دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣

٤

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.

إنّ من أبرز خصائص التشريع الإسلامي الخالد هي خصيصة السعة والشمول والمرونة وامتداد آفاقه ، فما من صغيرة ولا كبيرة في حياة الفرد والدولة والمجتمع إلّا وتناولها التشريع الإسلامي فنظمها ، وحدّد الموقف منها. غير أن أحكام الشريعة ليست بمستوى واحد من الوضوح والصراحة في مصادرها وأدلتها ، مما تطلّب عملية الاجتهاد والاستنباط ، وقد مرت هذه الممارسة العلمية كغيرها من الأعمال العلمية بمراحل تطور ، وتفاعل فكري متواصل ، وكان لا بد لأي عمل علمي كالاجتهاد في الشريعة من ضوابط ومنهج علمي ينظم عمليات الاجتهاد والاستنباط ، فوضع المسلمون علم أصول الفقه بشكله المبرمج المنظّر. وكان أول من وضع أسس هذا العلم هما الإمامان الباقر وولده الصادق عليهما‌السلام وقد جمع ما ورد عنهما في هذا المجال وبوّب وفق مباحث علم الأصول في كتب مثل : (أصول آل الرسول) و (الأصول الأصليّة) وغيرهما. وأول من دوّن في هذا العلم من علماء الشيعة الإمامية تدوينا متكاملا ومنظرا هو الشيخ المفيد ـ أعلى الله مقامه ـ المتوفى (٤١٣ ه‍) وقد سبقه بعض من كتب في هذا العلم من أصحاب الأئمة عليهم‌السلام كهشام بن الحكم الّذي كتب في مباحث الألفاظ ، ويونس بن عبد الرحمن الّذي كتب كتاب (اختلاف الحديث) وكان محمد بن إدريس الشافعي المتوفى (٢٠٤ ه‍) أول من صنف في هذا العلم من علماء المدرسة السنيّة ، مع التسليم بأن عمليات الاستنباط في مراحلها الأولى كانت تجري بعفويتها وفق أسس أصوليّة.

٥

وعلم أصول الفقه هو علم الاستنباط أو منطق الفقه كما يعبر عنه بعض العلماء وعبر قرون عديدة بلغ هذا العلم في مدرسة الشيعة الإمامية أوجه ورقيّه.

وقد شهد القرن الأخير نضجا أصوليا فذا وآراء ونظريات أصولية عملاقة كشفت عن عبقرية العقل الأصولي في المدرسة الإمامية.

ومن جملة العلماء والمحققين الذين كان لهم الدور البارز في خدمة هذه المدرسة الأصولية وتنضيجها وتطوير نظرياتها سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي قدس‌سره والّذي تزعم الحوزة العلمية في النجف الأشرف قرابة نصف قرن وكان من أبرز أساتذتها ، وقد تخرج على دروسه في البحث الخارج المئات من العلماء والمجتهدين كما وقرّرت آراؤه وأبحاثه في الفقه والأصول من قبل جملة من كبار تلامذته ضمن دورات عديدة. وقد كان أول تقريرات بحثه على يد المرحوم آية الله السيد علي الشاهرودي قدس‌سره والّذي كان من كبار تلامذته الأوائل تحت عنوان (دراسات في علم الأصول) طبع منه الجزء الثالث قبل أربعين عاما في النجف الأشرف ، مع تقريرات أخرى له أيضا في فقه المعاملات طبعت تحت عنوان (محاضرات في الفقه الجعفري) وقد كان هذا التقرير متميزا فريدا في نوعه وكان موضع اعتماد وإقرار وإشادة من قبل الجميع وبالأخص من قبل أستاذه السيد الخوئي قدس‌سره ، كما يظهر من تقريظه للتقريرين المطبوعين طبعتهما الأولى وقتئذ.

ومؤسسة دائرة المعارف إذ تقوم اليوم بطبع ونشر كامل هذا التقرير بأجزائه الأربعة ـ بعد أن أتحفنا نجل المرحوم المقرّر سماحة آية الله السيد الهاشمي (دام ظله) رئيس المؤسسة ـ انما تساهم في خدمة العلم وحفظ هذه الثروة الفكرية والعلمية لأبناء هذه المدرسة وتخليد أمجادها.

نسأل المولى جلّ شأنه ان يتقبّل هذا العمل ويوفقنا للسداد انه سميع مجيب ، وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.

٦

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله ، واللّعنة على أعدائهم أجمعين.

غير خفي انّ المتكفل للبحث عن المبدأ والمعاد وما يتعلق بالاعتقاديات هو علم الكلام ، كما انّ المتكفل لما يتعلق بالعمل من الأحكام هو علم الفقه ، والمتكفل لتنقيح مبانيه هو علم الأصول ، فلا بد للفقيه من البحث عنه إما في مقدمة الفقه كما كان عليه دأب الفقهاء قبل زمان الشيخ الطوسي ، وإمّا مستقلا كما هو المتعارف في زماننا ، وليس التعرّض له مستقلا من البدعة كما توهم ، فمن لم يجتهد في المباحث الأصولية ، لا يكون مجتهدا ، بل هو مقلد ناقل للمسائل ولو كان قادرا على تطبيق القواعد الفرعية ، وبهذا ظهرت أهميّة علم الأصول.

ثم في الأصول ، تارة : يبحث عن الحكم المتعلّق بالشيء بلحاظ الشك في الواقع ، ويعبّر عن دليله بالدليل الفقاهتي والأصل العملي ، وسيأتي بيان وجه التسمية.

وأخرى : يبحث فيه عن لوازم الحكم الواقعي عقلا من دون نظر إلى الألفاظ أصلا ، كمبحث مقدّمة الواجب وبحث النهي عن الضد ، ومسألة اجتماع الأمر

٧

والنهي ، وتسمى بالمباحث العقلية ، وكان المناسب أن يبحث عنها مستقلا في باب مخصوص ولا يدرج في مباحث الألفاظ.

وثالثة : يبحث عن ظهورات الألفاظ عرفا ، إمّا اللفظ الواحد كبحث الأوامر والنواهي ، وإمّا أكثر كالبحث عن المطلق والمقيّد ، وما يفهم منهما عرفا من حمل المطلق على المقيّد ، أو حمل المقيّد على الفرد الأفضل ، وبحث العام والخاصّ.

ورابعة : يبحث عن دليليّة الدليل ، كالبحث عن حجّية الخبر وحجّية الظواهر والشهرة وأمثال ذلك.

وخامسة : في علاج التعارض بين الأدلة ويسمّى بمسألة التعادل والتراجيح.

هذا وقد جرت سيرة الأعلام سيّما المتأخرين منهم على البحث أولا في مبادئ علم الأصول عن تعريفه وبيان موضوعه ، والبحث عن الحقيقة الشرعية ، والصحيح والأعم ، وبيان حقيقة الوضع ، والبحث عن المشتق ونحوه ، فتكون مقدمة لهذا العلم.

والكلام فيها يقع في أمور ، ثم نتكلّم في المقاصد.

٨

الأمر الأول :

في بيان موضوع علم الأصول

عرف موضوع العلم بأنه «ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة دون الغريبة». ولتوضيح ذلك لا بدّ من التكلّم في جهات ثلاث :

إحداها : هل تتوقف علميّة كلّ علم على أن يكون له موضوع جامع لموضوعات مسائله؟

ثانيها : في الفرق بين العوارض الذاتيّة والغريبة.

ثالثها : على تقدير ثبوت الموضوع للعلم هل يلزم ان يكون البحث في مسائله عن عوارض الموضوع الذاتيّة فقط ، أو يبحث فيها عن عوارضه الغريبة أيضا؟

الجهة الأولى : استدلوا على توقف كل علم على موضوع بما برهنوا عليه في الفلسفة العالية من أنّ الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد ، وإلّا لزم توارد علّتين على معلول واحد ، وطبّقوه على المقام بدعوى : أنّ الغرض المترتب على كل علم غرض واحد ، ويستحيل أن يكون معلولا لمسائله المتباينة بما هي متباينة ، فلا بد وان يكون بينها جهة جامعة ، بها تكون مؤثرة فيه.

وفيه : بعد تسليم أصل البرهان في محلّه ، لا وجه لتطبيقه على المقام ، لأنه :

أولا : أخصّ من المدّعى ، إذ لا ملزم لأن يكون في كل علم غرض مباين لنفس العلم وجودا مترتبا عليه ترتّب المعلول على علّته أو المقتضى على مقتضية ،

٩

أو المشروط على شرطه ، بل ربما لا يكون الغرض من العلم إلّا نفس المعرفة وكمال النّفس ، كما في التاريخ ونحوه ، ولا يستلزم ذلك كون البحث عنه سفهيا كما هو ظاهر.

وثانيا : ان البرهان على فرض صحّته إنّما يصحّ فيما إذا كان الصادر واحدا شخصيا ، وأما الواحد النوعيّ فمن البديهي أنه يصدر كل فرد منه من علّة مستقلة ليس بينها جامع في العلية ، كالحرارة الناشئة من النار تارة ومن الشمس أو الغضب أو الحركة أخرى.

وقد ذكرنا في بحث التجزّي (١) من الاجتهاد انّ القدرة على استنباط كل حكم ملكة مباينة مع القدرة على استنباط حكم آخر ، فليس هناك غرض واحد يستكشف من وحدته وجود موضوع جامع بين موضوعات المسائل.

وثالثا : لو سلمنا انّ هناك غرضا واحدا شخصيا ، فمع ذلك نقول : انه انّما يلزم الإشكال فيما لو كان ذاك الغرض الواحد الشخصي مترتبا على كل واحد من المسائل مستقلا ، وامّا إذا فرضنا انّ العلّة لتحقّقه مجموع المسائل من حيث المجموع ، كالمصلحة في الصلاة المترتبة على مجموع أجزائها التي لا يعقل وجود الجامع بينها ، فلا يلزم عندئذ من عدم وجود الجامع بين موضوعات المسائل محذورا أصلا ، لأنّ المجموع سوف يكون علّة واحدة وكل واحد منها يكون جزء العلّة.

ورابعا : انّ المسائل بوجوداتها الواقعة في الوعاء المناسب لها لا تكون علّة لحصول الغرض ، وإلّا لزم أن يكون كل أحد قادرا على حفظ اللسان عن الخطأ ، أو على الاستنباط فعلا.

وبعبارة أخرى : لزم ان يكون الغرض من كل علم حاصلا لكل أحد ، ويكون كل شخص عالما بكل علم ، فالعلّة انما هي معرفة المسائل والعلم بها ،

__________________

(١) التنقيح في شرح العروة الوثقى ـ الاجتهاد والتقليد ـ ص ٣٣.

١٠

فلا بدّ من تصوير الجامع بين افراد العلم ، ولو لا ذلك كان لا بدّ من تصوير الجامع بين محمولات المسائل والنسب أيضا لا خصوص موضوعاتها ، وذلك واضح.

وخامسا : إنّا نرى بالوجدان استحالة تصوير الجامع بين موضوعات مسائل كثير من العلوم.

فمثلا في علم الفقه ربّما يبحث عن الأمر العدمي ، وأخرى عن الوجوديّ ، وعن الجواهر تارة ، وعن الاعراض الحقيقية الداخلة تحت المقولات التسع العرفية أخرى ، وعن الأمور الاعتبارية كالغصب مثلا ثالثة ، ومن الواضح انه لا جامع بين شيء من هذه الأمور.

فما ذكره بعض من انّ موضوع الفقه هو فعل المكلّف خطأ ظاهر ، إذ البحث عن طهارة كثير من الجواهر كالمياه وغيرها ، ومبحث الإرث والضمان من مباحث الفقه ومسائله مع انّ الموضوع فيها ليس فعل المكلّف كما لا يخفى.

وبالجملة فلا وجه للزوم وجود الموضوع للعلم أصلا.

وبهذا ظهر انه لا وجه لما قيل من انّ تمايز العلوم انما يكون بتمايز موضوعاتها ، بل ربما يكون بذلك كما لو فرضنا انّ المدوّن أراد البحث عن تاريخ نبي أو وصي خاصّ مثلا ، وربما يكون بتمايز المحمول ووحدته كما لو فرضنا انه أريد البحث عن المتحرك مثلا ، فانه يبحث حينئذ عن الأين والمتى والكيف وغيرها مما هو معروض الحركة ، فالموضوعات متغايرة إلّا انّ المحمول يكون واحدا فتميز هذا العلم يكون بوحدة المحمول ، وثالثة : يكون بالاعراض كما هو الغالب مثلا يأخذ المدوّن في نظره فائدة خاصة ، فيتعرض لكل مسألة يكون لها دخل في تلك الفائدة ، ولو لم يكن بينها جامع أصلا كما في علم الأصول والفقه ، فانّ غرض الأصولي انما هو البحث عن كل ما له دخل قريب في الاستنباط ، وغرض الفقيه البحث عن كل ما يكون مقربا إلى المولى ومبعدا عنه ، ولذا يبحث فيهما عن ذلك مع انه لا جامع بين

١١

مسائلهما أصلا لا موضوعا ولا محمولا.

الجهة الثانية : قسّم اللواحق والمحمولات إلى الذاتي وغير الذاتي. وقد وقع هذا التقسيم في باب الكليات تارة ، وفي كتاب البرهان أخرى.

اما الذاتي في باب الكلّيات فالمراد منه ما يكون مقوّما للشيء ، وهو إمّا يكون مشتملا على ما به الاشتراك وما به الامتياز معا ويسمى بالنوع ، أو على خصوص ما به الاشتراك ويسمى بالجنس ، أو خصوص ما به الامتياز ويعبّر عنه بالفصل.

وفي مقابل الذاتي بهذا المعنى العرض ، ويقسم إلى الخاصّ والعام ، والمقسم لهذا التقسيم مطلق اللاحق والمحمول على الشيء الأعم من ان يكون من مقوماته أو لا.

واما ذاتي باب البرهان فهو : العارض الّذي ينتزع من مقام ذات الموضوع ويكون وضعه كافيا في حمل المحمول عليه.

وبعبارة أخرى : ما يكون بيّن الثبوت له : كما أشير إليه في المنظومة بقوله :

«ذاتي شيء بيّن الثبوت له» (١) كالإمكان للماهيات الممكنة ، والزوجية بالقياس إلى الأربعة.

فان العقل بمجرد وضع الإنسان مثلا يحكم بتساوي نسبة الوجود والعدم إليه وهكذا في الأربعة حيث ينتزع العقل منها الزوجيّة من دون حاجة إلى لحاظ شيء آخر معه.

وفي مقابله ما لا يكون بيّن الثبوت ولا يكفي مجرّد وضع الشيء في انتزاعه عنه كالقائم مثلا ، والمقسم في هذا التقسيم خصوص العوارض.

__________________

(١) شرح المنظومة ـ ص ٢٩ (ط. ناصري).

١٢

واما الذاتي في المقام فليس المراد منه ذاتي باب الكليات ، لوضوح انّ محمولات المسائل ليست جنسا للموضوع ولا فصلا له ، ولا ذاتي باب البرهان ، إذ ليست المحمولات بيّنة الثبوت للموضوع بأجمعها ، بل المراد منه ما يكون عروضه بلا واسطة ، وفي مقابله الغريب أي ما يكون عروضه مع الواسطة.

فالمقسم لهذا التقسيم انما هو خصوص العوارض لا الذاتيات.

ثم انه ليس المراد من الواسطة في المقام الواسطة في الثبوت أي علّة الوجود ، لأن المحمولات في مسائل غالب العلوم تكون حادثة ومحتاجة إلى العلم.

نعم ربما يكون ثبوت بعض المحمولات لموضوعاتها غير محتاج إليها كجملة من مباحث الفلسفة العالية ، فمثلا ثبوت الإمكان للماهيات غير محتاج إلى العلّة والواسطة في الثبوت ، إلّا انه في الغالب تكون محتاجة إليها.

ولا الواسطة في الإثبات أي علّة العلم بالشيء ، فانّ مسائل العلوم غالبا لا تكون من البديهيات ، وإلّا لعرفها كل أحد.

بل المراد من الواسطة هو الواسطة في العروض ، فانّ اسناد جملة من المحمولات إلى بعض الموضوعات يكون إسنادا حقيقيا ، وإلى البعض الآخر إسنادا مجازيا ، كما في اسناد المناعة إلى زيد في قولك «زيد منع جاره» مثلا ، نعم اسناد مناعة الجار إليه يكون حقيقيّا.

وقد قالوا : بأنه لا بدّ وان يكون البحث في كل علم عن عوارض موضوعه التي تكون من قبيل الأول دون الثاني ، ولذا لو فرضنا انّ الموضوع لعلم كان هو الميزاب فالبحث عن الجريان في ذلك العلم لا يكون من مسائله ، لأنّ اسناد الجريان إلى الميزاب يكون مجازيا وإلى غير من هو له.

وبالجملة نقول في بيان العرض الذاتي والغريب : انه تارة : يعرض الشيء على موضوع بلا واسطة في العروض أصلا كعروض العلم والإدراك على النّفس

١٣

الناطقة ، وهذا يكون عرضا ذاتيا بلا إشكال.

وأخرى : يكون مع الواسطة ، والواسطة هذه تكون على ستة أقسام ، لأنها :

اما ان تكون امرا داخليا أخص ، كعوارض الفصل بالنسبة إلى النوع فتأمّل ، مثل اسناد الإدراك إلى الإنسان بواسطة النّفس الناطقة. واما أعم كعوارض الجنس بالقياس إلى النوع ، كما لو أسند عارض الجسم إلى الإنسان من الطول والعرض مثلا.

واما أن تكون الواسطة امرا خارجيا ، امّا مباينا للموضوع ، أو مساويا ، أو أعم ، أو أخص ، فهذه أقسام ستة.

اما ما يكون عروضه بواسطة امر داخلي أخص فقد تسالموا على كونه ذاتيا ، فالعلم عرض ذاتي للإنسان.

كما انهم تسالموا على انّ ما يكون عروضه بواسطة امر خارج مباين يكون غريبا.

واما ما يكون بواسطة امر داخلي أعم ، كعوارض الجنس بالقياس إلى النوع ، فقد وقع الخلاف في كونه ذاتيا أو غريبا ، وذهب إلى كل من الأمرين فريق.

واما ما يكون بواسطة امر خارج مساو ، أو أعم ، أو أخص ، فقد تسالموا على كونه غريبا ، وان وقع الخلاف أيضا في خصوص المساوي.

ولا يخفى انه لا ثمرة في البحث عن ذلك وتحقيقه.

الجهة الثالثة : في الإشكال المعروف وهو انّ موضوعات المسائل غالبا تكون أخص من موضوعات العلوم ، فمثلا موضوع النحو هو الكلمة وموضوعات مسائله هو الفاعل والمفعول والحال والتمييز ، وهي أخص من الكلمة ، ونسبتها إليها نسبة النوع إلى الجنس أو الصنف إلى النوع ، وهكذا في الفقه فانّ الوجوب مثلا يعرض الصلاة ويحمل عليها حقيقة ، ولا معنى لأن يقال : فعل المكلّف واجب مثلا إلّا

١٤

مسامحة ، حيث تكون عوارضها ومحمولاتها عوارض عرفيّة لموضوع العلم ، مع انهم تسالموا على انّ العارض بواسطة أمر خارج أخص يكون من العوارض الغريبة ، فكيف يجمع ذلك مع اتفاقهم على انّ البحث في العلم لا بدّ وان يكون عن العوارض الذاتيّة لموضوعه؟! هذا ما يقع في أغلب العلوم.

واما في خصوص علم الأصول فالأمر بالعكس ، لأنّ عروض محمولاته على موضوعه يكون بواسطة امر داخلي أعم فانّ موضوع علم الأصول هو الأدلة ، وموضوعات مسائله هي الأمر والنهي ونحو ذلك ، ومن الواضح انها أعم منها ، ونسبتها إلى الدليل نسبة الجنس إلى النوع.

وعليه ، فان قلنا : بأنّ العارض بواسطة الأمر الداخل الأعم يكون ذاتيا انتفى الإشكال بلحاظ هذا العلم ، وإلّا فتجري فيه أيضا هذه الشبهة كما في غيره من العلوم ، فيكون الكل من واد واحد.

وقد ذهب الأصحاب في الجواب عنها يمينا وشمالا ، ولم يأت أحد منهم بما يشفي الغليل أصلا فانه بعد اتفاقهم على انه لا بدّ وان تكون محمولات المسائل عوارض ذاتيّة لموضوع العلم ، واتفاقهم على انّ العارض بواسطة امر خارج أخص من العوارض الغريبة وقعوا في الإشكال ، فانّ محمولات المسائل في غالب العلوم انما تعرض لموضوعها بواسطة امر خارج أخص إلّا ما شذّ وندر.

وقد أجيب عنه بوجوه ، نقتصر على ذكر واحد منها وهو ما أفاده المحقّق النائيني ، ولا يبعد ان يكون أحسنها.

وحاصل ما أفاد (١) : انّ الإشكال انما كان واردا لو كان الموضوع في العلوم غير مقيّد بالحيثيّة ، كما لو قلنا انّ الموضوع في النحو والصرف نفس الكلمة والكلام ،

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأوّل ـ ص ٥.

١٥

وفي الفقه عنوان فعل المكلّف ، بينما ليس الأمر كذلك ، بل الموضوع في كل علم يكون مقيّدا بالحيثيّة ، لوضوح انّه في الفقه مثلا لا يبحث عن فعل المكلّف من جميع حيثيّاته كحيثيّة كونه من أي المقولات؟! وكذا الحال في مثل النحو والصرف فانّه يبحث عن حيثيّة الإعراب والبناء في الأول وعن حيثيّة الصحّة والإعلال في الثاني.

اذن فالموضوعات دائما تكون مقيّدة بالحيثيّات ، وما يكون للقيد والحيثية يثبت للمقيّد بها لا محالة ، كما نرى وجدانا ان المقيد بالممتنع يكون ممتنعا ، مثلا الإنسان الفاعل والتارك في آن واحد يكون ممتنعا لامتناع قيده ، والحيثيّات المأخوذة في موضوعات العلوم تكون أمورا انتزاعيّة من موضوعات المسائل.

والأمور الانتزاعيّة كالاعتبارية ـ ولا فرق بينهما فيما نحن فيه وان كان بينهما فرق ، ولعلنا نتعرض لذلك في طيّ بعض المباحث ـ تكون على نحو بسائط ذهنيّة وخارجيّة ، خلافا للجواهر والاعراض.

فان الجوهر يكون مركّبا خارجا من المادّة والصورة ، ولذا نرى بقاء المادّة فيه وانقلاب صورته النوعيّة كما في الكلب الواقع في المملحة ، وهذا يكشف عن تركبه خارجا ويكون مركّبا ذهنا من الجنس والفصل ، فانّ العقل يحلّله إليهما.

والأعراض وان كانت بسائط خارجيّة وغير مركبة من المادّة والصورة ، ولذا لا يعقل بقاء مادّة القيام وتبدد صورته بالعقود ، بل إذا قعد القائم مثلا ينعدم ذاك العرض بأسره ويوجد عرض آخر ، ولكنّها مركبات ذهنيّة ويحللها العقل إلى الجنس والفصل كما هو واضح.

واما الأمر الانتزاعي والاعتباري فهو نحو وجود ضعيف بسيط خارجا وذهنا ، وعليه فيكون المقيّد بالأمر الانتزاعي بسيطا انتزاعيا لا محالة ، ويكون ما به الامتياز فيه عين ما به الاشتراك.

وحيث أنّ الأمر الانتزاعي متّحد مع منشأ انتزاعه بمعنى انه لا وجود للأمر

١٦

الانتزاعي الا بوجود منشائه ، فلا محالة ترتفع أخصيّة موضوعات المسائل عن موضوع العلم من البين ، ولا تكون نسبة موضوع العلم إلى موضوعات مسائله نسبة الجنس إلى النوع ، فيندفع الإشكال.

وفيه : مع كونه امتن الوجوه المذكورة في المقام.

أولا : انّ الحيثيّة لا تكون قيدا للموضوع وانما هي جهة البحث ، والموضوع ذوات تلك العناوين ، مثلا يبحث عن الدار تارة من حيث مساحتها ، وأخرى من حيث قيمتها ، وثالثة من حيث طول جدرانها ، والموضوع في الجميع نفس الدار وحيثيّة البحث تختلف. وفي علم النحو مثلا يبحث عن الكلمة والكلام ، وحيثيّة البحث هي الإعراب والبناء لا الفصاحة والبلاغة ، وهكذا في الفقه وغيره.

وثانيا : لو سلّمنا انّ الحيثيّة تكون قيد الموضوع ولكن ان جعلنا المقيّد بالحيثيّة معرفا محضا لموضوعات المسائل وعنوانا مشيرا إليها ، ففي الحقيقة لا يكون ذلك جامعا بين موضوعات المسائل ، فمرجعه إلى إنكار موضوع العلم رأسا.

وان جعلناه جامعا حقيقيّا بان يكون كليا وتكون موضوعات المسائل افراده ومصاديقه لا معرفا محضا كما في جميع موارد الكلّي وافراده غاية الأمر إنه كلي انتزاعي لتقيده بأمر انتزاعي ، فيكون الإشكال حينئذ أشد ، وذلك لأنّ المحمولات حينئذ تكون عارضة له بواسطة أمر أخص ، فإذا كان العارض بواسطة النوع للجنس غريبا مع انّ الجنس متّحد مع النوع ذاتا وخارجا فبطريق أولى يكون العارض بواسطة النوع عرضا غريبا للعنوان الانتزاعي ، لأنّ اتحاده مع منشأ انتزاعه يكون أضعف من اتحاد الجنس مع النوع.

وثالثا : المقيّد بالأمر الانتزاعي لا يكون انتزاعيا ولا يثبت كل ما للقيد للمقيّد ، نعم خصوص امتناع القيد يسري إلى المقيد ، والمقيد بالممتنع يكون ممتنعا ، ولا يقاس عليه سائر الخصوصيّات كالبساطة والانتزاعيّة ، والشاهد عليه : انّ

١٧

الإنسان المقيد بالقيام ، أو الغرفة المقيدة بالفوقية ، أو الدار المقيّدة بالملكيّة لا تكون بسيطة ولا انتزاعية مع تقيدها بالأمور الانتزاعية ، وهذا ظاهر.

ورابعا : سلّمنا انّ الأمر الانتزاعي والمقيّد به أعني موضوع العلم بسيط ، ولكن من الواضح انّ موضوعات المسائل لا تكون كذلك ، فالموضوع في قولك «كل فاعل مرفوع» هو عنوان الفاعل وهكذا في «كل مفعول منصوب» وكذلك الموضوع للوجوب هو عنوان الصلاتية وموضوع الحرمة هو الغيبة بهذا العنوان ، وموضوع الإباحة شرب الماء بهذا العنوان ، وليس الفعل الجامع بين هذه العناوين موضوعا لحكم أصلا ، ومن الواضح ان هذه العناوين عناوين متغايرة ، ولا يكفي في رفع الإشكال بساطة موضوع العلم مع تركب موضوعات المسائل وتغايرها ، فانها حينئذ لا محالة تكون أخص من موضوع العلم.

فالتحقيق في الجواب أن يقال : انّ الإشكال مبني على أمرين :

أحدهما : البحث في تعريف الموضوع بكونه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة.

ثانيهما : الالتزام بكون العارض للشيء بواسطة أمر خارج أخص أو أعم يكون غريبا. وكلاهما محل منع.

أمّا الأول ـ فلأنّه لم يرد دليل على ذلك ، فبعد ما ذكرنا من انّ علميّة العلم وتمايزه كما يمكن ان يكون بموضوعه تارة وبمحموله أخرى ، كذلك يمكن ان يكون بغرض الباحث ، ولا مانع من البحث في العلم عن العوارض الغريبة لموضوعه إذا كانت دخيلة في غرض الباحث.

مثلا : لو فرض انّ موضوع العلم هو الميزاب وكان البحث عن اسناد الجريان إليه دخيلا في الغرض الّذي دوّن لأجله العلم يبحث فيه عن ذلك ولو كان عرضا غريبا لموضوع العلم ولم يذكروا لذلك الا مبعدات لا أساس لها أصلا.

١٨

واما الثاني : فلو فرض ان الدليل قام على لزوم ان يكون موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة لكن نقول : لا دليل على صحّة التقسيم المتقدم وان العارض بواسطة أمر خارج أخص أو أعم من العوارض الغريبة بل هو عارض ذاتي.

فان الميزان في الذاتيّة والغرابة هو ما ذكره أهل الأدب من كون الإسناد حقيقيا أو مجازيا ، فإذا كان اسناد المحمول إلى الموضوع إسنادا إلى من هو له وكان المحمول وصفا له بحال نفسه ، فلا محالة يكون عرضا ذاتيا له ولو كان مع الواسطة ، وان كان وصفا له بحال متعلقه واسناده إليه إسنادا إلى غير من هو له فيكون غريبا.

فالميزان اذن هو صحة الإسناد ، ونحن نرى ان اسناد أوصاف الجنس إلى النوع وإلى الفرد يكون حقيقيّا. فالانقسام مثلا إلى الأبعاد الثلاثة يكون من لواحق الجسم ومع ذلك لو قلنا ان زيدا قابل للانقسام يكون ذلك إسنادا حقيقيّا ، وهكذا لو قلنا بان الإنسان متحرّك بالإرادة وحساس ، مع انهما من لواحق الجنس.

والسرّ فيه واضح ، فان الجنس متّحد مع الشخص والنوع وجودا فعوارضه تكون عارضة لهما أيضا حقيقة وبلا عناية ، وهكذا عوارض الفرد بالنسبة إلى النوع أو إلى الجنس ، فانها تكون عوارض ذاتية له ويكون إسنادها إليه حقيقيا ، والشاهد عليه ما نرى من صحّة هذه الاستعمالات العرفية بلا مسامحة ، فمثلا يقال : «أكلت الخبز» فيسند الأكل إلى الكلي مع ان المأكول ليس إلّا فردا خاصا منه ، ويقال : «اشتريت اللحم» مع ان المشتري ليس إلّا فردا خاصا ، ويقال «البشر نبي» مع ان النبي فرد منه ، وذلك لأن المهملة تكون في قوّة الجزئية وهي متّحدة مع الفرد خارجا.

ويحتمل ان يكون هذا هو مراد المحقق السبزواري مما ذكره في حاشية الأسفار

١٩

من اتحاد الكلي لا بشرط مع الفرد. فالإشكال اذن غير وارد من أصله ، وأظن ان التسالم على هذين الأمرين ناشئ من التقليد المحض ليس إلّا.

هذا كلّه في بيان الموضوع.

٢٠