دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

قامت على الحكم ، يحتمل تعلق التكليف بأمرين ، أحدهما بعنوان ثانوي لمصلحة حادثة في المتعلق بسبب قيام الأمارة ، فالتفصيل بين الحكم والمتعلق بلا وجه.

التنبيه الثاني : إذا شك في الطريقيّة والسببية المجزية ، فالقاعدة هل تقتضي الاجزاء أو عدمه؟

التحقيق : هو التفصيل بين كون انكشاف الخلاف في الوقت وبين كونه في خارجه ، وذلك لأنه لو كان الانكشاف في خارج الوقت فلا يتمكن المكلف من إحراز موضوع وجوب القضاء ، وهو الفوت ، إذ المفروض انه يحتمل السببية ، وكون ما أتى به وافيا بتمام المصلحة ، وهذا بخلاف ما إذا كان انكشاف الخلاف في الوقت ، إذ عليه لو كان لدليل التكليف الواقعي إطلاق من حيث العالم والجاهل فيؤخذ به في الحكم بعدم الاجزاء ، إلّا انه خلف فرض السببية وتبدل الواقع ، وإلّا كما هو المفروض فيحكم بعدم الاجزاء للعلم الإجمالي.

فانّ المكلف بعد انكشاف الخلاف يعلم إجمالا بأنه من أول الأمر كان مكلّفا بأمر مردّد بين الواقع ومؤدى الأمارة ، ومقتضى ذلك هو التخيير والإتيان بكلا الأمرين تحصيلا للفراغ ، مثلا لو فرضنا انّ المجتهد بنى على وجوب صلاة الجمعة ثم تبدل رأيه في الوقت ، فبعد انكشاف الخلاف والإتيان بصلاة الجمعة يحدث له العلم بأنه من أول الأمر كان مكلّفا بصلاة مرددة بين الظهر والجمعة ، إذ على السببية يكون تكليفه الإتيان بالجمعة ، وعلى الطريقية يكون تكليفه الإتيان بالظهر ، فلا بدّ له من الإتيان بالظهر أيضا بمقتضى تنجز العلم الإجمالي ، فلا فرق بين إحراز السببية والشك فيها من حيث القضاء ، نعم تظهر الثمرة بالنسبة إلى الأداء كما عرفت.

التنبيه الثالث : استدلّ بعض على الاجزاء بأمور :

منها : انّ عدم الاجزاء يستلزم الحرج والعسر والهرج والمرج.

وفيه ـ انّ الحرج لا يستلزم القول بالاجزاء مطلقا ، لأنّ الميزان في الحرج هو

٢٤١

الحرج الشخصي ، ويختلف لزومه من القول بعدم الاجزاء باختلاف الأشخاص والأحوال والخصوصيات ، فأيّ حرج يلزم من عدم الاجزاء ، فيما إذا رأي المجتهد عدم جزئية السورة في الصلاة ، وعمل على طبقه يوما وليلة ، ثم انكشف له الخلاف ، وهكذا في المقلّد ، فربّ شخص ليس له شغل وهو فارغ البال يمكنه ان يعيد إعمال تمام عمره من غير ان يعسر ذلك عليه ، ثم على تقدير لزومه ، نرفع اليد عن التكاليف بمقدار يلزم منه الحرج لا أكثر ، وهذا غير مختص بموارد الاجزاء ، بل لو فرضنا انّ أحدا علم بأنّ ما صلى به في مجموع عمره كان إلى غير القبلة ، أو في حال الجنب فانه يجب عليه القضاء والإعادة حينئذ بلا كلام ، فإذا كان وجوب القضاء عليه حرجيا يرفع اليد عن ذلك لا محالة.

وتوهّم كون الميزان في الحرج هو الحرج النوعيّ مدفوع ، إذ ليس من الحرج النوعيّ أو الضرر النوعيّ وأمثاله في الأخبار عين ولا أثر ، وانما ظاهر أدلتها الحرج الشخصي ، وإلّا لكان اللازم عدم وجوب الوضوء على من لم يكن الوضوء بالقياس إليه حرجيا فيما إذا كان حرجا على نوع أهل بلده ، ولا يمكن الالتزام به.

نعم يمكن ان يكون الحرج النوعيّ حكمة وداعيا للشارع في ان يجعل الحكم بنحو العموم ، كما في جعل الشفعة أو الطهارة للحديد أو عدم إيجاب السواك ونحو ذلك ، ولكن لا ربط لذلك بالفقيه كما هو واضح.

ومنها : انه لا ترجيح للاجتهاد الثاني على الاجتهاد الأول ليستلزم تكرار ما أتى به على طبقه ، فأحدهما يكون معارضا للآخر ولا ترجيح.

وفيه : أولا : انّ لازم ذلك جواز العمل على طبق الاجتهاد السابق بالقياس إلى الأعمال اللاحقة أيضا ، ولم يقل به أحد.

وثانيا : انّ الاجتهاد الثاني يوجب زوال الاجتهاد الأول وسقوطه عن الحجّية بقاء فهو أقوى ، اما بالورود ، أو بالحكومة ، ونحو ذلك ، كما هو المفروض.

٢٤٢

ومنها : ما في الفصول (١) من انه لا معنى لتبدل الرّأي وثبوت حكمين للواقعة الواحدة ، ونقل الآشتياني انّ الشيخ سئل من صاحب الفصول بالمكاتبة ما اراده من كلامه ، فلم يبين له شيئا ، فهو بظاهره لا معنى له أصلا.

ومنها : انّ تبدل الرّأي يكون من قبيل النسخ في الأحكام الواقعيّة ، فكما لا يستلزم ذلك تكرار العمل كذلك النسخ الظاهري فانه لا يكشف عن عدم حجيّة الرّأي الأول ، وانما يسقطه عن الحجّية بقاء ، فلا وجه للتكرار.

وفيه : انّ ما ذكره من عدم كشف الاجتهاد الثاني عن عدم حجّية الاجتهاد الأول وان كان صحيحا إلّا انّ الاجزاء وعدمه لا يدور مدار ذلك ، ولا نريد إثبات عدم الاجزاء بالاستظهار من الدليل الثاني ، وانما يدور الأمر في الاجزاء مدار تحقق الامتثال ، امّا حقيقة بإتيان الواقع ، وامّا بقيام الدليل على اكتفاء الشارع بغير المأمور به عنه تعبدا ، وبعد تبدل رأي المجتهد لا يكون في البين شيء من الأمرين ، فانّ الاجتهاد الثاني يسقط الاجتهاد الأول عن الحجّية في مرحلة القيام ، والمفروض انه لم يأت بالواقع ، ولا دليل على اكتفاء الشارع بما أتى به المكلّف ، فيحكم بعدم الاجزاء.

ومنها : التمسك للاجزاء بالإجماع واتفاق الأصحاب على ذلك ، وقد فصل المحقق النائيني (٢) في المقام وجعل مورد الاجزاء على أنحاء ثلاثة ، لأنّ مورده تارة : يكون من التعبّديات ، كما لو صلّى قصرا ، ثم تبدل رأيه إلى وجوب الإتمام ، وأخرى : يكون من الأحكام الوضعيّة ، اما مع بقاء الموضوع ، كما لو فرضنا انّ أحدا اشترى دارا بالمعاطاة فتبدل رأيه عن صحّته وبنى على فساده مع بقاء الدار ،

__________________

(١) الفصول ـ ١١٨.

(٢) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٢٠٦.

٢٤٣

وامّا مع تلفه كما لو اشترى خبزا بالمعاطاة فأكله وبعد ذلك تبدّل رأيه بحيث لا يكون هناك أثر للقول بعدم الاجزاء إلّا الضمان.

فذكر انّ مورد الإجماع على الاجزاء انما هو الفرض الأول ، ومورد الإجماع على عدم الاجزاء هو الفرض الثاني ، والفرض الثالث لم يعلم ثبوت الإجماع فيه على أحد الطرفين ، فيجري فيه ما كان تقتضيه القاعدة من استصحاب عدم حصول النقل والانتقال ، فيحكم فيه بالضمان.

ولكن الصحيح عدم جواز التمسّك بالإجماع في شيء من هذه الموارد ، لأنّ الإجماع انما يعنى به من جهة كشفه عن قول المعصوم ، وإلّا فلا اعتبار بأقوال الاعلام ، وضم غير الحجّة إلى مثله لا يوجب الحجيّة ، فهو متقوّم بأمرين :

الأول : ثبوت الاتفاق من جميع العلماء أو من جماعة منهم يعتد بهم على اختلاف المسالك في منشأ حجيّته.

الثاني : ان لا يحتمل اعتمادهم في فتاواهم على مدرك يحتمل فساده أو يقطع بفساده ، وإلّا فلا يكون اتفاقهم كاشفا عن رأي المعصوم ، فلا يكون حجّة كما عرفت ، ومن ثم ذهب الشيخ قدس‌سره ومن لحقه إلى عدم تنجّس البئر مع ذهاب المشهور من القدماء بل كلّهم إلى تنجّسه بوقوع النجاسة فيه ، وليس ذلك إلّا من جهة انهم رأوا انّ اعتماد القدماء في فتاواهم انما هو على الروايات في ذلك ، فلما رأوا عدم دلالتها عليه عدلوا عما كان القدماء متّفقين عليه.

وكلا الأمرين غير ثابت في المقام.

اما الأول : فلأنّ مسألة الاجزاء في تبدل رأي المجتهد لم تكن معنونة في كلمات القدماء.

واما الثاني : فلأنّا نحتمل ان يكون مدرك القائلين بالاجزاء أو بعدمه بعض الأمور المذكورة ، فالتمسك بالإجماع في ذلك غير تام.

٢٤٤

بقي أمور :

الأمر الأول : انه لا فرق فيما ذكرناه من القول بعدم الاجزاء بين المقلد والمجتهد ، فكما لا يمكن القول بالاجزاء في المجتهد عند تبدل رأيه ، لا يمكن الالتزام به عند تبدل تقليد المقلد ، فإذا رجع المقلد عن تقليد من كان يقلده لموته ، أو لكون الثاني اعلم ، أو اختيارا بناء على ان يكون التخيير في التقليد استمراريا يجري فيه ما ذكرناه في تبدل رأي المجتهد كما هو واضح.

وتوهم السببية في خصوص التقليد من جهة انه يجوز تقليد الحي ولو كان مخالفا للمشهور في فتواه ، ومن الواضح انّ المقلد حينئذ يظن بمخالفة فتواه للواقع إذا الأمر دائر بين خطأ شخص واحد أو اشخاص عديدين ، فلو كان حجّية قول المجتهد للمقلد من باب الطريقية لكان اللازم عدم حجيّة مع الظن بالخلاف مدفوع :

أولا ـ بأنه مستلزم للتصويب المجمع على بطلانه.

وثانيا ـ انّ رجوع العالم إلى الجاهل من الأمور العقلائية ، وقد أمضاه الشارع على ما هم عليه ، فهو امر إمضائي ، لا تأسيسي ، وقد ذكرنا انه ليس للعقلاء في العمل بالطرق جعل حكم ولا مصلحة سلوكية أصلا.

واما ما ذكر من الدليل ففيه : انه لا مانع من ان يعتبر الشارع شيئا في باب الطرق وحجّيتها كالحياة في المجتهد بحيث يلزم منه ثبوت الحجّية حتى مع الظن بالخلاف.

الأمر الثاني : قد ذكرنا انّ مورد البحث في الاجزاء ما إذا كان هناك حكم ظاهري للمكلف وانكشف فيه الخلاف ، واما فيما إذا لم يكن ذلك كما في موارد الخطأ في الاعتقاد أو في الظنون الاجتهادية ، مثل ما إذا ظن بكون اللفظ الخاصّ ظاهرا في المعنى الكذائي ، أو ظن بصحّة الرواية إلى غير ذلك من موارد التطبيقات التي هي الغالب في موارد تبدل الرّأي ، أو ظن بكون مورد محلا للبراءة العقلية أو النقليّة ،

٢٤٥

فانكشف الخلاف ، فكلها خارجة عن محل البحث ، فتأمل.

هذا كله في الاجزاء وعدمه عند انكشاف الخلاف في الحكم الظاهري بالإضافة إلى شخص واحد ، وقد عرفت انّ مقتضى القاعدة فيه عدم الاجزاء.

واما اجزاء الحكم الظاهري الثابت لشخص ونفوذه بالقياس إلى شخص آخر وعدمه ، فيقع الكلام فيه في موارد ثلاثة :

الأول : في خصوص النكاح.

الثاني : في باب الطهارة والنجاسة.

الثالث : في بقيّة الموارد من العبادات والعقود والإيقاعات.

امّا باب النكاح ، نظير ما إذا كان أحد يرى جواز النكاح بالعقد الفارسي اجتهادا أو تقليدا ، فتزوّج امرأة بالعقد الفارسي ، وكان الشخص الآخر يرى فساد ذلك ، فلا ريب في نفوذ ذاك التزويج عليه أيضا ، وليس له ان يزوج تلك المرأة لنفسه ، بحيث يكون لها زوجان ، ولو فرضنا المرأة من الكفار ، وانها لا تعتني بتعدد الزوج.

والوجه في الاجزاء في ذلك ما ورد من انّ لكل قوم نكاح ، فانّ إطلاقه يعم المجتهد الّذي يرى صحّة النكاح بالعقد الفارسي أو مقلّده ، فانّ ظاهر الحديث انّ الشارع أمضى نكاح كل قوم ظاهرا وما لم ينكشف لهم الخلاف وان كان فاسدا في الواقع ، ولذا لو فرضنا انّ المجوسي تزوّج بأخته على مسلكه ليس لشخص ثاني ان يزوجها لنفسه ، لأجل فساد نكاحها ، وهكذا لو زوّج المرأة أخوها مع عدم رضاها ، وكان من العامة الذين يرون للأخ ولاية على تزويج الأخت ، ليس لغيره ان يزوجها لنفسه لفساد النكاح إلى غير ذلك.

ويقابل هذا المورد باب الطهارة والنجاسة ، فانّ الطهارة الظاهرية الثابتة عند شخص لا تكون نافذة في حق غيره ، مثلا لو كان أحد يرى طهارة الغسالة ، لا يجوز

٢٤٦

لمن يرى نجاسته ان يشربها ، ولو غسل أحد ثوبه بماء قليل مرّة واحدة بناء منه على عدم اعتبار التعدد ليس لمن يرى اعتباره ان يصلي في ذلك الثوب ، لإطلاق الأدلة.

نعم في كون الغيبة موجبة للحكم بالطهارة حتى في فرض عدم اعتقاد من عنده العين بنجاسته كلام ، ولا يبعد ذلك ، إلّا انه حكم فرعي خارج عن محل الكلام وهذا واضح.

واما المورد المتوسط بينهما ، أعني بقية العبادات والمعاملات ، كما لو فرضنا انّ أحدا اشترى خبزا بالمعاطاة ، وكان بانيا على صحّتها ، فهل يجوز لمن يرى فساد المعاطاة ان يتصرّف في ذلك الخبز أم لا؟ الظاهر هو الثاني وعدم الاجزاء في ذلك لإطلاق الأدلة.

ومن فروع هذا الفرض جواز ائتمام من يرى بطلان صلاة الإمام إذا كان الإمام بانيا على صحّة صلاته ، كما لو فرضنا انه يرى كفاية التسبيحة الواحدة من التسبيحات الأربع ، فاكتفي بها ، فانه بناء على الاجزاء يصح الائتمام به ، ولو لم يكن هناك دليل خاص على جواز ذلك ، وإلّا فلا يجوز الائتمام.

هذا تمام الكلام في مبحث الاجزاء.

٢٤٧

المقام التاسع

في مقدّمة الواجب

البحث في مقدّمة الواجب يقع في أمور :

الأمر الأول : انّ هذه المسألة من المسائل الأصولية لوقوع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي ، كما سيظهر لك عن قريب. ولا وجه للقول بكونها فرعية ، ولكن توهم ذلك من تقريب صاحب المعالم (١) عنوان المسألة. هكذا «وما لا يتم الواجب إلّا به واجب» ، فتخيل بعض انّ ما لا يتم الواجب إلّا به من الموضوعات الخارجية والوجوب حكم شرعي ، فالمسألة فقهية.

ولكنه توهم فاسد ، لا لما ذكره المحقق النائيني قدس‌سره (٢) ، من ان الحكم الفرعي لا بدّ وان يكون حكما ثابتا للعنوان الذاتي الّذي يكون تحته افراد متّفقة الحقيقة ، فالبحث عن وجوب عنوان انتزاعي قابل الانطباق على المقولات المتباينة لا يكون بحثا عن الحكم الفرعي ، ووجوب ما لا يتم الواجب إلّا به يكون من قبيل الثاني ، إذ ربما يكون مقدّمة الواجب بيعا ، وربما يكون أكلا أو شربا ، وذلك لأنه لا دليل على اعتبار ذلك في المسألة الفرعية أصلا ، ولذا يبحث في الفقه عن وجوب الوفاء بالنذر مع انه تارة يتعلّق بالصلاة ، وأخرى بالصوم ، وثالثة بغير ذلك. وهكذا وجوب

__________________

(١) معالم الدين وملاذ المجتهدين ـ ص ٦٦.

(٢) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص.

٢٤٨

الوفاء بالعهد والشرط ، وكذلك وجوب إطاعة الوالد ، فانّ الإطاعة امر انتزاعي من أمثال الأمر الّذي هو قابل لأن يتعلّق بأمور متباينة.

بل انما ننكر كون مبحث وجوب المقدّمة بحثا فرعيا لأجل انّ المبحوث عنه فيه انما هو الملازمة بين مطلوبية ذي المقدمة ومحبوبيّته ، وبين مطلوبية مقدمته ، الجامع بين الوجوب والندب ، ومن الواضح انه في الفقه لا يبحث عن المطلوبية الجامعة بين الوجوب والاستحباب ، وانما يبحث فيه عن كل من الأحكام الخمسة بخصوصها.

وعليه فهذه المسألة تكون من المسائل الأصولية العقلية الغير المستقلة ، بحيث انه يحتاج في استنباط الحكم الفرعي منها إلى ضم مقدمة أخرى شرعية إليها ، فانّ مجرد ثبوت الملازمة غير كاف في ثبوت اللازم ، لأنه مترتب على الملازمة وتحقق الملزوم ، وهو لا يثبت إلّا بدليل شرعي ، فيقال بالقياس الاستثنائي إذا ثبت وجوب ذي المقدمة يثبت وجوب مقدمته ، لكن وجوب ذي المقدمة ثابت فوجوب المقدمة ثابت ، كقولك «إذا كان الشمس طالعة فالنهار موجود ، لكن الشمس طالعة ، فينتج انّ النهار موجود».

وهذا بخلاف الأحكام العقلية المستقلة التي يستنتج منها الحكم الشرعي بنحو اللم من دون حاجة إلى ضم مقدمة شرعية إليها كباب التحسين والتقبيح العقليين.

وبالجملة على هذا لا وجه للقول بأنّ هذه المسألة من المسائل الكلامية وقد وقع البحث عنها استطرادا ، أو انها من المبادئ بعد إمكان جعلها من مسائل علم الأصول ، كما عرفت.

الأمر الثاني : المحتمل في المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام أمور :

الأول : ان يراد منه اللزوم واللابدية العقلية ، وعليه فالنزاع عنه لغو محض لبداهته.

٢٤٩

الثاني : ان يراد منه صحة اسناد الوجوب الشرعي إلى مقدمة الواجب ، ولو مجازا بان يقال : مقدمة الواجب واجبة شرعا ، والبحث عن ذلك لا يناسب الأصول ، وانما يناسب علم المعاني والبيان.

الثالث : ان يراد منه الوجوب الاستقلالي الترشحي بمعنى كونه معلولا لوجوب المقدمة كما ذكره الميرزا القمي قدس‌سره ، وهذا لا يناسب عمومية البحث للأحكام العرفية ، فانه ربما يأمر المولى العرفي بذي المقدمة مع غفلته عن مقدمته ، بل مع اعتقاد بأنه غير متوقف على شيء ، ومن الواضح انّ الوجوب الاستقلالي متوقف على الالتفات.

الرابع : وهو المتعين ان يراد منه الوجوب الترشحي التبعي الإجمالي الارتكازي ، بحيث لا ينافيه الغفلة وعدم الالتفات ، فانّ كل آمر بذي المقدمة يأمر بمقدماته أيضا بالارتكاز ، ولو كان غافلا.

الأمر الثالث : في الثمرة المترتّبة على هذه المسألة وقد تعرض لها المحقق الخراسانيّ في آخر البحث لنكتة في ذلك ، وان كان التقديم هو الأولى.

الأمر الرابع : قسّموا المقدّمة إلى الداخلية وهي الاجزاء الخارجية وإلى المقدمة الخارجية وهي ما يتوقف عليه الشيء أعم من المقتضي والشرط وعدم المانع. ووقع الخلاف في دخول المقدمات الداخلية في محل النزاع.

فذهب بعض إلى عدم صدق المقدّمة عليها أصلا ، لتوقفه على تعدد الوجودين وتوقف أحدهما على الآخر المفقود في المقام.

وذهب جماعة بعد تسليم الصغرى وصدق المقدّمة عليها إلى خروجها عن محل النزاع لاتصاف الاجزاء بالوجوب النفسيّ ، ولا مجال بعد ذلك لاتصافها بالوجوب المقدمي.

وهناك قول ثالث بدخولها في محل النزاع وإلحاقها بالمقدمات الخارجية.

٢٥٠

ونقول : ينقسم المركب إلى أقسام ثلاثة :

أحدهما : المركب الاعتباري.

ثانيهما : المركب الحقيقي ، وهو أيضا منقسم إلى قسمين ، لأنه تارة : يكون مركبا عقلا وبسيطا خارجا ، وأخرى : يكون مركبا بالتحليل العقلي وفي الخارج أيضا.

اما المركب الحقيقي العقلي فكالأعراض ، فانها بسائط خارجية غير مركبة من مادة وصورة ، ولكن العقل يحللها إلى جهة مشتركة وجهة مميّزة ، فهو خارج عن محل النزاع ، إذ ليس له جزء خارجي ليبحث عن دخوله في محل البحث.

واما المركب الخارجي فكالجواهر ، فانّ الأجسام كما انها مركبة عقلا من جنس وفصل ، فهي مركبة خارجا من مادة وصورة ، ولذا ترى بقاء المادة مع تبدل الصور المختلفة وطروها عليها ، مثلا يصير التراب الّذي هو من الجماد نباتا ، والنبات حيوانا ، والحيوان إنسانا ، إذ من الواضح انّ هذه التبدلات ليست من قبيل انعدام جوهر بالكلية وحدوث جوهر آخر ، كما هو واضح.

وهذا القسم من المركب أيضا خارج عن مورد النزاع ، وذلك :

أولا ـ فلأنّ الجوهر لا يتصف بالوجوب ، إذ التكليف انما يتعلق بفعل المكلف ، وهو من الاعراض.

وثانيا ـ لو أغمضنا عن ذلك ، فالتركيب بين المادة والصورة ليس انضماميا ، كانضمام أحد الإصبعين إلى الآخر ، وانما هو تركيب اتحادي ، فانّ المادة هي ما بالقوة والصورة فعليته على ما بيّن في محلّه ، فليس في الخارج وجودان مستقلان ليكون أحدهما مقدمة للآخر.

واما القسم الثالث ـ أعني المركب الاعتباري كالدار والصلاة مثلا ـ فهو عبارة عن وجودات متباينة ، بداهة انّ الحصى غير الأجر والخشب ، وكلها غير

٢٥١

الحديد ، وهكذا ، واتحادها انما هو لتعلق الأمر الوحدانيّ بها ، أو لدخلها في غرض واحد ، أو للحاظها بلحاظ واحد ، فالنزاع في كون الاجزاء مقدمة للمركب وعدمه لفظي ، فانّ المقدمة المشتقة من التقدم تارة : يراد منها التقدم بالعلّية ، بان يكون هناك وجودان يترتب أحدهما على الآخر بنحو الترتب والعلّية ، فيقال وجد فوجد ، وعليه لا ريب في عدم صدق المقدمة على الاجزاء ، إذ ليس المركب وجودا منحازا عن وجود الاجزاء ومتفرعا عليها.

وان أريد منها التقدم بالتجوهر ، ويعبر عنه بالتقدم بالطبع ، والمراد به استحالة وجود اللاحق خارجا ـ وهذا هو السر في التعبير عنه بالتقدم بالطبع ـ أو في مقام التجوهر من دون تحقق السابق بدون العكس ، فمن الواضح صحّة إطلاقها بهذا المعنى على الاجزاء ، كما هو ظاهر ، فالنزاع في صدق المقدمة عليها يكون لفظيّا.

واما دخولها في محل النزاع ، فالظاهر عدمه ، وذلك لأنّ في المقدمات الخارجية نرى بالوجدان انّ أحدا إذا اشتاق زيارة الحسين عليه‌السلام يشتاق بالتبع إلى ركوب السيارة ونحوها من المقدمات. واما إذا اشتاق إلى إيجاد المركب الخارجي فبالضرورة ليس له شوق مستقل ترشحي إلى إيجاد الاجزاء ، بل الإرادة المتعلقة بنفس المركب بعينه تتعلق بالاجزاء ، ولا فرق بين الإرادة التكوينيّة والتشريعيّة في ذلك ، فالفرق بين المقدمة الداخلية والخارجية في غاية الوضوح.

وبالجملة : ما يتعلّق به التكليف ، وهو الفعل يكون من الاعراض ، وقد عرفت انّ الاعراض بسائط خارجية غير مركبة من مادة وصورة ، وان كانت مركبات تحليلية ، فلا مجال لاحتمال دخوله في محل النزاع أصلا.

واما الأجسام فهي وان كانت مركبة خارجا أيضا ، إلّا انها غير قابلة لتعلق التكليف بها ، مضافا إلى انّ التركيب بين جزأيها اتحادي لا انضمامي.

وامّا المركبات الاعتبارية ، فنفس عنوان المركب ليس إلّا امرا انتزاعيا من

٢٥٢

الوجودات المتغايرة ، اما المتباينة من حيث الطبيعة ، بان تكون من أنواع متباينة ، وامّا المتغايرة من حيث الصنف والحصص والاتحاد بينها ، سواء كان من ناحية تعلق الأمر الواحد بها بنحو الانضمام ، أي الاجتماع لا الترتيب لعدم اعتباره في كثير من المركبات ، أو كان من حيث ترتب غرض واحد عليها ، أو تصورها بلحاظ واحد ، انما يكون اعتباريا بداهة انّ تعلق الطلب الواحد بالأمور المتباينة ، أو ترتب غرض واحد عليها لا يوجب اتحادها حقيقة ، وعليه فالتكليف المتعلق بالمركب بعينه ينبسط على الاجزاء لا محالة ، وقد عرفت صدق المقدمة على اجزائه على تقدير ولكنه لا يستلزم اتصافها بالوجوب المقدمي ، بل الوجدان الّذي كان هو الدليل على اتصاف المقدمات الخارجية بالوجوب المقدمي ينفي ثبوته للاجزاء ، كما هو واضح.

ثم انّ بعض الأساطين ذكر ثمرة عليه للقول باتصاف الاجزاء بالوجوب المقدمي وعدمه في انحلال العلم الإجمالي في باب الأقل والأكثر ، وحاصل ما أفاده هو : انه لو شككنا في انّ الصلاة الواجبة مثلا اسم لنفس الركوع ، أو له وللسجود مثلا ، فعلى القول باتصاف الاجزاء بالوجوب ، لا ينحل العلم الإجمالي بالوجوب المردد بين تعلّقه بالركوع فقط ، أو به منضما إلى السجود ، وذلك لأنّ وجوب الركوع حينئذ وان كان متيقنا تفصيلا ، إلّا انّ المعلوم بالتفصيل انما هو الجامع بين الوجوب النفسيّ والغيري ، أعني المردد بينهما ، فانّ الركوع في الفرض يكون واجبا نفسيا لو لم يكن السجود جزء للصلاة ، ويكون وجوبه غيريا لو كان جزء لها. ومن الواضح انّ المعلوم بالإجمال انما كان وجوبا نفسيا ، فالمعلوم بالتفصيل يكون مغايرا لما هو المعلوم بالإجمال ، فلا يوجب انحلاله ، فيكون موردا للاشتغال.

وهذا بخلاف ما إذا لم نقل بوجوب الاجزاء بالوجوب المقدمي ، فانه عليه يكون تعلق التكليف النفسيّ بالجزء المعلوم متيقنا ، ويشك في انبساطه على الجزء

٢٥٣

المشكوك فيه ، فيجري فيه البراءة على القول بجريانها في الأقل والأكثر ، انتهى.

وفيه : أنّ ذلك انما يتم لو كان المثبت للوجوب المقدمي للاجزاء نافيا وجوبها النفسيّ ، كما ينسب إلى الميرزا القمي قدس‌سره بل الظاهر عدم تمامية ما ذكره حتى على هذا المسلك ، فانّ عدم جواز الرجوع إلى البراءة حينئذ ، انما هو لعدم انحلال الأمر النفسيّ ، لا لكون الاجزاء واجبة بالوجوب المقدمي ، إلّا انّ الأمر ليس كذلك ، فانّ الالتزام بانبساط الوجوب المتعلق بالمركب على اجزائه ضروري ، لا بدّ من الالتزام به ، سواء قلنا بوجوبها الغيري أيضا أم لم نقل. وعليه فيتحقق الانحلال لا محالة من غير فرق بين القولين أصلا.

فالإنصاف : انه لا ثمرة للبحث عن وجوب الاجزاء غيريا أصلا ، ولو قلنا به وأغمضنا النّظر عما ذكروا عن كونه مستلزما لاجتماع المثلين.

ثم انه تارة : يراد من المقدمات الداخلية خصوص الاجزاء الأعم من الخارجية والعقلية كالتقييد ، وتقيد بالداخلية المحضة أو بالمعنى الأخص ، وأخرى : يراد منها الأعم من ذلك ومن نفس القيد والشرط ، أي مطلق ما يعتبر في المأمور به شرعا أعم من ان يكون المعتبر نفسه أو التقيد به ، فيشمل نفس القيد أيضا ، وعلى هذا الاصطلاح تقيد بالداخلية بالمعنى الأعم والخارجية بالمعنى الأعم. وعلى أي حال تنقسم المقدمة إلى الخارجية المحضة ، والداخلية المحضة ، والوسط بينهما.

وقد عرفت دخول الأولى في محل النزاع ، وخروج الثانية عنه ، وامّا الثالثة فهل تكون داخلة في مورد البحث أم لا؟ فيه تفصيل ، وذلك لأنّ الشرط المقيد به الواجب تارة : يكون خارجا عن تحت اختيار المكلف وإرادته نظير القبلة والوقت ، ولا ينافي ذلك كون التقيد به اختياريا ، كما هو ظاهر ، وأخرى : يكون القيد أيضا تحت قدرة المكلف كنفس التقيد ، أعني الحصة الخاصة.

اما ما كان من الشرائط من قبيل الأول ، فلا مجال لتوهم دخوله في مورد

٢٥٤

البحث ، إذ لا معنى لوجوب امر خارج عن الاختيار.

واما ما كان من قبيل الثاني ، فالظاهر إلحاقه بالمقدمات الخارجية المحضة ، فيكون واجبا بوجوب ترشحي على القول بوجوب مقدمة الواجب.

ثم انّ التقسيمات التي قسموا المقدمة إليها امّا ان ترجع إلى أحد المذكورات أو تكون خارجة عن مورد النزاع.

ومن التقسيمات ، تقسيمهم المقدمة إلى العقلية والشرعية والعادية.

اما العقلية فهي التي عبّرنا عنها بالخارجية ، أعني ما يكون توقف الواجب عليه عقليا غير مستند إلى الشارع ، كالمشي بالإضافة إلى الحج.

واما الشرعية فهي المقدمات الداخلية بالمعنى الأعم ، أعني بها ذات القيد والشرط الّذي يكون توقف الواجب عليه لأجل أخذ الشارع التقيد به في المأمور به.

واما العادية ، فان أريد بها مجرد ما جرت العادة عليها فقط من دون ان يكون هناك توقف ومقدمية ، نظير الأكل باليد اليمنى الّذي جرت عليه العادة من غير توقف الأكل على ذلك ، فلا ريب في خروجه عن حريم النزاع ، فالأمر بالأكل ليس امرا بالأكل باليد اليمنى أصلا.

وامّا ان أريد به المقدمة العقلية التي كان منشأ مقدميتها الأمر الطبعي والعادي ، كنصب السلّم أو الدرج بالقياس إلى الكون على السطح الّذي يتوقف الواجب عليه عقلا إلّا انّ منشأه انما هو عدم كون الإنسان ذا جناح ، بحسب العادة والطبع ، وإلّا لم يكن صعوده متوقفا على نصب السلم عقلا ، فهو داخل في المقدمات الخارجية.

واما تقسيمها إلى مقدمة الوجود ومقدمة الصحة ، فيرجع إلى ما ذكرناه أيضا ، إذ المراد من مقدمة الوجود المقدمات العقلية ، أعني الخارجية التي يتوقف

٢٥٥

عليها الواجب عقلا ، والمراد من مقدمة الصحة هو الاجزاء والشرائط المعبر عنها بالمقدمات الداخلية بالمعنى الأعم ، فانّ الصحّة ليست إلّا مطابقة المأتي به مع المأمور به من حيث الأجزاء والشرائط.

واما تقسيمها إلى مقدمة الوجوب ومقدمة الواجب ، فأجنبي عن المقام ، لأنّ مقدّمة الوجوب لا يعقل دخولها في محل البحث ، فانّ الوجوب متوقف على ثبوتها في ظرفها ، فلا وجوب قبل تحققها ليترشح منه الوجوب المقدمي إليها ، وبعد فرض تحقق الوجوب لا محالة تكون المقدمة مفروض التحقق ، فلا يعقل طلبها لأنه طلب الحاصل.

واما المقدمة العلمية ، فهي أيضا خارجة عن محل البحث ، وذلك لأنّ تحصيل العلم بإتيان المأمور به ليس من الواجبات الشرعية ، وانما هو واجب عقلا بعد العلم بالاشتغال ، فمقدماته كالصلاة إلى أربع جهات أيضا تكون واجبة عقلا ، بمعنى صحة العقاب من المولى إذا لم يصادف المأتي به الواقع.

وبالجملة فالصحيح في التقسيم ما بيّناه لا غيره.

[الشرط المتأخر]

ثم يقع البحث عن الشرط المتأخر ، ولكن موضوع البحث فيه أعم من مقدمة الوجوب ومقدمة الواجب استطرادا.

فنقول : يقسم الشرط إلى المتقدم والمتأخر والمقارن ، والشرط المتأخر تارة : يكون شرطا للحكم التكليفي ، وأخرى : يكون شرط الحكم الوضعي ، كالإجازة في البيع الفضولي ، وثالثة : يكون شرطا للواجب مع إطلاق الوجوب.

وتظهر ثمرة البحث عن إمكان الشرط المتأخر في مثل الإجازة بالقياس إلى

٢٥٦

العقد الفضولي ، فان ظاهر أدلتها هو الكشف الحقيقي. فان أثبتنا إمكان الشرط المتأخر نأخذ بظواهر الأدلة ، ونقول بكاشفية الإجازة بالكشف الحقيقي ، وان قلنا باستحالته فلا بدّ من رفع اليد عن ظاهر الدليل والقول بالنقل ، أو بالكشف الحكمي كما ذهب إليه الشيخ قدس‌سره.

ثم لا يخفى ما في كلام المحقق الخراسانيّ قدس‌سره ، في الكفاية (١) في موردين :

الأول : ما ذكره في أول دخوله في البحث عند بيان استحالة الشرط المتأخر ، من انّ الشرط حيث انه من اجزاء العلّة لا بدّ من تقدمه على المشروط ، فيستحيل الشرط المتأخر.

ونقول : إن أراد من تقدم الشرط تقدمه زمانا ، فهو مضافا إلى كونه خلاف الواقع ، إذ ربما يكون الشرط مقارنا زمانا مع المشروط ، مناقض لما صرح به بعد ذلك من لزوم تقارن الشرط مع المشروط زمانا.

وان أراد به التقدم الرتبي أي بالطبع ، فهو وان كان صحيحا إلّا انه لا يناسب ما فرعه عليه من استحالة الشرط المتأخر زمانا ، إذ لا تنافي بين التقدم الرتبي والتأخر الزماني ، كما لا منافاة بين السبق بالشرف والتأخر بالزمان ، كما انّ نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقدم بالشرف على سائر الأنبياء ومتأخر عنهم بالزمان ، فالعبارة غير خالية عن المسامحة. اللهم إلّا ان يراد من ذكر السبق الرتبي بيان كون الشرط من اجزاء العلّة ليرتب على ذاك استحالة تأخره.

وكيف كان فانّ بيان استحالة الشرط المتأخر بتقريب أحسن كان ممكنا ، بان يقال : لو وجد المشروط حينئذ قبل وجود شرطه ، فاما ان يكون الشرط باقيا على شرطيته ودخيلا في العلّة ، أو لا ، وعلى الأول يلزم وجود المعلول قبل وجود علّته ،

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٤٥.

٢٥٧

أي تأثير المعدوم في الموجود وهو محال ، وعلى الثاني يلزم الخلف وعدم شرطية ما فرض شرطيّته.

الثاني : ما ذكره بعد ذلك (١) من انّ الشرط لا بدّ وان يكون مقارنا مع المشروط ، فالشرط المتقدم أيضا مستحيل كالشرط المتأخر.

وهذا بظاهره واضح الفساد ، فانّ ما يعتبر فيه التقارن انما هو المفيض والمقتضي دون بقيّة اجزاء العلة ، ولذا ترى بالوجدان انّ تقدم وجود آدم عليه‌السلام زمانا علينا من انّ وجوده مما يتوقف عليه وجودنا ، والصعود على الدرج الأول مقدم على الصعود على السطح ، مع كونه من اجزاء علته ، فالشرط كما يمكن ان يكون مقارنا مع المشروط ، يمكن ان يكون متقدما عليه إذ الشرط اما ان يكون مؤثرا في اقتضاء المقتضي ، أو يكون مؤثرا في قابلية المحل ، فيمكن ان يتحقق سابقا على تحقق المعلول ويؤثر اثره فيعدم حين تحقق المعلول ، مثلا الجسم المدهون لا يقبل اللون ، فيغسل أولا ، ثم بعد ذلك يصبح باللون.

وبالجملة ليس لنا كلام في معنى لفظ الشرط ، وانما الكلام فيما يتوقف عليه الشيء سواء سمي بالشرط أو بالمعد ، فيمكن ان يكون ما له دخل في تأثير المقتضي أو في قابلية الصورة للعروض على المادة أو في قابلية المادة لطرو الصورة عليها مقدما على تحقق ذلك الشيء زمانا ، كما يمكن ان يكون مقارنا معه.

نعم الشرط المتأخر مستحيل لاستلزامه تأثير المعدوم في الموجود كما ذكر ، اللهم إلّا ان يكون مراده قدس‌سره بيان المعنى الاصطلاحي ، وما هو الفارق بين الشرط والمعدّ بحسب الاصطلاح ، وهو بعيد من ظاهر كلامه قدس‌سره.

وكيف كان يقع الكلام أولا : في الشرط المتأخّر بالإضافة إلى الواجب ، وقد

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٢٤٥.

٢٥٨

عرفت انّ ثمرة البحث انما هي الأخذ بظاهر الدليل على تقدير إمكانه ، ولزوم رفع اليد عنه على تقدير استحالته.

وقد ذكر في إمكان ذلك وجوه :

١ ـ منها : ما ذكره في الكفاية (١) ، من انّ شرط الواجب ليس من قبيل الشرط في العلل الخارجية ليكون مؤثرا فيها ، وانما هو بمعنى ما يتصف الواجب بالإضافة إليه بالحسن والمحبوبية ، أو بالوفاء بالغرض ، ومن الظاهر انّ حسن الأفعال وقبحها يختلف بالوجوه والاعتبار ، ومنها الإضافات ، مثلا الفعل الواحد كالنظر إلى امرأة معيّنة بالإضافة إلى زوجها حسن وبالإضافة إلى الأجنبي قبيح ، وأمثلته في العرفيات كثيرة ، فانّ كثيرا من الأفعال تكون بالإضافة إلى الأشخاص المتعارفين حسنا ، وبالإضافة إلى زعيم القوم قبيحا ، أو بالعكس ، ومن الوجوه عنوان الفعل بعمل آخر مثلا رفع عمامة أحد في الملأ عن رأسه قبيحا ، إلّا إذا كان متعقبا بقتل العقرب الّذي رآه في عمامته ، فانه حينئذ يكون حسنا ، أو عنوان مسبوقيته بشيء ، مثلا ضرب المؤمن بلا جهة قبيح ، وإذا كان مسبوقا بصدور عمل قبيح منه يكون حسنا ، والمقام من هذا القبيل ، فانّ ملحوقية الواجب بشيء يمكن ان يكون دخيلا في اتصافه بالحسن وإضافة العمل إلى الفعل المتأخر موجبا لمحبوبيّته.

ونقول : ما أفاده صحيح بالقياس إلى الحسن أو القبح الّذي هو من الأمور الاعتبارية ، ولكنه لا ربط له بالواجبات على ما هو الصحيح عندنا من تبعية الأحكام لمصالح في متعلقاتها ، فانّ الواجب حينئذ يكون مؤثرا في المصلحة ، فيلحق بالعلل الخارجية ويجري فيه ما تقدم.

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٤٧.

٢٥٩

٢ ـ ومنها : ما أجاب المحقق النائيني (١) عن الإشكال ، بأنّ الامتثال لا يحصل إلّا بعد إيجاد الشرط المتأخر ، ببيان انّ الأمر بالعنوان الانتزاعي لا محالة يرجع إلى الأمر بمنشئه ، إذ لا وجود إلّا لمنشئه ، فالأمر الضمني المتعلق بالتقيد الّذي هو أمر انتزاعي متعلق بنفس القيد لا محالة ، فكأنّ الأمر متعلق بالمركب من الاجزاء ومن القيد ، ومن ثم لا يحصل الامتثال الملازم لإتيان المأمور به إلّا بعد إيجاد الشرط المتأخر ، فلا يلزم المحذور.

وما أفاده مبني على مقدمتين :

الأولى : انه لو تعلّق الوجوب بالأمر الانتزاعي فلا محالة يكون متعلّقا بمنشإ انتزاعه ، إذ لا وجود في الخارج إلّا له.

الثانية : انّ التقيد انما ينتزع من ذات القيد ، فالأمر المتعلق بالتقيد متعلق بذات القيد ، فيكون الشرط المتأخر نظير الاجزاء التدريجية في المركب ، وكما لا يحصل الامتثال في ذلك إلّا بعد الإتيان بالجزء الأخير من المركب كذلك لا يحصل الامتثال في الشرط المتأخر إلّا بعد الإتيان به خارجا.

وعليه ففي الحقيقة يرجع الشرط المتأخر إلى الشرط المقارن ، فيندفع الإشكال من أصله ، لأنه انما كان يلزم بناء على حصوله قبل تحقق الشرط.

وفي كلتا المقدمتين نظر.

أما الأولى : أعني أصل الكبرى ، فلأنّه لو أريد من الأمر الانتزاعي العناوين الاعتبارية ، كالعناوين الاشتقاقيّة ، مثل عنوان العالم والقائم ونحوه ، فهو متين جدا ، إذ ليس لهذه العناوين ما بإزاء في الخارج ، وانما الموجود في الخارج هو الذات والوصف ويسند وجودهما إلى العنوان الاشتقاقي بالعناية والمسامحة ، فالأمر بها أمر

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ٢٢٢ ـ ٢٢٣.

٢٦٠