسلك الأشعري المنكر للملاك.

نعم الترتب في المقام لا بدّ له من دليل خاص ، والشيخ الكبير ناظر إلى مرحلة إمكانه لا إلى مرحلة الإثبات ووقوعه ، فانّ صحة الصلاة المأتي بها في الفرض معلوم لا حاجة فيه إلى الاستدلال ، فنفس دليل صحتها كاف لمرحلة الإثبات.

ثانيها : انّ الترتب انما يتم في الضدين اللذين لهما ثالث ، واما الضدان اللذان ليس لهما ثالث كالحركة والسكون فحيث انّ فرض عدم كل منهما عين فرض وجود الآخر لا مجال فيهما للترتب ، لأنّ طلب كل منهما مشروطا بترك الآخر يكون من طلب الحاصل فانّ مآل قولك ان لم تتحرك فاسكن إلى قولك ان سكنت فاسكن.

وفيه : انّ الكبرى وان كانت تامة إلّا انها أجنبية عما نحن فيه :

امّا أولا : فلأنّ للقصر والتمام ضد ثالث وهو الإتيان بثلاث ركعات أو بخمس ركعات.

وثانيا : انّ الجهر والإخفات أو القصر والتمام ان كانا واجبين مستقلين كانا كذلك ، إلّا أنّ الأمر ليس كذلك ، فانّ الأمر بكل منهما ضمني ، فالواجب هو الصلاة الجهرية أو الإخفاتية والصلاة عن قصر أو إتمام أعني الحصة الخاصة ، ومن الواضح

٤٩

انّ انتفائها تارة يكون بترك أصل الصلاة أو القراءة مثلا ، وأخرى بترك قيدها من الجهر والإخفات أو القصر والتمام كما هو الحال في انتفاء كل مقيد فكل من الأمر مضاد للمقيد.

ثالثها : انّ إمكان جعل الحكم ابتداء أو بنحو الترتب انما يكون فيما إذا أمكن فعليته وان يكون باعثا ومحركا للمكلف ، فلو فرضنا استحالة ذلك لا محالة يستحيل جعله أيضا ، لأنه لغو محض ، مثلا يستحيل ان يجعل المولى حكما مشروطا باجتماع النقيضين في الخارج ، فانّ مثله لا يكون فعليا أبدا لاستحالة فعلية شرطه ، وكذلك لا يمكن تكليف الناسي بهذا العنوان ، فانه ما لم يلتفت إلى انه ناسي لا يرى نفسه داخلا في ذاك الموضوع ليكون الأمر محركا ، وبمجرد التفاته إليه يخرج عن عنوان الناسي ويكون ذاكرا.

والمقام من هذا القبيل ، فانّ الشرط في الخطاب الترتبي كالأمر بالإتمام ليس عصيان التكليف القصري ولو عن عمد ، بداهة بطلان الصلاة التامة من العامد الملتفت ، فالشرط هو العصيان لا عن عمد ، وبمجرد الالتفات إلى ذلك يخرج عن هذا العنوان ويدخل تحت عنوان العامد ، فمثل هذا التكليف يستحيل فعليته ، فيستحيل جعله.

وفيه : انّ ما أفاده يتم لو كان الشرط في الترتب خصوص عنوان العصيان وورد دليل على ذلك ، وليس كذلك وان كان يعبر به غالبا ، فانّ العصيان فيه طريقي ، والمراد به الترك سواء كان تركا موجبا لاستحقاق العقاب كما في المضطر ، أو غير موجب له كما في القاصر ، ومن الواضح انّ المسافر يمكنه الالتفات إلى انه تارك للقصر من غير ان يستلزم تبدل الموضوع فتأمل.

فتلخص : انّ الترتب في مفروض الكلام إمكانا لا مانع منه ، فكلامنا مع الشيخ الكبير في مرحلة الوقوع ، فانّ المانع فيها ، لا في مرحلة الإمكان ، وذلك لأنّ

٥٠

لازم الترتب ان يكون المسافر الجاهل بوجوب القصر معاقبا بعقابين فيما إذا لم يصلّ أصلا ، ويكون عقابه أكثر من عقاب العالم التارك ، وهذا بديهي الفساد.

مضافا إلى انّ لازمه ان يكون الواجب على المكلف الجاهل بوجوب الجهر والإخفات عشر صلوات وعلى المسافر الجاهل بالقصر ثمان صلوات ، مع بداهة انّ الواجب على كل مكلف في اليوم والليلة ليس إلّا صلوات خمس ، وعليه فوقوعا لا يمكن الالتزام بالترتب.

فالجواب عن الشبهة كما بيناه في محله هو انّ القول بثبوت استحقاق العقاب في المقام مما لا دليل عليه ، وانما ذكره بعض الأصحاب ، بل الدليل على خلافه ، فانّ ظاهر قوله عليه‌السلام : «فقد تمت صلاته» (١) انه لم ينقص شيئا على ما هو وظيفته ، فالعقاب لما ذا؟

وبعبارة أخرى : الّذي يستفاد من الاخبار الواردة في ذلك انّ الجهر والإخفات أو القصر شرط علمي لا واقعي ، فتركه عن جهل لا يوجب استحقاق العقاب أصلا.

الخامس : انّ التزاحم في الواجبين المضيقين انما يندفع بالترتب ، واما الواجب المضيق والموسع فلا تزاحم بينهما أصلا ، كما في الإزالة والصلاة ، فانّ الأمر بالموسع على مسلك المشهور يتعلق بخصوص الافراد المقدورة دون المبتلى بالمزاحم.

نعم شمول إطلاق الوجوب لتلك الافراد انما يتم على القول بالترتب ، فالترتب في الموسع انما يكون في الإطلاق وفي المضيق في أصل الخطاب ، هذا كله على المشهور.

واما على مسلك المحقق الثاني قدس‌سره من انّ متعلق الأمر في الموسع هو الطبيعي

__________________

(١) راجع وسائل الشيعة ـ ٥ ـ ٥٣٠ باب من أتم في السفر.

٥١

دون الافراد وانّ الإتيان بالفرد انما يكون موجبا لسقوط الأمر لانطباق الطبيعي عليه فلا مزاحمة أصلا ، لأنّ المأمور به وهو الطبيعة لا يزاحم المضيق ، والافراد المزاحمة لم يتعلق بها امر فإذا أتى بها المكلف يكون انطباق الطبيعي عليها قهريا من دون حاجة إلى الترتب ، وقد تقدم الكلام في ذلك.

ثم انّه قد ذكرنا فيما تقدم انه لو وقع التزاحم بين واجبين مضيقين يبقى وجوب الأهم منهما على إطلاقه ، واما إطلاق وجوب المهم فيقيد بعصيان الأهم وبذلك يرتفع التزاحم بينهما. وهذا الترتب إثباتا لا يحتاج إلى دليل ، بل نفس دليلي الواجبين يكفي في ذلك لأنّ الضرورات تقدر بقدرها.

ولكن الّذي ينبغي ان يقال : هو انّ التزاحم تارة : يكون بين واجبين آنيين كما في إنقاذ الغريقين. والترتب في مثل ذلك آني كما لا يخفى.

وأخرى : يكون الواجب الأهم آنيا دون المهم كما لو وقع التزاحم بين الإنقاذ والصلاة في سعة وقتها. وقد عرفت خروج مثل ذلك عن باب التزاحم ، لأنّ الأمر في الموسع انما يتعلق بالافراد المقدورة التي ليست مزاحمة بواجب أهم على ما مر الكلام فيه.

وثالثة : ينعكس الأمر بان يكون المهم آنيا دون الأهم. وفي مثل ذلك أيضا يكون الترتب آنيا ، وهذا كله واضح.

ورابعة : يكون كل منهما استمراريا أي مركبا وموسعا. وفي مثله لا يكفي الترتب الآني، بل لا بدّ فيه من الالتزام بالشرط المتأخر ، كما في الصلاة والإزالة ، فإنّ ترك الإزالة حدوثا أي آناً ما لا يكفي في صحة الأمر بالصلاة ، فانّ الصلاة اسم لمجموع الاجزاء لا لخصوص تكبيرة الإحرام ، فعصيان الإزالة من أول الشروع في الصلاة إلى آخر الفراغ عنها شرط في الأمر بالصلاة بنحو الشرط المتأخر ، وهذا ظاهر.

٥٢

ثم هل يحتاج الالتزام بالشرط المتأخر في الفرض أيضا إلى دليل خاص يدل عليه كما في بقية موارد الالتزام به أم لا؟ الظاهر هو الثاني ، فانّ نقيض دليل الواجب المهم يكفي في إثباته بالبيان المتقدم في الالتزام بأصل الترتب من انّ الضرورات تتقدر بقدرها ، فلا يرفع اليد عن دليل الواجب إلّا بمقدار اقتضته الضرورة ، وفي الفرض لا مانع من الأخذ به بنحو الشرط المتأخر كما عرفت.

ثم انه ذكر في العروة انّ توقف صحة الصلاة المزاحمة بالإزالة على القول بالترتب انما هو فيما إذا علم المصلي بتنجس المسجد قبل ان يشرع في الصلاة ، واما لو تنجس المسجد في أثناء اشتغاله بالصلاة أو تنجس سابقا ولكن لم يعلم به إلّا بعد الشروع فيها فصحة الصلاة غير مبنية على الترتب.

ووجّه الميرزا قدس‌سره بأنّ تقدم الإزالة وأهميتها من الصلاة انما كانت من جهة كونها واجبا فوريا دون الصلاة ومن ثم يكون الصلاة أهم من الإزالة إذا ضاق وقتها ، وعليه فبعد الشروع فيها حيث يحرم قطعها تكون فوريا ، فتكون هي أهم من الإزالة.

ونقول : الأمر كما أفاده لو قلنا بأنّ حرمة قطع الصلاة مستفادة من الروايات ، فانّ دليل فورية الإزالة ليس إلّا الإجماع ، بل لا دليل على أصل وجوبها إلّا الإجماع ، ولا يزاحم الدليل اللبي الدليل اللفظي كما عرفت فيما سبق. واما لو كان دليل حرمة قطع الصلاة أيضا هو الإجماع كدليل فورية الإزالة فحيث يستحيل شمولهما لمورد التزاحم فيسقطان لا محالة ، فيثبت التخيير.

ثم انهم ذكروا فيما إذا انحصر ماء الوضوء بماء في إناء الذهب أو الفضة صحة الوضوء بالترتب ، اما إذا أفرغ من الإناء دفعة بمقدار يتمكن من التوضي به فواضح ، واما في الاغتراف التدريجي فلأنّه مأمور بالوضوء على نحو الترتب وعصيان حرمة استعمال الآنية.

٥٣

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ المقام أجنبي عن الترتب ، بل داخل في عنوان الواجد والفاقد، ففي ما إذا أفرغ من الماء بمقدار تمام وضوئه يدخل تحت عنوان الواجد فيجب عليه الوضوء ، واما لو لم يتمكن إلّا من الاغتراف تدريجا فهو غير متمكن من الماء ، فلا يؤمر بالوضوء أصلا ، فتأمل إلّا ان لا يكون اغترافه منه استعمالا للإناء.

وقد ذكر الميرزا انّ الوضوء في هذا الفرض صحيح فيما لو كان الماء ملكا للمتوضئ وغصبه غاصب وجعله في إناء الذهب ، فانّ تخليص ماله حينئذ جائز له بقوله «الناس مسلطون على أموالهم» فيجوز تخليصه ولو تدريجا ، فلا مانع من التوضي.

وفيه : ما لا يخفى ، فانّ قوله «الناس مسلطون» لا يحل الحرام كما هو ظاهر. نعم في غير الماء مما له مالية عرفية ربما يقال : بارتفاع حرمة استعمال الإناء في مثل ذلك لحديث لا ضرر ، كما لو فرضنا انّ أحدا غصب دهن غيره فجعله في إناء الذهب أو الفضة فانّ عدم جواز تخليصه حينئذ يكون ضررا عليه ، فتأمل.

ثم انه قد ذكرنا انّ التزاحم بين الحكمين ينقسم إلى أقسام ثلاثة ، لأنّ منشأه تارة يكون التضاد الاتفاقي وعجز المكلف الخاصّ عن امتثال كلا الحكمين كما في إنقاذ الغريقين ، وأخرى : يكون توقف الواجب على محرم وانحصار مقدمته بالحرام ، وثالثة : يكون اجتماع الأمر والنهي ، وإلى هنا كان كلامنا في القسم الأول ، وسيأتي البحث في القسمين الآخرين.

وقد عرفت انّ التزاحم في الواجبين العرضيين يندفع بالترتب ، فلا وجه حينئذ لرفع اليد عن أصل أحد الخطابين بعد ارتفاع التزاحم برفع اليد عن إطلاقه على ما عرفت.

واما في الخطابين الطوليين كما لو دار امر المكلف بين صوم أحد يومين ولم

٥٤

يتمكن من صيام كليهما ، وقد مثل الميرزا قدس‌سره لذلك بما إذا لم يتمكن المصلي من القيام في الركعتين من الصلاة ، ونحن لا نمثل به لما عرفت من انّ الواجبات الضمنية لا يقع التزاحم بينها ، ولذا مثلنا بالواجبين الاستقلاليين. وكيف كان ان لم يكن الواجب المتأخر أهم فعلى مسلكه قد يتعين على المكلف الإتيان بالواجب السابق ، لأنّ التكليف به تكليف بلا مزاحم في ظرفه ، وعلى المختار يكون التخيير ثابتا.

وامّا لو كان الواجب المتأخر أهم بحيث تعين على المكلف حفظ قدرته فيه ، كما لو فرضنا انه ليس للمكلف إلّا ماء واحد وكان هناك عطشان لو لم يشرب الماء يتضرر ويمرض لكن لا يهلك بل يعالج فيما بعد ، ولكن هذا المكلف الّذي ليس له إلّا ماء واحد يعلم بأنه بعد ساعة يبتلى بعطشان يموت من العطش لو لم يحفظ هذا الماء له ، فحيث انّ حفظ النّفس المحترمة أهم لا بدّ له من صرف قدرته فيه ، وفي مثل ذلك هل يمكن ان يتعلق الأمر بالمهم وإعطاء الماء للعطشان بالفعل مشروطا بعصيان الأهم وترك إعطائه لمن يموت فيما بعد من العطش بحيث يكون ذلك مصداقا للواجب فيما لو فرضنا انّ هذا المكلف عدو لمن يعطش فيما بعد ولا يسقيه الماء أم لا؟

ويترتب على ذلك صحة المهم لو كان عبادة ، كما لو دار الأمر بين ان يصوم المكلف شهر شعبان أو يصوم شهر رمضان مثلا ، فهل يمكن تعلق الأمر الاستحبابي بصوم شهر شعبان بنحو الترتب ، فانه غير منحصر بالاحكام الإلزامية كما انه غير مختص بالعبادات بل يجري في التوصليات أيضا أم لا؟ كما يترتب على ذلك تعدد العقاب عند تركهما معا في الواجبين.

ذكر الميرزا قدس‌سره انّ الترتب غير جار في الطوليين ، وأفاد في وجهه ما حاصله : انّ الشرط في الخطاب الترتبي سواء كان عصيان الأهم في طرفه بنحو الشرط المتأخر ، أو عنوان التعقب بالعصيان ، أو العزم عليه ، أو العصيان المقارن لخطاب حفظ القدرة غير ممكن في المقام.

٥٥

اما عصيان الأهم فاشتراط الخطاب به مبني على القول بالشرط المتأخر ، وهو ممتنع ، لأنه مستلزم لفعلية الحكم قبل تحقق موضوعه ، نظير ان يكون حرمة شرب الخمر فعلية للبائع قبل صيرورته خمرا فانّ شرائط الحكم ترجع إلى الموضوع وتكون قيدا له فتأمل.

وامّا عنوان التعقب فاشتراط الخطاب به محتاج إلى مئونة زائدة ودليل على ذلك ، وهو مفقود ، مضافا إلى انّ الترتب واشتراط الخطاب بعصيان الأهم انما هو لدخله في القدرة على المهم ، ومن ثمّ قلنا باعتباره فيه بنحو الشرط المقارن دون المتأخر ، ومن الواضح انه لا دخل للعصيان المتأخر ولا لوصف التعقب في القدرة على الإتيان بالواجب الفعلي فيما نحن فيه.

واما كون الخطاب مشروطا بعصيان الخطاب بحفظ القدرة فغير معقول أيضا ، وذلك لأنّ ترك حفظ القدرة للواجب الأهم انما يكون بأحد امرين ، إمّا بصرف الماء في المثال في الواجب المهم وسقيه لمن يمرض من العطش ، وامّا بصرفه في غير ذلك مما يضاده كإهراقه على الأرض مثلا ، وعلى التقديرين لا يعقل الأمر بصرفه في المهم وسقيه للعطشان بالفعل ، اما على الأول فلأنّ الأمر به طلب للحاصل ، واما على الثاني فتكليف بغير المقدور كما هو واضح.

فيتحصل من ذلك عدم إمكان الترتب في الواجبين الطوليين.

ونقول : في كلامه قدس‌سره مواقع للنظر ، نتعرض لبعضها.

فما أفاده قدس‌سره من انّ اشتراط وصف التعقب لا دليل عليه ، يرد عليه : انّ الدليل على ذلك عين الدليل على وقوع الترتب في الواجبين العرضيين من الوجهين المذكورين في كلامه قدس‌سره.

أحدهما : من ناحية الإن وهو انّ الملاك الملزم في المهم قابل للاستيفاء في فرض عصيان الأهم ، فلا يجوز على المولى تفويته. ونحن قد ناقشنا في ذلك ، وقلنا :

٥٦

بأنّ الملاك لا بدّ من استكشافه من الخطاب ، ولا يمكن العكس عادة ، إلّا انّ هذا الوجه على تقدير صحته جار فيما نحن فيه ، فانّ الملاك في المهم قابل للاستيفاء عند عصيان الأهم في ظرفه.

ثانيهما : وهو الصحيح انّ الضرورات تتقدر بقدرها ، فإذا ارتفع التزاحم برفع اليد عن إطلاق الخطاب بالأهم لا وجه لرفع اليد عن أصله ، وهذا أيضا جار في المقام ، فانّ التزاحم يرتفع باشتراط الخطاب بالمهم بوصف التعقب.

وما أفاده قدس‌سره من انّ الاشتراط والترتب انما هو لدخل عصيان الأهم في قدرة المكلف على المهم ، واضح الفساد ، فانّ المكلف في نفسه قادر على الإتيان بكل منهما في نفسه ، وانما لا يتمكن من الجمع بينهما ، والالتزام بالترتب انما هو لرفع غائلة طلب الجمع بين ضدين ، ومن الواضح انه يرتفع في المقام باشتراط التكليف بالمهم بعنوان التعقب بالعصيان كما هو واضح.

وبما ذكرناه ظهر انّ الشرط ليس إلّا عصيان نفس الخطاب بالأهم لا عصيان الخطاب بحفظ القدرة ، وذلك لأنه ليس خطابا شرعيا على ما عرفت الحال فيه في المقدمات المفوتة.

القسم الثاني : من أقسام التزاحم أن يكون الواجب متوقفا على فعل محرم أو ترك واجب ، فان كانا متساويين من حيث الأهمية يثبت التخيير على المختار ، ويتعين ترك الحرام على مسلك الميرزا لتقدمه على إتيان الواجب.

وامّا لو كان الواجب أهم من المحرم فالمختار سقوط المقدمة المفروض كونها منحصرة في الحرمة ، إذ يستحيل الأمر بذي المقدمة مع حرمة مقدمته ، فلا يبقى إلّا تكليف واحد ، فيخرج عن موضوع التزاحم. وعلى مسلك الميرزا قدس‌سره كلا الحكمين ثابتان إلّا انّ الواجب يتقدم على الحرام لأهميته المفروضة.

وعلى التقديرين فهل يمكن النهي عن المقدمة مشروطا بعصيان ذيها في ظرفه

٥٧

بنحو الترتب أم لا؟ ذهب الميرزا قدس‌سره إلى إمكانه بالبيان المتقدم في القسم الأول ، فانّ محذور طلب الجمع بين الضدين يرتفع بالالتزام بالترتب.

ولكن الصحيح : عدم جريانه في المقام ، امّا بناء على اختصاص الوجوب بالمقدمة الموصلة فواضح ، لأنه عليه يكون إحدى الحصتين من المقدمة باقية على حرمتها ، وهي الغير الموصلة ، والمقدمة الموصلة واجبة ، ويستحيل الترتب فيها ، إذ فرض ترك ذي المقدمة عبارة عن عدم كون المقدمة موصلة.

واما بناء على القول بوجوب ذات المقدمة مطلقا فعدم إمكان الترتب ليس من جهة عدم الدليل على اشتراط وصف التعقب في الخطاب بالمهم ، إذ عرفت خلافه ، وانّ الأمر يدور بين رفع اليد عن أصل خطاب المهم أو إطلاقه ، فيتعين الثاني ، فإطلاق الأمر بالمهم يسقط قطعا بخلاف إطلاق خطاب الأهم فإنّه لا يعلم بسقوطه فيؤخذ به ، ولا من جهة انه لا يرتفع به محذور طلب الجمع بين الضدين ، بل من حيث انه مستلزم لاجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد.

بيان ذلك : انّ المقدمة محكومة بالوجوب على الفرض لفعلية وجوب ذيها ، فإذا فرضنا انه يترك الواجب أعني ذا المقدمة في ظرفه فالحرمة أيضا فعلية لفعلية شرطها ، فيلزم اجتماع الحكمين المتضادين من ناحية المبدأ والمنتهى معا ، وهو مستحيل.

وقد تنبه الميرزا قدس‌سره لهذا الإشكال ، وأجاب عنه بما حاصله : انه لا تضاد بين هذين الحكمين لاختلافهما في الرتبة ، ويعتبر في اجتماع الضدين الاتحاد في الرتبة زائدا على الوحدات الثمانية ، وقد أضافه إليها في اجتماع النقيضين بعض.

توضيح ذلك : هو انّ الغرض من إيجاب المقدمة ليس إلّا التوصل بها إلى ذي المقدمة ، فهي تابعة له في الإطلاق والاشتراط ونحوه ، والأمر بشيء يستحيل ان يكون مقيدا بالإتيان بمتعلقه لاستلزامه طلب الحاصل ، كما يستحيل اشتراطه بعدمه

٥٨

لاستلزامه التكليف بما لا يطاق ، وإذا استحال التقييد يستحيل الإطلاق لأنّ تقابلهما تقابل العدم والملكة ، فلا بدّ وان يكون الخطاب مهملا ، فاذن الأمر بالشيء وان كان ثابتا في ظرف امتثاله والإتيان بمتعلقه إلّا انّ ثبوته من قبيل ثبوت المقتضي في مرتبة مقتضاه ، فانّ الأمر يقتضي إيجاد متعلقه ، كما انه ثابت كذلك في ظرف عصيانه وترك متعلقه ، لأنه يقتضي هدمه ، والمقدمة أيضا كذلك ، لأنها تابعة لذيها ، فليس للأمر المتعلق بها إطلاق بالإضافة إلى ترك ذيها أو فعله ، كما لا يكون مقيدا بأحد الأمرين ، وعليه فإذا فرضنا ثبوت الحرمة للمقدمة مشروطة بترك ذي المقدمة لا محالة لا تكون تلك الحرمة في مرتبة الوجوب ، بل يكونان في مرتبتين ، فيرتفع التنافي بينهما باختلاف الرتبة.

هذا وفي كلامه قدس‌سره مواضع للنظر.

امّا أولا : فلأنّ ما يترتب على اتحاد الرتبة واختلافها انما هو الأحكام المترتبة على الرتبة كاستحالة الدور وتقدم المعلول على علّته وأمثال ذلك ، واما الأحكام المترتبة على الزمان كاستحالة اجتماع الضدين في زمان واحد فلا ترتفع بالاختلاف الرتبي ، ومن ثمّ ترى امتناع اجتماع المثلين كبياضين أو الضدين كسواد وبياض في مكان واحد ولو فرض كون أحدهما علّة للآخر واختلافهما رتبة ، وقد ذكرنا ذلك في بحث فروع العلم الإجمالي وقلنا : انّ الأحكام الشرعية كلها أمور مبنية على الزمان والزماني ولا تختلف باختلاف الرتبة.

وثانيا : تقدم مرارا انّ استحالة التقييد لا تستلزم استحالة الإطلاق ، بل ربما توجب ضروريته ، فانّ الإطلاق ليس عبارة عن جمع القيود بل معناه رفض القيود ، وعليه فالامر بالشيء يكون ثابتا في كلا تقديري عصيانه وإطاعته بالإطلاق اللحاظي ، وكذلك إيجاب مقدمته ، فلو ثبت لها الحرمة بنحو الترتب يجتمع كلا الحكمين في مرتبة واحدة كما هو واضح.

٥٩

وثالثا : انّ ما ذكره قدس‌سره لو سلّم فانما يتم بالإضافة إلى إيجاب ذي المقدمة ، وامّا المقدمة فهي وجود مستقل مغاير لذيها ، فأيّ مانع من اشتراط إيجابها بالإتيان بذي المقدمة ، أو بعدم الإتيان به ، فتأمل.

فتلخص مما ذكر : انّ محذور الترتب في المقام ليس المحذور المتوهم في القسم المتقدم ، وهو طلب الجمع بين ضدين ، الّذي أثبتنا ارتفاعه بتقييد أحد الخطابين بعصيان الآخر ، بل محذوره امر آخر وهو اجتماع الحكمين المتنافيين ، وهذا لا يرتفع بالترتب ، فلا يمكن القول به.

وعلى هذا فيسقط حرمة المقدمة في مفروض المقام مطلقا بناء على القول بوجوب مطلق المقدمة ، فيثبت ما ذهب إليه المحقق الخراسانيّ من جواز ارتكاب المقدمة ولو بدون قصد الإيصال ، فيجوز الدخول في الدار الغصبية إذا توقف عليه إنقاذ الغريق ولو بداعي التفرج ونحوه مع العلم بعدم ترتب الإنقاذ عليه.

وبهذا يظهر : انه بناء على القول بمقدمية ترك أحد الضدين لفعل الآخر والقول بوجوب ذات المقدمة ينسد باب الترتب كلية ، مثلا إذا فرضنا انّ ترك الصلاة مقدمة لفعل الإزالة التي هي أهم ، فيكون ترك الصلاة واجبا مطلقا ، فإذا قلنا : بوجوب فعل الصلاة أيضا بنحو الترتب ومشروطا بترك الإزالة يلزم طلب فعل الصلاة وتركها ، وهو محال ، لأنه تكليف بما لا يطاق ، فلا يبقى مجال للترتب.

القسم الثالث : ما إذا كان التزاحم من جهة اجتماع الأمر والنهي. ولا بدّ ان يفرض الكلام في فرض عدم وجود المندوحة ، وإلّا فلا تزاحم بين الحكمين لإمكان امتثالهما معا ، فعلى الامتناع يتقدم الأهم لا محالة ونفرض في المثال المعروف أهمية الغصب وتقدم الحرمة على وجوب الصلاة ، فهل يمكن الأمر بها مشروطا بعصيان النهي عن الغصب؟

ذهب الميرزا قدس‌سره إلى استحالته ، بدعوى : انّ فعل الغصب لا يخلو من ان يتحقق

٦٠