دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

ملائما للطبع ، ونعم ما عبّروا عن إعمال القدرة بالاختيار أي طلب الخير والملائم للطبع ، فلو كان هناك مرجح موجب لم يكن مجال للاختيار أصلا ، ولا ملزم للالتزام بوجوب المرجح الملزم غير الملاءمة للطبع أصلا.

وما قيل : من استحالة الترجيح بلا مرجح فليس معناه إلّا توقف كل فعل على فاعل كما يشير إليه قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ)(١) ، ولذا نرى بالوجدان انا إذا وصلنا في سيرنا إلى طريقين في أحدهما سبع يفترس من ذهب إليه ، وفي الآخر رجل يقيم بشئون المسافرين ، فمن جهة ملائمة الثاني لطبعنا وحبنا لحياتنا نسير فيه ، ولكن مع ذلك لنا القدرة في الذهاب من الطريق الآخر وتكون قدرتنا بالنسبة إلى السير من الطريق الثاني كالقدرة على أن نسير في الطريق الأول ، وهذا ظاهر واضح.

وبالجملة نرى بالوجدان انا نفرّق بين حركة نبضنا مثلا ، وتحريك إصبعنا بالاختيار ، والأول يتحقق ولو لم نكن ملتفتين إليه وشاعرين به بخلاف الثاني ، فانه لا بدّ في تحققه أولا : من الالتفات إليه ، ولذا ربما يموت الإنسان جوعا أو عطشا مع وجود الطعام والشراب عنده لعدم التفاته إليهما ، وثانيا : إلى ملائمته لإحدى القوى وإلى عدم مزاحمته بما ينافي النّفس من الجهات الأخر ، فيشتاقه ويميل إليه ثم بعد ذلك بيني على فعله أو على تركه بسبب ملائمة ذلك لإحدى قواه ، ولا يبعد ان يكون هذا هو المراد من الإرادة أو المشيئة أو الاختيار ، فيقال : أردت ففعلت ، وفي الفارسية يقال : (خواستم پس كردم) وربما يكون البناء متعلقا بأمر حالي كما قد يتعلق بأمر استقبالي فيقال أريد زيارة الحسين عليه‌السلام يوم عرفة ، أي انا بان على ذلك ومتهيّئ له في نفسي ، وربما يعبر عنه بعقد القلب.

__________________

(١) الطور ـ ٣٥.

١٦١

ثم انّ المراد من الإرادة المستندة إلى غير ذوي الشعور ، كما في قوله تعالى : (جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ)(١) ، هو أيضا البناء والتهيؤ غايته انّ التهيؤ هناك يكون طبعيا ، فانّ كل ثقيل يميل إلى الأرض طبعا لو لم يكن له مانع ، وفي الفعل الاختياري البناء اختياري ، وهذا هو المراد من القصد والجزم والعزم ونحو ذلك من العبارات والإحاطة بجميع مزايا لغات هذه الكلمات غير ميسور لنا ، وما ذكرناه هو الّذي نراه في أنفسنا ، ثم بعد ذلك تعمل النّفس قدرتها في إيجاد الفعل خارجا ، ويكون المرجّح لذلك مجرّد ملائمة ما اختارته مع بعض قواها ، وليس في نفسنا وراء ذلك شيء أصلا ، وكأنّ توهم الأشعري ناشئ من مغالطة واضحة وهي الخلط بين مرجّح الوجود ومرجّح الإيجاد ، فمرجّح الوجود لا بدّ وان يكون موجبا ويستحيل صدور الفعل من غير فاعل ، وهذا بخلاف مرجّح الإيجاد فانّ أدنى مرجّح يكفي في ترجيح الفاعل الفعل على الترك أو العكس وهو الملاءمة للطبع ، ولذا لو سئل الفاعل عن سبب فعله يقول فعلته لكونه موافقا لميلي وشهوتي ، فلا نعني بالفعل الاختياري الا الفعل المسبوق بالعلم أو القدرة وليس في مقدماته سوى الالتفات وإدراك ملائمته للطبع والبناء ، ثم إعمال القدرة وهو الفعل أو الترك.

واما معنى لفظ الإرادة والاختيار لغة ، فالإرادة مشتقة من الرود ومنه الرائد ، أي طالب الماء والكلاء ، وهي على ما في اللغة تستعمل تارة : بمعنى المشيئة وهي بمعنى إعمال القدرة ، وأخرى : في التهيؤ للفعل ، ولذا ربما تسند الإرادة إلى الجدار كما في قوله تعالى : (جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ)(٢) أي كان مشرفا على ذلك ، ولم نر من ذكر من معانيه الشوق الأكيد المحرّك للعضلات.

__________________

(١) الكهف ـ ٧٧.

(٢) الكهف ـ ٧٧.

١٦٢

وأما الاختيار فهو بمعنى طلب الخير أو قبوله ، والروايات أيضا تساعد ما ذكرنا ، ففي بعضها سأل الإمام عليه‌السلام عن الراوي : (أتقول افعل ذلك ، ثم إن شاء الله قال : نعم ، فقال عليه‌السلام : أتقول افعل ان علم الله ، قال : لا) ، فيظهر من بيانه عليه‌السلام انّ الإرادة انما هي بمعنى المشيئة التي هي من أفعاله تعالى لا صفاته ، ثم انّ المشيئة أعني إعمال القدرة بنفسها مقدورة ، والفعل المترتّب عليها مقدور بسببها ، وقد أشير إلى ذلك في قوله عليه‌السلام : (انّ الله خلق المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة) فظاهره ان المشيئة بنفسها مقدورة وسائر الأفعال بها ، ومن الغريب ما حكاه في الوافي عن المير الداماد من تفسيره الرواية بأنّ المراد انه تعالى خلق مشيئة العباد بنفسها ثم خلق سائر الأفعال بها ، ولا ندري بأي وجه استظهر ذلك من الرواية.

وكيف كان لم يرد دليل على انّ الإرادة تجيء بمعنى الشوق المحرّك للعضلات ، لنقع في محذور الجبر ، بل المحرك للعضلات هو النّفس والروح.

ثم لا يخفى انّ المشتاق إليه حقيقة وما هو المقصود واقعا انما هو الفعل الجوارحي ، وأما قصده والعزم أو الجزم والبناء عليه وغير ذلك من الأفعال الجوانحية فليست مقصودة بالاستقلال ، وانما هي أمور آلية نظير الواجب النفسيّ أو الغيري ، ولذا كثيرا ما تكون مغفولا عنها ، فنريد أن ندعي انّ الفعل الجوارحي الاختياري ما يكون مسبوقا بالعلم والقدرة ، وهذا هو الميزان في الاختيارية وغيرها.

ثم انّ هنا للأشعري شبهة ثالثة ، حاصلها : ان الإرادة الأزلية لو كانت متعلقة بصدور الفعل من العبد فيصدر لا محالة ، وان كانت متعلقة بعدم صدوره فلا يصدر بالضرورة ، وهذه الشبهة هي التي ذكرها المحقق الخراسانيّ (١) فأجاب عنها بأنّ

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٠٠.

١٦٣

الإرادة الأزلية انما تعلّقت بصدور الفعل أو بعدمه عن الفاعل بالاختيار.

ونقول : هذا الجواب ليس إلّا جوابا عن الشبهة في مقام اللفظ والاصطلاح ، ولا يرفع الإشكال واقعا ، فانّ تعلق الإرادة الأزلية بصدور الفعل عن اختيار العبد لازمه ضرورية الصدور والاختيار ، نعم حيث انّ الفعل حينئذ يكون مسبوقا بالإرادة يكون اختياريا اصطلاحا.

والصحيح في الجواب انّ الإرادة بمعنى البناء والمشيئة وما شئت فعبر انما تتعلق بفعل نفس الإنسان فإذا التفت امّا ان يريد فعل شيء أو تركه. واما الفعل الاختياري للغير فلا معنى لتعلق إرادة الإنسان به أصلا ، وعليه فما يصدر من العبد اضطرارا من غير اختياره كحركة النبض مثلا لا مانع من تعلق الإرادة الأزلية به وجودا أو عدما ، وامّا الفعل الصادر عن اختياره فلا تتعلق الإرادة الأزلية به أصلا من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع ، إذ لم يكن مجال لتعلقها به ، وما ورد من قبيل قوله تعالى : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ)(١) فالمراد منه ظاهر بعد ما بيّناه ، فانّ معنى مشيئته بالنسبة إلى الأفعال الاختيارية للعبد انما هو الإقدار آناً فانا ، والإفاضة دائما كالسلك الكهربائي بحيث لو انفصل أقل من آن ينطفئ الضوء ويخمد النور ، وهذا معنى كلمة (لا حول ولا قوّة إلّا بالله) ، فتحصل بحمد الله اندفاع شبهات الأشاعرة بحذافيرها.

وأما الفلاسفة فذهبوا إلى انّ الأفعال الاختيارية معلولة للإرادة تترتب عليها كترتب الصفرة على الوحل ، لا فرق بينهما إلّا في انّ الأول مسبوق بالإرادة ولذا يسمى بالاختياري دون الثاني ، زعما منهم انّ كل فعل لا بد له من علّة تامة موجبة ، لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وهذا هو الوجه الّذي يستلزم الجبر والقول

__________________

(١) الإنسان ـ ٣٠.

١٦٤

بقدم العالم لجريان هذا الكلام هناك أيضا ، وقد ذكر العلّامة قدس‌سره في منهجه انّ الفرق بين الفلسفة والإسلام هو ذلك ، فانّ الفلاسفة يقولون بان كل فعل متوقف على موجب ، لأنه ما لم يجب لم يوجد ، بخلاف الإسلام إذ ليس من هذه العناوين كعنوان العلّية والمعلولية في الأخبار عين ولا أثر ، والمذكور فيها انما هو احتياج الفعل إلى الفاعل وإلى الصانع ، واحتياج الخلق إلى الخالق.

وبالجملة الفارق المذكور في كلامهم لا يكون مؤثرا في دفع شبهة الجبر وقدم العالم مثقال ذرة ، وانما هو فرق اصطلاحي لمجرد التعبير.

فالجواب الصحيح عن كلامهم هو ما تقدم من انّ ما يتوقف عليه الفعل انما هو الفاعل ولو كان مختارا ، فان شاء يعمل قدرته ويجعلها فعلها أي بفعله ، وان لم يشأ لم يفعله ، نعم لا بدّ وان يكون ذلك لفائدة مترتّبة عليه ، امّا راجعة إلى نفسه أو إلى غيره ، وامّا الموجب فلم يدل دليل على اعتباره لا شرعا ولا عقلا.

وبهذا تندفع شبهة الجبر وشبهة قدم العالم ، وما تخيّلوه من ترتب عقول عشرة وانّ المخلوق الأول هو العقل الأول ، ثم بقية العقول بحسب الترتيب إلى ان ينتهي الأمر إلى النفوس الفلكية ، ثم إلى عالم الطبيعة ، فانّ كل ذلك مبني على الجبر وانّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، وإلّا فالبارئ فاعل مختار إذا رأى المصلحة في إيجاد شيء قبل ألف سنة يوجده في ذلك الظرف ، وإذا رأى المصلحة في إيجاده بعد ألف سنة يوجده في ذلك الزمان ، فلا يلزم القدم ، وهذا هو الّذي يستفاد من الأخبار ويراه الإنسان وجدانا ولذا ذكر الشيخ في الرسائل انّ ضرورة الأديان قد دلّت على حدوث العالم ، فان كانت هناك شبهة ، كاستحالة الخلق المعلول عن العلّة ، فهي شبهة في مقابل البديهيّة (١).

__________________

(١) الرسائل ـ ص ١٠.

١٦٥

ثم بما ذكرناه ظهر الخلل في كثير من عبارات الكفاية في المقام ، ونحن نتعرّض إلى موردين منها :

أحدهما : ما ذكره من انقسام الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة ، فان الإرادة على ما عرفت بمعنى البناء القلبي ، ولا يعقل تعلّقه بفعل الغير. نعم ربما يتعلّق الشوق بذلك ، وأما العزم والمشيئة والبناء فلا ، وعليه فالفاعل دائما تكون إرادته تكوينيّة ، غايته تارة : تتعلّق بالفعل الخارجي التكويني ، وأخرى بالجعل وتشريع الحكم ، فالفرق في المتعلّق.

ثانيهما : ما ذكره (١) من انّ اختيار السعادة والشقاوة بالآخرة ينتهي إلى الذاتي ولا يسأل عنه ، فانّ الاختيار فعل النّفس ولا معنى لكونه ذاتيا ولذا يتخلف ويتبدل ، فربما يكون الإنسان في أول عمره يختار المعاصي وفي أواخر عمره يختار الطاعات وربما ينعكس الأمر ، فالتخلف أقوى دليل على عدم كونه ذاتيا.

ثم انّ بعض أعاظم تلامذته وجّه كلامه ببيان مقدّمة ، وحاصل ما ذكره : انّ الأعراض تارة : تكون لازمة أما من عوارض الماهية ، وأما من عوارض الوجود ، وأخرى : تكون مفارقة اتفاقيّة كالبياض بالقياس إلى الجسم ، فما كان من قبيل الأول لا يحتاج إلى جعل مستقل ، بل لا معنى لجعله مستقلا ، بل ينجعل بجعل ملزومه.

وأما القسم الثاني فجعله يكون بجعل مستقل ، ثم طبق هذه المقدّمة على المقام ، وذكر انّ العلم بالنسبة إلى الإنسان يكون من العوارض المفارقة ، ولذا لا يكون الإنسان عالما ، ثم يعلم.

وأما الاختيار فهو من لوازمه ، فانّ الإنسان الملتفت الشاعر من أول وجوده

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٠١.

١٦٦

يكون مختارا ، فثبوت الاختيار في الإنسان غير محتاج إلى جعل مستقل ، وعليه فحيث انّ الاختيار فعل العبد ويكون دخيلا في تحقق فعله الاختياري يستند الفعل إلى العبد ، وحيث انّ بعض أسبابه وهو العلم والإدراك يكون جعله من الله تعالى يستند الفعل إليه جلّ شأنه ، وهذا معنى أمر بين أمرين ، وفي كلامه صغرى وكبرى وتطبيقا نظر.

والحاصل : انه تلخّص مما ذكر ان أفعال العباد ليست مخلوقة لله تعالى كما ذهب إليه الأشاعرة ، ولا هي معلولة للإرادة كما ذهب إليه الفلاسفة ، بل هي فعل العبد صادرة باختياره.

نعم القدرة على ذلك آناً فآنا تكون من الله تعالى ، حتى في حال العصيان ، وهذا معنى الأمر بين أمرين ، كما ورد في الروايات ، وفي بعضها سئل عن الإمام ما حاصله : انه هل يكون الفاعل هو الله ، فقال عليه‌السلام ما مضمونه : هو أعدل من ذلك ، فقال : فالعبد هو الفاعل ، فقال عليه‌السلام : هو أعجز من ذلك.

ومنشأ ما ذهب إليه الفلاسفة انما هو ذهابهم إلى احتياج كل فعل إلى علّة تامّة يستحيل تخلّفها عن المعلول ، وقد ذكرنا انه لا دليل عليه ، وانما الفعل يحتاج إلى الفاعل ليس إلّا ، وبهذا ظهر ما في الكفاية من الخلل ، وذكرنا من مواردها موردين :

الأول : تقسيمه الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة ، فانّ ذلك على مسلكهم من انّ الإرادة من الصفات تام ، حيث لا معنى لها في البارئ إلّا العلم ، فعلمه تعالى تارة : يتعلّق بما له دخل في النظام الأتم فيعبّر عنه بالإرادة التكوينيّة ، وأخرى : بما له دخل في مصلحة شخص خاص ويسمى بالإرادة التشريعيّة ، ولكن على ما اخترناه من انّ الإرادة هي من افعال النّفس ، فالإرادة دائما تكون تكوينيّة ، والفرق يكون في متعلّقها.

١٦٧

الثاني : ما ذكره من انتهاء الإرادة إلى الذات ، والذاتي لا يعلل ، فانّ الله تعالى ما جعل المشمش مشمشا ، بل أوجده ، فانه لا معنى لأن تكون الإرادة جنسا ولا فصلا للإنسان ، وقد وجّه كلامه بعض أعاظم تلاميذه بذكر مقدّمة ، وهي : انّ الاعراض ، تارة : تكون من أعراض الماهيّة ، وأخرى : من أعراض الوجود ، وعلى الثاني أما تكون دائمة ، واما تكون مفارقة ، وجعل العرض اللازم مطلقا يكون بتبع جعل معروضه وليس له جعل مستقل ، بخلاف العرض المفارق فانه مجعول بجعل مستقل ، ثم طبق ذلك على المقام وذكر انّ الاختيار من عوارض الإنسان الغير المفارقة بخلاف العلم والشوق ، فالاختيار غير مجعول في الإنسان مستقلا بخلاف العلم ، والفعل المتوقف على هاتين المقدّمتين من حيث دخل العلم المجعول من الله تعالى فيه يكون مستندا إليه ، ومن حيث توقّفه على الاختيار الّذي ليس بمجعول مستقلا يستند إلى الفاعل ، وهذا معنى الأمر بين أمرين ، انتهى.

وهو غير تام صغرى وكبرى وتطبيقا.

أما كبرى فلأنّ تقسيم العارض بمعنى اللاحق ، لا الانتزاع إلى عارض الماهية والوجود وان كان من الفلاسفة إلّا انه غير تام ، فانّ الماهيّة ليست بشيء أصلا ، فهي ليست حرف فكيف يمكن ان يلحقها أمر آخر ، بل العرض دائما يعرض الوجود ، غايته تارة : يعرض كلا الوجودين الخارجي والذهني كالزوجيّة للأربعة مثلا ، ويسمى بلازم الماهية أيضا ، وأخرى : يعرض أحد الوجودين دون الآخر كالمعقولات الثانوية والحرارة للنار.

وأما ما ذكره من انّ العرض اللازم يكون مجعولا بجعل المعروض.

ففيه : انه لا ريب في تغاير العارض والمعروض وتعددهما خارجا وان كلّا منهما موجود له وجود خاص به ، وحيث انّ الإيجاد والوجود متّحدان ذاتا واختلافهما يكون بالاعتبار ، فكل وجود إيجاد لو قيس إلى فاعله ، فلا محالة يكون

١٦٨

هناك إيجادان ويستحيل اتحادهما.

ومع التنزل عن ذلك ، نقول : ما المراد من الاعتبار الّذي جعله من العوارض الدائميّة وما المراد من العلم الّذي جعله مفارقا؟ فان كان المراد من الاختيار قابلية الاختيار ، فجميع صفات الإنسان تكون كذلك ، فانّ الكاتب بالقوّة والعالم بالقوّة والصانع بالقوّة ، تكون من لوازم الإنسان الغير المنفكة عنه حتى عرف الإنسان في المنطق بالكاتب بالقوة ، فما وجه الفرق بينهما؟ وان أراد من الاختيار الاختيار الفعلي الّذي هو محل كلامنا فهو مفارق بالنسبة إلى الإنسان ، فانه ربما يريد شرب الماء وربما لا يريده ، فكيف يكون لازما له ، وهو يتخلّف عنه.

هذا مضافا إلى انه نسلّم جميع ما تقدّم ، ولكن نقول : لو كان هناك فعل مترتّب على مقدّمتين. إحداهما : تكون مجعولة بجعل المولى تبعا ، والأخرى : تكون مجعولة بجعله استقلالا ، فمع ذلك كيف يمكن ان يكون الفعل اختياريا مع انّ كلتا مقدّمتيه كانتا بغير اختياره؟ وهل هذا إلّا مجرّد تسمية واصطلاح ، فالشبهة لا ترتفع بهذا التوجيه ، فدافع الشبهة منحصر بما ذكرناه واستفدناه من أئمتنا عليهم‌السلام ، وهو الأمر بين الأمرين.

واما التفويض فلا نطيل الكلام فيه ، فانه مبنى على انّ الوجه في احتياج الممكن إلى المؤثر هل هو حدوثه أو إمكانه؟ والصحيح هو الثاني ، وعليه فالحادث في بقائه أيضا محتاج إلى المؤثر لبقاء ملاك حاجته وهو الإمكان ، هذا تمام الكلام في التفويض.

تنبيهان

الأول : انّ قولك في الصلوات «بحول الله وقوّته أقوم وأقعد» يشير إلى ما

١٦٩

ذكرناه من الأمر بين الأمرين ، وانّ إفاضة القدرة دائما يكون من المولى ، وهكذا جميع مبادئ الفعل من الإدراك والحب والاشتياق والقدرة يكون منه تعالى ، وانّ البناء والاختيار يكون من العبد ، ولذا أسند الفعل في قول «بحول الله أقوم» إلى نفس العبد ، والحول والقوة إلى الله تعالى ، وأما قوله تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ)(١) ، فقد ذكر بعض المفسّرين انّ الاستثناء يكون من المنهي عنه ، وانّ المعنى هو النهي عن قول اني فاعل ذلك غدا بتا ، وعدم النهي عنه إذا انضم إليه قول إلّا انّ يشاء الله ، ولكنه محتاج إلى التقدير وهو خلاف الظاهر ، بل الظاهر ان يكون المراد هو النهي عن مجموع تلك الجملة بان يكون الاستثناء أيضا مقول القول ، فقول إلّا ان يشاء الله يكون هو المنهي عنه ، وذلك لأن ظاهره التفويض.

وبعبارة أخرى ، تارة : يخبر الإنسان عن فعل عمل بتا من دون تعليق ، وربما يكون ذلك مع الالتفات إلى لوازمه مستلزما للكفر. وأخرى : ربما يخبر معلقا على حول الله وقوّته ومشيئته ، وهذا هو المحبوب. وثالثة : يخبر ويجعل إرادة الخلاف من الله تعالى مانعا عن ذلك بان يقول : «افعل ذلك غدا إلّا ان يشاء الله خلافه ويمنع عنه» وكثير ما يستعمل ذلك في محاورات أعضاء الدولة ، مثلا يقول الوزير «اخرج غدا ان لم يمنعني السلطان» ، ومعنى ذلك هو الاستقلال في العمل والاستغناء عن السلطان والاخبار بأنه أقدر منه فان شاء منعه ، وهذا تفويض محض ، وهو المنهي عنه في الآية المباركة ، فتأمل.

الثاني : انه لا ينافي ما ذكرناه من الأمر بين الأمرين ما ورد في بعض الآيات والأخبار من إسناد فعل العبد إلى الله تعالى أو تعليقه على مشيئته كما في قوله

__________________

(١) الكهف ـ ٢٣.

١٧٠

تعالى شأنه في سورة هل أتى (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ)(١) فانه واقع في ذيل قوله تعالى: (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) ، وحيث انه أمر خير أسند ذلك إلى الله ، وهكذا ما ورد في الحديث القدسي وما مضمونه «بمشيئتي أنت الّذي تشاء».

وبالجملة لا منافاة بين ثبوت الأمر بين الأمرين ، وكون نسبة الأعمال من المعاصي والطاعات إلى المولى وإلى العبد على حد سواء بحسب الدقّة العقلية ، وكون إسناد الطاعة إلى الله جلّ شأنه أولى عرفا ، وإسناد المعصية إلى العبد أولى كذلك ، ونوضّحه بمثال عرفي ، فانه لو أعطى الوالد لولده مالا وبيّن له طرق التجارة وطرق الملاهي ، وأمره بالتجارة ونهاه عن صرف المال في الملهى وحذّره ذلك ، فان صرف الولد المال في التجارة وربح منها يسند الربح إلى المولى عرفا ، ويقال هذا الخير وصل إلى الولد من والده ، وأما لو صرفه في اللهو والخسران يسند ذلك عرفا إلى الولد ، ويقال هو خسّر نفسه ، ونظير ذلك إسناد الطاعات إلى المولى الحقيقي والمعاصي إلى العبد ، وهذا معنى الأولويّة.

واما ما ورد في الأخبار من انّ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، فلا ينافي ما اخترناه من الأمر بين الأمرين ، فانّ المراد منه الصفات والملكات النفسانيّة ، وكما تختلف القوى الجسمانية في الأشخاص من الباصرة والسامعة ونحو ذلك ، فترى إنسانا لا يقدر على حمل منّ وإنسانا آخر يقدر على حمل وزنة أو أكثر ، وقد سمعنا بمن كان قادرا على حمل عشرين وزنة ، كذلك يختلف الأشخاص من حيث المحامد والرذائل النفسيّة ، فنرى إنسانا يكون في ذاته كريما أو سخيّا أو شجاعا ونرى الآخر بخيلا لئيما ، وربما تتبدّل تلك الصفات بالرياضات.

فقد يكون الإنسان قريبا من الطاعات والخيرات وترى الآخر قريبا من

__________________

(١) الإنسان ـ ٣٠.

١٧١

المعاصي من غير اختياره ، مثلا يكون أحد الناس ابن عالم عادل ويربّى في بيت العبادة ويكون الآخر ابن فاسق ويربّى في بيت لا يرى فيه إلّا المعصية وأنحاء الفسوق فبحسب طبعه يميل الأول إلى الطاعة ويأنس بها ، والثاني إلى المعاصي ويأنس بها ، ولكن كل ذلك لا ينافي الاختيار في الأفعال ولا يستلزم الجبر.

وبالجملة نحن لم ندع كون الأفعال بجميع مباديها اختيارية ، ولم ننكر كون أغلب مبادئ الفعل خارجا عن تحت اختيار المكلّف ، وكيف يمكننا ذلك مع ما نشاهده من خلافه وجدانا ، ولكن نريد ان ندّعي انّ ذلك لا ينافي الاختيار فمن تهيّأ له مجموع مقدّمات الطاعة يكون متمكّنا من المعصية والطاعة ، وهكذا العكس ، فتهيئة أسباب الخير أو الشرّ لا يسلب اختيار العبد ، وهذا واضح جدّاً.

وكيف كان فالرواية تشير إلى الصفات والملكات التي يناسب بعضها الطاعة وبعضها العصيان.

وأما الرواية الثانية المرويّة في الخصال ومضمونها «السعيد سعيد في بطن أمّه ، والشقي شقيّ في بطن أمّه» فمن الواضح انه ليست السعادة أو الشقاوة ذاتية للإنسان من قبيل ذاتي كتاب الكلّيات ، إذ ليست جنسا له ولا فصلا ، ولا من قبيل ذاتي كتاب البرهان ، لأنّ السعادة والشقاوة انما تنتزعان عن جري العبد على طبق أوامر مولاه ونواهيه بعد ثبوت التكاليف عليه ، فلا معنى لكونهما ذاتيين للعبد في بطن أمه.

فان قلنا : بثبوت عالم الذر وخلق الأرواح بأجمعها في ذلك العالم وتكليفهم بالايمان كما هو مقتضى جملة من الأخبار ، فعليه لا إشكال في مفاد الرواية لحصولهما له بالاكتساب والاختيار في ذاك العالم.

وان لم نقل به ، فاما ان يراد من السعادة والشقاوة أسبابهما القريبة من الصفات والملكات ونحو ذلك ، أو يراد منهما كتابتهما في لوح المحو والإثبات أو

١٧٢

المحفوظ بحسب علمه تعالى ، بأنّ العبد يختار السعادة أو يختار الشقاوة ، وقد ورد في بعض الأدعية طلب محو الاسم من ديوان الأشقياء وإثباته في ديوان السعداء ، وفي بعض الأخبار انّ السعيد ربما يدخل في الأشقياء بحيث يتخيّله منهم كل من يراه ، ولكن ينقلب إلى السعادة ولو في آخر عمره ، وفي بعضها ينقلب في أقل من زمان الفواق وما يمكث الحالب من الحلب بين الحلبتين.

وبالجملة لا ينافي شيء من هذه الأخبار مع الأمر بين الأمرين أصلا.

١٧٣

المقام الثاني

في صيغة الأمر

ذكر في الكفاية (١) ما حاصله : انها موضوعة لإنشاء الطلب وتستعمل في ذلك دائما ، وانما الاختلاف من حيث كونها للإرشاد تارة وللسخريّة أو الامتحان أو التهديد أو غير ذلك أخرى انما هو لاختلاف الدواعي ، ثم بنحو التسليم ذكر انه يمكن ان يقال : بكونها موضوعة لإنشاء حصّة خاصّة من الطلب ، وهو خصوص ما إذا كان بداعي الجدّ لا غيره من الدواعي ، وحينئذ يكون استعمالها فيما إذا لم يكن الإنشاء بذلك الداعي ، بل كان بسائر الدواعي مجازا.

هذا وقد بيّنا في المعنى الحرفي وفي أول هذا المبحث انّ الطلب انما هو بمعنى التصدّي نحو المقصود ، فلا يقال طالب الضالة لمن يشتاق وجدانها ويميل إليه إلّا ان يقوم بصدده بإيجاد مقدّماته.

والتصدّي فيما إذا كان المقصود فعل نفس الإنسان يكون بالاشتغال بمقدّمات تحصيله ، وفيما إذا كان فعل الغير الصادر منه اختيارا يكون التصدي بالبعث وتحريك الغير نحو المقصود ، وعليه فيستحيل إنشاء مفهوم الطلب بصيغة الأمر.

نعم يوجد بمادة الطلب بالوجود اللفظي ، فقول «افعل» يكون من مصاديق الطلب حقيقة لا إنشاء لمفهوم الطلب ، وكم فرق بين تعلّق الصيغة بمفهوم الطلب

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ١٠٢.

١٧٤

وكونه بنفسه من مصاديقه ، وهذا من غير فرق بين صيغة الأمر وغيرها من الجمل التي يطلب بها كقولك «أطلب منك كذا».

ولا مانع من اتحاد المفهوم والمصداق في مثل المقام كما يتّحدان في إنشاء التمليك بلفظ ملّكتك مثلا.

فصيغة الأمر لا بدّ وان تكون موضوعة لإبراز الأمر النفسانيّ على ما هو مقتضى ما اخترناه من تعريف الوضع بالتعهّد ، ولزوم تعلّقه بما هو مقدور الواضع.

كما ذكرنا أيضا : انّ هيئة الجمل الخبرية موضوعة لقصد الحكاية ، وبيّنا عدم الفرق بينهما من حيث مدلولهما ، ولا يتّصف مفاد الهيئة الخبريّة في نفسه بالصدق والكذب أصلا ، كالإنشاء ، فلو استعمل جملة «زيد قائم» في غير مورد قصد الحكاية كما في صورة المزاح لا يكون ذلك كذبا وانما يكون على خلاف تعهد الواضع.

فالجملة الإنشائية مطلقا مبرزة للأمر النفسانيّ ، وصيغة افعل موضوعة لإبراز اعتبار المادّة على ذمّة المكلّف ، كما في الدين ، فالشارع بمولويّته يعتبر المكلّف مديونا له بالعمل ، ولذا إطلاق الدين على الحج في قوله عليه‌السلام : (دين الله أحقّ ان يقضى).

وما قيل : من انها مبرزة لنفس الشوق الّذي هو أيضا امر نفساني وان كان في نفسه ممكنا إلّا انه غير مطّرد ، ولا يجري في الواجبات المشروطة التي ليس في موردها شوق أصلا كما لو امر الميّت أولاده بان يعطوا ثلثه لشخص بعد وفاته ، فانه لا يتحقّق للأمر في هذا الفرض شوق أصلا ، لا فعلا لأنه مشروط على الفرض ، ولا عند تحقق الشرط لأنه الموت. فمعنى الصيغة هو اعتبار اللابدّيّة ليس إلّا.

وبالجملة بعد ما تعهّد الواضع بذكر اللفظ الخاصّ عند إرادة المعنى المخصوص ، وحصلت العلقة بينهما بالجعل والمواضعة ، ودلّ اللفظ عند الاستعمال على قصد تفهيم ذلك المعنى بالدلالة الوضعيّة يمكن ان يكون ذلك اللفظ الدال على

١٧٥

ذاك المعنى مصداقا حقيقيّا لمعنى آخر ، مثلا إذا استعملت هيئة «زيد قائم» ، فمدلولها الوضعي ليس إلّا انّ المستعمل قصد الاخبار ولا ينافي ذلك ان تكون مصداقا واقعيا للحكاية والأخبار ، فكون الدلالة بالجعل والاعتبار لا يستلزم ان يكون مصداقية الكلام للمعنى ، الآخر اعتباريا.

وفي ما نحن فيه بعد ما وضعت صيغة افعل لإبراز الاعتبار فدلالتها على ذلك تكون جعليّة ولكنّها تكون طلبا حقيقة وبعثا وتحريكا واقعا لا اعتبارا.

إذا عرفت ذلك ، فأمر الموضوع له في صيغة افعل يدور بين الاعتبار والشوق النفسانيّ ، والثاني ممنوع ، لأنّ الصيغة تستعمل في الوجوب ، فتأمل ، وهو امر اعتباري يجري فيه الاستصحاب وليس امرا واقعيّا كالشوق ، هذا مضافا إلى انها تستعمل في الوجوب الظاهري وليس هناك شوق ، وكذلك في الواجبات المشروطة التي ليس في موردها شوق فعلا بل ولا إلى الأبد ، كما لو أمر المكلّف بتقسيم ماله بعد موته ، فيتعيّن الثاني ، وعليه فاستعمالها في التهديد والتسخير والتعجيز وأمثالها يكون مجازا.

ويؤيّد ذلك عدم جواز استعمالها في معناها الحقيقي واحد هذه الأمور بان يقال : «صم شهر رمضان ويوم العيد» مثلا.

ثم انه لا بدّ وان نتكلّم في ما هو الفارق بين الوجوب والندب ليعلم انّ الصيغة هل تكون موضوعة للأول أو للثاني أو لهما معا أو للجامع بينهما أو كلا منهما يكون خارجا عن معناها؟ ويترتّب على ذلك ثمر مهمّ كما هو واضح.

فنقول : ذكر القدماء انّ الوجوب مركّب من الطلب مع المنع من الترك ، والندب مركّب من الطلب مع الترخيص في الترك ، وقد أوردوا عليه بأنّ الوجوب والندب أمران بسيطان وليس فيهما تركيب ، ومن ثم فرّق في الكفاية بينهما بالشدّة والضعف ، فذكر انّ الطلب الشديد هو الوجوب ، والطلب الضعيف هو الندب.

١٧٦

وفيه : أولا : انّ الطلب كما عرفت عبارة عن التصدّي نحو المقصود ، وليس في ذلك شدّة ولا ضعف.

وثانيا : انّ الطلب يكون منتزعا عن الصيغة فكيف يمكن أن تكون مستعملة فيه؟! نعم الشوق يتصوّر فيه الشدّة والضعف ، إذ ربما يشتاق الإنسان شيئا بحيث يتحمّل المشاق في تحصيله ، وربما يشتاقه بمرتبة ضعيفة بحيث لو توقّف تحصيله على أدنى مشقّة لا يطلبه ، إلّا انّ الشوق لا يمكن ان يكون مدلولا للصيغة لما عرفت.

وذكر المحقق النائيني قدس‌سره انّ الفرق بين الوجوب والندب انما يكون من حيث الملاك والمصلحة الملزمة والغير الملزمة (١).

وفيه : انّ هذا الفرق وان كان ثابتا إلّا انّ الوجوب والندب ثابت على رأي الأشعري المنكر لتبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد أيضا ، ويجري في التكاليف العرفيّة الناشئة من غير مصلحة أيضا.

وبالجملة لا ريب في انّ الأحكام من الأمور المجعولة التي هي تحت اختيار جاعلها كغيرها من الأفعال الاختيارية ، وليست من قبيل الصفات النفسانيّة الخارجة عن الاختيار كالشوق ، وعليه فلا يمكن ان يفرّق بين الوجوب والندب بكون الأول شوقا شديدا والثاني شوقا ضعيفا ، فان الوجوب أو الندب من الأحكام ، وهي غير الشوق.

وكذلك لا يصحّ الفرق بينهما بالذهاب إلى ان الوجوب هو الطلب القوي ، والندب هو الطلب الضعيف ، وذلك :

أولا : فلأنّ الطلب انما هو بمعنى التصدّي ، ولا معنى فيه للشدّة والضعف.

وثانيا : انّ الطلب متأخر عن الوجوب وعن استعمال الصيغة فكيف يعقل

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٩٥.

١٧٧

استعمالها فيه.

وهكذا لا وجه لما ذكره المحقق النائيني من الفرق بينهما من حيث المصلحة والملاك بدعوى انّ التكليف الناشئ عن المصلحة الملزمة وجوب والناشئ عن المصلحة الغير الملزمة ندب ، فانّ الوجوب والندب ثابتان في الأحكام الظاهرية مع انّ المصلحة فيها ليس واحد وهو أغلبيّة مطابقة الطريق للواقع.

فالذي ينبغي ان يقال : هو ان الصيغة موضوعة لإبراز اعتبار اللابديّة على ذمّة المكلّف كالدين ، فإذا أبرز ذلك الاعتبار النفسانيّ ، فتارة. يرخص المولى في مخالفته ويجعل للمكلّف مخرجا من ذلك ، وأخرى : لا يجعل له ذلك وينتزع العقل الوجوب عن الاعتبار الّذي لم يرخص في مخالفته المولى ، فالوجوب يكون بحكم المولى فانه يثبت العمل ويلزمه على ذمّة المكلف ويعبر عنه في الفارسي ب (چسبانيدن) ، ولا يعتبر الوجوب لغة الا الثبوت ، يقال : أوجبه أي أثبته ، وبهذا المعنى استعمل لفظ الوجوب في الأخبار وهكذا الإلزام ، مثلا لو جعل شخص أحدا في حبس ولم يجعل له طريقا للخروج عنه يقال ألزمه في المحبس ، وهذا بخلاف ما لو جعل له مخلصا عنه.

وبالجملة فالإيجاب فعل المولى وليس بحكم العقل كما توهّم ، كما انه ليس مدلولا للّفظ أيضا ، ويترتب على ما ذكر أمور مهمّة.

منها : انه على هذا لا مجال للبحث عن انّ الصيغة موضوعة للوجوب أو للندب أو للجامع بينهما وان الوجوب يستفاد من انصراف الصيغة ونحو ذلك ، لأنها على الفرض موضوعة لإبراز الاعتبار النفسانيّ.

ومنها : انه على هذا لو ورد امر من المولى ولم يثبت ترخيص على مخالفته يثبت الوجوب لا محالة من غير توقّف على ثبوت قرينة على أحد الأمرين ، وهذا بخلاف القول بكون الصيغة موضوعة للجامع بين الوجوب والندب ، إذ عليه يكون

١٧٨

اللفظ مجملا ما لم تقم قرينة على التعيين.

ومنها : بل أهمّها انه لو ورد امر بأمور عديدة فان كان بنحو العام المجموعي كما ورد انه لا صلاة إلّا بأذان وإقامة ، ثم ورد ترخيص في ترك بعضها فلا محالة ينتفي الوجوب عن الجميع ، إذ المفروض انه لم يكن في البين إلّا اعتبار واحد ، وقد رخّص في مخالفته ، وان كان بنحو العام الاستغراقي كما في قوله «اغتسل للجمعة والجنابة» ودلّ الدليل على جواز ترك الجمعة فلا وجه لرفع اليد عن وجوب الآخر أيضا كالجنابة في المثال ، لأنّ الوجوب لم يكن مدلولا للصيغة ، بل كان مستفادا منها ومن عدم الترخيص بنحو تعدد الدال والمدلول ، وثبوت الترخيص في مورد لا يستلزم ثبوته في المورد الآخر.

ثم انّ المحقق الخراسانيّ (١) ذهب إلى انّ الجمل الخبريّة المستعملة في مقام الإنشاء لا تستعمل في غير معانيها ، فالمعنى متّحد على التقديرين والاختلاف انما هو من ناحية الدواعي ، فإذا استعملت الجملة الخبريّة بداعي الحكاية يكون اخبارا وتتّصف بالصدق والكذب ، وإذا استعملت بداعي البعث تكون إنشاء ولا تتّصف بالصدق والكذب ، كما تختلف كيفيّة الصدق والكذب في إرادة المعنى الثاني من اللفظ ، فلو قيل زيد كثير الرماد وأريد منه الاخبار عن الجود يكون صدقه بتحقق الجود فيه ولو لم يكن في داره رماد ، ولو أريد منه معناه الحقيقي يكون صدقه بثبوته.

ونقول : قد ذكرنا انّ اختلاف معاني الأخبار والإنشاء سنخا ، وانّ الهيئة في الجمل الخبريّة موضوعة لقصد الحكاية وفي الإنشائية لقصد إبراز الأمر النفسانيّ ، فلا بدّ من الامتثال فيما نحن فيه بالاشتراك اللفظي أو بالحقيقة والمجاز ، والأول هو الأظهر ، والشاهد لما اخترناه عدم جواز استعمال الجمل الاسمية في الإنشاء

__________________

(١) كفاية الأصول ـ الجلد الأول ـ ص ١٠٤.

١٧٩

وانحصار ذلك بالفعل الماضي والمضارع المتلو لأداة الشرط الّذي يرجع إلى الماضي أيضا ، ولو كان الاختلاف بمجرد اختلاف الدواعي لأمكن ذلك في الجمل الاسميّة أيضا.

وكيف كان على هذا تكون الجمل الخبريّة المستعملة في الإنشاء دالّة على الوجوب كصيغة افعل ، ولا فرق بينهما إلّا في احتياج الجملة الخبريّة في دلالتها على ذلك إلى القرينة.

١٨٠