دراسات في علم الأصول - ج ٢

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ٢

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٣٦٥
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

اجتماع الأمر والنهي

لا بدّ من التعرض لأمور :

الأول : انّ محل البحث انما هو ما إذا كان عنوانان يتعلق بأحدهما الأمر وبالآخر النهي ، وكان العنوانان متحدين خارجا نحو اتحاد ولو بالمسامحة العرفية على ما سنبينه إن شاء الله.

وبعبارة أخرى : يكون المصداق الواحد مصداقا للعنوانين ، فيقع الكلام في انّه هل يسري كل من الأمر والنهي إلى ما تعلق به الآخر ليقع المعارضة بين إطلاقيهما ، لاستحالة اتصاف الفعل الواحد بحكمين متضادين وكونه محبوبا ، ومبغوضا ، أو لا يسري شيء منهما إلى ما تعلق به الآخر ، إمّا من جهة انّ ما يتعلق به التكليف انما هو العنوانان وهما متغايران ، والفرد الخارجي لا يتعلق به التكليف ، واما لما ذكره بعض وسنبينه إن شاء الله من كون الفرد الخارجي متعددا بالدقة العقلية وان كان متحدا عرفا فلا يلزم من ثبوت الحكمين اجتماع الضدين؟

وبهذا ظهر : انه لا جامع بين مسألتنا ومسألة النهي في العبادة أصلا ، فانّ الكلام في المقام انما هو في السراية وعدمها ، وهناك بعد الفراغ عن ذلك في كونه موجبا للفساد وعدمه. نعم لو قلنا فيما نحن فيه بامتناع الاجتماع وقدمنا جانب الحرمة يكون من صغريات ذلك البحث.

الثاني : وقع الكلام في كون المسألة كلامية أو فرعية أو أصولية أو من المبادئ الأحكامية أو من المبادئ التصديقية ، وقد ذكر الآخوند (١) انّ فيها الجهات

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٣٦.

١٠١

جميعها.

امّا الوجه في كونها كلامية فهو انّ المبحوث عنه فيها انما هو الجواز بمعنى الإمكان العقلي وامتناعه ، فالبحث عقلي ، فيكون كلاميا.

والوجه في كونها فرعية هو إمكان ان يكون المبحوث عند فيها صحة الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة وفسادها ، فتكون فرعية.

والوجه في كونها من المبادئ الأحكامية أي البحث عن لوازم الأحكام كوجوب المقدمة اللازم لوجوب ذيها هو كون المبحوث عنه في المقام من لوازم الأحكام.

والوجه في كونها من المبادئ التصديقية هو انها على القول بامتناع الاجتماع محقق لصغرى من صغريات باب التعارض.

ولكن الصحيح : فساد جميع هذه الوجوه ، والحق انها من المسائل الأصولية.

اما كونها كلامية فيرده.

أولا : انه ليس كل مسألة عقلية من المسائل الكلامية ، وإلّا لكانت مسألة الانسداد أيضا من علم الكلام ، بل لا بدّ في ذلك من كونها مما ترجع إلى المبدأ أو المعاد.

وثانيا : انه لا يبحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي عن استحالة اجتماع الضدين ، بل البحث فيها صغروي كما هو ظاهر.

واما كونها فرعية ، ففيه : انه لم نرى أصوليا جعل المبحوث عنه في هذه المسألة صحة الصلاة في الدار المغصوبة وفسادها. نعم هما من نتيجة هذا البحث.

واما كونها من المبادئ الأحكامية ، ففيه : انا لا نعقل معنى صحيحا للمبادئ الأحكامية أصلا ، وذلك لأنّ نتيجة المسألة لو كانت واقعة في طريق الاستنباط فهي من المسائل الأصولية ، سواء كان البحث فيها عن لوازم الأحكام

١٠٢

أو عن غيرها ، وان لم يكن كذلك بل كانت من المبادئ فلا بدّ وان يكون من أحد القسمين: أمّا من المبادئ التصديقية وامّا من المبادئ التصورية المبينتين في علم المنطق.

وامّا كونها من المبادئ التصديقية لبحث التعارض فهو الّذي بنى عليه الميرزا قدس‌سره وذكر ما حاصله : انّ المسألة الأصولية لا بدّ وان تكون نتيجتها كبرى كلية لو انضم إليها صغراها أنتجت حكما فرعيا ، ومن الواضح انه لو بنينا على امتناع الاجتماع وضممنا إليها صغراها أعني قوله «صل ولا تغصب» لا نستفيد من ذلك أي حكم فرعي ، فلا يمكن عدها من المسائل الأصولية ، ولكن حيث انها توجب التصديق بكون مورد اجتماع الأمر والنهي من صغريات باب التعارض تكون من مبادئه التصديقية.

وفيه : انّ الميزان في كون المسألة أصولية وان كان ما أفاده ، إلّا انا ذكرنا في أوائل الكتاب انّ ترتب النتيجة الفرعية على المسألة الأصولية لا يلزم ان يكون على كلا تقديري النفي والإثبات ، أي نفي المحمول في المسألة وإثباته ، بل يكفي في كون المسألة أصولية ترتب النتيجة على أحد تقديريه ، وهو فرض ثبوت المحمول في المسألة مع قطع النّظر عن بقية المسائل مما سبقه ولحقه ، وإلّا لخرجت جميع مسائل علم الأصول عن كونها أصولية ، فمسألة حجية الخبر أي حكم فرعي يترتب عليها على تقدير البناء على عدم حجيته غير انها تحقق صغرى من صغريات مسألة البراءة ونحوها؟ فانه على تقدير عدم حجية خبر الواحد القائم على وجوب السورة في الصلاة يكون ذلك موردا للبراءة ، فالحكم الشرعي في مورده مستفاد منها لا من عدم حجية الخبر ، وانما يترتب الحكم الفرعي على التقدير الآخر أعني على حجية الخبر كما هو واضح.

وهكذا مسألة حجية الاستصحاب ، فانّ الحكم الفرعي مترتب على تقدير

١٠٣

القول بحجيته دون التقدير الآخر.

ومسألة اجتماع الأمر والنهي وان لم يترتب عليها حكم فرعي على تقدير القول بالامتناع ، بل يتحقق بها حينئذ صغرى من صغريات باب التعارض كما كان يتحقق بنفي حجية خبر الواحد صغرى من صغريات البراءة ، إلّا انّه يترتب عليها الحكم الفرعي على تقدير القول بالجواز من دون حاجة إلى ضم شيء من بقية المسائل إليها مما سبقه أو لحقه ، لكن لا مطلقا بل في الجملة أي فيما إذا كان في البين مندوحة ، وإلّا فعلى القول بالجواز أيضا يدخل مورد الاجتماع في باب التزاحم لعدم قدرة المكلف على الامتثال. واما مع وجود المندوحة فلا تزاحم كما عرفت في محله ، فيترتب الحكم الفرعي على مجرد هذه المسألة بنحو الموجبة الجزئية وهو صحة الصلاة الواقعة في الدار المغصوبة مثلا ، وكون مورد الاجتماع كغيره مصداقا للمأمور به وجواز الإتيان به بقصد الأمر ، ويكفي هذا المقدار في كون المسألة أصولية كما بينا.

الثالث : انّ البحث عن هذه المسألة عقلي ، فنظر العرف غير متبع فيها ، لأنه انما يتبع في باب المفاهيم والألفاظ بما انّ الشارع يتكلم بلسانهم. وامّا في باب التطبيقات وتمييز الوجود الواحد عن المتعدد فلا ، فما ذكره بعض من انّ اجتماع الأمر والنهي مستحيل عرفا وان كان ممكنا عقلا على فرض صحة حكم العرف بالاستحالة ، لأنهم يرون مورد الاجتماع وجودا واحدا لقصر نظرهم ، لا يعبأ به بعد ما رأى العقل تعدد ذلك وكون التركيب بينهما انضماميا لإمكان ان يشار إليهما بإشارتين ، إذ لا قيمة لنظر العرف في ذلك.

الرابع : انه هل يجري نزاع الاجتماع في التكاليف الغيرية أو التخييرية أو الكفائية أو يختص بالتكليف النفسيّ العيني التعييني؟ ذهب الآخوند (١) إلى الأول ،

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٣٨.

١٠٤

لثبوت ملاك البحث في الجميع ، وهو لزوم تعلق الإرادة والكراهة أو الحب والبغض بشيء واحد وعدمه.

والكلام في المقام يقع في موردين :

المورد الأول : في انه هل يتصور الغيرية والتخييرية والكفائية في التحريم كما يتصور ذلك في الوجوب أم لا؟

امّا النهي الغيري فهو متحقق كالوجوب الغيري ، إذ كما يمكن النهي عن شيء لوجود المفسدة فيه يمكن النهي عن شيء لوجود المفسدة في شيء آخر مترتب عليه ، ونظير ذلك بالمسامحة ما إذا كان ترك شيء مقدمة لفعل واجب ، فانّ الترك حينئذ يكون واجبا ، فبالمسامحة يكون فعله حراما.

وامّا الحرمة التخييرية كالوجوب التخييري فالظاهر انه غير معقول ، وذلك لأنّ معنى الوجوب التخييري ان تكون المصلحة قائمة بالجامع ، فيكون الوجوب في مقام الجعل متعلقا بالجامع بحيث يكون خصوصيات الفعل كلها ملغاة ، وفي التحريم لو فرضنا أيضا انّ المفسدة قائمة بالجامع وكانت خصوصيات الأفعال ملغاة فلازمه حرمة كل من الأفعال وعدم جواز الإتيان بشيء منها ، وهذا خلاف المطلوب. وان كانت المفسدة قائمة بالمجموع وتعلق النهي أيضا بالمجموع فالتخيير حينئذ وان كان ثابتا إلّا أنّه تخيير في مقام الامتثال لا الجعل ، فانّ المكلف في مقام امتثال النهي مخير بين ترك المجموع وترك كل منهما دون الآخر ، وهذا غير التخيير المصطلح ، ونظيره مسألة التصوير التام فإنّه حرام ، فيتخير المكلف في مقام الامتثال بين الترك رأسا وترك تصوير الرّأس أو الطرف الأيمن أو الأيسر وهكذا ، وهذا ليس تخييرا في الحكم ، وهكذا في الصوم المحرم ، فالحرمة التخييرية غير معقولة.

وبهذا البيان ظهرت استحالة الحرمة الكفائية أيضا ، فانّ المصلحة في الواجب الكفائي قائمة بطبيعي الفعل الملغى عنه خصوصيات الفاعل ، وفي التحريم لو فرضنا

١٠٥

قيام المفسدة بالطبيعي وكانت خصوصيات الفاعلين ملغاة فلازمه حرمة الإتيان به على كل مكلف ، وهذا خلاف المطلوب. وامّا لو كانت المفسدة قائمة بفعل المجموع فالتخيير حينئذ يكون في مرحلة الامتثال لا في مقام الجعل ، نظير ما لو قال المولى لعبيده «لا يدخل عليّ مجموعكم» فانهم حينئذ مخيرون في مقام الامتثال بين ان لا يدخل منهم أحد أو يدخل بعضهم دون بعض ، وهذا ليس من قبيل الواجب الكفائي.

وبالجملة لو كانت المفسدة قائمة بالمجموع لا يكون كل من اجزاء المركب بشرط لا متصفا بالحرمة ، وانما المحرم هو ضم الجزء الآخر إلى بقية الاجزاء أي منها بشرط انضمام بقية الاجزاء ، فانّ المكلف مخير في ذلك بين ترك المركب رأسا وترك بعض اجزائه دون بعض ، إلّا أنّ هذا تخيير في مرحلة الامتثال ، وهو أجنبي عن التكليف التخييري أو الكفائي. هذا كله في المورد الأول.

واما المورد الثاني : فالظاهر جريان ملاك هذا النزاع في جميع الأقسام ، فانّ التضاد ثابت بين طبيعي الوجوب والحرمة بما لهما من الأقسام ، كالتضاد الثابت بين السواد والبياض بما لهما من المراتب ، فكما انّ الوجوب النفسيّ التعييني مضاد مع الحرمة ، كذلك الوجوب الغيري مضاد مع الحرمة الغيرية ، والوجوب التخييري مضاد مع الحرمة التعيينية إلى غير ذلك ، فإنّ الإرادة والكراهة ومبغوضية شيء ومحبوبيته مما لا يجتمعان ، فيجري هذا النزاع فيما إذا أتى المكلف بصلاة الجمعة التي هي واجب تخييري في الدار المغصوبة.

نعم لا تترتب الثمرة المطلوبة من هذا البحث على اجتماع الأمر والنهي الغيري ، ولا على اجتماع الأمر الغيري مع النهي النفسيّ أو العكس.

امّا لو اجتمع الأمر الغيري مع النهي ، فان كان الأمر الغيري كالأمر المتعلق بالمقدمة امرا توصليا فمن الواضح انّ الغرض منه وهو التوصل إلى الواجب النفسيّ

١٠٦

يحصل بالإتيان به ولو في ضمن فرد محرم ، فلا معنى فيه للصحة والفساد. وان كان عباديا كبعض المقدمات العبادية مثل الوضوء في الإناء المغصوب فحيث انّ الأمر الغيري لا يكون عباديا ولا تحصل به القربة وليس ملاك العبادية ، فوجوده كعدمه مما لا يترتب عليه أثر ، وقد عرفت انّ عبادية مثل الوضوء انما هي بقصد امره النفسيّ الاستحبابي ، ففي الحقيقة يكون اجتماع الأمر والنهي من ذلك الحيث لا من حيث الأمر الغيري.

وامّا عكس هذا بان اجتمع الأمر النفسيّ مع النهي الغيري كما في باب التضاد فيما لو كان ترك أحد الضدين مقدمة لفعل واجب أهم ، كالإزالة والصلاة ، فانّ ترك الصلاة حينئذ يكون واجبا ، فبالمسامحة يكون فعلها محرما غيريا ، فحيث انّ النهي الغيري لا يوجب مبغوضية متعلقة وغاية ما يستلزمه هو عدم كونه مأمورا به ، لأنّ الأمر والنهي متضادان ، فلو بنينا على امتناع اجتماع الأمر والنهي وقدمنا جانب النهي أيضا يكون العمل صحيحا ، امّا بالملاك كما ذهب إليه المحقق الثاني ومن تبعه ، وامّا بالترتب على المختار ، فلا يترتب ثمرة على بحث اجتماع الأمر والنهي الغيريين وان كان ملاك النزاع جاريا فيهما أيضا ، واما بقية الأقسام فالنزاع جار فيها ، كما انّ الثمرة أيضا مترتبة فيها.

الخامس : لا يعتبر وجود المندوحة في جريان هذا النزاع أصلا ، إذ كون التركيب بين متعلق الأمر والنهي انضماميا أو اتحاديا أجنبي عن وجود المندوحة وعدمها ، كما انّ القول بالجواز أي عدم سراية كل من الأمر والنهي إلى متعلق الآخر أيضا غير متوقف على وجود المندوحة.

فالإنصاف انّ ما ذكره في الكفاية (١) في المقام من عدم اعتبار المندوحة متين

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٣٩.

١٠٧

جدا.

نعم الجواز الفعلي أي ثبوت الإطلاقين بالفعل يتوقف على وجود المندوحة ، إذ بدونها يدخل مورد الاجتماع في باب التزاحم على القول بالجواز لعدم قدرة المكلف حينئذ على ان يصلي ولا يغصب ، فتجري فيه قواعد التزاحم ، وان لم يكن من باب التعارض لكون التركيب انضماميا.

ثم انّه على تقدير وجود المندوحة والقول بجواز الاجتماع ، هل يكون مورد اجتماع الحكمين داخلا في باب التزاحم أيضا أم لا؟ هذه المسألة مبتنية على ما تقدم في مقدمات بحث الترتب من انّ المحقق الثاني قدس‌سره ذهب إلى انّ اعتبار القدرة في متعلق الخطاب انما هو بحكم العقل ، وعليه فإذا كان فرد من افراد الطبيعي مقدورا للمكلف يصح تعلق التكليف به ، فانّ الطبيعي مقدور بالقدرة على بعض افراده فمع وجود المندوحة لا يكون التكليفان تكليفا بما لا يطاق.

وذكر المحقق النائيني انّ اعتبار القدرة انما هو من مقتضيات نفس التكليف ، فانّ إمكان البعث يستدعي إمكان الانبعاث ، وعليه فلا محالة يتعلق التكليف بالافراد المقدورة من الطبيعي دون غيرها ، ففي مورد الاجتماع لا بدّ وان لا يكون أحد الخطابين موجودا لعدم القدرة على امتثالهما ، فيكون داخلا في بحث التزاحم ، ولا بدّ من تقديم الأقوى. وعلى هذا بنى قدس‌سره بعد ذهابه إلى جواز الاجتماع ما أفتى به المشهور من بطلان الوضوء من الإناء المغصوب في صورة العلم بالغصب ولو مع وجود الماء المباح في إناء مباح وادعى انّ بطلان الوضوء في ذلك انما هو من جهة التزاحم لا اجتماع الأمر والنهي.

والحاصل : انه لو لم يكن في البين مندوحة يكون مورد اجتماع الأمر والنهي بناء على الجواز وعدم السراية داخلا في باب التزاحم ، لعدم قدرة المكلف على امتثال كلا التكليفين ، فيتقدم أقواهما وهو النهي لكون إطلاقه استيعابيا بخلاف

١٠٨

إطلاق الأمر فانه بدلي ، فصحة العبادة حينئذ لا بدّ وان تكون امّا من ناحية الملاك ، وامّا على الترتب كما هو المختار.

وامّا مع وجود المندوحة ، فهل يدخل مورد الاجتماع في باب التزاحم أيضا أم لا؟ امّا على ما ذهب إليه المحقق الثاني وهو الصحيح من انّ اعتبار القدرة في متعلق التكليف انما هو بحكم العقل فتكفي القدرة على فرد من افراد الطبيعي في كونه مقدورا وصحة التكليف به وان كان بعض افراده ممتنعا ، لأنّ الخصوصيات الفردية غير داخلة تحت التكليف ، فهي ملغاة في مقام الطلب والبعث ، فعدم الدخول واضح ، فانّ المكلف على فرض متمكن من امتثال كلا التكليفين لوجود المندوحة ، وقد تعلق الوجوب بطبيعي الصلاة التي هي مقدورة بالقدرة على بعض افراده عقلا وشرعا ، فإذا فرضنا انّ المكلف بسوء اختياره أوجد الطبيعي المأمور به في ضمن الفرد المحرم فقد امتثل ، لأنّ انطباق الطبيعي المأمور به على مصداقه قهري غايته يكون معاقبا أيضا لعصيانه.

وامّا على مسلك الميرزا قدس‌سره من كون اعتبار القدرة في متعلق التكليف من مقتضيات نفس التكليف ، وانّ التكليف انما يتعلق بالحصص المقدورة من الطبيعي عقلا وشرعا دون غيرها وان كان مصداقا للطبيعة ، فقد ذهب قدس‌سره إلى انه على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وعدم السراية يدخل مورد الاجتماع في باب التزاحم ، وذلك لأنّ الأمر بالطبيعي كالصلاة مثلا انما يتعلق بالحصص المقدورة ، فلا يعم الصلاة في الدار المغصوبة ، لأنه غير مقدور شرعا ، والممتنع شرعا كالممتنع عقلا. فلا محالة تقع المزاحمة بين إطلاق الأمر والنهي ، وحيث انّ النهي أقوى ويتقدم لكون عمومه استيعابيا دون إطلاق الأمر لأنه بدلي لا محالة يختص الأمر المتعلق بالطبيعي بغير تلك الحصة ، فلا تكون مصداقا للمأمور به ، فلا تصح الإتيان بها.

نعم لو قدمنا جانب الأمر أو سقط النهي لجهة أخرى من اضطرار أو إكراه

١٠٩

ونحوه لشمله إطلاق الأمر ، وكان الإتيان بها حينئذ مجزيا.

هذا ولنا كلام معه قدس‌سره في مقامين :

الأول : في أصل تمامية الكبرى وعدمها ، وانه لا تكفي القدرة على بعض افراد الطبيعي في صحة البعث نحوه ، وانّ البعث انما يتعلق بالحصص المقدورة من الطبيعة دون غيرها ، وقد تقدم الكلام فيه ، وعرفت فساده ، فلا يفيد.

الثاني : بعد تسليم تمامية الكبرى ، هل تنطبق على ما نحن فيه أم لا؟ الظاهر هو الثاني ، وذلك لأنّ هذا الكلام منه قدس‌سره مبني على جواز اجتماع الأمر والنهي ، وانّ التركيب بين متعلق كل منهما انضمامي ، ولا يسري شيء منهما إلى ما تعلق به الآخر ، وقد صرح قدس‌سره بهذا مكررا ، وعليه فلا يكون مصداق الطبيعي المأمور به منهيا عنه ليكون ممتنعا شرعا ، وانما المحرم الوجود الآخر المنضم به.

توضيح ذلك : انّ الممتنع تارة يكون ممتنعا عقلا ، وأخرى شرعا. والممتنع الشرعي على نحوين.

الأول : ان يكون نفس الواجب منهيا عنه ، كما في موارد النهي في العبادة ، ويلحقه مورد اجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناع والسراية ، فيكون ممتنعا شرعا.

الثاني : ان يكون الواجب متوقفا على مقدمة منحصرة محرمة وكانت حرمتها أهم من وجوب ذيها ، كما لو فرضنا انّ غسل الميت متوقف على التصرف في ملك الغير ، فانّ الإتيان بالواجب حينئذ من دون الإتيان بمقدمته ممتنع عقلا ، والإتيان به مع مقدمته ممتنع شرعا. والعجز الشرعي منحصر بهذين الموردين ، فتأمل.

وامّا مجرد كون الواجب ملازما مع المحرم بسوء اختيار العبد لا يوجب امتناع لازمه شرعا ، فإنّ حرمة أحد المتلازمين لا يستلزم حرمة اللازم الآخر. نعم لا يمكن ان يكون المتلازمان مختلفين في الحكم ، ومن الواضح انه لا ملازمة في مفروض

١١٠

الكلام بين المأمور به والمنهي عنه أعني الطبيعتين لوجود المندوحة ، وانما الملازمة بين الفردين ، ولم يتعلق بخصوصهما امر ولا نهي.

فتلخص : انه ولو سلمنا أصل الكبرى إلّا انها غير منطبقة على ما نحن فيه بعد البناء على جواز اجتماع الأمر والنهي وعدم السراية ، فإطلاق الأمر المتعلق بالطبيعي يعم مورد الاجتماع ، ولا يدخل في باب التزاحم أصلا ، فينحصر مورد التزاحم بما إذا لم يكن في البين مندوحة. وسنبين ثمرة دخوله في باب التزاحم إن شاء الله.

السادس : انه قد ظهر من مطاوي ما ذكرناه انّ ملاك النزاع في مبحث اجتماع الأمر والنهي إنما هو كون التركيب بين متعلقي الحكمين اتحاديا أو انضماميا ، وهذا الّذي عبر عنه المحقق النائيني بكون الجهتين تعليليتين أو تقييديتين.

فإن قلنا : بأنّ التركيب بين المتعلقين اتحادي ، بمعنى انّ مورد الاجتماع واحد وجودا وماهية ، وانّ العنوانين ينتزعان من وجود واحد ويكونان علّة لثبوت الحكم لذاك الواحد الخارجي فلا بدّ من القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي مطلقا ، لاستحالة اجتماع الضدين ، سواء قلنا : باستحالة التكليف بما لا يطاق أم لم نقل به كما ذهب إليه الأشعري ، فانّ اجتماع الضدين مستحيل من غير فرق بين ان يكون بعلّة واحدة أو بعلّتين ، بداهة امتناع اتصاف محل واحد بالسواد والبياض ولو كان علّة كل منهما مغايرا لعلّة الآخر ، وذلك واضح.

وامّا ان قلنا : بأنّ التركيب بينهما انضمامي وانّ في الخارج وجودين ، غاية الأمر بينهما اتحاد مسامحي عرفي ، وانّ خصوصية الصلاتية والغصبية من المشخصات الفردية أي من الضمائم الخارجية التي نعبر عنها مسامحة بالمشخصات فانّ وجود كل جوهر لا ينفك خارجا عن بعض المقولات التسع العرضية ، فيدخل المقام في المبحث المتقدم ، وهو تعلق التكليف بالطبيعي أو الافراد بهذا المعنى ، فإن

١١١

اخترنا سراية التكليف من الطبيعي إلى المشخصات أعني المنضمات فنقول بالامتناع أيضا ، إذ لازمه تعلق الأمر والنهي بوقوع الصلاة في المحل المغصوب ، وان اخترنا عدم تعلق التكليف بالخصوصيات ، كما هو الصحيح خصوصا على ما اخترناه من القول بعدم وجوب عقد الواجب فكيف ببقية لوازمه فلا مانع من اجتماع الأمر والنهي.

فالقول بالجواز يتوقف على امرين :

أحدهما ـ كون التركيب انضماميا.

ثانيهما ـ كون التكليف متعلقا بالطبيعي وخروج المشخصات عن حيز التكليف.

وبإنكار أحدهما يتحقق القول بالامتناع ، وعمدة النزاع انما هو في الأول منهما ، فانّ الثاني امر مفروغ عنه ، وقد أثبتنا خروج الخصوصيات عن متعلق التكليف.

السابع : انّ مورد النزاع في البحث انما هو إمكان اجتماع الأمر والنهي واستحالته ، وروح البحث كما عرفت هو كون التركيب اتحاديا فيقع المعارضة بين إطلاقي الخطابين في مقام الجعل والثبوت أو انه انضمامي فلا معارضة بينهما. فالتنافي انما هو في مقام الجعل لا في مرحلة الامتثال ، وهو غير مبني على القول بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد أي الملاكات كما في المعارضة بين إطلاق قوله : «أكرم العلماء» «ولا تكرم الفساق» ونحوه من العامين من وجه ، فانّ الأشعري المنكر للحسن والقبح العقليين أيضا يقول بالمعارضة بين قولك «أكرم زيدا» وقولك «لا تكرم زيدا» وانه لا بدّ من رفع اليد عن أحدهما.

فليس هذا البحث في التزاحم بين الحكمين ليدور مدار وجود الملاك أو تعدده وعدمه ، فلا وجه لشيء مما ذكره في التنبيه الثامن والتاسع من الكفاية (١) من

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٤٢.

١١٢

التفصيل ، وانه لو كان في مورد الاجتماع ملاكان لدخل في باب التزاحم ، ولو لم يكن إلّا ملاك واحد ولم يعلم انه ملاك الوجوب أو الحرمة لدخل في باب التعارض ، فانك عرفت انّ بحثنا غير مبني على القول بوجود الملاك فضلا عن وحدته أو تعدده.

نعم بعد البناء على جواز الاجتماع لو لم يكن في البين مندوحة لا محالة وقع التزاحم بين التكليفين ، وان كان مندوحة فعلى الخلاف المتقدم بيننا وبين المحقق النائيني قدس‌سره.

الثامن : انه لو بنينا على امتناع اجتماع الأمر والنهي فلا محالة تقع المعارضة بين إطلاق دليل الوجوب وإطلاق دليل الحرمة على ما عرفت ، وحينئذ ان قدمنا جانب الوجوب يتحقق الامتثال بالإتيان بالمجمع لا محالة من دون ان يكون هناك عصيان لسقوط إطلاق النهي على الفرض ، وان قدمنا جانب الحرمة لكون إطلاقها شموليا ، وإطلاق دليل الواجب بدليا ، أو لغير ذلك فلا محالة يقيد إطلاق الأمر بدليل الحرمة كما هو الشأن في تقديم أحد المتعارضين بالعموم من وجه على الآخر مطلقا ، فيكون المجمع متمحضا في الحرمة ومن صغريات النهي في العبادة ، فلا يتحقق به الامتثال لو أتى به المكلف مع العمد والالتفات ، والحكم في هذين الفرضين واضح لا يخفى.

وانما الكلام فيما إذا أتى المكلف بالمجمع عن عذر كغفلة أو نسيان أو جهل عن قصور فيما إذا كانا عذرا كالجهل في الشبهة الموضوعية مطلقا وفي الحكمية بعد الفحص والرجوع إلى البراءة ، فهل يتحقق به الامتثال حينئذ أم لا؟

المعروف هو الأول ، ولذا أفتوا بصحة الوضوء بالماء المغصوب مع الجهل أو نحوه ، وقد ادعى عليه الإجماع على ما حكى عن مفتاح الكرامة ، وذكر في وجه ذلك امران :

١١٣

الأول : ما في الكفاية (١) وحاصله : انّ المجمع مشتمل على المصلحة وملاك الوجوب ولو قدم جانب النهي وقيد به إطلاق الأمر ، فانّ التقييد عقلي لا شرعي وحينئذ فمع العدم والعلم وفرض تنجز الحرمة حيث انّ الفعل يصدر من الفاعل مبغوضا فلا يمكن ان يقصد به القربة ويضاف إلى المولى ، وامّا مع العذر فبما انّ صدور الفعل لا يكون مبغوضا فيمكن إضافته إلى المولى بقصد الملاك الثابت به فيه ، فيكون عبادة ويتحقق به الامتثال.

وفيه : أولا ـ ما الدليل على ثبوت الملاك فيه بعد فرض سقوط إطلاق الأمر بالتعارض ، ونتيجته عدم تعلق التكليف بالمطلق من أول الأمر لا سقوطه لأجل عجز المكلف عن الامتثال كما في باب التزاحم ، فتأمل ، وقد ذكرنا مرارا انه لا كاشف عن الملاك إلّا الأمر.

وثانيا : لو سلمنا ثبوت ملاك الوجوب في المجمع ، فمن الواضح انه ملاك مغلوب بالمفسدة الموجودة فيه ، فكيف يمكن ان يتقرب به ، وهل الملاك المغلوب بمفسدة أهم إلّا كعدمه؟ ومثاله الواضح في العرف انه لو فرضنا انّ المولى عطشان فأتى عبده إليه بماء مخلوط بدواء يوجب تمرض المولى مدة شهر أو أزيد ، فهل يمكن ان يتقرب به إليه لكون إحضار الماء مشتملا على الملاك مع كونه مغلوبا بالإضافة إلى المفسدة؟!

الثاني : انّ تقييد إطلاق الأمر بالإضافة إلى المجمع عقلي لا شرعي ، نظير تقييد إطلاق الأمر بالصلاة بقوله عليه‌السلام «لا تصل فيما لا يؤكل» (٢) أو قوله عليه‌السلام «دعي الصلاة أيام أقرائك» (٣) فلا بدّ من الاقتصار فيه على مقدار الضرورة أي بما يرتفع به

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٤٧.

(٢) وسائل الشيعة ٣ ـ ٢٥٠.

(٣) الكافي ٣ ـ ٨٥.

١١٤

المحذور.

وبعبارة أخرى : لو كان التقييد أو التخصيص بدليل لفظي كما لو قال «أكرم العلماء ولا تكرم فساقهم» فلا محالة يكشف ذلك عن عدم تعلق الأمر بافراد المخصص من الأول ، فلو أكرم المكلف عالما فاسقا ، ولو جهلا بفسقه لم يمتثل أصلا ، ولم يأت بفرد المأمور به.

وهكذا الحال لو كان بين الدليلين المتعارضين عموم من وجه وقدم جانب النهي كما لو قال : «أكرم العلماء ولا تكرم الفساق» فانه بعد تقديم النهي يختص الأمر بإكرام العالم غير الفاسق ، فلا يفرق الحال فيه بين صورة العلم والجهل العذري.

وامّا فيما نحن فيه فتقييد إطلاق الأمر ليس بدليل لفظي بل بحكم العقل ، فانه بعد ما تعلق الأمر بالطبيعي كالصلاة يكون المكلف مخيرا في تطبيقه على أيّ فرد شاء من افراده ، وهذا الترخيص في التطبيق لا يجتمع مع النهي الفعلي المنجز عن بعض افراد الطبيعي ، لأنهما متضادان ، فلو قدم جانب النهي يختص الأمر بغير مورده ، واما في فرض العذر وعدم تنجز الحرمة لعدم وصولها فحيث انّ الترخيص الظاهري ثابت ولذا يباح الدخول في ملك الغير مع الجهل ظاهرا ، فلا مانع من بقاء الترخيص في التطبيق وان كان النهي الواقعي ثابتا في مورده. وهذا الوجه أحسن من الوجه السابق.

وفيه : انه متين في المتزاحمين كالصلاة والإزالة ، ولذا لو يكن المكلف عالما بتنجس المسجد تصح صلاته ، ولو لم نقل بالترتب ، وذلك لأنّ الأمر بالإزالة انما يكون معجزا عن الصلاة في فرض وصوله وتنجزه ، ومع عدم تنجز الأهم فالامر بالمهم باق على حاله ولا يتم في باب التعارض كما فيما نحن فيه أصلا ، بداهة : انّ التنافي بين المتعارضين انما هو في مقام الجعل لا الامتثال ، فيستحيل بقاء الأمر على إطلاقه مع ثبوت الحرمة لبعض الافراد واقعا من غير فرق بين العلم بها وعدمه ،

١١٥

فانّ الجهل بالحرمة لا يوجب ارتفاعها واقعا كما لا يوجب جواز اجتماع الضدين كما هو واضح.

وان شئت قلت : انّ التقييد في باب التعارض دائما يكون لفظيا كما في جميع موارد التعارض بين العامين من وجه ، فالتفصيل بين صورة العلم والجهل لا وجه له بعد فرض تقديم جانب النهي ، لكون عمومه شموليا.

ومن ثم ذهب المحقق النائيني إلى إنكار ما نسب إلى المشهور من ذهابهم إلى امتناع اجتماع الأمر والنهي وابتناء هذه المسألة عليه ، وذكر : انّ تفصيل المشهور بين الصورتين مبني على ذهابهم إلى جواز الاجتماع ودخول المسألة في باب التزاحم.

فتلخص : من جميع ما ذكرناه انه بناء على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي ، امّا لأجل انّ التركيب بين المتعلقين اتحادي ، وامّا لأجل سراية كل من الأمر والنهي إلى متعلق الآخر ولو كان التركيب انضماميا ، وتقديم جانب النهي لا يتحقق الامتثال بالإتيان بالمجمع ، من غير فرق بين العبادات والتوصليات ، لأنه حينئذ لا يكون مصداقا للمأمور به ، فانّ الأمر بالطبيعي بنحو الإطلاق ورفض القيود المستلزم لترخيص المكلف في تطبيقه على أي فرد شاء ينافي النهي الواقعي عن بعض الافراد علم به المكلف أم لم يعلم ، فلا محالة يقيد به ذاك الترخيص ويختص بغير مورد النهي ، فالتفصيل بين الصورتين على هذا المبنى غير صحيح. هذا كله في الجهل الّذي هو عذر.

وامّا النسيان أو الإكراه أو الاضطرار ونحوها مما يرتفع الحكم في مورده واقعا لا ظاهرا ، كما لو فرضنا انّ مكلفا اضطر إلى الدخول في المحل المغصوب وإلّا قتلوه ، أو أكره على ذلك كما لو حبس في محبس مغصوب ، أو نسي غير الغاصب غصبية الدار ، أو كان غافلا عن ذلك ، فهل تصح صلاته حينئذ في ذلك المكان أو لا تصح؟

١١٦

ذهب الميرزا قدس‌سره إلى الثاني بدعوى : انّ غاية ما يستفاد من دليل سقوط التكليف في هذه الموارد كحديث الرفع انما هو سقوط التكليف أعني به الحرمة في محل البحث ، واما المفسدة الواقعية فهي باقية على حالها حتى عند طرو أحد هذه العناوين ، ولذا لو لم يكن الاضطرار إلى الغصب مثلا مستوعبا لتمام الوقت لا يجوز للمكلف ان يصلي في المكان المغصوب بل يجب عليه ان ينتظر زوال اضطراره ، وليس ذلك إلّا من جهة وجود المفسدة ، وعليه فلا يمكن التقرب بما فيه المفسدة ، انتهى.

وفيه : انّ ما أفاده قدس‌سره من بقاء المفسدة عند الاضطرار إلى ارتكاب الحرام وان كان تاما ، ولا يقاس بما تقدم منا من انّ الكاشف عن الملاك انما هو الأمر فإذا سقط فليس لنا كاشف عن ثبوت الملاك ، وذلك لأنّ ظاهر حديث الرفع الوارد في مقام الامتنان على الأمة على ما يستفاد من قوله عليه‌السلام : «عن أمتي» [١] هو ثبوت المقتضى لتحقق الحرمة في هذه الموارد إلّا انها رفعت إرفاقا على هذه الأمة ، فالمفسدة باقية إلّا انّ مجرد وجود المفسدة لم يكن مقيدا لإطلاق دليل الوجوب خصوصا بعد كونها مغلوبة في مصلحة الإرفاق.

فحينئذ نسأل القائل ونقول : هل الحرمة ثابتة في هذه الموارد أو انها ساقطة؟ امّا بقائها فمناف للاخبار كقوله عليه‌السلام «ما حرم الله شيئا إلّا وأحله عند الضرورة» فهي ساقطة واقعا ، فدليل الحرمة من أول الأمر يكون مقيدا بصورة عدم طرو أحد هذه العناوين ، وعند طروه فالحكم الواقعي هو الإباحة ، ففي الحقيقة هناك عنوانان نظير عنوان المسافر والحاضر ، والحكم الثابت لأحدهما هو الحرمة وللآخر هو الإباحة.

وقد ذكرنا في مبحث البراءة انّ نسبة الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون تغاير

__________________

[١] الخصال ٢ ـ ٤١٧ والحديث هو : «رفع عن أمتي تسعة الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه وما لا يعلمون ...»

١١٧

نسبته إلى بقية الفقرات ، فانّ الرفع في ما لا يعلم ظاهري ولا يقيد به إطلاق الأدلة المثبتة للتكاليف ، لأنّ الإطلاق يخرج المورد عن كونه مما لا يعلم ، وهذا بخلاف الرفع بالإضافة إلى الاضطرار والإكراه ونحوه فانه واقعي في عرض الحكم الواقعي ، ولذا يقيد به إطلاق الأدلة.

وعليه ففيما نحن فيه لا تكون الحرمة ثابتة في المجمع ، بل هو مباح فيعمه إطلاق الأمر ، وقد عرفت انّ المانع عن إطلاق الترخيص في التطبيق والمقيد له لم يكن إلّا الحرمة والمبغوضية ، واما مجرد وجود المفسدة المغلوبة فغير موجب لذلك ، فالإتيان بالمجمع مجز عند طرو أحد العناوين المزبورة.

وحاصل الكلام : انه بناء على الامتناع وتقديم جانب النهي لا محالة يخرج المجمع عن الطبيعة المأمور بها ، فلا يكون المكلف مرخصا من المولى في تطبيقها على المجمع ، وهذا واضح فيما إذا كانت حرمة المجمع منجزة بمنجز من علم أو حجة أو أصل أو بالاحتمال قبل الفحص ونحو ذلك ، فإنّ مبغوضية فرد بالفعل منجزا ينافي الترخيص فيه كما هو ظاهر.

واما فيما إذا كانت الحرمة الواقعية ثابتة فيه ولم يكن منجزا للجهل بها عن قصور بعد الفحص فالإباحة الظاهرية حينئذ وان كانت ثابتة إلّا انّ الحرمة الواقعية المتحققة تنافي الترخيص في مرحلة الجعل على ما عرفت ، فلا يجزي الإتيان بالمجمع في هذا الفرض أيضا.

وأمّا فيما إذا كانت حرمة المجمع ساقطة واقعا لطرو نسيان أو إكراه أو اضطرار ، ففي هذه الصورة ذهب الميرزا قدس‌سره إلى عدم الاجزاء أيضا من حيث بقاء المفسدة فيه وان كانت الحرمة ساقطة على ما يستفاد من حديث الرفع ولا يمكن التقرب بالمبغوض.

وقد عرفت الجواب عنه ، وانّ مجرد وجود المفسدة المغلوبة غير المستتبعة

١١٨

للحرمة لا تنافي الترخيص ، ولذا يجوز التصرف في العين المغصوبة عند الاضطرار والإكراه واقعا ، فالترخيص في التطبيق وإطلاق الأمر بالطبيعي يكون باقيا على حاله.

والمثال العرفي لذلك ما إذا فرضنا انّ المولى امر عبده بكتابة شيء ونهاه عن استعمال الحبر الخاصّ المختص به ، وفرضنا انّ العبد أكره على التصرف في ذلك الحبر فاغتنم الفرصة وكتب به ذلك الكتاب ، فيكون ذلك موردا لاجتماع الأمر والنهي ، فهل يتوهم عاقل انّ المولى يعاقب ويقول له : لم كتبت الكتاب بالحبر الخاصّ؟ إذ من الواضح انّ الكتابة لم تكن مشروطة بان لا تكون بذلك الحبر ، وانما كان المانع عنها حرمة التصرف في الحبر ومبغوضيته ، فإذا سقطت بالإكراه لا يفرق في الكتابة المأمور بها بين الإتيان بها مع ذلك الحبر أو مع غيره ، ومقامنا من هذا القبيل.

فالصحيح هو التفصيل بين الصورة الثالثة والصورتين الأوليين ، فتصح الإتيان بالعبادة في ضمن المجمع في الصورة الثالثة أي عند الإكراه أو الاضطرار ونحوه ولو لم يكن مستوعبا لتمام الوقت بخلاف الصورتين الأخيرتين.

ثم انه في فرض الإكراه أو الاضطرار بالغصب مثلا مما يمكن التفات المكلف إلى ذلك العنوان بخلاف النسيان الّذي لا يلتفت الناسي إليه ، هل يجب على المكلف إذا أراد الصلاة ان يقتصر على الضرورة ويومئ للركوع والسجود أو يصلي معهما صلاة تامة؟

ذهب جماعة إلى الأول ومنهم الميرزا قدس‌سره بدعوى انّ الركوع أو السجود تصرف زائد لم يتعلق به الاضطرار ، فلا يجوز.

والصحيح : انّ هذه المسألة مبنية على كون مثل هذه التصرفات تصرفا زائدا على أصل الكون في المحل المغصوب المضطر إليه ، نظير ان يقلع باب غرفة الحبس في المكان المغصوب مثلا أو يهدم حائطه وامتثال ذلك وعدم كونه كذلك ، والظاهر هو

١١٩

الثاني.

بيانه : انّ الغصب ان كان بالاستيلاء على ملك الغير الّذي لا يتحقق ذلك في فرض الاضطرار لأنّ المضطر محكوم. نعم يتصور في فرض الإكراه ، فلا يفرق فيه بعد الاستيلاء على مال الغير بين ان يجلس فيه أو ينام أو يبقيه في الدار مثلا. وامّا الغصب من حيث إشغال فضاء الغير فلا يفرق في مقدار ما يشغله الجسم من الفضاء اشكاله من الجلوس والنوم والقيام ونحوه ، وهذا امر مبرهن في الهندسة من انّ اختلاف شكل الجسم لا يوجب اختلاف مقدار ما يشغله من الفضاء ، مثلا الفضاء الّذي يشغله مقدار كر من الماء لا يختلف بين ان نجعله في ظرف مربع أو مثلث أو مستطيل وهكذا ، وعليه فالركوع أو السجود لا يزيد في مقدار إشغال المصلي لفضاء الغير ، وهكذا من حيث الحركة والسكون.

وامّا من حيث إشغاله للمكان فبالدقة وان كان يختلف مقدار ما يشغله الجالس عن ما يشغله النائم مثلا إلّا انّ ذلك بنظر العرف لا يعد تصرفا زائدا ، ولذا لم يقل أحد بأنّ من حبس في المحل المغصوب يجب عليه ان يقف على إصبع واحد فان عجز فعلى إصبعين ، وهكذا يقتصر على مقدار الضرورة. ولذا ذكر في الجواهر ما حاصله : انّ ذلك لو كان واجبا لكان نفسه أشد حبس على المحبوسين ، وعليه فيجب فيما نحن فيه على المصلي ان يأتي بالصلاة تامة لا إيماء.

وملخص ما تقدم : انه في مورد اجتماع الأمر والنهي بناء على الامتناع لا بدّ من رفع اليد عن إطلاق أحدهما ، فان قدمنا جانب الأمر وقيدنا به إطلاق النهي فلا إشكال في صحة الإتيان بالعبادة في ضمن المجمع ولا عصيان فيه أصلا ، وامّا لو قدمنا جانب النهي فلا بدّ من التفصيل بين صورة ثبوت النهي واقعا ، سواء كان منجزا بالعلم ونحوه أو لم يكن منجزا لجهل ونحوه ، فانّ الجهل لا يرفع التكليف على أصول المخطئة غاية الأمر ان يكون رافعا للعقاب وعذرا للمكلف ، وبين ما إذا سقط

١٢٠