دراسات في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

والظاهر انّ الاستثناء لا خصوصية فيه ، بل البحث يعم كل قيد تعقب جملا عديدة وأمكن رجوعه إلى البعض أو الجميع ، سواء كان استثناء أو ظرفا أو مجرورا أو غير ذلك.

والتحقيق : انّ تعدد الجمل واختلافها لا بدّ وان يكون لأحد أمور ثلاثة : امّا لتعدد محمولاتها مع وحدة الموضوع ، وامّا لتعدد الموضوعات ووحدة المحمول ، واما لتعددهما واختلافهما معا. مثال الأول ما لو قال «العلماء أكرمهم وأضفهم وأطعمهم» ، ومثال الثاني ما لو قال «أكرم العلماء والتجار والاشراف» ، ومثال الثالث ما لو قال «أكرم العلماء وجالس التجار وأضف الاشراف».

امّا القسم الأول ، فتارة : لا يتكرر ذكر الموضوع في شيء من تلك الجمل ، وأخرى : يتكرر في بعضها. فإذا لم يتكرر فالظاهر بحسب الفهم العرفي انّ المحمول في تلك الجمل امر واحد ، وحيث لم ير المتكلم جامعا بين المحمولات أعني الإكرام والضيافة والإطعام في المثال ليعبر به أطال الكلام وجاء بمحمولات عديدة ، فتلك الجمل وان كانت متعددة صورة ولبّا ويلحق كلا منها حكمه إلّا انها بالفهم العرفي تكون في حكم جملة واحدة ، وبمنزلتها ، فكأنّ المتكلم حكم دفعة بثبوت جميع المحمولات للموضوع الواحد ، فإذا تعقبها استثناء أو قيد آخر في هذا الفرض فلا محالة يرجع إلى الجميع لأنه تقييد أو تخصيص للموضوع بما له من الحكم.

وامّا إذا تكرر ذكر الموضوع في اللفظ مثلا قال «العلماء أكرمهم وأطعمهم ، والعلماء أضفهم» فلا بدّ وان يكون التكرار لعناية ، وهي بالنظر العرفي ليس إلّا قطع تلك الجملة وما بعدها عن الجمل السابقة وجعلها مستقلة من جميع الجهات ، فإذا تعقبها استثناء في هذا الفرض ، وقال «إلّا فساقهم» فلا محالة يرجع إلى خصوص الجملة التي كرر فيها ذكر الموضوع والجمل المذكورة بعدها دون الجمل السابقة عليها ، وهذا ظاهر بحسب الفهم العرفي. ولو تنزلنا عن ظهور ذلك ، فرجوع القيد

٣٠١

إلى خصوص تلك الجملة يقيني ، ورجوعه إلى ما سبقها مشكوك فيه ، فيجري فيها أصالة العموم أو الإطلاق.

وامّا توهم عدم جريانها لاحتفاف الكلام بما يصلح للقرينية ، ففساده مبني على بيان المراد من احتفاف الكلام بما هو صالح للقرينية ، فانه كلام كثير الدوران في الألسنة ولم يبين المراد منه ، فنحققه في المقام.

ونقول : ليس المراد بالصالح للقرينية وجود مطلق ما يحتمل السامع اتكال المتكلم عليه في إرادة خلاف الظاهر من اللفظ ، حتى مثل همس الصوت في مقام الأمر إذا احتمل السامع اتكال الآمر عليه في إرادة الندب مثلا ، فانّ هذا امر واضح الفساد ، فانّ الظهورات التي يحتج بها العقلاء في المحاورات يتمسك بها في استكشاف مرادات المولى لتبعية مقام الإثبات للثبوت ، إلّا إذا كان الكلام مجملا عرفا ، ولم يكن له ظهور بحسب المتفاهم العرفي ، فالمراد بالصالح للقرينية ما يحتمل السامع ظهوره عرفا في القرينية وهو لا يعلم بذلك لجهله بمعناه الظاهر فيه عرفا ، فيكون الكلام حينئذ مجملا عنده. وامّا إذا علم السامع بإجماله وعدم ظهوره في القرينية عند العرف أيضا فليس ذلك صالحا للقرينية أصلا ، إذ كيف يعقل ان يتكل المتكلم في إرادة خلاف الظاهر على امر مجمل ، بل لا بدّ له من الاتكال على امر ظاهر ليكون مبنيا لإرادة خلاف الظاهر من ذي القرينة ، إذ لا يرفع اليد عن الظاهر بالمجمل.

وبالجملة : فالمجمل عرفا لا يصلح لأن يكون مبينا وقرينة على إرادة خلاف الظاهر من لفظ آخر كما في العام المخصص بمجمل منفصل مردد بين الأقل والأكثر ، كما لو قال «أكرم العلماء» ثم قال «لا تكرم فساقهم» وتردد بين مطلق العاصي أو خصوص مرتكب الكبائر ، ولم يكن هناك ظهور عرفي في سراية إجمال المخصص إلى العام.

٣٠٢

إذا عرفت المراد باحتفاف الكلام بالصالح للقرينية ، نقول : فيما نحن فيه بما انّ رجوع الاستثناء إلى الجمل السابقة مجمل عرفا ، فلا يوجب إجمالها ، ولا يكون ذلك من احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية ، بل يجري فيها أصالة العموم ، والآية الشريفة من هذا القبيل ، فانّ ذكر الموصول في قوله تعالى (وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)(١) بمنزلة تكرار الموضوع ، فالاستثناء يرجع إلى خصوص هذه الجملة دون الجمل السابقة ، فالحكم بالجلد وسقوط الشهادة لا يسقطان بالتوبة كما ورد ذلك في الاخبار أيضا. هذا كله في القسم الأول.

ويجري ما ذكرناه في القسم الثاني أيضا ، وهو فرض اختلاف الجمل بتعدد الموضوعات فقط مع وحدة المحمول ، فانّ الموضوع فيه حقيقة واحد ، وهو عنوان جامع لتلك الموضوعات ، والتكرار انما هو لعدم وجدانه عنوانا جامعا ، ويجري في القسمين المزبورين من تكرار المحمول وعدمه بجميع مزاياهما ، فلا نعيد.

وبهذا ظهر الحال في القسم الثالث الّذي هو خامس الأقسام على ما عرفت ، فانّ الاستثناء فيه يرجع إلى خصوص الجملة الأخيرة دون غيرها ، والاحتمال مندفع بالأصل كما تقدم.

وبالجملة الضابط في الكلام المحتف بما يصلح للقرينية هو انه بعد ما جرى بناء العرف والعقلاء على تفهيم مراداتهم بالظهور المستند إلى الوضع أو إلى قرائن عامة التي منها الإطلاق ومقدمات الحكمة لا يصح للمتكلم ان يتكل في إرادة خلاف الظاهر إلّا على ما يكون ظاهرا في ذلك بنظر العرف ، والمخالف يعد محكوما في محاكم العقلاء ويحتج عليه لا محالة. وعليه فان كان ما يحتمل السامع قرينيته على إرادة خلاف الظاهر مما يحتمل ظهوره في القرينية عرفا وهو جاهل فلا محالة يوجب

__________________

(١) النور ـ ٤.

٣٠٣

إجمال اللفظ عنده ، إذ يحتمل ان يكون محتمل القرينة مما يصح اتكال المولى عليه في إرادة خلاف الظاهر. واما لو علم بإجمال محتمل القرينية حتى عند العرف ، فلا يوجب ذلك إجمال اللفظ أصلا ، لعدم جواز اتكال المتكلم على مثله في إرادة خلاف الظاهر كما عرفت ، ورجوع الاستثناء في محل الكلام إلى الجمل السابقة على مورد تكرار الموضوع أو المحمول أو إلى غير الأخيرة عند اختلافها موضوعا ومحمولا غير ظاهر ، فلا يجوز اتكال المتكلم عليه في إرادة خلاف الظاهر أعني الخاصّ منها ، فيجري فيها أصالة العموم ولا يوجب إجمالها.

ثم انه ربما يقال : كما قيل : انّ المعارضة في المقام انما هو بين عامين ، ويدور الأمر بين تخصيص أحدهما ، وذلك لأنّ مقتضى عموم تلك الجمل وان كان تخصيص الاستثناء لخصوص الجملة الأخيرة إلّا انّ عموم الاستثناء الّذي هو جمع محلّى باللام أو مضاف كقولك «إلّا فساقهم» يقتضي شموله لجميع الجمل ، فالامر دائر بين تخصيصين ، ولا ترجيح وهو يوجب الإجمال.

والجواب عنه واضح ، فانّ عموم الموضوع وخصوصه انما يكون بلحاظ الحكم المترتب عليه ، فسعة دائرة الفساق أو ضيقها دائرة مدار إخراجه عن الجميع أو عن البعض. وان شئت فقل : انها تدور مدار مرجع الضمير ، فان رجع إلى الجميع يكون وسيعا وإلّا فيكون ضيقا ، والمفروض انّ رجوعه إلى ما عدى الجملة الأخيرة غير معلوم ، فلم ينعقد للاستثناء عموم في زمان أصلا ليدور الأمر بين رفع اليد عنه أو عن الجمل المتقدمة.

تخصيص العام الكتابي بخبر الواحد

فصل : وقع الكلام في جواز العمل بالخبر فيما إذا خالف عموم الكتاب أو إطلاقه. وهذه المسألة حقيقة من مباحث حجية الخبر ، فيبحث عن انّ دليل حجية

٣٠٤

الخبر هل تثبت حجيته مطلقا حتى فيما إذا كان مخالفا لعموم الكتاب أو إطلاقه ، أو انه مختص بغير ذلك. وانما يتعرض لها في المقام لمناسبة كونه مستلزما لتخصيص الكتاب.

وكيف كان يقع البحث في موردين.

الأول : في حجية الخبر الموجب لتقييد الكتاب أو لتخصيصه من حيث المقتضى.

الثاني : من حيث المانع.

امّا المورد الأول ، فيقال : انّ دليل حجية الخبر انما هو الإجماع وسيرة المتدينين إلى أصحاب الأئمة عليهم‌السلام ومن كان في عصرهم ، فانه يقطع بأنهم ما كانوا بأجمعهم يصلون بخدمة الإمام عليه‌السلام ، ويسألون مسائلهم منه عليه‌السلام بلا واسطة ، بل كان يصل إليهم أحكامه عليه‌السلام مع الواسطة خصوصا النساء وكانوا يعملون بها إذا كان المخبر موثقا ، وهما دليلان لبيان لا بدّ من الاقتصار فيهما على المتيقن الّذي هو صورة عدم مخالفة الخبر لعموم الكتاب.

وفيه : أولا ـ انا نطمئن بعدم الفرق بين القسمين في قيام السيرة على العمل بالخبر ، فانا نرى كل من ذهب إلى حجية خبر الواحد من الفقهاء وغيرهم يعتمدون على الخبر الموثق من غير فحص عن مخالفته لعموم الكتاب أو إطلاقه.

وثانيا ـ انّ دليل حجية الخبر غير منحصر بالإجماع وسيرة الأصحاب ، بل عمدته سيرة العقلاء ، ومن الواضح انّ العقلاء لا يفرقون بين القسمين أصلا.

وامّا المورد الثاني ، فتقريب وجود المانع من وجهين.

أحدهما : انه ولو كان الخبر في الموثق نفسه حجة إلّا انه ظني والكتاب قطعي ، فكيف يمكن رفع اليد عن القطعي بالظني؟؟!

وفيه : انّ هذا الاستدلال أشبه شيء بالخطابة ، وإلّا فلم يدع أحد رفع اليد

٣٠٥

عن سند الكتاب بالخبر ليرد ذاك الإيراد ، بل يرفع اليد عن ظاهر الكتاب بالخبر ، وكلاهما ظنيان ، فترجيح قوله «لا ربا بين الوالد والولد» على إطلاق قوله تعالى (وَحَرَّمَ الرِّبا)(١) يكون من رفع اليد عن ظني بظني آخر.

ويمكن ان يقال : انّ ذلك من قبيل ترجيح أحد القطعيين على الآخر ، بتقريب : انّ الخبر الموثق وان كان ظني الصدور إلّا انّ دليل حجيته لا بدّ وان يكون قطعيا ، فهو قطعي الحجية. وإلّا فكيف يمكن اعتماد العقلاء عليه مع عدم كونه مؤمنا؟ ومن هنا قلنا : انّ ما دل على المنع من العمل بغير العلم من الآيات والروايات كلها إرشاد إلى ما يحكم به العقل وليس شيء منها مخصصا ، فالمؤمن دائما يطلب المؤمن في اقتحامه في الأمور كما هو ظاهر قوله تعالى (الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ)(٢) فتأمل ، بخلاف المنافق فانه يرتكب كلما اقتضاه شهوته ولو لم يكن مؤمن في البين كما هو ظاهر قوله تعالى (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ)(٣) وهكذا ظهور الآية من عموم أو إطلاق وان كان ظنيا إلّا انه قطعي الحجية ببناء العقلاء ، ومن هنا لو سئل من أفتى بجواز الرّبا بين الوالد والولد عن مدركه لا يقول لأنّي ظان بالحكم الواقعي ، بل يقول لقيام الحجية القطعية على ذلك ، وهكذا العكس. فالمعارضة انما هي بين مقطوعي الحجية ، وفي الحقيقة بين دليل حجية سند الخبر وبين عموم الكتاب أو إطلاقه ، والنسبة بينهما وان كانت عموم من وجه لكنه يرجح عليه دليل حجية السند لحكومته عليه ، فانّ التعبد بصدور الخبر بنفسه يرفع الشك في العموم ، لأنه تعبد بعدمه كما هو الحال في التعبد بكل قرينة بالإضافة إلى ذيها. وهذا بخلاف العكس ، فانّ التعبد بالعموم ليس بنفسه تعبدا بعدم صدور الخبر ، نعم يدل عليه

__________________

(١) البقرة ـ ٢٧٥.

(٢) الدخان ـ ٥١.

(٣) المدثر ـ ٤٥.

٣٠٦

بالالتزام من باب استحالة اجتماع الحكمين.

وهذا البيان بعينه إيرادا وجوابا يجري في جميع موارد معارضة خبر الواحد الخاصّ مع عام أو مطلق مقطوع الصدور كالخبر المتواتر أو المحفوف بالقرائن القطعية.

وتوضيح تقديم دليل حجية الخبر على العام الكتابي مع انّ النسبة بينهما عموم من وجه بالحكومة هو انّ الأصول اللفظية كأصالة العموم ونحوها يكون الشك في إرادة الظاهر من اللفظ مأخوذا في موضوعها ، ولذا يعبر عنها بالأصول العملية ، وعليه فالخاص بما انه قرينة على العام يكون التعبد به بنفسه رافعا للشك في إرادة العموم من العام ، بل هو في حكم القطع بتخصصه وعدم إرادة العموم منه ، فينتفي موضوع الأصل اللفظي وهو الشك في إرادة الظاهر ، وهذا معنى الحكومة من حيث الحجية فانّ الخاصّ تارة يكون بمدلوله المطابقي حاكما على العموم ، كما في قوله عليه‌السلام «لا ربا بين الوالد والولد» بالإضافة إلى الآية ، وقوله عليه‌السلام «لا شك لكثير الشك» بالإضافة إلى أدلة الشكوك ، وإلّا فدائما يكون بحجيته حاكما على العام كما لو ورد «لا بأس بالربا بين الوالد والولد». وهذا الوجه جار في التعبد بكل قرينة بالإضافة إلى ذيها ، وهو السر في حكومة الأمارات على الأصول العملية وتقديمها عليها ، وامّا العكس فالتعبد بالعموم بنفسه لا يذهب الشك في صدور الخاصّ ، وانما يدل عليه بالالتزام وحكم العقل باستحالة اجتماع الحكمين.

وربما يجاب عن هذا الإيراد أي عن تقديم دليل حجية الخبر على العام مع كون النسبة بينهما عموم من وجه بما أشير إليه في الكفاية (١) من انه لو قدم جانب الآية وخصص دليل حجية الخبر بغير موارد معارضته مع عموم أو إطلاق كتابي

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٣٦٦.

٣٠٧

لزم تخصيصه بالموارد النادرة لمخالفة أغلب الاخبار له ، وقد بين في محله انّ من مرجحات تقديم أحد العامين على الآخر لزوم مثل هذا المحذور من عكسه.

وفيه : انه لا يمكننا المساعدة على ذلك ، إذ ليس في الكتاب عموم يستفاد منه إباحة كل فعل صادر عن المكلف ، وطهارة جميع الأشياء ، ونفوذ النكاح بأقسامه إلى غير ذلك من أحكام المعاملات والعبادات لتكون أغلب الاخبار الدالة على اعتبار بعض الخصوصيات فيها مخالفا للكتاب ، وهذا واضح لمن سبر أبواب الفقه. فالجواب الصحيح ما ذكرناه.

المانع الثاني : الروايات الواردة في انّ ما خالف قول ربنا لم نقله ، أو باطل ، أو زخرف (١) وأمثال ذلك ، فانّ دعوى عدم صدق المخالفة في التنافي بالعموم المطلق فاسدة فانّ التنافي بين العام والخاصّ موجود غاية الأمر تقدم الخاصّ على العام عرفا.

والجواب عنه : مضافا إلى انّ هذه المادة أعني المخالفة واردة في موردين ، أحدهما : هذه الاخبار وهي روايات العرض ، ثانيهما : الاخبار العلاجية ، والظاهر انه أريد منها في الموردين معنى واحد ، وسنبين انّ المراد منها في اخبار التعارض هو المخالفة بالعموم من وجه أو التباين بحيث لم يجمع بينهما عرفا ، فلا بدّ وان يراد ذلك أيضا في المقام.

انا نقطع بأنه لم يرد من المخالفة في تلك الاخبار ما يعم هذا التنافي ، للقطع بصدور المخالف للكتاب بهذا المعنى عن المعصومين مع انّ لسانها آبية عن التخصيص ، إذ لا معنى لأن يقال : ما خالف قول ربنا لم نقله إلّا في المورد الفلاني.

ويشهد لذلك المقبولة والمرفوعة الواردتان في تعارض الخبرين ، فانّ المقبولة

__________________

(١) الكافي ـ ج ١ ـ ص ٦٩.

٣٠٨

بناء على ما هو الصحيح عدم كونها في مقام تمييز الحجة عن اللاحجة كما ذهب إليه في الكفاية ظاهرة في حجية كل من الخبرين من قطع النّظر عن المعارضة ، والأمر بالترجيح بموافقة الكتاب كأنّه تقرير لحجيّة الخبر المخالف للكتاب أيضا في نفسه لو لا المعارضة ، وهذا ظاهر. وامّا المرفوعة فهي صريحة في ذلك ، لأنه جعل موافقة الكتاب فيها ثاني المرجحات والمرجح الأول هو الشهرة حيث قال «خذ بأشهرهما» فهي نصّ في الأخذ بالأشهر المخالف للكتاب وطرح الشاذ الموافق له ، فمن جميع ذلك يعلم انّ المراد بالمخالف في اخبار العرض ليس هو مطلق التنافي ، بل بحيث لم يكن بينهما جمع عرفي.

ويؤيد ذلك أيضا انّ في بعض الاخبار امر بعرض الاخبار على السنة النبوية أيضا على ما ببالي كالعرض على الكتاب ، فلو استفيد منها عدم جواز تخصيص عموم الكتاب بالخبر لزم عدم جواز تخصيص الخبر النبوي به أيضا ، وهو بديهي الفساد.

ثم انه ربما يستدل على عدم جواز تخصيص الكتاب بالخبر بما هو مبني على مقدمة وهي : انّ النسخ في الأحكام لا بدّ وان يكون تخصيصا في الأزمان وعدم إرادة ثبوت الحكم في الزائد على ذات الزمان من الأول ، كالتخصيص المصطلح الّذي هو تخصيص في الافراد ، فانّ النسخ الحقيقي مستحيل في الأحكام لاستلزامه جهل الحاكم ، وعليه فإذا جاز تخصيص الكتاب بالخبر لجاز نسخه به أيضا ، لأنه تخصيص زماني ، وهو باطل.

وفيه : انه لو أريد الملازمة بينهما إمكانا فهي ثابتة ولا مانع من نسخ الكتاب بخبر الواحد لو دل عليه دليل ، وامّا وقوعا فلا ، لقيام الإجماع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، ولعل السر فيه والله العالم عدم ورود ناسخ له من الأئمّة أي بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو تحقق ذلك من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوصل إلينا بالتواتر وشاع ذلك لعدم

٣٠٩

وجود داع على إخفائه كما لم يخف علينا نسخ القبلة الأولى والتوجه إلى الكعبة.

فالإنصاف وفاقا للفقهاء جواز تخصيص الكتاب وتقييده بخبر الواحد.

الشك في كون الخاصّ مخصصا أو ناسخا

فصل : إذا شككنا في كون الخاصّ مخصصا أو ناسخا ، فهل يحكم بالتخصيص ، أو بالنسخ ، أو بشيء آخر؟ وجوه.

ولا بدّ من بيان أقسام العام والخاصّ ، فانهما تارة : يكونان متقارنين زمانا ، وعليه لا بدّ من الالتزام بكون الخاصّ مخصصا للعام ولا يحتمل ناسخيته لعدم انعقاد الظهور للعام في الزائد على ذلك ، وأخرى : يكونان مختلفين زمانا ، وعليه امّا يكون العام سابقا على الخاصّ ، وامّا يكون الخاصّ متقدما على العام ، وعلى كل تارة : يكون صدور اللاحق بعد حضور وقت العمل السابق ، وأخرى : قبله ، فالأقسام أربعة.

امّا لو فرضنا تقدم العام على الخاصّ ووروده قبل حضور وقت العمل بالعامّ بالإضافة إلى مورد الخاصّ ، فيتعين في التخصيص ، ولا يحتمل النسخ ، لاستحالة النسخ قبل حضور وقت العمل ، لاستلزامه لغوية جعل الحكم إذا كان بداعي الجد أي البعث والزجر الحقيقي الّذي هو مورد الكلام دون الحكم الصوري الظاهري فانه لا يطلق على رفعه النسخ.

نعم يتصور النسخ الحقيقي قبل حضور وقت العمل بالإضافة إلى المولى الجاهل لجهله بالملاك ، فيجعل الحكم لتخيله بكونه ذا ملاك ثم بعد مضي زمان لا يفي بإتيان العمل يبدو له فيرى عدم كونه ذا ملاك ، فينسخ حكمه ، وامّا المولى الحكيم العالم بالغيب فكيف يجعل الحكم بداعي الجد مع علمه بأنه ينسخه قبل حضور وقت العمل به وتمكنه منه ، وهل هو إلّا لغو ظاهر ، فاذن لا مناص في مثل ذلك من

٣١٠

التخصيص.

ولكن المحقق النائيني قدس‌سره ذهب إلى جواز النسخ قبل حضور وقت العمل بالمنسوخ ، واختار التخصيص في الفرض لوجه آخر وحاصل ما ذكره هو (١) : انّ الأحكام الشرعية قد تكون من قبيل القضايا الخارجية فيقول المولى : «أكرم زيدا أو هؤلاء» وقد تكون من قبيل القضايا الحقيقية ، وهي أيضا تارة : تكون موقتة بوقت خاص كالحكم بوجوب الحج في الموسم ، واستحباب العمرة في الأشهر الحرم ، والصلوات في أوقاتها ، وأخرى : لا تكون موقتة. امّا القسمان الأولان فعدم جواز النسخ فيهما قبل حضور وقت العمل.

وقد مر منه نظير هذا في مبحث جواز امر الآمر مع علمه بانتفاء الشرط ، واعترضنا عليه هناك بأنّ انتفاء الشرط ان كان مستندا إلى ذلك الحكم ، كالحكم بالقصاص المترتب على قتل النّفس المحترمة إذا علم الحاكم بانتفاء ذلك لأجل حكمة بالقصاص وكثيرا يتفق ذلك في الأحكام التحريمية ، فيجوز جعله بل قد يقتضيه الحكمة ، وامّا لو كان انتفاء الشرط غير مستند إلى ذلك ، كما لو قال «يجب إعطاء دينار على من شرب جميع ماء البحر» مع علمه بأنّ أحدا لا يقدر عليه ، فهو لغو محض.

وبهذا البيان يظهر عدم إمكان جعل الحكم في المقام ولو بنحو القضية الحقيقية مع علمه بأنه ينسخه قبل حضور وقت العمل به ، فانه من اللغو الواضح ، واما جعل حرمة شرب الخمر وحرمة قتل النّفس بنحو القضية الحقيقية فحضور وقت العمل به انما هو بنفس تمكن المكلف من إيجاد ذلك. فتحصل انّ جعل الحكم ولو بنحو القضية الحقيقية مع علم الآمر بنسخة قبل حضور وقت العمل لغو قبيح ، فإذا ورد الخاصّ

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٥٠٧.

٣١١

قبل حضور وقت العمل بالعامّ يتعين في التخصيص لا محالة.

وامّا إذا ورد الخاصّ بعد حضور زمان العمل بالعامّ فكونه مخصصا يستلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وقد ذهبوا إلى قبحه ، وحيث انّ الالتزام بالنسخ في هذه المخصصات على كثرتها فانّ غالبها صادرة عن الصادقين عليهم‌السلام والعمومات والإطلاقات غالبها صادرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعيد ، لا من جهة انّ النسخ لا يكون بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لانقطاع الوحي ، فانه امر ممكن ببيان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمد الحكم لأوصيائه عليهم‌السلام وهم يبينونه للناس في وقته ، فثبوت النسخ عن الأئمة عليهم‌السلام أيضا ممكن إلّا انّ كثرة النسخ بهذا المقدار مستبعد جدا فتأمل.

ومن ثم وقعوا في الإشكال ، لأنّ الالتزام بالتخصيص مستلزم لتأخير البيان عن وقت الحاجة ، والمفروض انه قبيح ، والالتزام بالنسخ في هذه الموارد على كثرتها بعيد.

وقد أجاب شيخنا الأنصاري قدس‌سره عن ذلك بما حاصله : انّ قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة انما هو فيما إذا كان العموم من العام مرادا بالإرادة الجدية ، وامّا إذا كان مرادا استعماليا فقط لا بداعي الجد بل بداعي جعل القانون ليكون حكما ظاهريا يعمل به عند الشك ، فلا قبح حينئذ في تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وعليه يكون الخاصّ مخصصا بالإضافة إلى الحكم الواقعي وناسخا بالإضافة إلى الحكم الظاهري انتهى.

وقد تقدم في كون العام المخصص بالمنفصل مجازا وعدمه انّ صاحب الكفاية قدس‌سره ذكر ما حاصله : انه لا ملازمة بين الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية ويمكن عدم مطابقتهما ، والميزان في الحقيقة والمجاز بالإرادة الاستعمالية ، والتخصيص انما يكشف عن الإرادة الجدية دونها ، ولذا لا يوجب مجازية العام.

وقد أورد عليه الميرزا قدس‌سره هناك بعدم تعددهما. وأجبنا عنه بما تقدم ، ولذا

٣١٢

اخترنا تبعا للكفاية عدم استلزام التخصيص لمجازية العام ، إلّا انّ اختلاف الإرادتين لا يرفع الإشكال في المقام ، بل هو أجنبي عنه ، وذلك لأنّ المتكلم الّذي تتخلف إراداته الجدية عن إراداته الاستعمالية امّا ان ينصب قرينة ولو عامة على ذلك ، وحينئذ لا ينعقد لكلماته من العمومات وغيرها ظهور أصلا حتى في الحكم الظاهري ليحتاج إلى النسخ أو التخصيص ، وامّا يتكلم بما له ظاهر ويريد خلافه من دون نصب قرينة عليه ، فهذا هو بنفسه تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وقد فرض قبحه ، إذ لا نعني به أزيد من ذلك.

وبعبارة أخرى ليس لاختلاف الإرادتين وكون العموم مرادا بالإرادة الاستعمالية دون الجدية دخل في قبح تأخير البيان وعدمه ، فانّ القبح ان كان يرتفع بوجود مصلحة في التأخير أو مفسدة في البيان فلا قبح عند تحققه ولو لم نقل باختلاف الإرادتين وان لم يرتفع فكذلك.

والصحيح في الجواب : انه بعد ما جرى بناء العقلاء على تفهيم مراداتهم الجدية باستعمال الألفاظ يكون استعمال اللفظ وإرادة خلاف ظاهره من دون نصب قرينة مخالفا لطريقة العقلاء وخروجا عن محاوراتهم ، فمع قطع النّظر عن بنائهم لا قبح في تأخير البيان أصلا ، ولكن بلحاظ هذا البناء يكون التخلف قبيحا كقبح خلف الوعد.

وانما الكلام في انّ قبح ذلك هل هو ذاتي كقبح الظلم بحيث يستحيل انفكاكه عن هذا العنوان ، أو هو قبح يعبر عنه يقبح في نفسه كقبح الكذب فانه في نفسه قبيح ، ولكنه قابل لأن يتصف بالحسن لطروء عنوان عليه كإنجاء مؤمن مثلا؟ والظاهر انه من قبيل الثاني ، وعليه فإذا فرضنا انّ في البين مانع عن التخصيص ، أو هناك مصلحة في تركه فلا قبح في تأخيره أصلا ، بل الحكمة قد يقتضيه ، ومثال ذلك في العرفيات واضح ، ومن هنا لم يبين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأحكام الإلهية إلّا تدريجا ،

٣١٣

ولا يبعد أن يكون ذلك لعدم تمكنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من البيان أو لمانع آخر. ومن الواضح انّ الأئمّة عليهم‌السلام لم يتمكنوا من بيان الأحكام إلّا في عصر الصادقين ، فحصل لهم فرجة لبثّ الأحكام الإلهية ، فبينوا جملة من المخصصات وقد بقي مقدار منها محفوظا عند امام العصر (عجل الله فرجه) على ما في بعض الاخبار.

وبالجملة فتأخير البيان لغرض أو لمانع لا قبح فيه ، فلا مانع من الالتزام بالتخصيص في الفرض ، كما لا مانع من الالتزام بالنسخ أيضا في نفسه لو لا الكثرة التي يبعد الالتزام بها ، فيتعين التخصيص. هذا كله فيما إذا ورد الخاصّ بعد العام بقسميه.

وامّا إذا انعكس الأمر ، وورد العام بعد ورود الخاصّ ، فهو أيضا على قسمين : لأنّ العام تارة : يكون واردا قبل حضور وقت العمل بالخاص فيتعين التخصيص لاستلزام النسخ لغوية الخاصّ ، وأخرى : يكون العام واردا بعد حضور وقت العمل بالخاص ، فيدور الأمر بين كون الخاصّ المتقدم مخصصا للعام فيكون العمل على طبق الخاصّ ، وكون العام ناسخا للخاص فيكون العمل على طبق العام.

وقد ذكر في الكفاية لترجيح التخصيص ما حاصله : انّ التخصيص أكثر وأغلب ، والظن يلحق الشيء بالأغلب.

وفيه : انّ الأغلبية لا توجب قوة الظهور ، وانما يوجب الظن وهو لا يغني من الحق شيئا. والميزان في تقديم أحد الظاهرين على الآخر انما هو أقوائية الظهور. هذا مضافا إلى انّ ظهور الخاصّ في الاستمرار غالبا يكون بالإطلاق ، وظهور العام في العموم الأفرادي غالبا يكون بالوضع ، ولو كان بمقدمات الحكمة أيضا يكون أقوى كما هو ظاهر.

بل ذكر المحقق النائيني قدس‌سره في بحث دوران الأمر بين التمسك بعموم العام واستصحاب حكم المخصص انّ دليل جعل الحكم لا يمكن ان يتكفل لبيان استمراره

٣١٤

حتى بالإطلاق ، لأنّ الحكم باستمرار الحكم فرع ثبوته ، تفرع كل حكم على موضوعه ، فلا محالة يكون استمرار الأحكام ثابتا بالاستصحاب ، وعلى هذا فتكون المعارضة حقيقة في المقام بين الاستصحاب والعموم ، ومن الواضح انّ الأصل العملي لا يقاوم العموم اللفظي ، فيثبت النسخ لا محالة.

وقد أجبنا عن هذا بما تقدم في باب النواهي من إمكان جعل الاستمرار لنفس الحكم بان يكون هو الموضوع للاستمرار وان لم يمكن لما ذكر إلّا انه لا مانع من جعله وبيانه بنفس دليل جعل الحكم ، فانه كما يمكن لحاظ متعلق الحكم مطلقا وساريا من حيث الافراد العرضية يمكن لحاظه كذلك من حيث الافراد الطولية فيجعل له الحكم ، فيثبت الاستمرار ، ويمكن التمسك بإطلاقه في مقام الإثبات ، فالاستمرار أيضا ظهور لفظي وليس مفاد الاستصحاب ، إلّا انّ الكلام في وجه تقديمه على ظهور العام في العموم.

والّذي ينبغي أن يقال : في وجه ذلك هو انّ الأحكام الشرعية من عموم وغيره ليس مفاد دليلها ثبوت الحكم من حيث صدور الدليل ، بل مفاده ثبوت الحكم من أول الشريعة ، فمفاد العام المتأخر ثبوت الحكم العام من أول زمان ثبوت الخاصّ ، وعليه فيرتفع احتمال النسخ رأسا ، لأنّ النسخ على ما ذكرنا من انه تخصيص في الأزمان انما يكون فيما إذا كان مفاد الناسخ ثابتا من حين صدوره لا من الأول ، وإلّا فليس هناك تخصيص في الأزمان ، فيتعين التخصيص ولا مانع من تقديم البيان عن وقت الحاجة.

وعلى هذا فلا وجه للتقسيمات المتقدمة من سبق العام على الخاصّ ، أو عكس ذلك ، أو كون المتأخر واردا بعد حضور وقت العمل بالمتقدم ، أو قبله أصلا ، لأنّ احتمال النسخ منتف في جميعها.

والظاهر انّ هذه الإشكالات جميعها ناشئة من خلط الأحكام الشرعية

٣١٥

بالاحكام الخارجية الصادرة من الموالي العرفية التي يكون اللاحق منها ثابتا من حين ورود دليله ، فيحتمل فيه النسخ ، ولا نحتمل ذلك في الأحكام الشرعية ، إذ من الواضح انّ حكمه عليه‌السلام بفساد الصلاة في ما لا يؤكل لحمه في جواب السائل لا يكون حادثا حين سؤاله ، بل يكون حكما ثابتا من أول الشريعة المقدسة ، وكان موجبا لفساد الصلاة وإعادتها أو قضائها حتى بالإضافة إلى من فعلها قبل ذلك ، وبهذا يندفع الإشكال رأسا.

٣١٦

حقيقة النسخ والبداء

بقي الكلام في حقيقة النسخ والبداء :

امّا النسخ فتفصيل الكلام فيه انه تارة : يكون الحكم الثابت أولا صوريا ظاهريا بداعي الامتحان ونحوه ثم يصدر ناسخ له ، وهذا خارج عن النسخ المصطلح ، ولا إشكال في إمكانه بل وقوعه ، إذ لا مانع من ان يتكلم المولى لمصلحة فيه.

وأخرى : يكون حكما حقيقيا بداعي البعث والزجر. وهذا على أقسام : فانه امّا ان يكون في مقام الإثبات محدودا بحد خاص ، وهو أجنبي عن النسخ ، وامّا ان يكون مهملا في مرحلة الإثبات ثم يرد الثاني فيكون مبنيا لإجماله لا ناسخا له ، فجميع هذه الأقسام خارجة عن النسخ المصطلح. وامّا ان يكون بحسب مقام الإثبات مطلقا دالا على الاستمرار وضعا أو إطلاقا فيرد الدليل الثاني ويرفع ذاك الاستمرار ، فيكشف عن عدم كونه مرادا جديا من أول الأمر ، نظير التخصيص في الافراد ، وهذا هو المراد من النسخ اصطلاحا ، كما هو المناسب للفظه لغة ، فانه يقال «نسخت الشمس الظل» إذا رفعته.

وقد خالفنا في جوازه اليهود ، فذهبوا إلى استحالة النسخ في الأحكام الشرعية ، وتبعهم النصارى في ذلك ، حيث ذهبوا إلى انّ موسى عليه‌السلام أول من أتى بالشريعة ، وقبله لم تكن أحكام من الشارع سوى نفي الشرك ، وهو الّذي جاء بالناموس أي التابوت فيه أحكام الله ، وهي ثابتة لا تنسخ ، وقد وقعوا في الإشكال من حيث ذهابهم إلى نسخ بعض أحكام التوراة ، وليس لنا غرض بالتعرض لذلك.

٣١٧

وقد استدلوا على استحالة النسخ بأنّ الحكم لو كان ذا مصلحة وملاك فلم يرفعه ، وان لم يكن فيه ملاك فلما ذا يضعه.

وهذا انما يتم لو أريد من النسخ رفع الحكم ثبوتا ، ولا دافع له حينئذ أصلا ، ولكن قد عرفت انّ المراد من النسخ انما هو رفع الحكم المستمر إثباتا فقط ، فلا يلزم منه محذور أصلا.

وامّا البداء في التكوينيات فقد خالفنا فيه العامة أيضا تبعا لليهود ، وشنعوا الشيعة بها حتى نسبوا إليهم ما لا ينبغي جهلا بمرادهم من البداء. وقد ورد عن أئمتنا عليهم‌السلام في روايات مستفيضة انّ من لم يعتقد بالبداء لم يكمل إيمانه ، وفي بعضها ما بعث نبيا إلّا أخذ منه العهد والإقرار بالبداء ، فلا بد لنا من بيان امرين.

أحدهما : المراد من البداء الّذي نقول به.

ثانيهما : ما ورد من التخلف وعدم وقوع ما أخبر به بعض الأنبياء والأوصياء خارجا.

امّا الأمر الأول ، فلا ريب في قدرته تعالى على جميع الأشياء وانّ كل شيء تحت سلطانه عزّ شأنه ، وقد بينا في محله انّ علمه الذاتي وانكشاف افعال العباد لديه جل شأنه قبل وجودها وان لم نعرف حقيقته بعد علمنا بأنه ليس من قبيل الاعراض لا ينافي صدورها عنهم باختيارهم خلافا للمجبرة ، لأنّ العلم بالفعل ليس من مبادئ صدوره ، وانما يتعلق به على واقعه ، فلو فرضنا محالا عدم علمه بأفعالنا كيف كانت تصدر عنا بعد علمه أيضا كذلك لأنه متعلق بها على ما هي عليه واقعا ، نظير المرآة ونظير علمنا بصدور بعض الأفعال عن أنفسنا ، فليس للعلم أي دخل وتأثير في تحقق الفعل أصلا ، وكما لا يوجب علمه بافعال العباد سلب قدرتهم واختيارهم ، كذلك لا يوجب علمه بافعال نفسه سلب قدرته عنها كما قال عزّ شأنه «بل يداه مبسوطتان».

٣١٨

ثم انّ الأمور المتحققة واقعا غير منحصرة بالموجودات الخارجية ، بل هناك موجودات نفس الأمرية ثابتة في الواقع ، وليست من قبيل الفرض الممكن متعلقة بكل شيء ، كالإمكان الثابت للأمور الممكنة ، والامتناع الثابت للأمور المستحيلة ، فانهما امران واقعيان ، وليسا مجرد اعتبار كما توهم بدعوى انّ الإمكان لو كان موجودا فلا بدّ وان يكون ممكنا أيضا وهكذا إلى ان يتسلسل ، وانّ استحالة اجتماع النقيضين لو كانت موجودة لزم وجود موضوعها وهو خلف ، فانّ وجودهما ليس وجودا خارجيا ليلزم ذلك ، بل هو وجود وتحقق نفس الأمر كما بين. ومن هذا القبيل الملازمات فانها أيضا ثابتة واقعا بين المتلازمين ، فالموجودات على قسمين : موجودات خارجية وموجودات متحققة في الواقع ونفس الأمر وان لم يكن لها ما بحذاء في الخارج ، وكل منهما قابل لتعلق العلم به كما نشاهد ذلك وجدانا. ومن الواضح انّ عدم تحقق اللازم في الخارج لعدم تحقق ملزومه لا ينافي الملازمة ولا يستدعي أن يكون العلم بها جهلا.

إذا عرفت ذلك نقول : علمه تعالى باعتبار المعلوم ينقسم على ما يستفاد من الأدلة إلى ثلاثة أقسام :

الأول : علمه المكنون الّذي استأثر به نفسه ، ولم يخبر به أحدا من خلقه لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ، وجهلهم بذلك لا يوجب منقصة فيهم ، فانّ المخلوق يستحيل ان يحيط بما أحاط به الخالق تبارك وتعالى ، وهذا هو العلم بالمشيئة.

الثاني : علمه المعبر عنه بالقضاء المحتوم ، وهو علمه بتحقق الأشياء خارجا حتما ، وقد أخبر به مخلوقاته وعباده كل بحسبه ، والأوفر حظا من ذلك أشرف مخلوقاته وهو خاتم النبيين ثم أوصياؤه المعصومون ، ويعبر عنه باللوح المحفوظ ، وهو الّذي يتنزل به الملائكة والروح في ليلة القدر على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووصيه.

الثالث : علمه جل شأنه بالملازمات وتحقق الأشياء في الخارج لو لا المشيئة

٣١٩

على خلافها ، وقد أخبر جل شأنه وبينها لأوليائه ، ويعبر عنه بالتقدير والقضاء المعلق ، فانه عالم بالملازمات والاعدام.

اما العلم الأول ، فلا يعقل فيه البداء ، ولكن يكون منه البداء ، أي يكون منشأ للبداء كما صرح به في بعض الاخبار الصادرة عن أهل البيت.

وامّا العلم الثاني فليس فيه البداء ، لأنه حتمي على الفرض ، والبداء فيه مستلزم لتكذيب الأنبياء وإفحامهم تعالى عن ذلك ، وهو جل شأنه لا يكذب نفسه ولا نبيه ، كما ليس منه البداء لأنه ظاهر واضح على الفرض ، وليس خفيا على العباد.

وامّا العلم الثالث ، ففيه البداء فانه اخبار بتحقق أمور معلقا على ان لا تكون المشية على خلافه ، كما انا نخبر بأمور تارة بنحو الحتم ، وأخرى : بتحققها معلقا على أن لا يتوسط في ذلك أحد مثلا ، فإذا كانت المشية على خلافها بحسب ما هو معلوم له جلّ شأنه بعلمه المكنون ولم يتحقق ذلك المخبر به يكون هذا بداء ، وهو لا يستلزم الجهل ولا غيره مما لا يليق بمقامه المقدس ، لما عرفت انّ العلم بالملازمة لا ينافي عدم تحقق الملزوم ، ولذا ورد عن الأئمة عليهم‌السلام [لو لا آية من كتاب الله لأخبرتك بما كان وما يكون وهي قوله تعالى (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(١)] وهذا المعنى مما يجب التدين به ، فانّ معناه قاهريته تعالى على كل شيء وكون جميع الأشياء تحت مشيته وقدرته.

ونمثل لما ذكرناه مثالا من القوانين الدولية ، فانّ كل من يعرف القانون إذا سألته عن حكم من قتل نفسا متعمدا يقول : انّ حكمه الشنق أو السجن ، وهذا امر على القاعدة إلّا انه معلق على عدم صدور الإرادة الملكية على خلاف ذلك ولا

__________________

(١) الرعد ـ ٣٩.

٣٢٠