دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

ولا يعقل تعلقه بما يكون ظرف تحققه متأخرا لا يعقل تعلقه بفعل الغير وبما هو خارج عن الاختيار.

واما الاعتبار فهو بنفسه أيضا غير قابل للتعليق ، ولكن متعلقه الّذي نعبر عنه بالمجهول يمكن ان يكون امرا تقديريا لا يوجد ظرفه بعد ، كما يمكن تعلقه بأمر فعلي كما عرفت في الوصية والإجارة.

وعليه فتارة يكون ذلك القيد والتقدير مما له دخل في اتصاف الفعل بالمصلحة كالمرض بالقياس إلى شرب الدواء أو البلوغ بالقياس إلى الأحكام الشرعية ، وأخرى يكون مما له دخل في استيفاء المصلحة منه ووفائه بها.

وان شئت فقل : انّ القيد تارة يكون له دخل في أصل الحاجة إلى الفعل بحيث لا يكون الفعل بدونه محتاجا إليه ، وأخرى يكون له دخل في ارتفاع الحاجة به ككون شرب الدواء مفيدا ووافيا بالغرض إذا شربه المريض في هواء بارد ، ونظير دخل الوقت في وفاء الصلاة بالملاك ونحو ذلك.

فان كان القيد من قبيل الأول ، فلا محالة يكون المعتبر معلقا على حصوله ، إذ لا معنى لاعتبار لا بدّية شرب الدواء وثبوته فعلا على ذمّة المكلف قبل حصول المرض ولو متعلقا بالشرب بعد حصول المرض ، إذ لا معنى للحكم من دون ثبوت ملاكه ، وهو لغو هذا مضافا إلى انّ لازمه وجوب تحصيل المقدمات ، وربما يقع المكلف بسببه في كلفة زائدة بلا وجه ، وربما لا يتصف أصل الفعل بالمصلحة إلى الأبد ، وهذا أيضا لغو محض.

وان كان القيد من قبيل الثاني ، فلا محالة يكون المعتبر هو اللابدّية الفعلية متعلقا بإيجاد العمل على تقدير خاص ، سواء كان ذلك التقدير اختياريا أم لم يكن.

وبالجملة فالمجعول قابل لأن يكون فعليا ، وقابل لأن يكون تقديريا ، فلا مانع من رجوع القيد إلى الهيئة ، كما لا مانع من رجوعه إلى المادة.

٢٨١

ومما تقدّم ظهر الفرق بين الواجب المشروط والواجب المعلّق.

ثم انّ المقدمات الوجودية للواجب المشروط وان كانت في نفسها داخلة في مورد النزاع ، إلّا انه لا ثمرة لذلك أصلا ، فانها بعد تحقق الشرط وان كانت تتصف بالوجوب الفعلي تبعا لأصل الواجب إلّا انه بعد حصول الشرط يكون واجبا مطلقا ، وامّا قبل ذلك فاتصافها بالوجوب الفعلي مستحيل ، لأنّ ذيها بعد غير متّصف بالوجوب ، فكيف يعقل اتصاف مقدماته بالوجوب المقدمي؟!

نعم يعقل اتصافها بالوجوب المقدمي التقديري أي المشروط بتحقق شرط الواجب ، ولا أثر لذلك أصلا ، فما أفاده المحقق الخراسانيّ وان كان صحيحا إلّا انه لا يترتب عليه أثر.

نعم الواجب المشروط على مسلك الشيخ أي المعلّق يتّصف مقدماته بالوجوب المقدمي الفعلي لفعلية وجوب ذيها كما هو ظاهر ، وهذه هي الثمرة بين المسلكين كما لا يخفى.

والحاصل : انّ الشرط في الواجب المشروط بالمعنى المتعارف الّذي قيد الحكم به لا يكون واجب التحصيل ، امّا لو لم يكن اختياريا فواضح ، واما لو كان اختياريا كما في قوله «ان سافرت فقصّر» فلأنّه أخذ مفروض الوجود في تحقق الحكم ، فكيف يمكن ترشح الوجوب منه ، اللهم إلّا ان يكون وجوبه لأمر آخر كنذر وحلف ونحوه ، واما مقدماته الوجودية فكذلك لا تتصف بالوجوب المقدمي لعدم وجوب ذيها.

٢٨٢

المقدمة المفوّتة

يقع الكلام في انّ العقل هل يستقل بلزوم الإتيان بها تحفّظا على الملاك الملزم في ظرفه ، أم لا؟ وبعبارة واضحة لو كان الإتيان بأمر كأخذ الپاسپورت أو شراء المركب مثلا أو التحفظ على شيء كالتحفظ على الماء دخيلا في تحقق ما يكون واجبا فيما بعد كالحج في الموسم ، أو الصلاة بعد دخول الوقت ، أو كان دخيلا في بعض قيوده كالطهارة المائية في الصلاة مثلا ، فهل يحكم العقل بلزوم ذلك حفظا للملاك أم لا؟

ولم نعثر على من تعرض لهذه الكبرى الكلّية مستقلة إلّا المحقق النائيني قدس‌سره نعم تعرضوا لذلك في أبواب متفرقة إجمالا.

فنقول : لو قلنا بإمكان الواجب التعليقي ، ورجوع القيود إلى المادة دون الهيئة وقام دليل على وقوعه أيضا ـ فان الإمكان أعم من الوقوع فمجرده لا يكفي في تحقق الشيء ـ فلا إشكال في اتصاف مقدماته الوجودية بالوجوب المقدمي ولو كان ظرف الواجب متأخرا ، لأنّ وجوبه فعلي على الفرض ، فيترشح منه وجوب المقدمات لا محالة.

واما لو لم يثبت الواجب التعليقي ، اما إمكانا أو وقوعا ، وكان القيد راجعا إلى الهيئة ، فهل يجب عقلا حفظ مقدمات الواجب إذا كانت حاصلة ، أو تحصيلها فيما إذا علم المكلف بعدم تمكنه من إيجادها في ظرفه بحيث يفوت الواجب ، أو بعض ما يعتبر فيه مع عدم التحفظ على مقدمته عقلا؟ مثلا يعلم المكلف بأنه إذا نام لا يقوم لصلاته في وقته ، أو إذا أجنب نفسه لا يتمكن من الاغتسال قبل الفجر ليصح

٢٨٣

صومه ، أو لا يتمكن من الطهارة المائية لصلاته إلى غير ذلك.

وقبل بيان ذلك لا بدّ من تقديم مقدّمة وهي : انهم ذكروا انّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، وقد تعرضوا لذلك في موردين :

أحدهما : في علم الكلام.

وثانيهما : في مبحث اجتماع الأمر والنهي.

اما ما ذكر في علم الكلام فهو أجنبي عما نحن فيه ، لأنه انما هو في رد الأشاعرة الذين أنكروا الأفعال الممكنة بدعوى انّ الفعل ان وجدت علّته التامّة فهو ضروري الوجود ، وإلّا فهو ممتنع الثبوت ، فردهم الخواجة والعلّامة قدس‌سرهما بأنّ الامتناع أو الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بمعنى انّ الفعل وان كان بعد تعلق الإرادة به وإعمال القدرة في إيجاده يكون واجبا وإلّا فيكون ممتنعا إلّا انه حيث يكون ذلك بسبب الإرادة والاختيار فهو وجوب أو امتناع بالعرض ، فلا ينافي الاختيار.

واما ما ذكروه في مبحث اجتماع الأمر والنهي فالمراد منه انّ الامتناع الحقيقي إذا كان ليس باختيار العبد لا ينافي الاختيار فانّ من ألقى نفسه من شاهق وان امتنع عليه عدم الوقوع على الأرض حقيقة ولا معنى لتكليفه بذلك ، إلّا انّ العقاب عليه ليس بمستحيل لكون الفعل فعله اختيارا. والأقوال فيه ثلاثة ، فالمشهور على انّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا فقط ، فانّ من ألقى نفسه من الشاهق يكون تكليفه بعدم الوقوع على الأرض لغوا ، إلّا انّ العقاب عليه صحيح.

ونسب إلى أبي هاشم انه لا ينافي الاختيار خطابا وعقابا ، ولازم كلامه جواز التكليف بالجمع بين نقيضين مشروطا بإتيان عمل اختياري في الخارج كالصعود إلى السطح مثلا بان يقول إذا صعدت السطح فاجمع بين نقيضين.

ويقابله ما نسب إلى بعض من انّ الامتناع بالاختيار ينافي الاختيار عقابا وخطابا.

٢٨٤

والصحيح منها هو الأول ، لأنّ تكليف العاجز لغو ، وبقاء العقاب حينئذ امر وجداني يستفاد من بناء العقلاء وعملهم في أمورهم العادية ، فانّ من رمى ابن المولى وان كان بعد الرمي عاجزا عن عدم قتل ابن المولى فلا يصح تكليفه به إلّا انّ استحقاق العقاب لا يسقط عنه عقلا ، وليس له ان يعتذر عند المولى بأني بعد الرمي كنت عاجزا ، وكان ترك القتل ممتنعا بالقياس إليّ.

إذا عرفت هذا فنقول : ذكر المحقق النائيني (١) انّ ما نحن فيه يتصوّر على صور :

الأولى : ان تكون القدرة على العمل في ظرفه دخيلة في اتصافه بالملاك والمصلحة ، ويعبر عنها بالقدرة الشرعية بحيث يكون الملاك الملزم التام ثابتا في ظرفه ، كان العبد قادرا على الإتيان بالعمل حينئذ أم لم يكن بان يكون عدم امر المولى به لمانع منه ، ويعبر عن هذه القدرة بالقدرة العقلية ، فالعقل في ذلك يلزم بتحصيل مقدماته قبل وصول ظرف العمل ، لأنّ تركه مستلزم لتفويت الملاك الملزم التام في ظرفه اختيارا ، وهو قبيح على حد قبح المعصية ، لأنّ الملاك هو روح التكليف ، فيستقل العقل باستحقاق العقاب على ذلك ، ويشهد لذلك الرجوع إلى ما عليه بناء العقلاء في أمورهم وسياساتهم كما عرفت.

وما أفاده قدس‌سره من استقلال الفعل بذلك متين جدا ، إلّا انه ذهب إلى استتباع هذا الحكم العقلي لثبوت وجوب شرعي في مورده قد عبر عنه بمتمم الجعل (٢) ، ونحن نعبر عنه بالوجوب بالغير ، بدعوى انه إذا استقل العقل بحسن شيء أو قبحه فبما انّ الشارع رئيس العقلاء فلا بدّ ان يحكم به أيضا ، وليس حكمه بالحسن إلّا إلزامه بالفعل ، كما ان حكمه بقبح شيء ليس إلّا إلزامه بالترك.

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ١٥٠.

(٢) راجع أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ١٥٦.

٢٨٥

ونقول : الظاهر عدم ثبوت الحكم الشرعي في هذا المورد أصلا ، لما عرفت من انّ الحكم العقلي المستتبع للحكم الشرعي انما هو حكمه في مرحلة ملاكات الأحكام بان أدرك العقل ثبوت المصلحة ، أو المفسدة في شيء ، كما أدرك المفسدة في الظلم وانه موجب لاختلال النظام وفناء النوع ، وأمثال ذلك ، فالشرع أيضا حكم بحرمته ، وأمّا حكمه باستحقاق العقاب في مورد فلا يستتبع الحكم الشرعي أصلا ، لأنه حكم واقع في سلسلة معلول الحكم الشرعي وملاكه فكيف يعقل ان يكون مستتبعا له ، مضافا إلى انّ ثبوت الحكم المولوي في مثل ذلك لغو محض بعد استقلال العقل باستحقاق العقاب على الترك كما فيما نحن فيه ، وهو واضح ، فما هو ثابت بالوجدان انما هو حكم العقل لا الشرع.

فالكبرى الكلية التي أفادها مع قطع النّظر عن ما ذكره من استتباع الحكم الشرعي تامة ، ويترتب عليها فروع كثيرة ، إلّا انّ الكلام في تحقق صغراها ، فانه ذكر قدس‌سره في وجه عدم دخل القدرة في الملاك ما حاصله : انه لو امر المولى بشيء فمدلول كلامه مطابقة انما هو وجوب ذلك الشيء ، ومدلول ذلك التزاما هو ثبوت ملاك الوجوب فيه ، فمدلوله المطابقي وهو التكليف يقيد عقلا بالقدرة لقبح تكليف العاجز. واما مدلوله الالتزامي وهو ثبوت الملاك الملزم في العمل فلا وجه لتقييده بحال القدرة ، فيبقى على إطلاقه ، فيستكشف منه ثبوت الملاك حتى في فرض عجز المكلف ، انتهى.

وفيه : انّ المدلول الالتزامي يتبع المدلول المطابقي ثبوتا وسقوطا ، وحجّية وإطلاقا وتقييدا على ما سنبيّنه في بحث الضد ، فإذا قيد المدلول المطابقي فلا يبقى المدلول الالتزامي على إطلاقه ، فيحتمل سقوط الملاك عند العجز كما يحتمل بقائه ، فما ذكره من استظهار بقاء الملاك عند العجز في جميع الواجبات غير تام ويزيد ما ذكرناه انه لو كان الأمر كذلك وأحرز إطلاق القدرة حتى في حال العجز لكان اللازم

٢٨٦

التحفظ حتى عن ما يحتمل كونه مفوتا. فلو فرضنا انه لو نام يحتمل فوات صلاته لحرم عليه النوم ، إذ لا يفرق بين صورة القطع بتفويت الملاك وبين احتماله فيما لم يكن مؤمن.

نعم فيما أحرز بقاء الملاك يتم ما أفاده من الكبرى الكلّية ، ولزوم حفظ القدرة قبل مجيء ظرف العمل كما لو علم المكلف بتوجه خطر نحو الإمام بعد يوم ، أو توقف حفظ بيضة الإسلام فيما بعد على الإتيان بأمر فعلا لوجب ذلك ، للقطع ببقاء ملاك وجوبه على إطلاقه.

وبما ذكرنا ظهر الحال في الواجبات التي ثبت فيها القضاء ، فانّ المستفاد من الأدلة انّ التكليف فيها ينحل إلى تكليفين ، تكليف بأصل العمل ، ولا معنى لفواته بفوت الوقت ، وتكليف آخر بإيقاعه في الوقت ، ويكون حاله حال بقية الواجبات من حيث اعتبار القدرة في ملاكه وعدمه.

فاذن لا فرق بين الواجبات التي ثبت فيها القضاء وغيرها من حيث احتمال اعتبار القدرة في ملاكها ، هذا كلّه في الصورة الأولى ، وبما بيناه فيها ظهر الحال في بقية الصور ، ولكن لا بأس ببيانها استطرادا.

الصورة الثانية : ما إذا كانت القدرة ـ في الجملة أعم من القدرة قبل حصول الشرط وتحقق ظرف الواجب أو القدرة بعد ذلك ـ دخيلة في ملاك الواجب في ظرفه ، ويجري في هذه الصورة جميع ما ذكرناه في الصورة المتقدمة من تمامية الكبرى ، وعدم الدليل على صغراها في مقام الإثبات.

الصورة الثالثة : ما إذا كان حصول بعض المقدمات دخيلا في ملاك الواجب دون بعضها الآخر ، ومثلوا لذلك بالاستطاعة في باب الحج ، وانها دخيلة في ملاك الحج بخلاف غيرها من مقدماته ، فذهبوا إلى انّ ملاك الحج لا يكون فعليا قبل الاستطاعة. وزاد عليها المحقق النائيني قدس‌سره حضور أشهر الحرم وبعد ذلك يكون

٢٨٧

ملاكه تاما ، فلا يجوز تفويت بقية مقدماته من المشي وأخذ الراحلة ، ونحو ذلك.

ولا يخفى انّ كون ذلك من قبيل المقدمات المفوتة انما يتم بناء على إنكار الواجب التعليقي ، واما على المختار من إمكانه فظاهر الآية هو فعلية وجوب الحج بعد حصول الاستطاعة ، فيجب تحصيل مقدماته مقدمة ، لا من باب حفظ المقدمات المفوتة كما هو واضح.

الصورة الرابعة : ما إذا كانت القدرة في ظرف العمل دخيلة في الواجب ، كما في جميع الواجبات المأخوذ فيها القدرة شرعا في لسان الدليل ، ولا إشكال في عدم وجوب حفظ القدرة فيها ، فانّ المكلف حينئذ لو كان عاجزا عن العمل في ظرفه يكون خارجا عن الموضوع تماما ، فلا يكون هناك فوت ملاك أصلا.

فتحصّل مما ذكر انّ الإشكال في جميع الصور الثلاثة المتقدمة التي حكم فيها بالمقدمات المفوتة ، انما هو من ناحية الصغرى وفي مرحلة الإثبات.

ثم انه ينبغي التنبيه على امر وهو : انّ الميرزا قدس‌سره فرق في لزوم حفظ الطهارة المائية بين ما إذا كان المكلف واجدا للماء قبل الوقت وعلم بأنه لو لم يحفظه لم يتمكن من الطهارة المائية في الوقت وبين ما إذا كان متطهرا وعلم انه لو أحدث لا يتمكن من تحصيلها في الوقت ، فذهب إلى وجوب حفظ الماء في الأول دون الثاني ، وذكر انّ الفارق في ذلك هو الصحيحة ، والظاهر كما اعترف به قدس‌سره بعد مراجعته انّ ذلك اشتباه منه ، وليس في المقام صحيحة ، وحيث انه أولا كان يدعي ذكر الصحيحة في العروة لا يبعد ان يكون منشأ اشتباهه هو الفرع الآخر المذكور في العروة قبل هذا الفرع ، وهو التفصيل في الوقت بين ما إذا كان واجدا للماء أو كان متطهرا وأراد الجماع ، فيجوز الثاني دون الأول لورود الصحيحة على جواز الإجناب حينئذ مع انّ القاعدة كانت قاضية بعدم جوازه ، كما لا يجوز إتلاف الماء لثبوت التكليف الفعلي المنجز بالصلاة عن طهارة مائية.

هذا كله في المقدمات المفوتة.

٢٨٨

وجوب التعلم

واما التعلم فيتصور فيه صور ثلاثة ، لأنّ ترك التعلم.

تارة : لا يترتب عليه شيء أصلا ، لا ترك الامتثال ولا ترك إحرازه ، كما لو فرضنا انه تمكّن من التعلّم في الوقت أو من الاحتياط. مثلا لو لم يتعلق حكم القصر والإتمام يمكنه ان يحتاط بالجمع بينهما. وفي هذا القسم لا ينبغي الإشكال في عدم وجوب التعلم أصلا ، وتوهم طولية الامتثال الإجمالي عن الامتثال التفصيليّ مدفوع.

أولا : بأنه لا دليل على الطولية أصلا.

وثانيا : على تقدير تسليمها فهي انما هو فيما إذا كان المكلف متمكنا من الامتثالين في ظرف العمل ، وامّا التمكن منهما قبل العمل بحيث يجب حفظ القدرة على الامتثال التفصيليّ فلم يقل به أحد.

وأخرى : يترتب على ترك التعلم عدم إحراز الامتثال لا أصل الامتثال ، كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين إذا لم يتعلم حكمها قبل الوقت ، أو كانت الشبهة غير محصورة بحيث لا يتمكن المكلف من الإتيان بجميع أطرافها في الوقت وفرضنا عدم تمكن المكلف من المعرفة في الوقت.

وفي هذا الفرض يستقل العقل بلزوم حفظ القدرة ، للزوم دفع الضرر المحتمل بعد عدم ثبوت مؤمن عنه كما في المقام ، فانّ أدلة البراءة تقيد بما دل على لزوم التعلم ، فلا يعم ما إذا كان التفويت من ناحية تركه ، فاذن لا يبقى مؤمن في البين.

وحينئذ ان لم يتعلم فان صادف المأتي به للواقع فلا يبقى في البين إلّا عقاب

٢٨٩

التجري ، وإلّا فاستحقاق العقاب ثابت بحكم العقل.

وثالثة : يترتب على ترك التعلم فوت أصل الامتثال ، نظير ما إذا لم يكن المكلف عارفا بالقراءة مثلا ، ولم يكن قادرا على تعلمها في الوقت لو لم يعرفها قبله. وعليه فان قلنا بأنه يستفاد من الاخبار الواردة في التعلم كقوله : «هلّا تعلمت» وجوبه النفسيّ غايته وجوبا للغير كما هو الصحيح ، فيتحقق استحقاق العقاب بمجرد ترك التعلم وان كان ذلك على ترك الواجب في ظرفه ، فيكون العقاب على ما ينتهي بالاختيار ، وامّا لو لم نستفد من تلك الأدلة الوجوب النفسيّ ، فيرد الإشكال من حيث احتمال كون القدرة في طرف العمل دخيلة في ملاك الواجب ، فلا يتحقق له ملاك في ظرفه بالإضافة إلى العاجز أصلا ، فلا يكون هناك وجه لاستحقاق العقاب أصلا ، ولا دافع للإشكال غير ما ذكره المحقق الأردبيلي قدس‌سره.

والحاصل : انه يجب التعلّم فيما إذا تيقن المكلف بترتب ترك الواجب على تركه ، أو احتمل ذلك ، كما في موارد دوران الأمر بين المحذورين أو الشبهة الغير المحصورة ، لقاعدة لزوم دفع الضرر المحتمل ، فلا فرق بين الصورتين ، فيثبت استحقاق العقاب على مخالفة الأمر بالتعلم ووجوبه النفسيّ ولو كان مصلحته التحفظ على فوت الواقع.

ثم انّ ما ذكرناه انما يتم فيما إذا كانت الوقائع المجهولة مما يعم الابتلاء بها بحيث يظن مكلف ما بالابتلاء بها كالشكوك المتعارفة ، ولذا حكم الشيخ بفسق من ترك تعلم حكمها.

واما لو كانت الواقعة مما يندر الابتلاء بها بحيث يحتمل المكلف ان لا يبتلى بها أصلا ، فهل يجب تعلم حكمها لغير المفتي أم لا؟

الظاهر انّ ذلك مبني على جريان الاستصحاب في الأمر المتأخر وعدمه ، فان قلنا بجريانه فلا مانع من استصحاب عدم ابتلائه بها فيما بعد ، ويترتب عليه عدم

٢٩٠

لزوم التعلم الّذي كان وجوبه طريقيا ، وإلّا فمقتضى وجوب دفع الضرر المحتمل يكفي مجرد احتمال ابتلائه بها في وجوب التعلم.

وما يتوهم كونه مانعا عن جريان الاستصحاب في الأمر المتأخر امران :

أحدهما : توهم لزوم اختلاف زمان اليقين والشك ، وتقدم الأول على الثاني في جريان الاستصحاب.

ويندفع : ذلك بما بيناه في بعض تنبيهات الاستصحاب من انّ المعتبر انما هو سبق زمان المتيقن على المشكوك لا سبق نفس إحدى الصفتين على الأخرى ، ولذا قد يحدث اليقين والشك في مورد الاستصحاب في آن واحد ، كما قد يتقدم الأول على الثاني ، وقد ينعكس الأمر ، وفي جميعها يجري الاستصحاب لو كان زمان المتيقن سابقا على زمان المشكوك.

ثانيهما : ما ذكره النائيني قدس‌سره من انّ المستصحب لا بدّ من ان يكون أثرا شرعيا أو موضوعا لأثر شرعي.

وفيه : انّ هذا انما يتم على مسلك صاحب الكفاية من كون المجعول في موارد الاستصحاب هو الحكم المماثل ، إذ عليه لا بدّ من أحد الأمرين حتى يصح جعل الحكم المماثل لنفس المستصحب على الأول ، والمماثل لحكمه على الثاني ، وامّا على ما حققناه من كون المجعول في الاستصحاب هو نفس الطريقية لليقين السابق في ظرف الشك ، ومن ثمّ قدمنا الاستصحاب على البراءة وقاعدة الحل والطهارة ، فالمجعول فيه بنفسه أثر شرعي ولو لم يكن المستصحب أثرا شرعيا ولا موضوعا لأثر شرعي.

نعم ، لا بدّ وان يكون هناك أثر مترتب على واقع المستصحب لا على الشك فيه ليترتب ذلك الأثر على جريان الاستصحاب لأن لا يكون لغوا ، وهو ثابت في المقام ، وهو عدم وجوب التعلم عقلا ، ويكون هذا نظير استصحاب وجوب ذي

٢٩١

المقدمة الّذي يترتب عليه وجوب المقدمة ، وليس هذا من الأصل المثبت ، لأن المثبت انما هو ترتيب الأثر الشرعي المترتب على اللازم العقلي للمستصحب ، وهذا انما هو ترتيب الأثر العقلي على المستصحب كما في المثال.

وبالجملة ، فهذا الاستصحاب في نفسه لا مانع منه ، إلّا انّ الأدلة الواردة في التعلم كقوله : «هلا تعلمت» (١) تكون رادعة عن جريان الاستصحاب في أمثال المقام ، وذلك لأنّ أغلب موارد الجهل يكون مما يحتمل المكلف عدم ابتلائه بها في مدة حياته ، فإذا خصصنا مورد تلك الاخبار بصورة القطع بالابتلاء لزم تخصيصها بالمورد النادر ، فلا يمكن ذلك ، وعليه فتعم موارد ثبوت الاستصحاب أيضا ، فتكون رادعة عنه.

ويمكن إبداء مانع آخر عن جريان الاستصحاب في المقام ، وهو دعوى ثبوت العلم الإجمالي بالابتلاء ببعض الوقائع المحتملة إلى آخر العمر ، وعليه فيتعارض استصحاب عدم الابتلاء بكل منها باستصحاب عدم الابتلاء بالآخر ، فيسقط لا محالة فيبقى حكم العقل بلزوم التعلم دفعا للضرر المحتمل. ولا يخفى انّ تنجيز هذا العلم الإجمالي غير مبني على تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات ، فانّ هذا العلم منجز وان لم نقل بذلك لأنّ أثر فعلي وهو وجوب التعلم.

وبعبارة أخرى : التكليف المعلوم بالإجمال فعلي وهو وجوب المعرفة غايته متعلق ما تعلق به الوجوب أمور تدريجية ، فانّ المكلف يعلم إجمالا بوجوب تعلم بعض المسائل عليه إجمالا ، فيكون منجزا سواء قلنا بتنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات أو لم نقل ، فاذن لا فرق في وجوب التعلم بين القطع بكون الواقعة مما يبتلى بها واحتماله.

__________________

(١) راجع أصول الكافي ـ ج ١ ـ ص ٣٠.

٢٩٢

ثم بعد ما ثبت وجوب التعلم بالفعل لا يبقى مجال لاستصحاب بقاء قدرته على التعلم فيما بعد ليترتب عليه جواز تأخيره ، فانّ وجوب التعلم حكم عقلي مترتب على احتمال الضرر ، ولا يترتب على الاستصحاب. فتحصل انّه لا يقاس التعلم ببقية المقدمات.

بقي امران :

الأول : ان استحقاق العقاب عند ترك التعلم أو تعجيز النّفس بتفويت المقدمة وعدم التحفظ عليها هل يكون عند ترك التعلم أو المقدمة الأخرى ، أو يكون ذلك عند تحقق المخالفة والعصيان؟

فصل الميرزا قدس‌سره بين ترك التعلم والتعجيز بتفويت سائر المقدمات ، فذهب إلى انّ استحقاق العقاب في الثاني يتحقق بمجرد تعجيز النّفس ، وفي الأول لا يتحقق إلّا بعد العصيان ، بدعوى انه في التعجيز لا يكون المكلف قادرا على الامتثال وانما لا يكون قادرا على إحرازه.

وفيه : أولا : انه في ترك التعلم أيضا ربما لا يكون المكلف قادرا على أصل الامتثال كما عرفت سابقا.

وثانيا : انّ استحقاق العقاب انما يكون بتفويت الملاك ، ومن الواضح انّ بالتنجيز لا يفوت الملاك وانما يفوت بعدم الإتيان به في ظرفه ، فالصحيح انّ استحقاق العقاب لا يكون إلّا عند العصيان.

نعم لا يبعد ان يكون الاستحقاق ثابتا عند ترك التعلم لكونه واجبا نفسيا على ما عرفت.

الثاني : انّ الشيخ أفتى في رسالته العملية بفسق من لم يتعلم أحكام الشك وقد احتمل في وجه ذلك وجوه :

أحدها : ان يكون من باب ذهابه إلى وجوب التعلم نفسيا.

٢٩٣

وفيه : انه على فرضه ليس تركه من الكبائر.

ثانيها : ان يكون ذلك من جهة التجري.

وفيه : انّ التجري لا يكون حراما شرعا ، وعلى فرض تسليمه فليس من الكبائر قطعا.

ثالثها : ان يكون ذلك للتفصيل بين الشكوك وغيرها لكثرة الابتلاء بها.

وفيه : انّ اسناد ذلك إلى الشيخ بعيد غايته كما هو ظاهر ، فانّ غيرها من الواجبات أيضا يكثر الابتلاء بها مع انّ الفسق لا يتحقق بمجرد ترك الواجب ما لم يكن كبيرة.

والّذي ينبغي ان يقال : انّ الوجه لما أفاده أحد امرين :

الأول : انّ الشيخ يذهب إلى انّ العدالة ملكة راسخة في النّفس ، أي هو البناء العملي على إتيان الواجبات وترك المحرمات ، وهذا البناء ينافيه ترك تعلم الشكوك مع الاطمئنان بالابتلاء بها الّذي يترتب على تركه ترك امتثال الواجب ، فلا تتحقق الملكة في مثل هذا الشخص.

الثاني : انّ وجوب التعلم حيث انه للغير فيتبع ذلك الغير من حيث كون تركه كبيرة أو غير كبيرة ، وحيث انّ ترك تعلم الشكوك يؤدي إلى ترك الصلاة الّذي هو من الكبائر فيكون كبيرة ويوجب الفسق ، والصحيح هو ما أفاده قدس‌سره في المقام.

٢٩٤

الواجب المعلّق

ثم انه قسم صاحب الفصول الواجب المطلق إلى المنجز والمعلّق ، والمراد من المعلّق ما إذا كان الوجوب فعليا والواجب امرا مقيدا بقيد استقبالي ، ويترتب عليه دفع الإشكال عن وجوب مقدمات جملة من الواجبات التي يكون ظرف وجودها متأخرا عن ظرف وجود مقدماتها ، كالحج بالإضافة إلى شراء الزاد والراحلة والمشي ، والصوم بالقياس إلى غسل الجنابة والأغسال النسائية فانّ الالتزام بوجوبها نفسيا مستلزم لتعدد العقاب ولا دليل عليه ، ومقدميا لا يعقل إذا لم يكن ذيها متصفا بالوجوب بعد.

وعلى القول بالواجب المعلّق وكون الوجوب في مثل هذه الموارد فعليا والواجب استقباليا كما هو المستفاد من ظواهر الأدلة أيضا كقوله تعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)(١) يندفع الإشكال من أصله من غير حاجة إلى التمحّلات التي ذكرها المحقق النائيني من متمم الجعل أو المقدمات المفوتة ، فلا وجه لنفي الثمرة عن تصوير الواجب المعلق كما عن الكفاية.

وشيخنا الأنصاري قدس‌سره حيث ارجع القيود المأخوذة في القضية إلى المادة وأنكر رجوعها إلى الهيئة قد وافق صاحب الفصول في تصوير الواجب المعلّق ، فهو في الحقيقة منكر للواجب المشروط كما ذكر في الكفاية.

وكيف كان تارة : يتكلم في إمكان الواجب المعلّق ، وأخرى : فيما ذكره في

__________________

(١) آل عمران ـ ٩٧.

٢٩٥

الفصول.

اما أصل الواجب المعلّق ورجوع القيد إلى الواجب دون الوجوب ، فهو بمكان من الإمكان بعد ما عرفت من انّ الوجوب ليس إلّا اعتبار اللابدية على ذمّة المكلف ، فقد أجاد صاحب الفصول في تصوير الواجب المعلّق وبيان إمكانه ، إلّا انه أخطأ في جعل المقسم الواجب المطلق ، فانّ الوجوب المتعلق بأمر استقبالي لا محالة يكون مشروطا بالبلوغ والقدرة والعقل في ظرف العمل بل بمجيء ذاك الزمان. فوجوب الحج مثلا مشروط بكون المكلف في الموسم بالغا عاقلا حيا قادرا على الإتيان بالمناسك ، ومشروط بمجيء زمان الحج ، ولذا لو جنّ المكلف في الموسم أو مات قبل ذلك يكشف عن عدم وجوبه عليه من أول الأمر. فلا يجب أخذ النائب عنه.

فالصحيح في التقسيم ان يقال : انّ الواجب المشروط بالنحو المتعارف تارة : يكون مشروطا بشرط مقارن ، ولا كلام لنا فيه ، وأخرى : يكون مشروطا بشرط متأخر على النحو الّذي بيناه بان يكون تحقق الشرط في ظرفه كاشفا عن فعلية الوجوب من أول الأمر ، وعليه ففيما كان القيد امرا خارجا عن اختيار المكلف ، تارة : يكون القيد قيدا للواجب أيضا وهذا معنى الواجب المعلّق ، وأخرى : لا يكون قيدا للواجب ، فالمقسم لهذا التقسيم انما هو الواجب المشروط بالشرط المتأخر لا الواجب المطلق ، إذ يستحيل ان لا يكون الوجوب المتعلق بالأمر المتأخر مشروطا بتحقق ذاك الزمان أو ذاك القيد كما عرفت.

والحاصل : انّ الالتزام بالواجب المعلّق مستلزم للالتزام بالشرط المتأخر ، وذلك لأنّ الأمر المتأخر الغير الاختياري لو كان قيدا للواجب لا بدّ وان يكون تحققه قيدا للوجوب أيضا بنحو الشرط المتأخر ، فالمعلّق قسم من المشروط لا من المطلق.

٢٩٦

فالواجب ينقسم إلى قسمين : مطلق ومشروط ، والمشروط تارة : يكون مشروطا بشرط مقارن ، وأخرى : بشرط متأخر ، وذاك الشرط تارة : يكون قيدا للواجب أيضا وهو المعلّق ، وأخرى : لا يكون كذلك ، فالتثليث لا وجه له. هذا كلّه في كلام الفصول.

واما أصل إمكان الواجب المعلّق ، فقد ذكر لاستحالته وجوه :

منها : ما في الكفاية (١) من انه تعتبر قدرة المكلف على إتيان الواجب ، ومن الواضح انه لو كان مقيدا بأمر متأخر لا يتمكن المكلف من إيجاده قبل تحقّقه.

وفيه : انّ القدرة المعتبرة في صحّة التكليف انما هي القدرة في ظرف الامتثال لا القدرة حين التكليف ، وهي حاصلة على الفرض.

ومنها : ما ذكره المحقق النائيني من انّ القيد المتأخر الغير الاختياري المأخوذ في القضية الّذي يرجع إلى المادة ان لم يرجع إلى الهيئة يلزم التكليف بما لا يطاق ، لأنّ الأمر بالمقيد ينحل إلى الأمر بالقيد ، فلو أمر المكلف بالصلاة حين دلوك الشمس وكان القيد قيدا للواجب دون الوجوب لانحل ذلك الأمر إلى الأمر بإيجاد الدلوك ، وهو غير مقدور للمكلف ومحال ، وان رجع القيد إلى الهيئة أيضا فلا بدّ وان يكون دخله فيها بنحو الشرط المتأخر ليكون الوجوب فعليا لو كان القيد متحققا في ظرفه في نفس الأمر ويتحقق الواجب المعلّق ، وقد عرفت استحالة الشرط المتأخر ، فالواجب المعلّق محال على كلّ تقدير.

وفيه : أولا : انّ ما ذكره من انبساط الأمر بالمقيد إلى إيجاد القيد قد عرفت فساده ، وان الّذي تحت الطلب انما هو التقيد لا القيد ، ولا منافاة بين كون التقيد اختياريا وكون القيد خارجا عن تحت الاختيار كما في المثال بعينه ، فليس التكليف

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٦٣.

٢٩٧

في مثله تكليفا بما لا يطاق.

وثانيا : انّ ما أفاده من استلزام رجوع القيد إلى الهيئة للشرط المتأخر وان كان متينا كما عرفت ، إلّا انّ الشرط المتأخر امر ممكن كما مرّ بيانه ، وعليه ففي كل مورد دلّ الدليل عليه يلتزم به ، كما في وجوب الحج على المستطيع الّذي استفدناه من الآية المباركة بضميمة ما ورد في تفسير الاستطاعة المأخوذة فيها بالزاد والراحلة وتخلّيه السرب. نعم مجرد إمكان الواجب المعلّق أو الشرط المتأخر غير كاف في الالتزام بوقوعه.

ومن الوجوه المذكورة لاستحالة الواجب المعلّق ما هو مبنى على مقدمتين :

الأولى : وهي بمنزلة الكبرى انّ ما يستحيل تعلق الإرادة التكوينية به يمتنع تعلق الإرادة التشريعيّة به أيضا ، فهناك ملازمة بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة إمكانا وامتناعا ، فكلما يمتنع تعلق الإرادة التكوينيّة به امتنع تعلق الإرادة التشريعية به أيضا.

الثانية : التي هي بمنزلة الصغرى لتلك الكبرى انه يمتنع تعلق الإرادة التكوينية بالأمر المتأخر ، ونقرب ذلك بتقريبين :

أحدهما : ما ذكر في الكفاية وغيره من انّ الأمر المتأخر بما انه متأخر غير مقدور للمكلف ، فيستحيل تعلق الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة.

وهذا بظاهره واضح الفساد ، بداهة انّا نرى تعلق إرادتنا بإيجاد ذي المقدمة قبل الإتيان بمقدماته ، بل لو سألنا عن وجه تحمل المشاق والإتيان بالمقدمات كمقدمات زيارة الحسين عليه‌السلام نجيب ونقول : تحملنا ذلك لإرادة الزيارة ، فإمكان إرادة الأمر المتأخر واشتياق إيجاد ذي المقدمة قبل حصول مقدمته بمكان من الإمكان.

٢٩٨

ومن ثمّ ذكر المحقق النائيني قدس‌سره (١) انّ مجرد التأخر مع كون القيد المتأخر اختياريا لا يوجب سلب اختيار المكلف وقدرته على إيجاد المتأخر ، لأنّ المقدور بالواسطة مقدور ، كالصلاة مع الطهارة بالإضافة إلى غير المتطهر ، فانها متأخرة عن الزمان الّذي يتطهر فيه ومع ذلك تكون مقدورة للمكلف ، ففصّل بين ما إذا كان القيد المتأخر مقدورا ، وما إذا كان غير مقدور.

ولذا عدل إلى التقريب الثاني وحاصله : انّ المقيد بالزمان المتأخر حيث انّ قيده خارج عن اختيار المكلف ، ولا يعقل تعلق الإرادة التكوينيّة من المولى والعبد به ، فالمقيد أيضا كذلك.

هذا ونقول : امّا المقدمة الثانية ، فيرد على التقريب الأول انه ما المراد من الإرادة؟ والمحتمل فيها في المقام امران : فان أريد بها الشوق النفسانيّ الّذي هو من صفات النّفس فهو يتعلق بأمر متأخر بلا إشكال ، كما يتعلق بالأمر الغير المقدور كما هو ظاهر ، وان أريد بها الاختيار وتحريك العضلات فلا يعقل تعلقها بأمر متأخر كما يستحيل تعلقها بغير المقدور.

وبهذا ظهر الحال في التقريب الثاني ، فانه لو أريد من الإرادة الشوق فيمكن تعلقه بغير المقدور كما يمكن تعلقه بالأمر المتأخر ، وان أريد بها الاختيار فهي وان امتنع تعلقها بغير المقدور ، إلّا انه يستحيل تعلقها بالأمر المتأخر أيضا وان كان قيده اختياريا كالمثال المتقدم ، فلا وجه للتفصيل الّذي ذكره المحقق النائيني قدس‌سره ، هذا كله في المقدمة الثانية.

واما المقدّمة الأولى ، فلا بدّ أولا من السؤال عن ما يراد من الإرادة التشريعية؟ فان أريد بها الشوق النفسانيّ المتعلق بفعل الغير فتعلقه بالأمر المتأخر

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ١٤٠ وما بعدها.

٢٩٩

كغير المقدور وان كان بمكان من الإمكان ، إلّا انه ليس حكما وتكليفا ولا فعلا للمولى ، وانما هو من صفاته. وان أريد بها اختيار فعل الغير فهو في الموالي العرفية مستحيل ، لخروج فعل الغير عن اختيار شخص آخر ، وفي المولى الحقيقي وان كان ممكنا إلّا انه ينافي التكليف بذلك الفعل ، لأنه حينئذ يكون حتى ضروري الوجود.

وعلى أي حال لا يمكن ان يراد من الإرادة التشريعية شيء من الاحتمالين ، فليس لنا شغل بهذه العبارة ، بل لا بدّ لنا من ملاحظة إمكان تعلق الإيجاب بالأمر المتأخر وعدمه :

فنقول : ان الإيجاب ليس إلّا اعتبار اللابدية في ذمة المكلف ، ولا مانع من اعتبار ثبوت اللابدية المتعلقة بالأمر المتأخر على ذمة المكلف نظير الإجارة ، هذا من حيث التأخر. وامّا من حيث عدم مقدورية القيد ، فقد مرّ غير مرة انّ نفس القيد لا يدخل تحت الطلب ، وانما التقييد يكون مطلوبا ، وإلّا لانقلب الشرط جزء ، فإيجاب المقيد بأمر غير اختياري لا مانع منه إذا كان التقيد اختياريا كما هو واقع خارجا.

نعم إذا لم يكن التقيد أيضا اختياريا كالصلاة في السماء الرابعة مثلا فإيجاب مثل ذلك يكون قبيحا كما لا يخفى ، لكنه خارج عن محل الكلام ، فهذا الإشكال أيضا ليس بشيء.

٣٠٠