دراسات في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

فنقول : الظاهر كونه حكما تعبديا ، وذلك لتمكن المكلف من الإتيان بالصلاة مع الطهارة المائية وطهارة البدن من الخبث وإحراز ذلك بتكرار الصلاة بان يتوضأ تارة بأحد الإناءين ويصلي ثم يطهر مواضع وضوئه من الإناء الثاني ويتوضأ به ويصلي ثانيا ، فانه يقطع بإتيانه بالصلاة مستجمعة لجميع الشرائط ، غاية الأمر لا يمكنه تمييز ما هو مصداق المأمور به خارجا ، وهو غير لازم ، نظير ما إذا تردد ثوبه بين الثوب المتنجس والطاهر ، فانّ جماعة من الفقهاء في فرض انحصار الثوب بالمتنجس أفتوا بأنه يصلّي عاريا. وامّا في الثوبين المشتبهين حكموا بلزوم الإتيان بصلاتين في ثوبين ، ومقامنا من هذا القبيل ، وعليه فالحكم بإراقة الماءين حكم تعبدي محض.

وصاحب الكفاية (١) فصل بين ما إذا كان الماء ان قليلين وما إذا كانا كثيرين ، ففي الأول ذهب إلى استصحاب نجاسة البدن ، فانّ المكلف بمجرد وصول الماء الثاني إلى بدنه قبل انفصال الغسالة الّذي هو مقوم لعنوان الغسل يعلم بنجاسة بدنه ، سواء كان الماء الأول نجسا أو الماء الثاني ، وبعد ذلك يستصحب النجاسة ، وعليه فالتوضي بالماءين وان كان مستلزما لإحراز الطهارة المائية إلّا انه مستلزم للعلم بنجاسة البدن ولهذا يكون تبدل الوظيفة إلى التيمم حكما على طبق القاعدة ، وهذا بخلاف ما إذا كان الإناء الثاني كرا فانه لا يتيقن النجاسة في زمان أصلا.

وفيه : مضافا إلى ما ذكرناه ، انّ استصحاب النجاسة في الفرض الأول وان كان جاريا إلّا انه على المختار من عدم اعتبار اتصال زمان اليقين بالشك يكون استصحاب الطهارة هناك جاريا أيضا ، وهو استصحاب الكلي المردد من حيث الزمان ، فانه كما يعلم بنجاسة بدنه عند ملاقاته مع الإناء الثاني كذلك يعلم بطهارة

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٨١.

١٦١

بدنه في زمان معين واقعا مردد عند المكلف ، فهي مرتفعة لو كانت ثابتة قبل ملاقاة الإناء الثاني وثابتة لو كانت بعد ملاقاة الإناء الثاني ، فيستصحب بقائها. ونظير ذلك ما إذا علم المكلف بالجنابة يوم الخميس واغتسل منها ثم رأى في ثوبه أثر وتردد بين كونه حادثا قبل ان يغتسل فيكون مرتفعا قطعا ، وحدوثه بعده فيكون باقيا قطعا ، وحيث انه يعلم بتحقق جنابته حين خروج ذاك الأثر على إجماله ويشك في ارتفاع الجنابة المتيقنة حينئذ فيستصحبها.

وبالجملة فاستصحاب نجاسة البدن معارض باستصحاب طهارته ، فامّا يسقطان بالمعارضة ، أو لا يجري شيء منهما على الخلاف في ذلك ، فلا فرق بين الصورتين أصلا.

نعم بعد عدم جريان استصحاب النجاسة أيضا لا يمكن الرجوع إلى قاعدة الطهارة ، وذلك للعلم الإجمالي ، فانه بعد ما شرع في استعمال الإناء الثاني يعلم إجمالا بنجاسة جزء من بدنه ، امّا الجزء الملاقي لهذا الماء الثاني ، وامّا الجزء الملاقي للإناء الأول ، وهذا العلم الإجمالي يمنع جريان قاعدة الطهارة مطلقا ، فلا يمكن إحراز طهارة البدن.

هذا ولكن قد عرفت إمكان إحراز الإتيان بالصلاة تامة الاجزاء والشرائط بتكرار على النحو المتقدم ، وعليه فالأمر بإهراق الماءين تعبدي لمصلحة التسهيل أو لغير ذلك.

ثم انّ صاحب الكفاية قدس‌سره (١) ذكر انه لا يعتبر في باب اجتماع الأمر والنهي تعلق كل من الأمر والنهي بعنوان مستقل ، بل لو تعلق الأمر والنهي بعنوان واحد وكان تغايره بتعدد الإضافة أيضا يكون من صغريات اجتماع الأمر والنهي ، ومثّل

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٨٢.

١٦٢

له بما إذا ورد أكرم العلماء ولا تكرم الفساق ، فيكون العالم الفاسق مورد اجتماع الأمر والنهي ويجري فيه حكمه.

ثم أورد على ذلك بأنه لو كان الأمر كذلك فلما ذا يعاملون الفقهاء معاملة التعارض في موارد العموم من وجه.

وأجاب عنه بأنّ ذلك انما هو لعلمهم بعدم ثبوت ملاك أحد الحكمين ، فالتعارض يكون بالعرض لعلمهم الخارجي.

هذا وفيما أفاده صغرى وكبرى نظر.

امّا أولا : فلأنّهم كيف علموا عدم اشتمال أحد الحكمين على الملاك في جميع موارد التعارض بالعموم من وجه ، وليس لهم علم الغيب؟

وثانيا : انّ الأمر في المثال المذكور في كلامه وهو أكرم العلماء عمومه شمولي لا بدلي ، ويعتبر في باب اجتماع الأمر والنهي ان يكون عموم الأمر بدليا ، وإلّا فمع تعدد العنوان ذاتا أيضا يستحيل الاجتماع لعدم المندوحة ، مثلا لو قال المولى : «صل في كل مكان ولا تغصب» فبالقياس إلى المكان المغصوب لا يتمكن المكلف من الامتثال أصلا ، فيخرج عن باب اجتماع الأمر والنهي.

وثالثا : في باب اجتماع الأمر والنهي لا بدّ وان يكون عنوانان أحدهما : متعلق الأمر ، والآخر : متعلق النهي ليرى هل انّ تعدد العنوان موجب لتعدد المعنون وانّ الحيثيتين تقييديتان ليجوز الاجتماع ، أو انهما تعليليتان ليمتنع الاجتماع.

وامّا لو فرضنا انه ليس هناك إلّا عنوان واحد وهو الإكرام في المثال واختلافهما باختلاف الإضافة ، بل لا اختلاف في الإضافة أيضا حقيقة ، فانّ المضاف إليه في كل من الإكرام المتعلق للأمر وللنهي معنون واحد وهو زيد ، غاية الأمر يكون هناك عنوانان تعليليان وهما عنوانا العلم والفسق ، فالعلم علّة لوجوب الإكرام ، والفسق علّة لحرمته ، فلا محالة يكون وجوب الإكرام وحرمته متعلقا

١٦٣

بشخص واحد لعلّيتين ، فكيف يمكن القول بجواز اجتماع الحكمين ، فهو خارج عن محل البحث لا محالة ، فشيء مما أفاده قدس‌سره في هذا الأمر لا يتم كما عرفت.

١٦٤

دلالة النهي

على الفساد في العبادات والمعاملات

وينبغي التنبيه على أمور :

الأول : انّ الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة واضح ، فانّ البحث هناك كان في سراية كل من الأمر والنهي إلى متعلق الآخر وعدمه ، وفي المقام بعد الفراغ عن ذلك يتكلم عن دلالة النهي على الفساد وعدمه. نعم بناء على امتناع اجتماع الأمر والنهي وتقديم جانب النهي يتحقق صغرى من صغريات البحث.

الثاني : انّ هذا البحث أجنبي عن مباحث الألفاظ بالكلية ، وانّ لفظ النهي المولوي لا يدل على الفساد ، وانما دلالته عليه يكون بالالتزام ومن باب انّ الحرمة ملازمة لذلك أو ملازمة للصحة كما ذهب إليه أبو حنيفة. نعم الأمر أو النهي الإرشادي كما في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «نهى النبي عن بيع الغرر» حيث يدل على شرطية متعلقه في باب الأوامر وإلى مانعيته في باب النواهي فيدل على فساد المشروط عند انتفاء الشرط أو وجود المانع ، إلّا انّ ذلك خارج عن محل الكلام ، إذ لم ينكر دلالته على الفساد بهذا المعنى أحد على ما نعلم.

وامّا النهي المولوي فلا دلالة للفظه على الفساد أصلا ، فلا يفرق في ذلك بين كون الحرمة مستفادة من لفظ النهي أو من غيره من الإجماع ونحوه ، والتعبير بالنهي انما هو من باب انّ الحرمة غالبا مستفادة من النهي.

الثالث : في انّ النزاع يختص بالنهي التحريمي النفسيّ أو يعم النهي الغيري

١٦٥

والنهي التنزيهي؟ ظاهر الكفاية (١) هو الثاني.

فنقول : امّا النهي عن العبادة كما لو فرضنا انّ ترك واجب صار مقدمة لفعل واجب أهم فبما انه لا يكون ناشئا عن مبغوضية متعلقه بل الغرض منه التوصل إلى الواجب الأهم لا يكون مستلزما للفساد ، امّا على الترتب فواضح ، إذ عليه يكون المهم مأمورا به في فرض ترك الأهم فيصح الإتيان به بقصد الأمر ، وامّا لو أنكرنا الترتب فما تعلق به النهي وان لم يكن مأمورا به أصلا إلّا انه مع ذلك يصح الإتيان به بقصد الملاك ، لما ذكرنا من انّ النهي الغيري لا يكشف عن مبغوضية متعلقه فيجوز التقرب به كما هو واضح.

وامّا النهي التنزيهي فهو على قسمين : وذلك لأنه تارة : يرجع إلى النهي عن تطبيق المكلف طبيعي المأمور به على بعض افراده ، كما لو فرضنا انّ المأمور به هو الطبيعي بنحو صرف الوجود فانه بالالتزام يدل على ترخيص المكلف في التطبيق أو انّ هناك يكون الترخيص ثابتا بحكم العقل ، فإذا تعلق النهي بفرد من افراده ، فان كان تحريميا لا محالة يقيد به الترخيص المزبور ، وان كان تنزيهيا فبما انه لا ينافي الترخيص لا يوجب تقييدا في ذلك أصلا ، نعم يستفاد منه حزازة ذاك الفرد ومنقصته عن غيره.

وأخرى : يتعلق النهي التنزيهي بغير ما تعلق به الأمر ، كما لو فرضنا تعلق الأمر بالطبيعي بنحو مطلق الوجود وقال : «أكرم كل عالم» ثم ورد نهي تنزيهي عن إكرام زيد العالم فبما انّ الأحكام الخمسة كلها متضادة لا محالة يرتفع الأمر المتعلق بذلك الفرد ، فلا تصح العبادة حينئذ ، وعليه فالنهي التنزيهي أيضا يدل على الفساد لكن في العبادات لا المعاملات.

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٨٤.

١٦٦

الرابع : فيما يراد من العبادة والمعاملة في المقام. ذكر الآخوند قدس‌سره (١) انه يمكن ان يراد بالعبادة في المقام العبادة الذاتيّة التي تكون بنفسها خضوعا وتعظيما ، نظير السجود الّذي هو بمعنى غاية الخضوع ، فإذا وضع الإنسان جبهته على الأرض بعنوان الخضوع الّذي هو مقوم لهذا العنوان لا لحك الرأس وشبهه يكون عبادة وتعظيما ، أمر به المولى أو لم يأمر. ويمكن ان يراد بها ما لو أمر به المولى لكان عبادة مقربا لا يكاد يسقط أمره إلّا إذا أتى به بقصد القربة عبادة.

ونقول : يمكن ان يراد بها ما يقصد به المكلف التعبد والتقرب إلى المولى وان لم يكن يحصل به القرب ، إذ لا يعقل حصوله بالمبغوض وربما يقصد المكلف القربة بالمحرم كما وقع ذلك في قتل الحسين عليه‌السلام على ما في الرواية ، وان يكن مقربا واقعا فيتعلق النهي بالإتيان به قربيا نظير صلاة الحائض فانّ الإتيان بها لتعليم الغير لا يكون منهيا عنه ، واما التعبد بها والإتيان بها قربيا فمنهي عنه.

وبالجملة فالمراد بالعبادة في المقام ليست العبادة بالفعل ، إذ لا يعقل تعلق النهي بها ، بل المراد بها ما يكون فيه شأنية التقرب ويقصد به القربة ويؤتى به جامعا لجميع الاجزاء والشروط المعتبرة فيه بحيث يكون مقربا للعبد لو لا النهي ، فيبحث عن انّ النهي المتعلق بمثل هذا العمل كصلاة الحائض المأتي بها بقصد القربة يدل على فساده أم لا؟ هذا كله في العبادة.

وامّا المعاملة ، فتارة : يراد بها خصوص ما يتقوم بالإيجاب والقبول وهو العقود ، ويعبر عنها بالمعاملة بالمعنى الأخص ، فيكون المبحوث عنه دلالة النهي التحريمي المولوي على فساد العقد إذا تعلق به.

وأخرى : يراد بها معنى أعم من ذلك بحيث يشمل الإيقاعات أيضا ، بان يراد

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٨٤.

١٦٧

منها مطلق ما يتقوم بالإنشاء ، امّا بالقول أو بالفعل ، إذ لا وجه لتخصيص النزاع بالعقود مع جريانه في الإيقاعات كالطلاق أيضا ، كما لا وجه لإخراج ما يشبه الإيقاعات مما يعتبر فيه القصد دون الإنشاء كالحيازة والتحجير عن حريم النزاع ، بداهة جريانه فيها.

فالصحيح أن يقال : أنّ المراد بالمعاملة في المقام كل فعل تسبيبي يتسبب به المكلف إلى إيجاد أمرا آخر مما يتقوم بالقصد ، فيعم مثل الطهارة الحدثية والخبثية فيجري نزاع دلالة النهي على الفساد في جميعها ، غاية الأمر علمنا من الخارج عدم دلالته عليه في بعض الموارد مثل الطهارة عن الخبث فانها تتحقق بغسل المتنجس حتى بالماء المغصوب ونحوه.

الخامس : في بيان معنى الصحة والفساد وما يرجع إليهما.

والكلام فيه يقع في جهتين.

إحداهما : في بيان مفهومهما.

الثانية : في انهما يكونان من الأمور الانتزاعية والجعلية الشرعية أو من الأمور الواقعية؟

امّا الجهة الأولى : فالصحيح قد يستعمل في مقابل المعيب بمعنى ما لا يترتب عليه الأثر الكامل المرغوب منه ، وهو بهذا المعنى أجنبي عن المقام. وأخرى : يستعمل في مقابل الفاسد أعني ما لا يترتب عليه الأثر أصلا ، بحيث كأنه لا يكون مصداقا لذلك الطبيعي أصلا ، وهذا هو المراد في المقام.

وتفصيل ذلك : هو انّ الأثر المرغوب تارة : يكون مترتبا على أمر بسيط لا جزء له ولا شرط ، ولا يتصف مثل ذلك بالصحّة والفساد أصلا ، بل امّا يكون موجودا ، وامّا يكون معدوما.

وأخرى : يكون المؤثر لذاك الأثر مركبا ، وعليه أيضا اما ان يترتب الأثر

١٦٨

المرغوب على كل جزء من أجزاء المركب أثر مختص به ، نظير الدار فإنه مركب من القباب والسرداب ونحو ذلك إلّا انه يترتب على كل من اجزائه أثر مختص به ، وهذا أيضا لا يتصف بالصحّة والفساد ، فلا يطلق الفاسد على الدار الفاقد للسرداب مثلا ، ولا على كتاب ناقص غير مشتمل على صحيفة أو أكثر ، فلا يقال : انّ الكتاب فاسد ، ولكن يطلق عليه الناقص ، فتفسير الفساد بالنقص كما في الكفاية (١) لا وجه له.

وامّا ان يترتب أثر واحد على مجموع الاجزاء والشرائط ، وهذا هو الّذي يتصف بالصحّة تارة وبالفساد أخرى إلّا ان يكون الأثر المترتب عليه من قبيل الحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية على الموضوع المركب كوجوب الحج الثابت للعاقل البالغ المستطيع مثلا ، فانه لا يقال علي الموضوع الفاقد لبعض الخصوصيات المعتبرة فيه انه موضوع فاسد وعلى التام انه موضوع صحيح ، والوجه فيه ظاهر ، فانّ الحكم ليس من الأثر المرغوب من الموضوع.

وبالجملة فالصحة والفساد يكونان بمعنى ترتب الأثر المرغوب على المركب وعدمه ، وعليه فالأثر المرغوب من العبادة انما هو حصول فراغ الذّمّة عن التكليف ، فانّ ما يكون داعيا للمكلف على الإتيان بها هو ذلك ، لا حصول المصلحة في الدنيا ، أو في عالم البرزخ أو الآخرة ، بداهة اتصاف العبادة بالصحّة والفساد عند الأشعري المنكر للملاك والمصلحة أيضا ، فإذا حصل الفراغ بالإتيان بالعبادة فقد ترتب الأثر المرغوب عليها فتكون صحيحة وإلّا فتفسد.

وامّا في المعاملة ففي مثل البيع غرض المتبايعين انما هو حصول النقل والانتقال والتبديل في المالين ، فإذا ترتب هذا الأثر يتصف بالصحّة وإلّا فيكون

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٨٧.

١٦٩

فاسدا ، وهكذا في غيره من المعاملات.

والحاصل : حيث عرفت أنّ المراد بالصحّة والفساد هو ترتب الأثر المرغوب على الشيء وعدمه ظهر لك انه لا يتصف بهما إلّا المركب أو المقيد الّذي يترتب عليه أثر واحد ، سواء كان عبادة أو عقدا ، أو إيقاعا أو ما شابهه. وامّا الموضوع المركب فلا يتصف بشيء منهما ، لأنّ الحكم ليس الأثر المرغوب من الموضوع ، وانما هو محمول عليه كما في بقية القضايا الحقيقية ، فلا يقال للبالغ العاقل غير المستطيع انه موضوع فاسد وللمستطيع انه موضوع صحيح.

الجهة الثانية : في ان الصحة والفساد أمران واقعيان أو انتزاعيان أو حكمان جعليان كالملكية ونحوها؟

فصل الآخوند (١) في ذلك بين العبادات والمعاملات ، وذهب إلى انّ الصحة والفساد في العبادات منتزعتان من انطباق المأمور به على المأتي به ، وامّا في المعاملات فالصحة عبارة عن حكم الشارع بترتب الأثر على المعاملة الخاصة وعدمه ، فهما مجعولان فيهما.

وهناك تفصيل آخر عن المحقق النائيني سيظهر لك عند بيان المختار.

امّا ما أفاده في الكفاية فالجواب عنه هو : انّ الصحة والفساد يكونان من قبيل عوارض الوجود ، ولا يتصف بهما إلّا الموجود الخارجي ، فانه الّذي قد يترتب عليه الأثر وقد لا يترتب ، نظير حرارة النار وبرودة الماء فلا يتصف به الطبيعي إلّا بنحو الفرض والتقدير ، فإذا قيل البحر من الزئبق سيال معناه إذا فرض ذلك في الخارج يكون سيالا ، وعليه فالصحة في المعاملة أيضا منتزعة من انطباق ما أخذ موضوعا في حكم الشارع بالملكية أو غيرها من الأحكام الوضعيّة على المأتي به في

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٨٩.

١٧٠

الخارج.

وبعبارة أخرى : ما يتعلق به الإمضاء الشرعي هو الطبيعي ، وهو لا يتصف بالصحّة والفساد ، والمتصف بهما الفرد بلحاظ انطباق الطبيعي عليه وعدمه.

فالذي ينبغي ان يقال : هو التفصيل بين الأحكام الواقعية وبين الأحكام الظاهرية ، فإذا أحرز المكلف بالقطع الوجداني اشتمال ما أتى به على جميع ما اعتبره الشارع في حكمه ، مثلا توضأ بماء مقطوع طهارته وإطلاقه واستقبل في صلاته القبلة المعلومة وهكذا من حيث بقية الاجزاء والشرائط وفقد الموانع ، فالصحة فيها تكون منتزعة عن انطباق المأمور به على المأتي به.

واما لو فرضنا انه توضأ بماء مستصحب الطهارة أو إلى طرف أخبرت البينة بكونه إلى القبلة ، فهو وجدانا يحتمل ان لا تكون صلاته إلى غير القبلة أو بلا طهارة غاية الأمر حكم الشارع بصحة ما أتى به بمقتضى دليل حجية الاستصحاب أو البينة أو بمقتضى قاعدة التجاوز أو الفراغ ، فالصحة حينئذ تكون بحكم الشارع بانطباق المأمور به على ما أتى به خارجا ، والفساد عبارة عن عدم حكمه ، فهما بذلك مجعولان شرعيان.

وإلى هنا هذا التفصيل موافق لما ذكره الميرزا قدس‌سره ، وما نفترق معه فيه هو : انه في موارد الحكم الظاهري أيضا تارة : تكون الصحة صحة ظاهرية بحيث تنقلب الصحة إلى الفساد لو انكشف الخلاف ، وأخرى : تكون صحة واقعية لا تجب الإعادة حتى لو انكشف الخلاف ، كما في موارد ثبوت الاجزاء بحديث لا تعاد ، فالصحة والفساد في القسم الأول مجعولان دون القسم الثاني ، وذلك لأنّ اكتفاء الشارع بالفاقد للجزء أو الشرط واقعا ملازم لرفع اليد عن جزئية الفاقد أو شرطيته ، وإلّا لزم رفع اليد عن التكليف رأسا ، فكأنه من الأول تكون وظيفة هذا الشخص الإتيان بالفاقد ووظيفة غيره الإتيان بخصوص الواجد ، وإذا كان كذلك

١٧١

فانطباق طبيعي المأمور به بالقياس إلى هذا الشخص على ما أتى به يكون قهريا ، فتكون الصحة أو الفساد فيها منتزعا.

وبالجملة فالصحة الظاهرية الثابتة للشاك المتقومة به التي تدور مدار الشك مجعولة شرعا ، وكذلك الفساد ، وامّا الصحة الواقعية التي ليس فيها انكشاف الخلاف فهي منتزعة لا محالة.

السادس : فيما يقتضيه الأصل عند الشك في دلالة النهي على الفساد.

فصل في الكفاية (١) بين المعاملات والعبادات ، فذهب إلى انّ الأصل في المعاملة هو الفساد وعدم ترتب الأثر عليها ، وفي العبادات فصلّ بين ما إذا كان الشك في أصل تعلق الأمر بعبادة ، وما إذا كان الشك في الأقل والأكثر ، وما إذا كان حدوث الشك في الصحة في الأثناء أو بعد الفراغ عن العمل.

والظاهر انّ جميع ذلك خارج عما هو محل البحث والنزاع ، فانّ المبحوث عنه انما هو الشك في الصحة والفساد من حيث دلالة النهي على ذلك وعدمه ، لا الشك فيهما من جميع الجهات.

فالأولى أن يقال : امّا الشك في ذلك من حيث المسألة الأصولية ، أعني دلالة النهي على الفساد والملازمة بين حرمة الشيء وفساده فليس فيها أصل يعول عليه عند الشك ، إذ الملازمة أزلية وجودا وعدما ، نظير ما مر في الأصل العملي عند الشك في الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته ، فتصل النوبة إلى المسألة الفرعية. والصحيح فيها هو التفصيل بين المعاملات والعبادات.

امّا المعاملات ، فمقتضى الأصل فيها وان كان عدم ترتب الأثر عليها عند الشك في صحتها كبقاء كل من المالين على ملك مالكه في البيع ، إلّا انّ هناك

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٩٠.

١٧٢

إطلاقات في موارد خاصة كقوله تعالى (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(١) في البيع ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «النكاح جائز بين المسلمين» في النكاح ، أو في مطلق العقود أو الإيقاعات أيضا كقوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(٢) وقوله عليه‌السلام «المؤمنون عند شروطهم» (٣) إلى غير ذلك ، فإذا تعلق النهي المولوي التحريمي بمعاملة وشككنا لأجله في صحتها فأصالة العموم أو الإطلاق تقتضي صحتها ، ومن الواضح انّ الأصل اللفظي حاكم على الأصل العملي.

وبعبارة أخرى : انّ الإطلاقات الواردة في المعاملات تامة ، فإذا أحرزنا فساد معاملة نخصص به تلك الإطلاقات ، وإذا احتملنا ذلك فالإطلاقات محكمة.

وامّا العبادات ، فهي توقيفية لو لم يثبت تعلق الأمر بها لا يجوز إسنادها إلى المولى ، لأنه تشريع محرم بالأدلة الأربعة على ما في كلام الشيخ قدس‌سره ، فيعتبر في صحة كل عبادة ثبوت الأمر فيها ، وعليه فإذا تعلق النهي التحريمي بعبادة لا محالة يقيد به إطلاق دليل الأمر بتلك العبادة ، إذ الأمر والنهي متضادان ، فلا تصح الإتيان بها حتى بالملاك كما ستعرف إن شاء الله.

السابع : انّ النهي تارة : يتعلق بحصة مما تعلق به الأمر أي بنفس ذلك العنوان كنهي الحائض عن الصلاة والنهي عن صوم العيدين ، وأخرى : يتعلق بجزء من العبادة.

اما الأول ، فهو داخل في محل النزاع ، ويدل النهي فيها على الفساد ، وذلك لأنّ النهي عن فرد من افراد الطبيعي يستلزم تخصيص ترخيص المكلف في تطبيق الطبيعي بغير مورد النهي ، إذ لا يحصل التقرب بالمبغوض ، فلا يتعلق به الأمر لا

__________________

(١) البقرة ـ ٢٧٥.

(٢) المائدة ـ ١.

(٣) الكافي ـ ج ٥ ـ ٤٠٤.

١٧٣

محالة ، فيكون فاسدا.

وامّا تصحيح ذلك بالملاك ، ففيه :

أولا : ما ذكرناه من انّ الكاشف عن ثبوت الملاك في مورد ليس إلّا الأمر فإذا سقط من أين سينكشف الملاك؟

وثانيا : سلّمنا تحقق الملاك في الفرد المحرم أيضا ولكن كيف يمكن التقرب بملاك مغلوب للمفسدة الموجودة في مورده بحيث أثرت تلك المفسدة حتى حرمه الشارع.

وامّا الثاني ، أعني ما إذا تعلق النهي بجزء العبادة ، نظير ما لو أتى المكلف ببعض اجزاء الصلاة رياء ، فان لم يكن ذلك الجزء قابلا للاستبدال فلا محالة تفسد العبادة لفساد جزئها ، فانّ المركب ينتفي بانتفاء بعض اجزائه.

وامّا ان كان قابلا للاستبدال ، فتارة : يكون النهي مما يقيد أصل العمل أيضا كالرياء ، فانه مفسد في أي عمل تحقق بل هو شرك حقيقة كما في الروايات. وفي هذا الفرض تفسد العبادة ولو استبدل الجزء لا لمجرد النهي عنه بل لخصوصية في المورد.

وأخرى : لا يكون النهي كذلك ، وفي هذا القسم لو استبدل المكلف ذاك الجزء فلا وجه للفساد إلّا إذا استلزم الاستبدال ثبوت مانع عن الصحة كالزيادة العدمية المخلة في الصلاة ، بل الزيادة قد تتحقق بنفس الفرد المحرم على ما سنبين.

هذا ولكن غير الفرض الأول من الفروض المذكورة يكون البحث فيها صغرويا لا كبرويا كما هو ظاهر ، فما أفداه في الكفاية (١) من صحة العبادة التي تعلق النهي بجزء منها إذا استبدل الجزء المحرم بغيره بإطلاقه غير تام.

وبالجملة إذا تعلق النهي بنفس العبادة يدل على فسادها بالبيان المتقدم ، وإذا تعلق بجزء من اجزائها لا يلزم منه إلّا فساد ذاك الجزء ، فإذا أمكن استبداله بفرد

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٩٢.

١٧٤

غير محرم ولم تكن حرمة ذاك الجزء المأتي به محرما حرمة سارية إلى نفس العبادة نظير بعض الأمراض المسرية في الثمار وغيرها ولم يكن الاستبدال مستلزما للزيادة فيما توجب البطلان كالصلاة والطواف لا تستلزم منه فساد المركب.

ثم انا ذكرنا في محله انه يعتبر في تحقق الزيادة حتى في الأفعال قصد الجزئية ، فالزيادة متقومة بهذا القصد. نعم في خصوص السجدة ورد الدليل على كونها زيادة ولو أتى بها بغير قصد الجزئية ، ويثبت ذلك في الركوع بالأولوية. وامّا في غيرهما من الأفعال كالقيام والجلوس فالزيادة متقومة بما ذكرناه ، ولذا لو قام أحد في صلاته لأجل النّظر إلى الهلال أو جلس لغرض لا يكون ذلك زيادة في الصلاة ، فالزيادة في الصلاة في غير الركوع والسجود انما يتحقق فيما إذا أتى بالجزء المحرم بقصد الجزئية لا بغير ذلك.

إذا عرفت هذا فنقول : استدل المحقق النائيني قدس‌سره على فساد العبادة التي تعلق النهي ببعض اجزائها بوجوه ثلاثة ، يعم واحد منها مطلق العبادات ، والاثنان الآخران مختصان بخصوص الصلاة.

امّا الوجه الأول : فحاصله انّ الأمر بالمركب لا يخلو الحال فيه من ان يكون لا بشرط بالقياس إلى ذلك الجزء المحرم ، أو يكون بشرط لا عن ذلك ، أي امّا يكون مطلقا بالقياس إليه أو يكون مقيدا بعدمه ، وحيث انّ الأول يستلزم الترخيص في المعصية فيتعين الثاني ، فإذا كان المأمور به مقيدا بعدم ذلك الجزء المحرم فلا محالة يكون الإتيان به مانعا عن العمل فيفسد بإتيانه.

وفيه : انه ان أراد من البشرطلائية كون الأمر الضمني المتعلق بالجزء مقيدا بغير الفرد المحرم فهو وان كان حقا إلّا انه لا يستلزم إلّا فساد الجزء ، والمفروض استبداله بغير الفرد المحرم ، وان أراد بها انّ المركب مقيد بعدم الإتيان بالجزء المحرم ، فهو ممنوع كما لا يقيد الواجب بعدم بقية المحرمات ، بل يكون الواجب مطلقا

١٧٥

بالقياس إلى ذلك من دون ان يلزم الترخيص في المعصية ، ولذا لم يقبل أحد بفساد الصلاة إذا اقترنت بالنظر إلى الأجنبية أو بالكذب ونحوه من المحرمات.

وحل المطلب هو : انّ ما ذكرنا من تقيد الواجب بغير الفرد المحرم انما هو في فرض وحدة وجود المأمور به مع المحرم ، وينحصر ذلك بما إذا تعلق الأمر بالطبيعي وكان بعض افراده محرما ، فانّ إطلاق الأمر به الملازم للترخيص في تطبيقه على أيّ فرد شاء يستلزم الترخيص في المعصية ، فلا بدّ وان يقيد بغير الفرد المحرم. وامّا إذا فرضنا انّ هناك وجودان أحدهما محرم وقد يقارن الواجب أو يسبقه أو يلحقه ، فلا مانع من كونه مطلقا بالقياس إليه أصلا ، بل لا مانع من ان يصرح المولى بالإطلاق بان يقول : صلّ سواء كذبت أم لم تكذب ، أو نظرت إلى الأجنبية أو لم تنظر. وهكذا ، فيكون الواجب لا بشرط بالقياس إليها ، ولا يلزم الترخيص في المعصية من ذلك أصلا.

الوجه الثاني : وهو مختص بغير الأذكار من اجزاء الصلاة أعني الركوع والسجود والقيام والجلوس ، فحاصله : انه لو أوجد المكلف شيئا منها في الفرد المحرم ، فلا يخلو الحال من انه يستبدله بفرد آخر ، أو لا يستبدله ، وعلى الثاني يبطل العمل لفساد الجزء ، وعلى الأول تفسد للزيادة العمدية فانها في الأفعال غير متقومة بقصد الجزئية ، انتهى (١).

وقد مر الجواب عنه فلا نعيد ، لأنك عرفت انّ الزيادة في الصلاة في غير الركوع والسجود متقومة بقصد الجزئية فتدور مدارها.

الوجه الثالث : وهو مختص بالأذكار من الصلاة ، وهو انه لو أتى المكلف بشيء من الأذكار الواجبة في الصلاة في ضمن فرد محرم كاللعن أو الدعاء على

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٣٩٨.

١٧٦

مؤمن فبما انّ كلام الآدمي الّذي يعم مطلق التكلم مبطل للصلاة كما ورد النص به ، وقد خرج عن ذلك القرآن والذّكر والدعاء لقوله عليه‌السلام «كلّما ناجيت به ربك فهو من الصلاة» وهذه الأدلة المخصصة لا تعم الدعاء والذّكر المحرم ، فانه يستحيل ان يكون من الصلاة ، لأنه منهي عنه على الفرض ، فيبقى تحت عموم كلام الآدمي ، فيكون مفسدا.

وفيه : انّ هذا انما يتم لو قلنا بأنّ كلام الآدمي يعم الدعاء والذّكر في نفسه ، فانّ المخصص كما ذكر لا يشمل الفرد المحرم على ما بين ، ولكن لو قلنا بأنّ كلام الآدمي منصرف إلى التكلم المتعارف فلا يعم في نفسه المناجاة وقراءة القرآن حتى لو لم يكن هناك دليل مخصص ، فلا مقتضى حينئذ للبطلان أصلا.

والحاصل : انّ النهي تارة : يتعلق بذات العبادة ، وأخرى : بجزئها ، وثالثة : بوصفها ، ورابعة : بشرطها.

امّا النهي المتعلق بذات العبادة فقد عرفت دلالتها على الفساد.

وامّا المتعلق بجزء العبادة فهو في نفسه لا يوجب إلّا فساد نفس الجزء دون المركب ، فإذا أمكن تبديله بجزء آخر لا يلزم فساد أصل العمل إلّا إذا استلزم محذورا آخرا من الزيادة العمدية ونحوها.

وامّا إذا تعلق النهي بوصف العبادة فذكروا : انه تارة : يكون وصفا ملازما للموصوف كالجهر أو الإخفات في القراءة ، فانّ القراءة وان كانت تنفك عن كل منهما إلّا انّ كلا منهما لا ينفك عن القراءة كما هو ظاهر ، وأخرى : يكون مقارنا له ، ففي الأول يكون النهي عن الوصف بمنزلة النهي عن الموصوف فيوجب الفساد دون الثاني.

ونقول : ان كانت الملازمة بين الوصف والموصوف من الطرفين بان كان الموصوف أيضا مستلزما للصفة ولم يمكن انفكاكه عنها كما هو ظاهر المفاعلة على

١٧٧

ما هو المعروف فيها ، فالنهي عن الصفة حينئذ لا ينافي الأمر بالموصوف لإمكان الإتيان بها في المثال إخفاتا ، وعليه فلا فرق بين اللازم بهذا المعنى والمقارن فيما نحن بصدده.

فالذي ينبغي ان يقال : هو انه تارة : تكون الصفة من الصفات المنوعة أو المصنفة أو المشخصة ، وبعبارة جامعة تكون متحدة مع الموصوف وجودا بنظر العرف ، وأخرى : تكون مغايرة معه وجودا كذلك. فالنهي عن الصفة في القسم الأول يدل على فساد الموصوف دون القسم الثاني ، والجهر أو الإخفات في القراءة من قبيل الأول ، فانّ شدة الصوت الناشئة من شدة ضغط الهواء وهكذا خفته لا يعد عرفا وجودا مغايرا لنفس الصوت ، فدلالة النهي عن الجهر في القراءة على فسادها انما هي من هذه الجهة لا من جهة الملازمة التي ذكرها القوم. ومن هنا لو فرضنا انّ النهي تعلق بمطلق الإجهار في الصوت مثلا لا تكون القراءة الجهرية مصداقا للمأمور به مع انّ الجهر حينئذ لا يكون ملازما للقراءة بل يكون من مقارناتها لإمكان انفكاكه عنها ، وليس ذلك إلّا من جهة اتحاد الوجود ، وهذا بناء على بساطة الاعراض أوضح فتأمل.

واما إذا نهى المولى عن النّظر إلى الأجنبية حال القراءة مثلا فبما انهما وجودان فلا دلالة للنهي عنه على فساد القراءة أصلا ، ففي النهي المتعلق بوصف العبادة لا بدّ وان يفصّل هكذا.

وامّا إذا تعلق النهي بشرط العبادة ، ومرادنا من الشرط مطلق ما اعتبر وجوده في العبادة ، سواء كان نفس فعل المكلف أو الأثر الحاصل منه ، فهو تارة : يكون عباديا ، وأخرى : غير عبادي.

امّا ان كان عباديا ، فالنهي عنه يوجب فساد الشرط ، ولأنه عبادة هو مستلزم لفساد المشروط لا محالة من غير فرق بين قسميه ، امّا فيما كان الشرط نفس

١٧٨

الفعل العبادي كما لو قلنا : بأنّ الشرط في الصلاة نفس الغسلات والمسحات مثلا دون الأثر الحاصل منها فواضح فانّ نفس الشرط حينئذ يكون عباديا فيفسد بسبب النهي ، واما لو فرضنا انّ الشرط في العبادة هو الأثر ، والأفعال محصلة له كما هو المشهور ، فلأنّ محصل الأثر عبادي على الفرض ، فالنهي عنه يوجب فساده ، فلا يترتب عليه الأثر ، فلا يتحقق شرط العبادة فتفسد. فلا وجه لما ذكره الميرزا قدس‌سره من انّ الشروط العبادية في العبادات كلها من قبيل الثاني ، فالنهي عنها لا يوجب الفساد ، لأنّ الأثر ليس عباديا.

واما الشرط غير العبادي فهو أيضا على قسمين : لأنه تارة : يكون نفس الفعل شرطا ، وأخرى : الأثر الحاصل منه.

امّا ان كان من قبيل الثاني فالنهي عن السبب حينئذ لا يدل على فساده وعدم ترتب الأثر عليه ، لأنه ليس عباديا على الفرض فيترتب الأثر عليه لا محالة ، فيتحقق شرط العبادة ، مثلا من شرائط الصلاة طهارة البدن التي هي أثر حاصل من الغسل فإذا فرضنا انّ الغسل محرم كما لو غسل جسده بالماء المغصوب يحصل الطهارة لا محالة فيتحقق شرط الصلاة ، وهكذا طهارة الأعضاء شرط في الوضوء وهي تتحقق ولو بغسلها بالماء المغصوب.

وامّا ان كان الشرط غير العبادي نفس فعل المكلف كاللبس في الصلاة على المختار من انّ نفس هذا العنوان شرط لا التستر فبما انّ النهي عن فرد من اللبس كلبس الحرير يوجب اختصاص الأمر المتعلق بالمشروط بغير المقيد بذاك الفرد فلا محالة لا يكون الثاني به في ضمنه مأمورا به ، فيفسد. فلا وجه لما ذكره الميرزا قدس‌سره من انّ المعتبر في الصلاة هو عنوان التستر ، واللبس محصل له كما عرفت في محله.

إذا عرفت هذه الأمور ، فيقع الكلام في أصل المطلب في مقامين :

الأول : في دلالة النهي على الفساد في العبادات.

١٧٩

والثاني : في المعاملات بعد الفراغ من انّ المراد من الدلالة ليست الدلالة اللفظية ، فانها منتفية ، بل المراد منها الملازمة بين الحرمة والفساد.

امّا المقام الأول : فالظاهر انّ النهي التحريمي الذاتي إذا تعلق بالعبادة يدل على فسادها امّا بناء على اعتبار قصد الأمر في عباديتها فواضح ، فانّ النهي لا يجتمع مع الأمر فإذا انتفى الأمر كيف يقصد؟

وامّا بناء على الاكتفاء بالملاك فكذلك لوجهين.

الأول : انّ عبادية كل شيء متقومة بأمرين : قابلية الفعل لأن يضاف إلى المولى ، وإضافته إليه بالفعل ، وعليه فالعبادة المنهي عنها لا يمكن إحراز قابليتها للإضافة إلى المولى وذلك :

أولا : لما عرفت من انه ليس لنا كاشف عن الملاك بعد سقوط الأمر.

وثانيا : لو فرضنا ثبوت الملاك فهو لا يوجب القابلية في العمل بعد ما كان مغلوبا للمفسدة الفعلية ، فهو نظير ما إذا كانت بعوضة على وجه المولى وارد العبد أن يزيلها بلطم خد المولى مثلا.

والثاني : انّ العبد لا يمكنه إضافة تلك العبادة إلى المولى فلا يضيفها ، اما مع الالتفات فواضح ، وبدونه أيضا كذلك ، لأنه صورة إضافة لا واقع لها ، فتفسد لا محالة ، وهذا كله ظاهر.

هذا في الحرمة الذاتيّة.

وامّا إذا تعلق النهي التشريعي بالعبادة ، فذهب في الكفاية إلى دلالته على الفساد أيضا ، لأنه يدل على عدم الأمر لا محالة.

ونقول : النهي التشريعي ان كان متعلقا بعبادة خاصة بخصوصها كما في قوله «لا صيام في السفر» (١) أو قوله عليه‌السلام : «الصلاة ركعتان ركعتان» ، فانه نهى عن الركعة

__________________

(١) التهذيب ـ ٤ ـ ٢٣٠.

١٨٠