دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

الترتب فلا يعقل بان يقول يجب عليك الصلاة وان غصبت ولم تأت بها فتحرم عليك ، إذ لا معنى للحرمة مع فرض الترك ، أو للإيجاب مع فرض تحقق الفعل كما هو واضح.

واما على مسلك النائيني قدس‌سره فحيث انّ شرط حرمة المقدمة انما هو عدم الإتيان بذي المقدمة. والمفروض انّ ذا المقدمة دائما يكون متأخرا عن مقدمته زمانا ، فلا بدّ وان يكون دخل عدمه في حرمتها بنحو الشرط المتأخر. فبناء على استحالته كما يظهر من الميرزا يستحيل الترتب لذلك ، ومع تسليمه وإرجاعه إلى وصف التعقب كما فعله قدس‌سره في موارد ثبوت الدليل عليه فلا يمكن الالتزام به في المقام أيضا ، وذلك لأنه لو كانت حرمة المقدمة مشروطة بعدم الإتيان بذي المقدمة ، فلا بدّ وان يكون جوازها مشروطا بالإتيان بذي المقدمة بالملازمة ، كما انّ كل ضدين إذا اشترط وجود أحدهما بأمر فلا محالة يكون وجود الآخر مشروطا بعدمه.

وعليه فيكون الإتيان بذي المقدمة شرطا للحكم ، أعني الجواز دون الجائز كما توهمه صاحب المعالم ، فيرد حينئذ إشكال الكفاية ، فيلزم محذوران :

الأول : ان يكون طلب ذي المقدمة من طلب الحاصل ، لأنّ فرض جواز المقدمة الّذي هو فرض القدرة عليها وعلى ذي المقدمة وفرض تعلق الأمر به انما هو فرض الإتيان به وحصوله خارجا ، ومعه كيف يمكن طلبه ، وهل هو إلّا طلب الحاصل.

الثاني : ان يجوز تركه اختيارا كما تقدم بيانه ، إذ لا يجب على المكلف إيجاد شرط الوجوب في الخارج ، وهو واضح.

فالصحيح ما ذهب إليه صاحب الفصول من اختصاص الوجوب بالمقدمة الملازمة لوجود ذي المقدمة أي المنضمة إلى بقية المقدمات وان أخطأ في تعبيره عنها بالموصلة كما مر بيانه ، بداهة انّ المقدار المتيقن الّذي يكون محبوبا انما هو ذلك دون

٣٤١

غيره ونحن نأخذ به ونرفع اليد عن المنشأ به.

ثم انه لا تختص ثمرة البحث عن الموصلة بما إذا قلنا بوجوب المقدمة شرعا ، بل يجري على القول بعدمه أيضا في ما إذا كانت المقدمة منحصرة بالمحرم ، فانّ الترخيص الثابت بحكم العقل على القول بالموصلة مختص بها ، وإلّا فهو مطلق كما هو ظاهر.

فإذا أجر أحد نفسه للدخول في الدار المغصوبة فدخلها ، وترتب عليه إنقاذ غريق أو واجب آخر أهم يحكم بصحّة الإجارة وان كان الأجير متجريا في ذلك.

هذا تمام الكلام في المقدمة الموصلة.

ثم انّ صاحب الفصول جعل من ثمرات المقدمة الموصلة صحّة العبادة المضادة لواجب أهم ، كالصلاة المزاحمة بالإزالة ، بدعوى انه لو كانت المقدمة مطلقا واجبة فترك الصلاة يكون واجبا ، وحيث انّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام ، فلا محالة يكون فعل الصلاة منهيا عنه ، والنهي في العبادة يوجب الفساد ، وهذا بخلاف ما لو اختص الوجوب بخصوص الترك الموصل ، فانّ فعل الصلاة حينئذ عند عدم إرادة الإزالة لا يكون محرما فلا يبطل ، فيمكن تصحيحه بالأمر بنحو الترتب أو من ناحية الملاك.

وقد أورد عليه الشيخ على ما في التقريرات بأنّ الصلاة في الفرض فاسدة على القولين ، وذلك لأنّ نقيض كل شيء رفعه ، فنقيض الوجود المطلق عدمه ، وامّا الوجود المقيد بأمر خاص كالقيام في الدار مثلا هو عدمه ، وهو يتحقق بأمرين عدم القيام رأسا وعدم الخصوصية ، وهكذا العكس.

وعليه ففيما نحن فيه. نقيض الترك الخاصّ انما هو عدم الترك الخاصّ ويكون له فردان ، أحدهما : الترك المجرد ، وثانيها : فعل الصلاة ، فكل منهما يكون منهيا عنه.

٣٤٢

وأورد عليه في الكفاية (١) بما توضيحه : انه ليس معنى القول المعروف من انّ نقيض كل شيء رفعه انّ نقيض كل شيء عدمه وإلّا لتسلسل ، فانّ نقيض الوجود هو العدم ، ونقيض العدم هو عدم العدم وهكذا ، ولزال التضايف بين المتناقضين مع وضوح التضايف بين المتناقضين ، فلا بدّ وان يراد من الرفع معناه الحقيقي أعني القطع ، فانّ الوجود يكون ناقض العدم بمعنى انه يقطع الهيئة الاتصالية الثابتة للعدم الأزلي ، وكذلك العدم الطارئ يقطع الهيئة الاتصالية الثابتة للوجود الواحد وان انعدم بعد ذلك أيضا. وعلى هذا فنقيض الوجود هو العدم ، ونقيض العدم هو الوجود. ففيما نحن فيه نقيض الترك الخاصّ ليس إلّا الفعل الخاصّ ، واما الترك المجرد فليس نقيضا للترك الخاصّ ، وأقوى شاهد عليه هو إمكان اجتماعهما ، والنقيضان لا يجتمعان.

وفي عبارة الكفاية في هذه الجملة مسامحة واضحة ، حيث يعبر عن نقيض الترك بترك الترك فراجع ، وعليه فلا يتم ما ذكره الشيخ قدس‌سره.

هذا وما أفاده متين جدا مع قطع النّظر عن المسامحة في التعبير ، إلّا انه يرد على الفصول انّ ما ذكره مبني على مقدمات باطلة بأجمعها.

الأولى : ان يكون ترك الضد مقدمة لفعل ضده ، وهو فاسد.

الثانية : ان تكون المقدمة واجبة شرعا.

الثالثة : ان يكون الأمر بالشيء مقتضيا للنهي عن ضده العام.

وجميع تلك المقدمات فاسدة كما مر وسيأتي إن شاء الله.

هذا مضافا إلى جميع ذلك انّ النهي الّذي يوجب فساد العبادة انما هو النهي النفسيّ الناشئ عن مفسدة ومبغوضية في الفعل. واما النهي الغيري والمبغوضية

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٩٣.

٣٤٣

الفرضية فلا وجه لاقتضائه فساد العبادة أصلا ، لعدم تماميّة الملاك فيه كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

فالثمرة الصحيحة للمقدمة الموصلة ما ذكرناه من المقدمات المحرمة فراجع.

٣٤٤

الواجب الأصلي والتبعي

ثم انّ المحقق الخراسانيّ قدس‌سره (١) تعرض لتقسيم الواجب إلى الأصلي والتبعي ، والظاهر انّ تعرضه له في المقام من سهو القلم ، وكان محله عند ما قسم الواجب إلى المشروط والمطلق وغيرهما ، ونحن نتبعه في ذلك فنقول : المحتمل في المراد من الأصلي والتبعي أمور ثلاثة :

الأول : ان يراد الأصلية والتبعيّة في مقام الإثبات والدلالة. فانه تارة. يكون وجوب الشيء مقصودا بالإفهام في مقام الإثبات ، اما بالدلالة المطابقية أو الالتزامية بالمعنى البين الأخص بحيث يعرف الملازمة الآمر وأهل العرف ، وأخرى : لا يكون كذلك بان يكون اللزوم الثابت بيّنا بالمعنى الأعم بحيث لا يعرفه العرف.

الثاني : ان يراد من الأصلية والتبعية الارتكاز والتفصيل. فلأنه تارة : يكون الآمر ملتفتا إلى انه مريد للشيء الفلاني تفصيلا ، وأخرى : لا يلتفت إليه إلّا إجمالا وهذا التقسيم بهذا المعنى مباين مع تقسيم الواجب إلى النفسيّ والغيري ، ولذا يتّصف كل منهما بالقسمين.

اما انقسام الواجب الغيري إليهما فواضح ، فانّ الآمر تارة : يكون ملتفتا إلى كون الشيء الفلاني مقدمة لمراده ، فيكون مرادا تفصيلا ، وأخرى : لا يكون ملتفتا إلى مقدميّته فيكون مرادا إجمالا وارتكازا.

وأما انقسام الواجب النفسيّ إليهما ، فلأنه لو التفت المولى إلى اشتمال العمل

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٩٤.

٣٤٥

الخاصّ على مصلحة ملزمة فأمر به فلا محالة يكون وجوبه تفصيليا ، وان لم يلتفت إليه كما لو غرق ابنه وهو يتخيّل كونه عدوه مثلا فلا يأمر بإنقاذه ، فلا محالة يكون إنقاذه حينئذ واجبا بالارتكاز ، إلّا انّ التعبير عنه بالوجوب التبعي غير خال عن المسامحة.

وبالجملة لا وجه للقول باختصاص هذا التقسيم بهذا المعنى بالواجب الغيري كما تخيّله في الكفاية.

الثالث : ان يراد الأصلية والتبعيّة في مقام الثبوت والواقع ، فان كان الوجوب ثابتا لمصلحة في نفس الواجب كان هناك واجب آخر أم لم يكن ، فلا محالة يكون أصليا ، وان كان مترشحا عن وجوب آخر ، وناشئا عن مصلحة فيه يكون تبعيا.

والأصلي والتبعي بهذا المعنى متحدان مصداقا مع النفسيّ والغيري في الخارج ، وانما الفرق بينهما اعتباري ، فانّ التعبير بالغيرية انما هو باعتبار الغاية والنهاية وهي ترتب ذو المقدمة عليه ، والتعبير بالتبعية باعتبار المبدأ والمنشأ أعني ترشح الوجوب من وجوب آخر.

إذا عرفت ذلك فاعلم انّ هذا التقسيم يترتب عليه الأثر بالمعنى الأخير ، وقد ظهر لك رجوعه إلى التقسيم إلى الواجب النفسيّ والغيري.

واما بالمعنيين الأوليين فلا يترتب عليه أثر أصلا ، وان كان حينئذ فرق بينهما فلا وجه له أصلا.

٣٤٦

ثمرة القول بوجوب المقدمة

ثم انه هل يترتب على القول بوجوب المقدمة شرعا أثر عملي أم لا؟ الظاهر هو الثاني ، لبطلان جميع الثمرات التي يوهم ترتبها عليه وهي كما يلي.

الأولى : ما في الكفاية (١) من انّ ثمرة البحث الأصولي وهو البحث عما يقع في طريق الاستنباط هو كبرى كلية لو انضم إليها صغراها أنتجت حكما فرعيا ، وفي المقام نتيجة البحث هو وجوب المقدمة ، فإذا انضم إليه الصغرى وقلنا هذا مقدمة للواجب الفلاني ومقدمة الواجب واجبة ، يحكم بوجوبه لا محالة.

وفيه : انه لا يترتب على ذلك ثمر عملي بعد ثبوت اللابدية للمقدمة عقلا ، فلا يقاس المقام ببقية الأحكام كوجوب الصلاة مثلا ، فانه ان ثبتت يؤتي بها وإلّا فلا ، وهذا بخلاف وجوب المقدّمة.

الثانية : فساد العبادة المضادة لواجب أهم كالصلاة والانتهاء له ، فانها تبطل بناء على وجوب المقدمة لو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه.

وقد عرفت الجواب عنه.

الثالثة : انّ الثمرة تظهر في ما لو نذر ان يعطي درهما لمن أتى بواجب ، فانه يبرأ من نذره إذا أعطى لمن أتى بمقدمة الواجب بناء على وجوبها ، بخلاف ما لو لم نقل بوجوبها.

وفيه : أولا : انه لو قلنا بوجوب المقدمة فالواجب منها خصوص الموصلة ،

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٩٦.

٣٤٧

وهي لا تنفك عن ترتب ذيها عليها خارجا ، فيكون الآتي بها آتيا بالواجب لا محالة ، فيبرأ من النذر بإعطاء الدرهم إياه.

وثانيا : انّ النذر تابع لقصد الناذر إلّا ان يكون مقصوده من أتى بما هو واجب واقعا.

وثالثا : انّ تطبيق الكبرى على الصغرى لا يمكن ان يكون ثمرا للبحث الأصولي ، لأنّ نتيجته انما هو حكم كلي كأصل وجوب الوفاء بالنذر ، وإلّا لكان البحث عن كل شيء مسألة أصولية ، كالبحث عن المسافة بين النجف والخندق ، لظهور ثمرته في ما لو نذر أحد انّ يعطي درهما لمن مشى في زيارة الحسين عليه‌السلام فرسخا مثلا.

الرابعة : ظهور الثمرة في قصد القربة.

وقد عرفت انّ إمكان التقرب بالمقدمة غير متوقف على وجوبها أصلا ، وانّ القابلية لذلك ثابتة بمجرد وقوعها في طريق الإيصال ، فلا نطيل.

الخامسة : دعوى ظهور الثمرة في حصول الفسق بترك الواجب الّذي له مقدمات عديدة إذا لم يكن الواجب الأصلي من الكبائر ، فانه على القول بوجوب مقدمة الواجب شرعا يحصل به الإصرار على الصغيرة فيثبت الفسق ، وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بوجوب المقدمة فانه لا يحصل به الإصرار على الصغيرة كما هو واضح.

وقد أورد عليه في الكفاية بعدم تحقق الإصرار حتى على القول بوجوب المقدمة ، وذلك لأنه سقط وجوب ذي المقدمة بترك أول مقدمة من مقدماته لامتناعه عليه بذلك ، فيسقط وجوب بقيّة المقدمات أيضا ، فلا يتحقق في الخارج إلّا ترك واجب واحد ، فلا يتحقق الفسق بترك المقدمات ولو قلنا بوجوبها.

ونقول : ما أفاده يتم على تقدير دون تقدير ، فانه لو قلنا بأنّ المراد من الإصرار هو العصيان دفعات ومرات ، فيتم ما أفاده ، إذ لا يبقى مجال للعصيان مرة

٣٤٨

ثانية أو ثالثة بعد سقوط وجوب ذي المقدمة ، وان قلنا بأنّ معناه تكرار المعصية ولو دفعة واحدة ، فلا يتم ما ذكره ، لأنه بترك المقدمة الأولى يتحقق عصيان جميع المقدمات وذيها على القول بوجوبها ، وهنا يترتب عليه العقاب ، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا.

والصحيح في الجواب انّ العصيان انما يكون بمخالفة التكليف النفسيّ الناشئ عن غرض ملزم في متعلقه وتفويته ، وامّا الوجوب الغيري فليس له عصيان لعدم ثبوت الغرض الملزم فيه فلا تفويت.

والشاهد على ذلك انه لا فرق في المعصية بين ما إذا أتى المكلف ببعض مقدمات الواجب ولم يأت بالواجب وما إذا لم يأت بشيء منها أصلا.

السادسة : ظهور الثمرة في جواز أخذ الأجرة على المقدمة وعدمه. وقد ذكر النائيني قدس‌سره ما حاصله (١) : انه تارة : يكون الواجب هو إيجاد العمل أي المعنى المصدري دون المعنى الاسم المصدري ، وأخرى : ينعكس الأمر.

وعلى الأول يبقى العمل على ماليته كما في وجوب إعطاء الطعام عند المخمصة والمجاعة ، فانّ الواجب حينئذ على المحتكر ليس إلّا الإعطاء بالمعنى المصدري واما نفس المال فهو باق على ماليته ولذا يجوز أخذ البدل عليه. وهكذا في باب الإجارات عند وجوبها.

وعلى الثاني فان كان وجوبه عينيا فالظاهر سقوط العمل عن المالية ، لكونه مملوكا له تعالى بإيجابه ذلك ، وان كان كفائيا فان لم يكن قابلا للنيابة فكذلك ، وان كان قابلا لها كما في الجهاد ، فانه يمكن ان يستنيب أحد غيره للجهاد إذا كان مريدا للحج ، فلا مانع من أخذ الأجرة عليه ، والمقدمات تابعة لذيها في ذلك.

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٢٤٥ وما بعدها.

٣٤٩

هذا ونقول في كلامه قدس‌سره مواقع للنظر :

أولا : انه لا فرق بين المصدر واسم المصدر إلّا بالاعتبار وان كان لفظهما مختلفا غالبا في اللغة الفارسية ، فانه إن لوحظت الماهية بما هي يقال له اسم المصدر ، وان لوحظت مسندة إلى فاعل ما يطلق عليها المصدر ، واما مصداقهما في الخارج فليس إلّا امر واحد ، فلا معنى للتقسيم المزبور أصلا.

وثانيا : انه ما المراد من كون الواجب العيني ملكا له تعالى؟! ان أريد منه الملكية الاعتبارية فأيّ دليل على ذلك ، لأنّ الإيجاب لا يستلزمها ، وان أريد بها الملكية بمعنى الإحاطة فهي لا تنافي جواز أخذ الأجرة أصلا لثبوتها في كل شيء.

وثالثا : أي دليل دل على الملازمة بين حرمة أخذ الأجرة على واجب وحرمة أخذ الأجرة على مقدمته؟!

والتحقيق في الجواب : انّ المانع من أخذ الأجرة على الواجب ان كان جهة عباديتها وكون ذلك منافيا لقصد التقرب به ، فهو امر غير مختص بالواجبات ، بل يجري في المستحبات العبادية ، وهو أجنبي عما نحن بصدده فعلا ، وسنبحث عنه في باب النهي عن العبادة إن شاء الله.

وان كان المنع من حيث منافاته مع الوجوب ، ففيه : انه ليس المطلوب في الواجبات إلّا إيجاد العمل في الخارج ، واما كونه مجانيا فلا يستفاد من مجرد الإيجاب ، فإذا أتى المكلف بالواجب يتحقق مطلوب المولى ولو أخذ الأجرة عليه ، نعم دل الدليل الخاصّ على عدم جوازه في بعض الموارد كباب الصلاة. وبالجملة فمجرد الإيجاب لا يلازم المجانية ، وعليه فلا مانع من هذه الجهة من أخذ الأجرة على الواجب النفسيّ ، فكيف بالواجب الغيري.

والحاصل : انّ منع أخذ الأجرة على الواجب ، تارة : يكون من جهة العبادية ومنافاته لقصد القربة ، وهو خارج عما نحن بصدده فعلا ، بل يجري في المقدمات

٣٥٠

العبادية ، قلنا بوجوبها أم لم نقل.

وأخرى : يكون من جهة نفس الوجوب ، وهو غير مستلزم للمجانية ، فلا مانع من إيجاد الواجب خارجا وأخذ الأجرة عليه ، كما انّ اعتبار القدرة على التسليم في الإجارة لا ينافي الوجوب ، وذلك لأنّ المراد بالقدرة على التسليم إمكان صدور العمل عن الأجير اختيارا ، وهو ثابت في الواجبات ، ولا ينافيه سلب قدرته عن الترك تشريعا.

واما عدم جواز أخذ الأجرة على المحرمات فهو انما يكون من جهة انّ النهي يمنع عن شمول دليل «أوفوا» وأمثاله لمورده ، فلا يكون نافذا.

مانعية العبادة عن أخذ الأجرة :

ثم لا بأس بالتعرض للجواب عن توهّم مانعيّة العبادية عن أخذ الأجرة بنحو الاختصار ، فنقول : في باب الإجارة بنفس العقد يملك الأجير الثمن ، ويملك المستأجر العمل على ذمّة الأجير وان لم يكن له حقّ المطالبة بالثمن ما لم يسلّم العمل ، وعليه فالإتيان بالعمل بعد الإجارة ليس بداعي تملك الثمن ، لأنه حاصل فلو لم يكن عليه مراقب للإتيان بالعمل ، فلا بدّ وان يكون إتيانه به لمجرد فراغ ذمته والوفاء بعقده لأن لا يبقى مشغول الذمّة خوفا من العقاب وهو من الدواعي القربية ، ولو كان عليه رقيب فلا إشكال أيضا في انّ إتيانه بالعمل صحيحا ليس إلّا بذاك الداعي القربي ، لتمكنه من الإخلال ببعض ما يعتبر فيه بحيث لا يعلم به الرقيب. هذا في الإجارة.

واما في الجعالة فربما يتوهم انّ الإتيان بالعمل انما هو بداعي ان يملك حق الجعالة ، إذ بدون الإتيان بالعمل لا يملكه ، إلّا انه توهم فاسد ، وذلك لأنه يمكن

٣٥١

للإنسان ان يدّعي انه أتى بالعمل ويأخذ الجعالة مع عدم الإتيان به واقعا فيما لم يكن هناك مراقب عليه.

واما مع فرض المراقب فيمكنه ان يأتي بصورة العمل العبادي فاسدا ، ويأخذ مال الجعالة ، لعدم كون من يحفظ عليه عمله عالما بالغيب ، فبالأخرة لا يكون الداعي على الإتيان بالعمل صحيحا إلّا حلية مال الجعالة له ، ومرجعه إلى الخوف من عقابه تعالى ، وهو داعي قربي فكيف يخل بعباديته.

فتحصل انه لا مانع من أخذ الأجرة على الواجبات عبادية كانت أو توصلية ، عينية كانت أو كفائية ، إلّا فيما إذا دل دليل من إجماع ونحوه على اعتبار المجانية في العمل ، كما لا يبعد دعوى ذلك في أخذ الأجرة على الأذان. فهذه الثمرة أيضا غير تامّة.

السابعة : الثمرة الأخيرة للقول بوجوب المقدمة هي التي تظهر في المقدمة المحرمة وحاصلها : دخول المقدمة المحرمة على القول بوجوبها تحت كبرى اجتماع الأمر والنهي ، فعلى القول بالجواز تصح تلك المقدمة ، وهذا بخلاف القول بعدم جواز الاجتماع ، أو القول بعدم وجوب مقدمة الواجب.

ولا يخفى انه لا بد وان يفرض ذلك في المقدمة العبادية ، ضرورة انّ الوجوب التوصلي يسقط بالإتيان بما يفي بغرض المولى ولو كان ذلك محرما ، من غير فرق بين القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وعدمه.

وقد أجيب عن هذه الثمرة بوجوه :

منها : ما في الكفاية ، وحاصله : انّ وجوب المقدمة على القول به انما يتعلق بذات المقدمة ، وعنوان المقدمية انما هو جهة تعليلية لا تقييدية ، ومن الواضح مورد البحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي انما هو ما إذا تعلق كل من الأمر والنهي بعنوان وكان ذلك العنوان جهة تقييدية ، فمحل الكلام خارج عن بحث اجتماع الأمر والنهي

٣٥٢

بالكلية.

وقد أورد عليه المحقق النائيني قدس‌سره بما حاصله ، انّ مورد الكلام انما هو ما إذا كان عنوان مقدمة لواجب ، فلا محالة يكون الواجب حينئذ هو ذاك العنوان ، فإذا انطبق عليه عنوان محرم يدخل في باب اجتماع الأمر والنهي ، وليس المراد من عنوان الواجب عنوان المقدمية ليقال انه جهة تعليلية لا تقييدية.

وما أفاده متين جدا ، فهذا الجواب عن الثمرة غير تام.

ومنها : ما ذكره في الكفاية وارتضاه الميرزا قدس‌سره وحاصله : انه تارة : تكون المقدمة منحصرة في المحرم ، وأخرى : لا تكون منحصرة ، فان كانت منحصرة فلا محالة تدخل في باب التزاحم ، فلا بدّ اما من سقوط وجوب ذي المقدمة ، أو سقوط حرمة المقدمة ، فيبقى الأهم من التكليفين ويسقط المهم منهما ، وإلّا يلزم التكليف بما لا يطاق ، إذ لا يتمكن المكلف حينئذ من امتثالهما. وان لم تكن منحصرة فالوجوب لا يتعلق إلّا بالفرد المباح من افراد المقدمة ، ولا يتصف الفرد المحرم بالوجوب أصلا. فعلى التقديرين يكون المقام أجنبيا عن اجتماع الأمر والنهي.

وفيه : انه لا وجه لتخصيص الوجوب المقدمي المستكشف بحكم العقل بخصوص الفرد المباح بعد كونه مساويا مع الفرد المحرم من حيث وفائه بالغرض والملاك. ومجرد كون الفرد المحرم مقارنا ومنضما إلى جهة محرمة لا يمنع عن اتصافه بالوجوب ، فيكون واجبا من جهة وان كان منضما إلى قرين خبيث محرم ، كما في الواجبات النفسيّة. وهذا واضح على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي المبني على كون التركيب في مورد الاجتماع انضماميا لا اتحاديا كما هو مبنى الامتناع.

ومنها : ما ذكره المحقق النائيني من انّ هذه الثمرة انما تتم لو اعتبرنا في العبادة خصوص قصد الأمر ، واما لو اكتفينا في ذلك بمطلق إضافة العمل إلى المولى ، فلا مانع من الإتيان بالفرد المحرم بداعي كونه وافيا بالملاك ، ويصح ذلك حتى بناء على

٣٥٣

القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي وتقديم جانبه ، وعليه فلا دخل لوجوب المقدمة في صحتها.

وفيه : أولا : انّ الفرد المحرم على القول بامتناع اجتماع الأمر والنهي الملازم لكون التركيب اتحاديا وتقديم جانب النهي مستلزم لمبغوضية ذات العمل ، ومن الواضح انه لا يحصل التقرب من المولى بإيجاد مبغوضه ولو فرضنا اشتماله على الملاك.

وثانيا : قد ذكرنا مرارا انه لا يمكن استكشاف الملاك بعد فرض سقوط الخطاب إلّا لمن هو عالم بالغيب.

فهذا الجواب أيضا ساقط.

والصحيح ان يقال : انّ المقدمة العبادية التي هي منحصرة في الطهارات الثلاث ان قلنا بأنها مستحبات نفسية ، فالفرد المحرم فيها يكون داخلا في باب اجتماع الأمر والنهي ولو لم نقل بوجوب المقدمة من جهة استحبابها النفسيّ ، إذ لا اختصاص لبحث اجتماع الأمر والنهي بخصوص الأمر الإيجابي ، ولذا لا يفرق الحال في حكم الصلاة في الدار المغصوبة بين كونها فريضة أو نافلة.

وامّا لو قلنا بأنّ عباديتها انما تكون بقصد الإيصال ، فكذلك يمكن الإتيان بها صحيحة بقصد الملاك ، بناء على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي وكون التركيب انضماميا من غير حاجة إلى إثبات وجوب المقدمة أصلا.

الثامنة : ومن الثمرات التي ذكرت لوجوب المقدمة انه بناء على القول به لو امر أحد غيره بعمل له مقدمات فأتى المأمور بجملة من المقدمات ولكن لم يأت بذيها ، اما اختياريا أو لعذر ، فعلى المشهور من انّ الأمر مستلزم للضمان لو قلنا بوجوب المقدمة يستحق العامل أجرة مثل ما أتى به من المقدمات على الآمر وله ان يطالبه بذلك لكونه ضامنا له ، وهذا بخلاف ما لو لم نقل بوجوب المقدمة فانّ ما أتى به

٣٥٤

حينئذ يكون أجنبيا عن الأمر ، فلا يضمن له شيء أصلا.

وفيه : أولا : انّ هذا انما يتم لو قلنا بوجوب المقدمة مطلقا ، واما لو خصصناه بالمقدمة الموصلة فلا تتم الثمرة ، وذلك لأنه حينئذ ان أتى بمجرد المقدمة ولم تكن موصلة فلم يأت بالمأمور به ، وان كانت موصلة فلا تختلف عن ذيها فتستحق الأجرة على أصل العمل.

ومن الواضح انه تختلف أجرة العمل من حيث الكثرة والقلّة باختلاف قلّة مقدماته وكثرتها ، مثلا أجرة إيصال المكتوب إلى بلدنا أكثر من أجرة إيصاله إلى شخص في نفس البلد ، وعليه فلا يترتب تعدد الأجرة ووحدتها على القول بوجوب المقدمة الموصلة وعدمه كما هو واضح.

وثانيا : انّ كون الآمر بالعمل مستلزما للضمان لم يرد عليه دليل لفظي ، وانما مدركه سيرة العقلاء ، فلا بدّ وان ننظر هل السيرة ثابتة على تحقق الضمان وثبوت أجرة المثل فيما إذا أتى المأمور ببعض المقدمات ولم يأت بأصل العمل ، مثلا جاء الطبيب إلى الدار لمعالجة المريض وعرض عليه مانع من التداوي بعد وصوله إلى الدار ، هل تثبت السيرة على استحقاقه للأجرة في ذلك أم لا؟

فان كانت ثابتة نقول بثبوت الأجرة ، سواء قلنا بوجوب المقدمة أم لم نقل ، ولو لم تكن ثابتة لا نقول بها على التقديرين.

فالإنصاف ان هذه الثمرة أيضا غير تامة فتلحق بغيرها.

فالصحيح انه لا ثمرة للبحث عن أصل وجوب المقدمة.

نعم يترتب على الأبحاث المتقدمة التي منها المقدمة الموصلة ثمرة فقهية على ما تقدم.

٣٥٥

أدلّة وجوب المقدمة

ثم انا نتعرض لما ذكر دليلا على وجوب المقدمة تبعا للاعلام. وقبل ذلك نذكر ما يقتضيه الأصل العملي عند الشك في وجوبها فالبحث في مقامين :

المقام الأول : في مقتضى الأصل العملي. وهو تارة يجري في المسألة الأصولية وأخرى في المسألة الفرعية اما الرجوع إلى الأصل العملي في المسألة الأصولية ، أعني بها الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته فغير ممكن فانها ان كانت ثابتة فهي ثابتة أزلا ، وان لم تكن كذلك فليس فيها حالة سابقة متيقّنة شك في بقائها.

وامّا من حيث المسألة الفرعية ، أعني وجوب المقدمة ، فقد ذكر في المنع عن الرجوع فيه إلى الأصل العملي وجوه :

منها : ما في الكفاية (١) وحاصله : انّ وجوب المقدمة من قبيل لوازم الماهية ، فليس امرا مجعولا بالجعل البسيط ولا بالجعل التأليفي.

ثم أجاب عن ذلك بأنه وان لم يكن مجعولا ذاتا ، ولكنه مجعول تبعا لجعل وجوب ذي المقدمة ، ويكفي ذلك في جواز الرجوع إلى الأصل العملي.

هذا ولكن الإشكال والجواب كلاهما فاسد.

اما فساد الإشكال ، فلما بيّناه في أول المبحث من انّ وجوب المقدمة المبحوث عنه في المقام انما هو وجوب مستقل مترشح من وجوب ذي المقدمة ، فهو وجوب مجعول مستقل غايته معلول لوجوب ذي المقدمة نظير بقيّة العلل ومعلولاتها ،

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٩٩.

٣٥٦

فليس ذلك من قبيل لوازم الماهية وهي الأمور الانتزاعية عن الماهية المعبر عنها باللوازم.

وبهذا ظهر الإشكال في جوابه أيضا ، إذ لا مجال بعد ما ذكرنا للقول بأنه مجعول تبعا لجعل وجوب ذي المقدمة.

ومنها : انّ الرجوع إلى أدلة الأصول العملية انما هو في مقام الإثبات بعد الفراغ عن مقام الثبوت وإمكان نفي التكليف وإثباته ، واما لو لم يكن أصل الإمكان محرزا بان احتمل استحالة ذلك فلا معنى للرجوع إلى الدليل في مقام الثبوت ، وفيما نحن فيه يحتمل استحالة عدم وجوب المقدمة في فرض وجوب ذيها.

وهذا الإشكال قد ذكر نظيره في بحث حجّية الخبر عند التعرض لإشكال ابن قبة واستحالة التعبد بخبر الواحد ، وقد ذكرنا هناك انّ بناء العقلاء والسيرة القطعية ثابتة على عدم رفع اليد عن الظهور بمجرد احتمال الاستحالة ، بل يبنون على إمكان ذلك الشيء ما لم يثبت امتناعه.

ففي المقام أيضا لا بدّ من التمسك بإطلاق أدلة الأصول وشمولها لفرض احتمال الإمكان ، فلا يرفع اليد عنه. فهذا الإشكال أيضا غير وارد.

وعمدة الإشكال في التمسك بالأصل العملي في المقام هو انه لا بدّ في جريان الأصل العملي من أثر عملي مترتب عليه ، ولا أثر كذلك في المقام بعد لا بدّية الإتيان بالمقدمة عند إرادة الإتيان بذيها ، ومن هذه الجهة لا مجال لجريان الأصل العملي في نفي وجوب المقدّمة أصلا.

المقام الثاني : استدل على وجوب المقدمة بوجوه :

منها : الوجدان وانّ الإنسان في إرادته التكوينية إذا أراد شيئا يريد مقدماته أيضا ، ويأتي بها لا محالة ، فالوجدان شاهد على ذلك ، وهذه الملازمة ثابتة في الإرادات التشريعية أيضا ، إذ لا فرق بينهما إلّا في انّ الأولى متعلقة بفعل نفس

٣٥٧

الإنسان والثانية بفعل غيره.

وفيه : انّ الملازمة ثابتة بين تعلق الشوق بذي المقدمة وتعلق الشوق بمقدماته ، إلّا انه خارج عن محل الكلام ، إذ الشوق غير الوجوب ، فانه من الصفات الخارجة عن تحت الاختيار ، بخلاف الوجوب فانه فعل اختياري للأمر ولذا يتمسك في نفيه عند الشك بالبراءة ، واما ثبوت الملازمة بين الوجوبين فهي غير معلومة.

اما ان أريد به الإبراز والإنشاء فواضح ، فانا نرى بالوجدان عدم استلزام إنشاء وجوب ذي المقدمة لإنشاء وجوب مقدمته وعدم ترشحه منه.

واما ان أريد به الاعتبار النفسانيّ فكذلك ، مضافا إلى انّ اعتبار الوجوب لشيء لا بدّ فيه من علّة غائية وإلّا فيكون اعتباره لغوا ، وفي المقام لا يترتب أثر على اعتبار الوجوب للمقدمة بعد كون الإتيان بها مما لا بدّ منه بحكم العقل.

ولا يقال : انّ وجوب المقدمة وجوب قهري ، فلا يتوقف على ثبوت أثر فيه.

لأنا نقول : قد عرفت فيما تقدم انّ الوجوب ليس بمعنى الشوق الّذي هو صفة نفسانية ربما تتحقق وربما لا تتحقق ، وخارجة عن اختيار الإنسان ، وانما هو بمعنى الاعتبار المبرز الّذي هو فعل اختياري للإنسان ، فلا يكون حصوله قهريا. وبالجملة قياس الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية انما يتم لو أريد بها الشوق لا الحكم.

هذا بل يمكن ان يفرق بين الشوقين أيضا بان يدّعى عدم الملازمة حتى بين الشوق بذي المقدمة وشوق مقدمته في الإرادات التشريعية ، وانّ الإرادة التشريعية لا تقاس بالإرادة التكوينية أصلا ، وذلك لأنّ في الإرادة التكوينية حيث انّ متعلق الشوق فعل نفس الإنسان ، ولا يتحقق ذلك خارجا إلّا بإيجاد مقدماته ، فلا محالة تتعلق إرادة المشتاق بإيجاد المقدمة أيضا ، وهذا بخلاف الإرادة التشريعية ، فانّ

٣٥٨

المشتاق إليه فيها انما هو فعل الغير الّذي هو مشتمل على المصلحة ، والمشتمل على المصلحة ليس إلّا نفس الفعل دون مقدماته بحيث لو تمكن المكلف فرضا من إيجاده من دون الإتيان بمقدماته ، وأوجده كذلك كان وافيا بغرض الآمر ، فليس للآمر غرض بالمقدمة ليأمر بها أصلا.

فالإنصاف ان قياس الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية في غير محله.

ومنها : ما ذكر في الكفاية من انه قد تعلق الأمر الغيري بجملة من المقدمات وحيث يستحيل ثبوت الأمر من دون ملاك فلا بدّ وان يكون مشتملا على الملاك ، وملاكه موجود في جميع المقدمات.

وفيه : انّ ذلك انما يتم لو ثبت كون تلك الأوامر أوامر غيرية ، ولكنه أول الكلام ، فانّ أغلب تلك الأوامر إرشادية إلى الجزئية أو الشرطية في العبادات والمعاملات بالمعنى الأعم ، ولذا ربما يتعلق باجزاء الواجب مع استحالة اتصافها بالوجوب الغيري على ما هو محقق في محله.

وجملة منها مما لا تكون إرشادية تكون تأكيدا للأمر النفسيّ ، مثلا يقول المولى لعبده «اشتر اللحم» فإذا تسامح في ذلك يقول له «قم والبس ثيابك واخرج من الدار» إلى غير ذلك ، وليس ذلك إلّا تأكيدا للأمر النفسيّ المتعلق بشراء اللحم.

ومنها : ما ذكره أبو الحسن وحاصله : انه لو لم تكن المقدمة واجبة لجاز تركها وحينئذ ان بقي الواجب على وجوبه يلزم التكليف بما لا يطاق ، وان سقط عن وجوبه لخرج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا.

وفيه : انه ما المراد من قوله : «حينئذ» ان أراد به نفس الترك فمن الواضح انّ الترك الاختياري لا ينافي القدرة ولا ينافي صحّة التكليف والعقاب على مخالفته ، وان أراد به نفس جواز الترك فمن الواضح انّ مرادنا من جواز ترك المقدمة ليس إلّا عدم وجوبها ، وعدم الوجوب الشرعي لا ينافي اللابدية العقلية ، ولا معنى لأن

٣٥٩

يكون للجواز الشرعي دخلا في القدرة على ذي المقدمة.

نعم الحكم بإباحة المقدمة شرعا من جميع جهاتها والأمر بذيها مما لا يجتمعان كما هو واضح ، فتحصل انه لا دليل على وجوب المقدمة أصلا.

ثم انّ في المقام تفصيلات

الأول : التفصيل بين السبب وغيره من المعد والشرط ، والقول بوجوب الأول دون الثاني ، بدعوى انّ المسبب غير مقدور مع قطع النّظر عن إيجاد السبب.

وفيه : انه مقدور بالواسطة ، ولا فرق بين السبب وغيره من المقدمات في توقف الواجب عليها.

الثاني : عكس هذا التفصيل ، والقول بكون السبب واجبا بوجوب نفسي ، وغيره من المقدمات واجبة بوجوب غيري ، بدعوى انّ المسبب غير مقدور للمكلف لأنه عند وجود السبب ضروري الوجود وعند عدمه ممتنع الوجود ، فلا بدّ وان يكون الأمر به بعينه متعلقا بسببه ، وهذا بخلاف بقية المقدمات.

وفيه : ما عرفت من انّ المسبب أيضا في نفسه مقدور مع الواسطة ، وليس متعلق الوجوب المسبب بشرط تحقق سببه أو بشرط عدم تحقق سببه ليكون واجبا ، أو ممتنعا.

الثالث : التفصيل بين الشرط الشرعي وغيره.

وفيه : انّ الشرطية منتزعة من تعلق الأمر بالمقيد ، كما انّ الجزئية منتزعة من تعلق الأمر بالمركب ، فذات القيد لا فرق بينه وبين بقية المقدمات إلّا انها مقدمة زيدت بأخذ الآمر التقيد به في متعلق امره.

فهذه التفصيلات لا يرجع شيء منها إلى محصل ، فعلى القول بوجوب المقدمة تجب مطلقا من هذه الجهات ، وعلى القول بعدمه لا تجب كذلك.

٣٦٠