دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

مقدمة الحرام :

ثم انه يجري جميع ما بيّناه في مقدمة المستحب أيضا فلا نطيل.

فنتكلم في مقدمة الحرام والمكروه. والبحث في مقدمة الحرام يقع في مقامين :

أحدهما : حرمتها النفسيّة.

ثانيهما : في حرمتها الغيرية.

ونحن ندرجهما في مقام واحد ، ونقول : تارة تكون مقدمة الحرام متّحدة مع ذيها خارجا ، بمعنى ان يكونان من قبيل العنوان والمعنون ، بان تكون المقدمة منشأ لانتزاع ذي المقدمة ، كعنوان التعظيم المنتزع من القيام فانه امر منتزع من القيام مثلا ، وليس هناك وجودان. ولا إشكال في خروج ذلك عن محل النزاع ، بل هو من قبيل النهي في العبادة ، فانّ التكليف المتعلق بالأمر الانتزاعي بعينه متعلق بمنشئه ، فإذا حرم تعظيم الكافر فنفس القيام يكون محرما نفسا ، فليس هناك في الحقيقة مقدمة وذي المقدمة.

وأخرى : يكون هناك وجودان ، أحدهما مقدمة للآخر ، وفي هذا أيضا تارة تكون مقدمة الحرام من قبيل العلّة التامّة بحيث لا يتوسط بينهما وبين تحقق ذي المقدمة اختيار فاعل مختار ، بل يترتب ذو المقدمة على المقدمة قهرا ، نظير عنوان الذبح المترتب على فري الأوداج ، ويلحق بذلك ما إذا علم المكلف بأنه إذا أتى بتلك المقدمة يقع في المحرم لا محالة اما باختياره أو بإجبار الغير له ، وفي هذا وان كان اختيار الفاعل أو اختيار غيره واسطة بين ثبوت المقدمة وترتب ذي المقدمة عليها ، إلّا انه حيث يعلم بترتبه عليها لا محالة يجري فيه ما نقوله في العلّة التامّة وان كان خارجا عنها موضوعا.

وأخرى : لا يفرق الإتيان بالمقدمة في اختياره على ترك ذي المقدمة وفعله

٣٦١

كما كان مختارا قبل ذلك ، وهذا ينقسم إلى قسمين ، لأنه اما ان لا يقصد الفاعل بإتيانه بتلك المقدمة الإيصال إلى الحرام ، وامّا يقصد به التوصل إليه ، وهذه جملة الأقسام المتصورة في مقدمة الحرام.

اما القسم الأول : فقد عرفت خروجه عن محل الكلام.

واما القسم الثاني : أي ما كانت المقدمة من قبيل العلّة التامّة ، فحرمتها النفسيّة في قبال حرمة المعلول مما لا وجه له أصلا ، لاستلزامه تعدد العقاب ولا يلتزم به ، فيدور الأمر بين حرمتها الغيرية وكونها حراما نفسيا دون معلولها ، وقد ذهب المحقق النائيني قدس‌سره إلى الثاني على خلاف ما التزم به في مقدمة الواجب.

وفيه : ما لا يخفى بعد ما عرفت انّ المعلول والمسبب مقدور مع الواسطة ولو بالقدرة على سببه ، فلا وجه للقول بتعلق الأمر المتعلق بالمعلول بعلّته ، فينحصر المحتمل في حرمتها الغيرية ، فيجري فيها ما تقدم في مقدمة الواجب ، فانه كما كان امتثال الواجب هناك متوقفا على الإتيان بالمقدمة كذلك في المقام الانزجار عن الحرام وامتثال النهي متوقف على الانزجار عن مقدمته وعدم الإتيان بها ، فيجري فيها ما ذكرناه هناك.

واما القسم الثالث : وهو ما إذا كان اختيار المكلف باقيا بعد الإتيان بالمقدمة ، ففيما لا يقصد بها المحرم فلا إشكال في ذلك أصلا ، كما لو اشترى أحد سكينا من دون ان يقصد به قتل النّفس ، ومثل هذه المقدمة يوجدها كل أحد مرات في كل يوم وليلة.

واما إذا قصد بفعلها المحرم ، كما لو اشترى العنب بقصد ان يعمله خمرا ، ففيما ورد النص على حرمته كما في المثال حيث ورد عنهم عليهم‌السلام (١) «لعن الله بائعها

__________________

(١) راجع : مستدرك الوسائل ـ المجلد ١٣ ـ ص ١٨٢.

٣٦٢

وغارسها» لا كلام لنا فيه ، واما في غير موارد النص فاحتمال ثبوت الحرمة الترشحية فيها بعيد غايته حتى لو قلنا بوجوب مقدمة الواجب ، وذلك لأنّ امتثال النهي والانزجار عن زجر المولى عن الحرام النفسيّ غير متوقف على ترك تلك المقدمة ، بخلاف مقدمة الواجب فانّ امتثاله متوقف على الإتيان بها لا محالة ، وهذا واضح.

واما ثبوت الحرمة النفسيّة لها فمنشأ احتماله أحد امرين :

الأول : حرمتها من باب نية السوء ، فانّ الشيخ قدس‌سره جمع بين الأخبار الواردة في انّ نية السوء لا تكتب والواردة في انها تكتب بحمل الطائفة الثانية على النية التي اشتغل الفاعل ببعض مقدمات الحرام كما في المفروض.

وفيه : انّ هذا الجمع كما ذكرناه في محلّه خلاف ظاهر الأدلة ، وانّ الصحيح هو الجمع الثاني الّذي ذكره الشيخ قدس‌سره أيضا وحاصله : حمل أدلّة العفو على ما إذا ارتدع المكلف بنفسه عن نيته وحمل الطائفة الثانية على ما إذا أردعه مانع خارجي ، ويشهد لهذا الجمع ما ورد في رجلين اقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فقال عليه‌السلام «كلاهما في النار فقال السائل : ما بال المقتول قال عليه‌السلام : لأنه أراد قتل صاحبه فلم يقدر» (١).

وبالجملة فمن هذا الحيث لا يثبت حرمتها النفسيّة.

الثاني : حرمتها من حيث الإعانة على الإثم ، وهي محرمة في إعانة الغير ، وبعين ذاك الملاك نقول بحرمتها في الإعانة على النّفس.

وفيه : أولا : انّ فيما نحن فيه ليس إلّا إعانة على تخيل الإثم لا على الإثم الواقعي.

وثانيا : انّ الإعانة على الإثم لا دليل على حرمتها ، وانما المحرم هو التعاون

__________________

(١) وسائل الشيعة ـ ج ١١ ـ ١١٣.

٣٦٣

على الإثم على ما يستفاد من الآية الشريفة ، والمراد من التعاون ان يقيم جماعة معصية واحدة بحيث لا يقدر على إيجادها واحد منهم ، كما لو اشتركوا في قتل مؤمن مثلا.

وثالثا : انه لو سلّمنا حرمة الإعانة على الإثم ، فانما هي في إعانة الغير على الإثم لا في إعانة الإنسان نفسه على المعصية ، والظاهر انه لا يمكن الالتزام بحرمة إعانة النّفس على الإثم ، وإلّا فلا بدّ من تحقق معاصي عديدة وعقابات متعددة عند الإتيان بحرام واحد ، فالحرمة النفسيّة غير ثابتة في مفروض المقام كما لم تثبت الحرمة الغيرية.

هذا كلّه في مقدّمة الحرام.

٣٦٤

المقام العاشر

الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن الضد أم لا؟

وليعلم انه ليس المراد من الضد في المقام معناه الاصطلاحي ، بل المراد منه معناه اللغوي ، وهو مطلق المنافي الجامع بين الضد الخاصّ والضد العام ، فللبحث مقامان :

المقام الأول : في الضد العام ، وفيه أقوال : قول بعدم الاقتضاء ، وقول : بالاقتضاء بنحو العينية ، أو الجزئية أو الملازمة ، وقول : بالتفصيل.

ونقول : تارة يراد من النهي معناه المعروف أعني طلب الترك ، وأخرى يراد به الزجر ، وعلى الأول فالمعنى انّ الأمر يقتضي طلب ترك تركه ، وقد عرفت مرارا انّ المتحقق في دار التحقق ونفس الأمر حقيقة في مقابل فرض الفارض ليس إلّا أمران : الوجود ، ونقيضه وهو العدم ، فيصح ان يقال انّ الوجود متحقق حقيقة أو العدم متحقق كذلك ، وامّا بقية العناوين مثل عدم العدم أو عدم عدم العدم فكلها أمور انتزاعية من الوجود والعدم ، ولا بأس في انتزاع العدم من الوجود ، فانّ الانتزاع ليس بمعنى الانطباق كما هو واضح.

وعليه ففي الحقيقة ترك الترك في الخارج ليس إلّا الوجود ، فيكون معنى عنوان البحث انّ الأمر بالشيء يقتضي الأمر بنفسه ، وهذا ينطبق مع العينية إلّا انه ليس قابلا للبحث والنزاع ، وهل يعقل ان يقال انّ القيام يقتضي القيام أم لا؟

٣٦٥

وعلى الثاني فتوهم العينية واضح الفساد ، لأنّ البعث والزجر امران متقابلان ، كما انّ الشوق والكراهة صفتان متقابلتان يستحيل عينيتهما كما يستحيل ان يكون أحدهما جزء للآخر.

نعم لتوهم الاقتضاء بمعنى اللزوم وجه ، ولكن اللزوم البين بالمعنى الأخص واضح الفساد لعين ما ذكره الميرزا (قده) في دفع توهم العينية من انّ الآمر كثيرا ما لا يكون ملتفتا إلى ضد ما امر به ، فكيف يكون اللزوم بينا بحيث يستلزم تصور الأمر بالشيء تصور النهي عن ضده.

واما اللزوم البين بالمعنى الأعم أعني الجزم باللزوم بعد تصور اللازم والملزوم والملازمة ، فهو في نفسه قابلا لأن يدعى ، إلّا انه أيضا غير صحيح ، لأنّ الأحكام على المسلك الصحيح ليست جزافية وانما الأمر يكون ناشئا عن مصلحة في متعلقه. كما انّ النهي ناشئ عن المفسدة ، ومن الواضح انّ ثبوت المصلحة في الفعل غير مستلزم للمفسدة في تركه وانما الثابت فيه عدم النّفع ، وإلّا لتسلسل.

ويشهد لذلك ما تراه وجدانا في إرادتنا التكوينية ، فانه ليس لنا شوق إلى الفعل وبعض من الترك كما نرى بالوجدان انّ المخالف لأمر سيده لا يكون عاصيا له بعصيانين : عصيان لأمره ، وعصيان لنهيه ، وهذا واضح.

والحاصل : انه لو فسرنا النهي بطلب الترك فمعنى طلب ترك الضد العام أعني الترك ليس إلّا الأمر بالفعل ، فهو يناسب العينية ، إلّا انّ البحث عنه مما لا معنى له.

واما دعوى الجزئية ، أو اللزوم فغير معقول ، لأنّ الشيء يستحيل ان يكون جزء لنفسه أو لازم ذاته.

واما لو فسرناه بالزجر عن الترك فدعوى العينية والجزئية ممنوعة كما عرفت ، كما انّ دعوى اللزوم البين بالمعنى الأخص كذلك ، واما اللزوم البين بالمعنى الأعم فيمكن دعواه في نفسه ، إلّا انه أيضا فاسد لما نرى بالوجدان انّ في إرادتنا

٣٦٦

التكوينية ليس لنا شوق بالفعل وكراهة متعلقة بالترك ، كما انه ليس لنا في إرادتنا التشريعية بعث وزجر بحيث يكون هناك حكمان.

نعم مبغوضية الترك ، أو النهي عن الترك بالعرض وبنحو المسامحة والمجاز ثابتة ، وامّا المبغوضية المستتبعة للنهي المولوي بحيث يترتب على المخالفة عصيانان وعقابان ، فبديهي البطلان.

هذا كله في المقام الأول.

المقام الثاني : في الضد الخاصّ أي الأضداد الوجودية.

اما دعوى اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ بنحو العينية ، أو الجزئية فواضحة الفساد ، إذ لا معنى لكون الأمر بشيء عين النهي عن شيء آخر أجنبي عنه أو جزء له.

واما بنحو اللزوم البين بالمعنى الأعم فيقرب على وجهين. وليعلم انّ المراد من النهي في المقام هو طلب الترك الأول ان المتلازمين يستحيل اختلافهما في الحكم ، فإذا كان استقبال القبلة واجبا يستحيل ان يكون استدبار الجدي مثلا حراما ، لأنه مستلزم للتكليف بما لا يطاق ، ويستحيل ان يكون مباحا أو مستحبا مثلا لأنّ جعل ذلك له لغو محض ، فلا بدّ وان يكون متحدا معه في الحكم ، فترك الضد الملازم لفعل الضد الواجب لا بدّ وان يكون مطلوبا ، وهذا هو المراد من النهي عن الضد.

وفصل المحقق النائيني (١) في المقام بين الضدين اللذين ليس لهما ثالث وبين ما لهما ثالث ، فذهب إلى اللزوم في الأول وألحقه بالضد العام لكون الملازمة ثابتة فيه

__________________

(١) فوائد الأصول ـ المجلد الثاني ـ ص ٣٠٤ ـ طبعة جامعة المدرسين في قم ـ سنة ١٤٠٤ هجرية.

٣٦٧

من الطرفين ، بخلاف الثاني فانّ ترك الضد فيه غير مستلزم لثبوت الضد المأمور به لإمكان اجتماعه مع الضد الآخر.

ونقول : اما استحالة اختلاف المتلازمين في الحكم فهو ثابت واضح كما ذكر ، واما لزوم اتحادهما فلا وجه له ، لإمكان ان لا يكون اللازم أو أحد المتلازمين محكوما بحكم شرعي أصلا ، بل يكون محكوما باللابدية العقلية فقط ، بل ربما يقال : بأنّ جعل الحكم المماثل له لغو محض لا يترتب عليه أثر ، فلا معنى لجعل الوجوب على استدبار الجدي بعد جعل وجوب استقبال القبلة. ونظير هذا ما ذكرنا في استحالة جعل عدم شيء مانعا في الصلاة بعد اعتبار شرطية ذلك الشيء فيها ، فانه من اللغو الظاهر.

ثم انه على تقدير تسليم لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم لا يختص ذلك باللازم المساوي ، بل يجري في اللازم الأعم أيضا كالحركة بالنسبة إلى القيام ، فلا وجه لتخصيص ذلك بالضدين اللذين ليس لهما ثالث الملحقين بالنقيضين في الحكم من حيث استحالة ارتفاعهما كالحركة والسكون بناء على انّ السكون أيضا أمر وجودي.

وذلك لأنّ الوجه في لزوم اتحاد المتلازمين في الحكم أو عدم اختلافهما انما هو استلزام الملزوم للازم وعدم إمكان تحققه بدون تحقق لازمه ، لا استلزام اللازم للملزوم ، فانّ ذلك كالحجر في جنب الإنسان ، وعليه فلا يفرق الحال بين اللازم المساوي واللازم الأعم كما في الضدين اللذين لهما ثالث.

ثم انّ إرجاع الضدين اللذين لهما ثالث إلى الضدين اللذين ليس لهما ثالث بدعوى انّ التضاد حينئذ انما يكون بين كل من الضدين والجامع بين بقية الأضداد كعنوان أحدهما ، ومن الواضح انّ الجامع ليس إلّا امر واحد ، فدائما تكون المضادة بين امرين لا ثالث لهما.

٣٦٨

توهم فاسد ، وذلك : لأنه ان كان التضاد حقيقة بين الجامع كما في الجامع بين المراتب من حقيقة واحدة كمضادة البياض للجامع بين مراتب السواد ، فهو امر معقول ، وامّا فيما كان التضاد حقيقة بين واقع الجامع والأفراد الخارجية فلا معنى لأن يقال انّ طرف التضاد هو الجامع الانتزاعي مثلا طرف التضاد في المثال انما هو ذات السواد وواقع الخضرة وهكذا ، واما عنوان أحدهما فليس ضدا للبياض أصلا ، فإرجاع الضد في مثل ذلك إلى الجامع مما لا معنى له.

بقي الكلام في امرين أحدهما : في المتماثلين. ثانيهما : في العدم والملكة. إذ عرفت ان المراد بالضد في عنوان البحث هو العام أعني مطلق المنافي ، فيعم الأمرين.

اما المثلان فيلحقان بالضدين ، بل يطلق عليهما الضدان في كلمات الفقهاء كالحركة إلى كربلاء إذا امر بها والحركة إلى البصرة مثلا.

واما العدم والملكة فيلحقان بالضد العام ، لأنهما حقيقة من المتناقضين أي الوجود والعدم غايته قيّدا بالمورد القابل ومن هنا أمكن ارتفاعهما ، ففي المورد القابل هما بمعنى الوجود والعدم وهما نقيضان ، فيلحقهما حكمهما المتقدم.

هذا كله في اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاصّ من جهة الملازمة.

واما اقتضاؤه له من غير جهة الملازمة فيختص بالمقدمية وكون ترك الضد مقدمة لفعل الضد الواجب ، فيجب الترك بوجوب مقدمي ، وهذا معنى النهي عن الضد ، ولا بدّ في ذلك من إثبات امرين :

أحدهما : كون الضد مانعا عن الضد الآخر بحيث يكون تركه متقدما على وجود الضد بالرتبة.

والثاني : كون عدم المانع من المقدمات كالشرط والمقتضى.

اما الكبرى فمسلمة ، ولكن الصغرى ممنوعة كما ستعرفها إن شاء الله والأقوال في ذلك خمسة :

٣٦٩

الأول : عدم كون ترك الضد مقدمة لفعل ضده وبالعكس ، وهذا هو المختار.

الثاني : توقف فعل الضد على ترك ضده وتوقف الترك على فعله ، أي ثبوت التوقف من الطرفين ، وكأنّ القائل به غفل عن استلزامه الدور. ويظهر هذا القول من العضدي والحاجبي ، فانهما في هذا المبحث سلّما كون ترك الضد مقدمة لفعل الضد الآخر ، وانما أنكرا وجوب المقدمة ، وفي شبهة الكعبي من إنكاره المباح بدعوى انّ ترك الحرام واجب ، وهو متوقف على فعل أحد أضداده ، فيجب ذلك سلّما التوقف وأنكرا وجوب مقدمة الواجب ، فيظهر منهما الالتزام بثبوت التوقف من الطرفين.

الثالث : ما نسب إلى بعض ولم يعرف قائله : توقف عدم الضد على وجود الضد الآخر بلا عكس.

الرابع والخامس : عكس ذلك أعني الالتزام بتوقف وجود الضد على عدم الضد الآخر ، اما مطلقا ، واما في خصوص الضد الموجود.

هذه ملخص الأقوال في المقام. فأولا : نتكلم فيما ذكر لإبطال المقدمية ، وهو وجوه:

منها : ما في الكفاية (١) من انّ فعل الضد وترك الضد الآخر بينهما كمال الملاءمة ، فكيف يمكن ان يكون وجوده مانعا عنه؟!

وفيه : انه ما المراد بالملاءمة؟ فان أريد بها الملاءمة من حيث الوجود الخارجي بمعنى تحققهما في الخارج ، ففيه : انّ الملاءمة بهذا المعنى غير مانع عن المقدمية ، بل هي ثابتة في اجزاء العلّة ومعلولها ، ولو لا ذلك لما تحققت العلية والمعلولية.

وان أريد بها الملائكة في الرتبة واتحادهما كذلك ، ففيه : انه أول الكلام ، فانّ من يرى مقدمية ترك الضد لوجود ضده يرى اختلافهما في الرتبة.

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٠٦.

٣٧٠

ومنها : ما في الكفاية أيضا من الاستدلال بقياس المساواة الّذي هو من البديهيات ومن الأصول الموضوعية في علم الهندسة ، وتقريبه بمقدمتين.

إحداهما : انّ وجود الضد مساو في الرتبة مع وجود الضد الآخر ، وذلك لأنّ المضادة ترجع إلى المناقضة ، ومن الواضح انّ النقيضين في مرتبة واحدة لاعتبار الوحدة من حيث الرتبة في التناقض ، فانه يصح ان يقال انّ المعلول في مرتبة علته معدوم.

ثانيهما : انّ وجود الضد مساو في الرتبة مع عدمه لأنهما نقيضان ، وقد عرفت الوجه في اتحادهما من حيث المرتبة فيثبت بقياس المساواة انّ الضد مساو في الرتبة مع عدم ضده ، فيستحيل مقدميته وتقدمه عليه رتبة.

وفيه : انّ قياس المساواة انما يجري في التقدم والتأخر الزماني وفي الزيادة والنقصان في الأجسام وغيرها ، فيقال زيد ولد مع عمر في زمان واحد وعمر مساو في الزمان مع بكر فزيد مساو مع بكر ، أو يقال زيد متأخر عن عمرو زمانا ، وعمر متأخر عن بكر زمانا فزيد متأخر عن بكر زمانا ، وهكذا في التقدم أو الزيادة والنقصان أو التساوي من حيث المقدار.

واما في الرتبة فلا يجري قياس المساواة أصلا ، فانّ التساوي أو السبق واللحوق في المرتبة لا يكون بلا ملاك ، فانّ ملاك التساوي من حيث الرتبة امر عدمي ، وهو عدم تحقق ملاك التقدم والتأخر ، وملاك التقدم الرتبي هو كون تحقق المتأخر مترشحا من وجود المتقدم ، وملاك التأخر عكس ذلك ، ففي كل مورد ثبت الملاك يثبت التقدم ، وفي كل مورد لم يثبت الملاك لم يثبت التقدم والتأخر أيضا ولو كان مساويا في الرتبة مع ما ثبت فيه الملاك.

وأوضح مثال لذلك العلّة والمعلول ، فانّ العلّة متقدمة على معلولها في الرتبة ، ومن الواضح انّ عدم العلة مساو مع وجودها في الرتبة.

٣٧١

ولا يمكن ان يقال : انّ عدم العلّة سابقة على وجود المعلول وفي السبق بالتجوهر الثابت في اجزاء الماهية بالنسبة إليها ، كالحيوان والناطق بالقياس إلى الإنسان ، فانّ عدم الحيوان وعدم الناطق لا يكونان سابقين على الإنسان بالتجوهر ، وفي السبق بالطبع كما في اجزاء المركب الاعتباري كتقدم الواحد على الاثنين.

وجامعه استحالة تحقق المتأخر بدون تحقق السابق بلا عكس ، فانّ الاثنين يستحيل تحققه بدون تحقق الواحد فانه متحقق في ضمنه ولكن يمكن تحقق الواحد بدون تحقق الاثنين ، فوجود الواحد متقدم بالطبع على وجود الاثنين ، ولكن ليس عدم الواحد سابق على وجود الاثنين بالطبع مع مساواته مع وجود الواحد طبعا.

وعليه فكون وجود الضد مساويا في الرتبة مع وجود الضد الآخر لعدم تحقق ملاك السبق واللحوق بينهما وقياس المساواة غير جار فيه كما عرفت.

ومنها : ما ذكره النائيني قدس‌سره ويظهر من الكفاية وحاصله : انّ في كون أحد الضدين مانعا عن الآخر المستلزم لكون ترك كل منهما مقدمة لفعل الآخر ان كان تعاند الضدين وتنافرهما ، فهو متحقق في النقيضين بطريق أولى ، فانّ استحالة اجتماع الضدين انما هي من جهة رجوعه إلى اجتماع النقيضين ، فلازم ذلك ان يكون عدم كل من النقيضين مقدمة لتحقق الآخر ، ولا يلتزم به.

وفيه : انّ مانعية أحد الضدين عن الآخر انما هي مبتنية على مقدمتين : إحداهما : تعاندهما ، والأخرى : تغاير عدم كل منهما مع وجود الآخر فانه يعتبر ذلك في المقدمة وذيها ، ومن ثم قلنا باستحالة اتصاف الاجزاء بالوجوب المقدمي ، وهذا المعنى مفقود في النقيضين ، فانه عدم كل منهما عين الآخر ، فانّ عدم العدم هو عين الوجود كما انّ عدم الوجود عين العدم على ما مر عليك بيانه ، فيستحيل ان يكون أحدهما مقدمة للآخر.

٣٧٢

ومنها : ما ذكره الميرزا النائيني قدس‌سره (١) ويوجد في كلمات غيره أيضا بنحو الإجمال وحاصله : انّ اجزاء العلّة وان كانت مشتركة في ثبوت المعلول وترتبه عليها إلّا انها مختلفة في أنفسها ، فالمقتضي المعبر عنه بالسبب هو الّذي يسند إليه الأثر ، كالنار بالنسبة إلى الإحراق ، فانه مستند إليه وهو بنفسه غير كاف في التأثير ، بل لا بدّ وان يكون المحل قابلا للاحتراق وإلّا فالتراب لا يحترق بالنار ، كما انه لا بد ان تتحقق المحاذاة بينهما ويعبّر عنهما بالشرط ، وجامعهما ان يكون دخيلا في فعليّة الأثر وان لم يكن الأثر مستندا إليه وبعد ذلك تصل النوبة إلى عدم المانع ، أي المزاحم للمقتضي في تأثيره كالرطوبة الموجودة في المحل ، وهذه الأمور طولية في اسناد عدم المعلول إلى عدمها.

فإذا فرضنا انّ المقتضي لتحقق شيء لم يكن موجودا لم يصح اسناد عدمه إلى عدم تحقق شرطه ، أو إلى وجود المانع ، بل لا بد وان يكون مستندا إلى عدم مقتضية ، مثلا لو لم تكن النار موجودة لا يقال انّ هذا الجسم لم يحترق لوجود المانع فيه وهو الرطوبة ، فانه لو لم يكن المانع موجودا لم يكن محترقا أيضا لعدم وجود مقتضي للإحراق ، وكذلك لا يصح استناده إلى عدم تحقق الشرط ، فانّ الشرط لو كان متحققا أيضا لم يتحقق الاحتراق ، وهذا واضح.

نعم بعد وجود المقتضي إذا لم يتحقق المعلول يستند ذلك إلى عدم تحقق الشرط ، وفي هذا الفرض لا يمكن الاستناد إلى وجود المانع ، وانما يصح ذلك في ما إذا ثبت المقتضي وتحقق الشرط ولم يوجد المعلول لا محالة يكون ذلك من جهة وجود المانع.

ومن ذلك ذكروا استحالة جعل أحد الضدين شرطا والضد الآخر مانعا في

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٢٥٥ وما بعدها.

٣٧٣

الصلاة ، فانه يستحيل ان يسند عدمها إلى وجود المانع مع فرض عدم تحقق الشرط ، فدائما يكون فساد الصلاة عند الإخلال بذلك مستندا إلى عدم الشرط ، فكيف يمكن ان يكون الضد الآخر مانعا ، ومن ثم لا بدّ من رفع اليد عن رواية أبي بكير الواردة في الصلاة فيما لا يؤكل لحمه ، الظاهر صدرها في شرطية وقوع الصلاة في غير ما لا يؤكل ، وذيلها في مانعية وقوعها في غير المأكول ، وتمام الكلام فيه موكول إلى محلّه.

وبالجملة طبق المحقق النائيني ما تقدم على المقام ، فذكر انه لو لم يكن المقتضي لوجود الضد موجودا فلا محالة يكون عدمه مستندا إلى عدم المقتضي ، ويستحيل في ذاك الفرض كون وجود الضد الآخر مانعا عنه ، كما لو فرضنا انه لم يرد السفر إلى البصرة وأراد السفر إلى كربلاء ، فلا معنى لأن يقال كانت الحركة إلى كربلاء مانعة عن السفر إلى البصرة.

وان كان المقتضي لوجود الضد موجودا وهكذا شرطه فإسناد عدمه حينئذ إلى وجود الضد وان كان صحيحا فيتم المانعية إلّا انه حينئذ مستحيل ثبوت المقتضي لاجتماعهما ، وهو محال واضح بمنزلة ثبوت المقتضي لاجتماع المتناقضين المحال ذاتا ، فانّ الممتنع بالذات لا يستند عدمه إلى عدم المقتضي أو عدم الشرط أو إلى وجود المانع ، وانما يجري ذلك في الممتنع بالغير أي الممكن ذاتا فانّ امتناعه بالغير أي عدمه يستند إلى عدم تحقق مقتضية أو شرطه أو وجود المانع عنه ، كما يستند وجوبه بالغير إلى وجود علّته.

وحاصل ما أفاد : انّ مرتبة المقتضي سابقة على مرتبة الشرط تقدم القوة على الفعلية ، فانّ المقتضي كأنّه قوة والشرط فعليتها ، فهو متأخر عنه تأخر الفعلية عن القوة ، واما عدم المانع فهو غير مؤثر في تحقق المعلول ، إذ العدم غير قابل لذلك ، فدخله في العلّة انما هو من جهة انّ وجود المانع يزاحم المقتضي في تأثيره. فعدمه

٣٧٤

أيضا متأخر رتبة عن المقتضي والشرط ، وعليه فإذا وجد أحد الضدين أو ثبت المقتضي لوجوده فان لم يكن مقتضي للضد الآخر ، فعدمه مستند إلى عدم المقتضي دون وجود المانع ، إذ لو كان الضد موجودا أيضا لم يوجد هذا العدم المقتضي له أصلا. وإلّا فان ثبت له مقتضي فيستحيل ثبوت المقتضي للضد الآخر ، وذلك لأنه مستلزم لثبوت المقتضي لاجتماع الضدين وهو محال ، فانّ عدم الممتنع ذاتا لا بدّ وان يستند إلى استحالته الذاتيّة لا إلى وجود المانع ، ومن الواضح انه لو فرضنا ثبوت المقتضي لاجتماع الضدين فعدمه لا محالة يكون مستندا إلى وجود المانع.

هذا ونقول : ما أفاده انما يتم فيما إذا كان المقتضي مقتضيا لتحقق كل من الضدين مع فرض تحقق الآخر ، وليس المدعى ذلك.

وامّا تحقق المقتضي لوجود كل منهما في نفسه فلا مانع منه ، لأنه ليس وجود كل منهما كذلك امرا مستحيلا ، بل هو ممكن فلا مانع من ان يستند عدمه إلى وجود المانع ، وذلك كما لو فرضنا انّ أحدا يجر شيئا إلى طرف اليمين وشخصا آخر يجره إلى طرف الشمال فانّ كلا من الجرين يكون مقتضيا لأحد الضدين والآخر يمنع عن تأثيره ، ولو لا ذلك لانسد باب التمانع رأسا.

وبالجملة لا مانع من ان يفرض وجود المقتضي مع شرطه لكل من الضدين غاية الأمر يحصل التمانع بينهما فيستحيل تحققهما ، وهذا واضح ، ولا يبعد إرجاع ما في الكفاية في أواخر المبحث إلى ما ذكره الميرزا قدس‌سره ، وقد عرفت الجواب عنه.

ومن الوجوه المذكورة لإبطال المقدمية ما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره (١) وهو

__________________

(١) راجع فوائد الأصول ـ المجلد الثاني ـ ص ٣٠٨ تفريعا منه على تأخر رتبة المانع عن وجود المقتضي والشرط ، وأجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٢٥٥ ـ ٢٥٦. في ذيل برهانه على إنكار التوقف والمقدمية بين ترك أحد الضدين للضد الآخر وفاقا لسلطان العلماء وجملة من المحققين.

٣٧٥

الصحيح الّذي نبني عليه وحاصله : انه لو فرضنا تحقق المقتضي لكل من الضدين ، فان كانا متساويين في القوّة والضعف فلا يتحقق شيء منهما ، وان كان أحدهما أقوى ، فيوجد مقتضاه دون ما يقتضيه الضعيف. ومن الواضح انّ عدم تحقق ما يقتضيه الضعيف في الفرض الثاني انما يستند إلى نفس ثبوت المقتضي القوي وهو المانع عن تأثيره دون ثبوت مقتضى القوي ، بل لو فرضنا عدم تحققه أيضا لما كان يؤثر الضعيف ، ولما وجد مقتضاه لمزاحمته بالمقتضي القوي كما عرفت في فرض التساوي وعدم وجود كل منهما في الخارج ، وعليه فالتمانع انما هو بين السببين والمقتضيين دون المسببين والمعلولين وذلك واضح.

فتحصل عدم التمانع بين نفس الضدين ، فيندفع توهم مقدمية ترك الضد لفعل الآخر بهذا الوجه ، ولا وجه لإطالة الكلام في التعرض لبقية الوجوه.

ويؤيد ما ذكرناه انه لو ثبت التمانع بين ضدين وتوقف وجود كل منهما على عدم الآخر لتوقف عدم الآخر أيضا على وجود الضد ولو في الجملة لفرض التمانع ، فانّ دخل عدم المانع في العلة انما من جهة كون المانع مزاحما في تأثير المقتضي ، فعدم الضد ربما يستند إلى وجود الضد الآخر ، وإنكار ذلك يرجع إلى إنكار التمانع رأسا.

ثم انّ المحقق الخوانساري فصل بين الضد الموجود وغيره ، وذهب إلى ثبوت توقف الضد على عدم الضد الآخر في الأول دون الثاني ، أي فصلّ بين الرفع والدفع.

وقد مال إليه الشيخ على ما في التقريرات بدعوى انّ قابلية المحل شرط في عروض الضد ، فلو كان الضد الآخر موجودا لا يمكن وجود الضد إلّا بعد رفع الضد الأول ليكون المحل قابلا ، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن الضد الآخر موجودا أصلا.

وفيه : انه لو قلنا بأنّ العلّة المحدثة كافية في بقاء المعلول أيضا لأمكن توجيه ذلك بان يقال انّ الضد الموجود غير محتاج في بقائه إلى مقتضي ليزاحمه مقتضي الضد

٣٧٦

الثاني ، بل الضد الموجود يزاحم مقتضي الضد الآخر في تأثيره ، فيكون مانعا عنه ، وعدم المانع من اجزاء العلّة.

ولكن لو لم نقل بذلك وقلنا انّ الممكن كما هو محتاج إلى المؤثر في حدوثه محتاج إليه في بقائه أيضا ، فلا فرق بين الضد الموجود وغيره ، فانّ الضد الموجود أيضا في الآن الثاني محتاج إلى المقتضي ، والمفروض ثبوت المقتضي للضد الآخر أيضا في ذاك الآن ، فان كانا متساويين لا يوجد شيء منهما ، وان كان أحدهما أقوى يتقدم على التفصيل المتقدم.

هذا ولو سلمنا كون العلّة المحدثة كافية في بقاء المعلول أيضا إلّا انه انما يتم في الأمور التكوينية ، ولا يتم في الأفعال الاختيارية التي هي المهم في محل البحث ، فانّ من البديهي انّ الفعل الاختياري بقاء أيضا متقوم بالاختيار ومحتاج إليه ثبوتا ، فهذا التفصيل لا وجه له.

واما شبهة الكعبي ففيها ان الملازمة بين ترك الضد ووجود أحد الأضداد وان كانت ثابتة إلّا انّ المقدمية ممنوعة.

نعم عرفت انه لو علم المكلف بأنه لو لم يشتغل بالعمل المباح الكذائي يقع في المحرم لا محالة يلزمه العقل به تحفظا على ان لا يقع في الضرر والمفسدة ، وامّا الحكم الشرعي أو اللابدية العقلية التي التزمناها في مقدمة الواجب فلا.

هذا كله في اقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الضد.

ثمرة البحث :

بقي الكلام في ثمرة البحث ، وذكر لها امران :

الأول : ما إذا تزاحم واجبان مضيقان وكان أحدهما أهم ، كما إذا وقع

٣٧٧

التزاحم بين صلاة العصر وصلاة الكسوف وكانتا مضيقين ، فانه لا إشكال في أهميّة صاحبة الوقت أعني صلاة العصر ، وحينئذ فان قلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده تكون صلاة الكسوف منهيا عنها ، والنهي في العبادة يوجب الفساد ، فلا تصح إذا أتى بها ، وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بذلك ، فانها تصح حينئذ.

هذا وقد أورد عليه شيخنا البهائي قدس‌سره بأنها لا تصح على التقديرين ، ولو لم نقل بكون الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده ، وذلك لأنها ولو لم يكن منهيا عنها إلّا انها غير مأمور بها ، لاستحالة الأمر بالضدين ، وإذا لم تكن مأمورا بها لا تصح لذلك.

ونقول : ما ذكره قدس‌سره يتم لو لم نكتف في العبادة بالملاك أو لم نحرز وجوده فيها ولم نقل بالترتب ، والظاهر انّ بحث الترتب حادث ، وأول من تنبه عليه كاشف الغطاء قدس‌سره وان أنكره إلّا انه تنبه عليه.

فما أفاده من عدم تمامية الثمرة صحيح ، لكنه يحتاج إلى تتميم بان يقال : لو اكتفينا بالملاك في صحّة العبادة وعباديتها ، وأثبتنا وجوده في الفرض فتصح صلاة الكسوف في المثال ، سواء قلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده أم لم نقل ، اما على الثاني فواضح ، واما على الأول فلأنّ النهي الغيري لا يكشف عن مبغوضية متعلقه ، فليس دالا على فساد العبادة. نعم يكون مانعا عن تعلق الأمر به والمفروض هو الاجتزاء بالملاك ، فلا حاجة إلى الأمر ، واما لو اعتبرنا فيها قصد الأمر فلا تصح تلك الصلاة على التقديرين ، إذ يستحيل تعلق الأمر بها بعد الأمر بضدها ، سواء كان مقتضيا للنهي عن ضده أم لم يكن ، فهذه الثمرة غير تامّة.

الثاني : ما حكى عن المحقق من انه إذا تزاحم واجب مضيق مع واجب موسع كصلاة الكسوف مع صلاة الظهر في أول وقتها ، فانه بناء على القول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده تكون صلاة الظهر في أول الوقت منهيا عنها ، فيقيد به

٣٧٨

إطلاق دليل وجوبها الشامل لما بين المبدأ والمنتهى بغير هذا الفرد ، فيتضيق وقتها بهذا المقدار لا محالة ، فإذا أتى بها المكلف في ذلك الوقت لا تكون مصداقا للواجب فلا تجرّي ، وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بالاقتضاء ، فانّ الأمر فيما كان المطلوب منه صرف الوجود لا يكون متعلقا بالفرد الّذي يأتي به المكلف خارجا بحيث لو فرض بالفرض الحال انه أتى بغيره لم يكن آتيا بالمأمور به ، بل هو متعلق بنفس الطبيعة الملغى عنها جميع الخصوصيات. فالفرد من حيث انه ، فرد لا يكون مأمورا به وعليه فما هو متعلق للأمر وهو الطبيعة غير مزاحم بشيء ، وما هو مورد التزاحم وهو الفرد لا يكون مأمورا به ، فيبقى الأمر بالطبيعي باقيا على حاله ، فإذا أتى به في أول الوقت يكون مجزيا لا محالة ، لأنّ الانطباق قهري والاجزاء عقلي.

هذا وهو انما يتم لو لم نكتف في صحّة العبادة بالملاك واعتبرنا منها الأمر ، وإلّا فتكون الصلاة المأتي بها في أول الوقت في المثال مجزيا حتى على القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضده ، فالذي ينبغي ان يقرّب به كلامه قدس‌سره ان يقال : انه لو ثبتت كبرى الاكتفاء بالملاك في العبادة وأحرزت صغراها أيضا لا فرق بين المسلكين ، وان لم يتحقق أحد الأمرين من الصغرى أو الكبرى كما هو الصحيح فهذه الثمرة صحيحة ، وكان يقول المحقق النائيني بمثل هذه التحقيقات سمى المحقق محققا.

وقد أشكل عليه بوجوه :

الأول : انّ الطبيعي المتعلق به التكليف لا يخلو حاله بالإضافة إلى القيود عن أحد أنحاء ثلاثة : لأنه اما يكون بالقياس إلى القيد بشرط شيء ، أو يكون بشرط لا بالنسبة إليه ، أو يكون لا بشرط بنحو اللابشرط القسمي لا المقسمي الجامع بين الأقسام الثلاثة فانه غير قابل لتعلق التكليف به.

وعليه فطبيعي الصلاة المأمور به بالقياس إلى أول الوقت أعني المبتلى بالمزاحم ان كان من قبيل الأول أي بشرط شيء فيستحيل تعلق التكليف به ، لأنه

٣٧٩

مستلزم لطلب الضدين وهو محال ، وان كان من قبيل الثالث أي لا بشرط المعبر عنه بالطبيعة المطلقة ، أو السارية فكذلك ، لأنه إذا استحال التقييد يستحيل الإطلاق أيضا ، فيتعين الثالث ، فلا محالة يكون المأمور به بشرط لا عن تلك الخصوصية ، فلا يكون ذلك الفرد المزاحم بالإزالة مصداقا للمأمور ، فلا تتم الثمرة المذكورة كما هو واضح.

وفيه : انا قد ذكرنا مرارا انّ الإطلاق البدلي ليس بمعنى أخذ القيود ، وانما هو بمعنى رفض القيود وإلغائها في مقام تعلق الطلب بالطبيعي وان كان في الخارج لا ينفك عنها.

وعليه فالفرد المزاحم بالأهم بما هو فرد لا يكون واجبا ليلزم طلب الضدين ، بل الواجب نفس الطبيعي ، وهو غير مزاحم بشيء ، وقد عرفت انّ انطباقه قهري والأجزاء عقلي ، ولهذا ذكرنا انّ استحالة التقييد في بعض الموارد يستدعي ضرورية الإطلاق على ما مر بيانه في بحث التعبدي والتوصلي.

الثاني : انّ الممنوع شرعا كالممتنع عقلا ، ومن الواضح اعتبار القدرة على متعلق التكليف عقلا ، وإلّا فيكون التكليف به تكليفا بما لا يطاق ، فالعقل يقيد التكليف المتعلق بالطبيعي بغير الفرد الممتنع عقلا أو شرعا.

وفيه : انّ الجامع بين الممتنع والممكن ممكن ، فلا يكون التكليف به تكليفا بما لا يطاق ، فلا وجه لأن يقيده العقل بغير الافراد الممتنعة أصلا.

ومن ثمّ بين المحقق النائيني (١) وجها آخر لاعتبار القدرة في متعلق التكليف غير حكم العقل وهو : انّ نفس البعث وتحريك إرادة المكلف يقتضي ان يكون متعلقه امرا تحت اختياره باعتبار القدرة من مقتضيات نفس التكليف والخطاب ،

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٢٦٤.

٣٨٠