دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

المقصد الأول

في الأوامر

وفيه مقامات :

المقام الأول

في مادة الأمر

وفيه جهات

الجهة الأولى :

تستعمل هذه المادة في معان منها الطلب والشأن والغرض والحادثة والفعل وغير ذلك وقد ارجع بعضهم جميع هذه المعاني إلى جامع وهو مفهوم الشيء.

وفي الكفاية (١) انها مشتركة بين الشيء والطلب.

وذهب النائيني قدس‌سره إلى كونها موضوعة للشيء المهم (٢).

أمّا كونها موضوعة لمفهوم الشيء ، ففيه : انّ الأمر ربما يستعمل في موارد لا

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٩٠.

(٢) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٨٦.

١٤١

يمكن استعمال الشيء فيها ، مثلا يقال : جاء زيد لأمر كذا ، ولا يقال : جاء لشيء كذا ، وربما ينعكس الأمر ، مثلا يطلق لفظ الشيء على الواجب تعالى ، وعلى الذوات والصفات والأفعال ، بخلاف الأمر فانه لا يطلق إلّا على ما فيه جهة حدوث من الأفعال والصفات ، فلا يطلق الأمر على الحجر ، هذا مضافا إلى انّ مفهوم الشيء جامد غير قابل للاشتقاق بخلاف لفظ الأمر ، على انّ الأمر تارة يجمع على أمور ، وإذا أريد منه الطلب يجمع على أوامر ، فلا يعقل ان يكون موضوعا لمفهوم الشيء فقط.

واما كونها موضوعة للشيء المهم وأخذ مفهوم المهم فيه ، فيرده صحة توصيف الأمر بغير المهم ، فيقال : «جاءه لأمر غير مهم» أي بسيط باصطلاحنا.

والصحيح ان يقال : انّ هذه المادة تستعمل في الطلب يقينا ، وفي الواقعة ، وفي الشور ومنه المؤامرة ، وفي العجب على ما في أساس البلاغة (١) ، وامّا استعماله في الفعل لقوله تعالى : (وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)(٢) فغير تام ، لأنّ المراد من الأمر بقرينة صدر الأمر به هو الطلب ، حيث يقول تعالى : «واتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد» ، والظاهر انهم اتبعوا أمره لا فعله ، ولا يهمنا التعرض لبيان انّ أي من هذه المعاني معنى حقيقيا لها بعد عدم ترتب ثمر عليه ، إذ لم نجد موردا في الأحكام استعمل هذا اللفظ لنشك في المراد منه.

وانما نقول : انّ مادة الأمر تستعمل بلا مسامحة في الطلب المبرز أعم من أن يكون بصيغة افعل ، أو بالماضي ، أو بمادة الأمر ، أو بمادة الطلب ، أو بالفعل ، أو بغير ذلك ، كل ذلك مصداق للأمر كما في لفظ البيع.

__________________

(١) أساس البلاغة ـ ص ٩.

(٢) هود ـ ٩٧.

١٤٢

فما في الكفاية من تفسيره بالقول المخصوص (١) لا وجه له ، ولا يهمنا انّ استعمالها في المعاني الأخر هل هو حقيقة أو مجاز ، بنحو الاشتراك اللفظي أو المعنوي أصلا.

الجهة الثانية :

اعتبر بعضهم في صدق الأمر العلو والاستعلاء. أما العلو ، فهو معتبر يقينا ، ولذا يتأذى الإنسان لو قال له السافل أو المساوي أمرك بكذا ، وأما الاستعلاء فان أريد به المولوية ، فهو أيضا معتبر ، إذ لو لم يكن الأمر في مقام المولوية بل كان في مقام الشفاعة أو المزاح أو غير ذلك يكون ما أتى به مصداقا لتلك العناوين ، والشاهد على ذلك خبر بريدة ، وان أريد منه الجبروتية ، فهو غير معتبر في صدق الأمر قطعا ، بداهة صدق الأمر ولو أمر المولى عبده مؤدبا في غاية الخضوع والأدب.

الجهة الثالثة :

الأمر حقيقة في الوجوب على النحو الّذي نبيّنه في الطلب المبرز ، لما عرفت انّ الطلب المبرز بأنحاء الإبراز هي مصاديقه ، فيلحقه حكمها ، فان كانت تلك الصيغ المبرزة للطلب للوجوب فكذلك لفظ الأمر ، وان لم تكن للوجوب فكذلك المادة ، وسنبيّن إن شاء الله تعالى انها للوجوب بنحو نتعرض له إن شاء الله تعالى ، فالأمر أيضا كذلك.

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٩٠.

١٤٣

الجهة الرابعة :

يقع البحث فيها عن نقاط أربع :

الأولى ـ في انّ الطلب والإرادة هل هما موضوعان لمفهوم واحد كما في الكفاية (١) ، أو انّ مفهوم كل منهما مغاير مع مفهوم الآخر؟

الثانية ـ في بيان معاني الجمل الإنشائية والجمل الخبرية ، والبحث عن هاتين الجهتين لغوي لفظي.

الثالثة ـ في إنه هل لنا وجدانا غير الصفات النفسانيّة الوجدانية من الحب والشوق والعزم والإرادة صفة أخرى تسمى بالكلام النفسانيّ كما ذهب إليه الأشاعرة أم لا؟

الرابعة ـ في انّ العباد في أفعالهم هل يكونون مقهورين بالإرادة القاهرة الأزلية أو انّ القوة والقدرة من الله والأفعال تصدر بإرادة العبد واختياره؟ والبحث عن هاتين الجهتين بحث كلامي كما هو واضح.

النقطة الأولى : فدعوى اتحاد الطلب والإرادة يمكن ان تكون من جهتين.

فتارة : يدعى انهما متحدان مفهوما نظير المترادفين وهذا الّذي يظهر من الكفاية (٢) ، وأخرى يسلم : تغايرهما مفهوما ولكن يدعى اتحادهما مصداقا وانّ ما يصدق عليه الطلب خارجا بعينه تصدق عليه الإرادة وبالعكس ، أي يكون بينهما من النسب الأربع التساوي ، نظير لفظ الكاتب بالقوة والضاحك بالقوة أو لفظ الإنسان والبشر ، لو لم يكونا مترادفين.

وكلتا الدعوتين باطلتان ، ومفهومهما مفهومان متباينان لا ارتباط بينهما

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٩٠.

(٢) نفس المصدر ـ ص ٩٥.

١٤٤

أصلا ، وذلك لأنّ الإرادة اسم للصفة أو الفعل النفسانيّ ـ على خلاف في ذلك يبيّن إن شاء الله ـ قائم بالنفس ولا يعبر عن ذلك بالطلب أصلا ، بل الطلب اسم للتصدي نحو المحبوب ، ولذا لا يقال طالب الدنيا لمن يحبها ، ولا طالب الضالة لمن لم يتصد نحو ضالته ، ولا طالب العلم لمن يحبه ، وإلّا لأطلق ذلك على جميع العقلاء ، إذ لم نر أحدا لا يحب العلم أو لا يحب الدنيا.

نعم بعد ما تصدى الإنسان نحو محبوبه ومراده يقال : طلب العلم ، أو الدنيا أو الضالة ، ويطلق عليه الطالب والتصدي نحو المراد لو كان من الأمور الاختيارية التي هي تحت قدرة المحب والمريد بان كان المشتاق إليه فعل فتصديه نحوه يكون بعمله الخارجي.

وأمّا لو لم يكن ما اشتاقه فعل نفسه بل كان فعل غيره وخارجا عن اختياره ، أو كان تحت اختياره أيضا ، كما في الشارع ، ولكن المشتاق إليه لم يكن صدور الفعل كيف ما اتفق ، بل كان المصلحة في صدوره عن اختيار العبد ، فالتصدي نحوه حينئذ يكون بأمره بذلك بقول افعل وأمثال ذلك.

وعليه فقول افعل ونحوه يكون حقيقة مصداقا للطلب ، لأنه غاية ما يمكنه المولى في مقام تصديه نحو مراده ، وبهذا ظهر فساد ما في الكفاية (١) من انّ مفهوم الطلب ينشأ باللفظ ، فانّ المفهوم غير قابل للإنشاء ، بل الإنشاء بنفسه مصداق للطلب كما عرفت.

فالصحيح : انّ الطلب والإرادة مفهومان متباينان ، وان أراد الأشعري من تغايرهما ذلك فهو المتين جدا ، بل الظاهر انّ الطلب لا يطلق على مطلق التصدي نحو المراد ولو كان تحقق المطلوب وترتبه على المقدمات مسلما يقينيا ، مثلا لو

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٩٥.

١٤٥

تصدى الإنسان نحو طبخ الطعام بإيجاد مقدماته لا يقال طلب الطبخ ، وهكذا فيما إذا كان عدم ترتب المطلوب على المقدمات يقينيا وانما يطلق الطلب على التصدي نحو شيء يحتمل حصوله ويحتمل عدم حصوله ، هذا كله في مغايرة الطلب والإرادة.

النقطة الثانية : وهي التكلم في مدلول الجمل الخبرية والجمل الإنشائية ، فالمشهور ذهبوا إلى انّ الهيئة في الجمل الخبرية دالة على النسبة النّفس الأمرية الأعم من الخارجية والذهنية وغير ذلك ، إثباتا أو نفيا ، وفي الجمل الإنشائية موضوعة لإيجاد المعنى باللفظ أي إيجاد المفهوم في ذهن السامع.

ونقول : ذكرنا انّ الوضع ليس إلّا التعهد والالتزام ، فلا بدّ وان يتعلق بأمر مقدور للواضع أي ما يكون فعل نفسه ، وليس ذلك إلّا قصد تفهيم المعنى عند إطلاق اللفظ ، أو ذكر اللفظ عند قصد تفهيم المعنى الخاصّ ، وعليه فهيئة الجمل الاسمية موضوعة لقصد الحكاية فمهما يلفظ بها اللافظ تنتقل بالانتقال التصديقي إلى انه قصد الحكاية بمقتضى تعهد الواضع ، واستعمالها بدونه يكون على خلاف التعهد ، ولا فرق في ذلك بين صورة الصدق والكذب.

وأمّا هيئة الجمل الإنشائية فلا معنى لكونها موضوعة لإيجاد المعنى باللفظ ، إذ لو أريد من الإيجاد الإيجاد الخارجي ، فهو لا بد وان يكون مستندا إلى علله الخارجية ، وليس اللفظ منها ، وان أريد به الإيجاد الذهني الاعتباري ، فهو أمر قائم باعتبار المعتبر وأجنبي عن مقام اللفظ ، فلا بدّ وان تكون موضوعة لقصد إبراز الأمر الاعتباري كما بيّناه.

وإلى هنا نجد الهيئة في الجمل الخبرية والإنشائية في كونها موضوعة للقصد ومبرزة عنه ، ولكن يفرق بينهما في انّ متعلق القصد في الأولى يكون له تعلق إلى الخارج دون الثانية ، ولذا يجري في الأولى احتمال الصدق والكذب دون الثانية حيث ليس لها تعلق بأمر خارج.

١٤٦

النقطة الثالثة : هناك قول ثالث منسوب إلى الأشعري وهو أيضا يشاركنا في كون المدلول فيهما أمرا نفسانيا إلّا انه يخالفنا في تعيين ذلك ، فانهم التزموا بأنّ في النّفس صفة أخرى غير الصفات المشهورة من العلم والشجاعة والعزم والجزم والإرادة ، ونحو ذلك ، تكون نظير هذه الصفات وعبّروا عنها بالكلام النفسيّ ، وذهبوا إلى انها مدلول الكلام اللفظي ، وعبروا عنه في الجمل الخبرية بالكلام النفسيّ وفي الإنشائية بالطلب ، واستشهدوا لذلك بأمور مثل الإنسان يقول لمخاطب انّ في نفسي كلاما أريد ان أبديه ، أو انه لو لم يكن الكلام منظما في النّفس فكيف ينشئه اللافظ مرتبا.

وليعلم قبل بيان استدلالهم انه لو سلمنا صحة الكلام النفسيّ وأثبتناه مع ذلك يستحيل ان يكون ذلك موضوعا له للجمل ، لما بيناه من انّ الوضع بمعنى التعهد ، ولا مناص من تعلقه بأمر مقدور للواضع ، وليس ذلك إلّا ذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى.

ثم انه بعد التأمل ظهر لنا انّ القائل بالكلام النفسيّ لا يدّعي وضع الألفاظ لذلك كما يظهر من كلماتهم ، فهم موافقون مع المشهور فيما وضع له الألفاظ ، وانما يدعون دلالة الكلام اللفظي على الكلام النفسيّ دلالة المعلول على علّته كدلالة الفحش على ثبوت البغض في نفس الفحاش مثلا ، لا الدلالة الوضعيّة ، فما يظهر من الكفاية (١) من اسناده إلى الأشعري دلالة الكلام اللفظي على الكلام النفسيّ بالدلالة الوضعيّة غير صحيح.

وكيف كان ذهب الأشاعرة إلى ثبوت حروف وألفاظ في النّفس نظير الحروف والكلمات ، غايته انّ الحروف في الألفاظ الخارجية متعاقبة ويوجد منها

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٩٨.

١٤٧

جزء في الخارج وينصرم ، ثم يوجد جزء آخر ، بخلاف الكلمات النفسيّة ، فانّ جميعها موجودة في النّفس عرضا نظير من نظر إلى مكتوب دفعة.

وقد استدلوا على ذلك بأمور.

منها : ما يرى في العرف من انه يقول أحد لآخر انّ في نفسي كلام لا أحب أن أبديه.

ومنها : انّ ناظم القصيدة لا بدّ له من نظم القصيدة في نفسه ، وإلّا فلا تتحقّق الألفاظ في الخارج منظمة.

وفيه : انّ ما يكون في النّفس ليس إلّا العلم وتصوّر الألفاظ والمعاني ، وهذا موجود في جميع الأفعال الاختيارية ، فانّ المصلي قبل الإتيان بصلاته يتصوّر الصلاة إجمالا ثم يأتي بها خارجا ، وهكذا في جميع الأفعال ، ولو كان ذلك كلاما نفسيا لزم الالتزام بالصلاة النفسيّ والأكل النفسيّ وغير ذلك.

ومنها : انه أسند الكلام إلى الله تعالى في قوله : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً)(١) ، ولو أريد منه الكلام اللفظي فهو حادث ، واتصاف القديم بالحادث محال ، لاستلزامه حدوث القديم أو قدم الحادث ، فلا بدّ وان يكون هناك كلام نفسي قديم يمكن اتصاف القديم به.

وفيه : أولا : انّ ظاهر الآية ان التكلّم كان مع موسى عليه‌السلام ، وموسى حادث يقينا ، والكلام مع الحادث حادث ، إلّا ان يلتزم بقدم موسى أيضا ، والقول بأنّ الكلام كان قديما وتعلقه بموسى كان حادثا خلاف ظاهر الآية.

وثانيا : انّ البارئ تعالى يتصف بغير التكلّم من الصفات كالخلق والرزق ونحو ذلك ، فلا بدّ من الالتزام بخلق نفسي ورزق نفسي.

__________________

(١) النساء ـ ١٦٤.

١٤٨

وثالثا : وهو الحل ، انّ الصفات المنتسبة إلى ذاته المقدّسة مختلفة فمنها : ما تنتزع من ذاته تعالى وتسمى بصفات الذات ، ومنها : ما تنتزع من أفعاله ويعبر عنها بصفات الفعل ، وما يتحد مع الذات ولا بدّ من ان يكون قديما انما هو صفات الذات ، وهي منحصرة في العلم والقدرة والحياة ، وهي منتزعة عن العلم والقدرة ، وأمّا الصفات المنتزعة من الفعل فهي كنفس الفعل حادثة كالخلق والرزق والاحياء ونحوها ، وقد دلّ على ذلك بعض الأخبار ، ومضمون الرواية انه عليه‌السلام يقول للراوي : (أو لست تقول انّ الله أراد كذا ولم يرد كذا) يقول : نعم فيقول عليه‌السلام ما حاصله : (انّ هذا من صفات الفعل ، وهل يمكن ان نقول كان عالما بكذا ولم يكن عالما بكذا) فيقول : لا ، فيقول عليه‌السلام : (هذا من صفات الذات).

ثم انّ تميّز صفات الذات عن صفات الفعل هل يكون بصحّة اتصاف الذات بضد تلك الصفة وعدمها ، أو يكون بصحّة اسناد الإرادة وعدمها إلى ذلك ، أو يكون بجواز نفيها عنه وعدمه؟

الظاهر هو الثالث : ففي الخلق يصح ان يقال : خلق الإنسان ذو رأس واحد ولم يخلق إنسانا ذي رأسين ، ولا يمكن ان يقال : انه قادر على الأمر الفلاني وغير قادر على الأمر الكذائي ، وهكذا في الفعل ، فالمائز بين صفة الذات وصفة الفعل هو صحة تعلق القدرة به تارة وعدمها أخرى في الثاني وعدم صحته في الأول.

وبالجملة ذهبت الأشاعرة إلى انّ الكلام ينقسم إلى قسمين ، أحدهما : ما يكون مندرج الحصول بنحو التعاقب ، ويسمى بالكلام اللفظي ، وثانيهما : ما يكون بسيطا ومن قبيل الألفاظ وغير قابل للانقسام أصلا ، وهو قائم بالنفس نظير سائر الصفات النفسانيّة ويسمى بالكلام النفسيّ ، وانقسامه إلى الخبرية والإنشائية ونحو ذلك يكون بلحاظ تعلقه بالكلام اللفظي ، وقد استدلوا عليه بوجوه أحسنها وجوه أربعة :

١٤٩

الأول : انه تعالى أسند إلى ذاته المقدّسة التكلم في قوله عزّ شأنه : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً)(١) ، أو القول بأنّ ما اتصف به من الكلام هو الكلام اللفظي مستلزم لاتصاف القديم بالحادث ، وهو محال ، فلا بدّ وان يراد منه الكلام النفسيّ القديم المتحد مع الذات.

وفيه : ما تقدم فلا نعيد.

الثاني : انه يطلق «المتكلم» عليه تعالى كما يطلق عليه «المريد والقادر» ، ولا يطلق هذا المشتق إلّا على من قام به المبدأ قيام حلول واتصاف لا قيام فعل وصدور ، وإلّا يصدق عليه المتحرك أيضا ، لأنه خالق الحركة ، ومن الواضح انّ الكلام اللفظي لا يعقل اتصافه تعالى به لأنه حادث ، فلا بدّ وان يراد منه كلاما قديما وهو الكلام النفسيّ.

وفيه : انه ما المراد من المادة في المتكلم ، فان كانت مادته الكلام أعني الصوت ، فهو حال في الهواء والهواء متصف به اتصاف حلول ، لأنّ الصوت منشأ من موج الهواء على ما قيل ، وعليه فلا بدّ من صدق المتكلم على الهواء ، وهو بديهي البطلان ، وان كانت المادة هي التكلم كما ذكره (روزبهان) بعد اطلاعه على فساد جعل مادته الكلام ، فهو وان كان صفة للمتكلم إلّا انه بمعنى إيجاد الكلام فالمتكلم من أوجد الكلام ، وأما ما ذكره من انّ اسم الفاعل لا يطلق على من قام به المبدأ قيام صدور فهو غير صحيح ، لإطلاق النائم على من صدر عنه النوم والخالق والرازق والمحيي والمميت عليه تعالى بلحاظ صدور تلك الأفعال عنه.

وقد ذكرنا انّ صفة الذات المتحدة معه تعالى ليس إلّا العلم والقدرة والحياة ، وهي قديمة ، وأمّا بقيّة الصفات فهي من صفات الفعل وحادثة كنفس الفعل ، إذ

__________________

(١) النساء ـ ١٦٤.

١٥٠

ليست تلك الصفة إلّا نفس الأفعال ، فكما انّ الفعل حادث فالفاعلية والموجدية لها أيضا حادثة ، والتكلم من هذا القبيل.

الثالث : انّ الإنسان حينما يريد الدخول على السلطان أو على العالم يرتّب في قلبه ما يريد إلقائه بمحضر السلطان ، وهو الكلام النفسيّ.

وفيه : انّ ذلك ليس إلّا تصور ، وهو موجود في جميع الأفعال الاختيارية.

الرابع : استشهدوا بالكلمات العرفيّة وظواهر الآيات كقوله تعالى : (فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها)(١) ، وقوله تعالى : (إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ)(٢) ، إلى غير ذلك.

وفيه : انه لا ربط بشيء من ذلك بالكلام النفسيّ كما هو واضح.

ومضافا إلى جميع ما تقدم انه بالوجدان نرى انه ليس في اللفظ إلّا أمور سبعة :

الأول : الألفاظ المفردة ، الثاني : معانيها ، الثالث : الهيئة التركيبية ، الرابع : مفادها ، الخامس : تصور المعنى ، السادس : التصديق بالنسبة نفيا أو إثباتا ، السابع : مطابقة الخبر في مثل «زيد قائم» ، للواقع وليس شيء منها كلاما نفسيا كما هو ظاهر غير محتاج إلى التطويل ، ويؤيد ما ذكر انّ غير الأشعري ممن سبقه ولحقه يستعملون الكلام اللفظي من غير ان ينتقلوا إلى الكلام النفسيّ أصلا ، فنحن لا نتصوّر للكلام النفسيّ معنى معقولا حتى نبحث عنه.

النقطة الرابعة : في الجبر والاختيار ، وهو من مهمّات المباحث الكلامية ، ولو لا انّ صاحب الكفاية تعرّض له في المقام لما تعرضنا له ، فذهب الأشاعرة فرارا من لزوم الشرك بزعمهم إلى انّ افعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى ، وليس لإرادة

__________________

(١) يوسف ـ ٧٧.

(٢) البقرة ـ ٢٨٤.

١٥١

العبد واختياره تأثير فيها أصلا ، لأن لا يلزم تعدد الآلهة بعدد افراد الفاعلين ، والتزموا بأنّ العباد كاسبون ، وإلّا فالفعل مخلوق له تعالى ، غايته في الاختيارية من الأفعال أوجد الله القدرة للعبد على إتيان العمل مقارنا لفعله من دون ان يكون مستندا إليها دون الفعل الغير الاختياري ، فتأمل.

ولذا ذكر بعض المعتزلة انّ حمار الأشعري أعقل منه ، لأنه يفرق بين الفعل المقدور وغير المقدور ، فإذا وصل إلى نهر صغير تمكن من عبوره حيث يطفر عنه بخلاف ما إذا وصل إلى النهر العريض الّذي لا يمكنه الطفرة عنه ، والأشعري لا يفرق بين الأمرين ، ومن الواضح انّ لازم هذا القول هو نسبة الظلم إليه تعالى في عقابه العباد على معاصيهم ، فهم فرارا من الشرك بتخيّلهم وقعوا في الظلم.

وذهب جمع من الفلاسفة إلى ما ذكر في الكفاية من انّ الأفعال الاختيارية تكون مستندة إلى الإرادة ، وبذلك فرقوا بين الفعل الإرادي وغيره ، إلّا انهم التزموا بأنّ إرادة العبد تنتهي إلى الإرادة الأزلية ، وهذا أيضا جبر نتيجة.

وأما المعتزلة فذهبوا إلى انّ ، العباد مستقلون في أفعالهم ، وعزلوا الله جلّ شأنه عن التأثير في ذلك زعما منهم كفاية العلة المحدثة في بقاء المعلول أيضا ، وهم فرارا من الظلم وقعوا في الشرك.

والإمامية تبعا لأئمّتهم عليهم‌السلام ذهبوا إلى الأمر بين الأمرين والمنزلة بين منزلتين ، بحيث لا يلزم شيء من المحذورين ، وقد مثلنا سابقا للجبر بحركة يد المرتعش إذا شدّ بيده سيف وجيء بإنسان تحت السيف ، فانّ حركة يد المرتعش تكون غير اختيارية ولو كان ملتفتا إلى انّ من تحت السيف يقتل بذلك ، بل ولو كان في نفسه محبا لذلك أيضا ، ومثلنا للتفويض بما إذا كان سبع في سجن ، فأرسله

١٥٢

السجان ، وبذلك خرج عن قدرته واختياره ، أو بإرسال حاكم إلى البلد وتفويض أمر البلد إليه بحيث لا يتدخل السلطان في أفعاله وأحكامه وتصرفاته ولو كان قادرا على عزله كما كان ذلك متعارفا في زمان الاستبداد ، وامّا الأمر بين الأمرين ، فمثاله ما إذا فرضنا انّ إنسان مصاب بالفلج لا يقدر على الحركة أصلا ، ولكن أوصل الطبيب السلك الكهربائي إلى يده فتحركت ما دامت متّصلة بالسلك ، فانّ المريض بعد ذلك يكون مختارا في أفعاله إلّا انّ إفاضة القدرة عليه يكون من السلك آناً فآنا ، ففي كل آن هو غير مستغن عن الطبيب ومهما رفع الطبيب يده عن «سويج» الكهرباء تفلج يد المريض وتسقط عن الحركة ، وفي هذا الفرض لو فعل المريض فعلا بلا مسامحة يكون الفعل مستندا إلى المريض لصدوره عن مشيئته واختياره ، ويستند إلى الطبيب أيضا ، لأنه كان بإفاضة القدرة عليه آناً فآنا ، وافعال العباد كلها من هذا القبيل ، فانّ الإنسان غير مستغن عن المؤثر دائما.

والحاصل : أصول الأقوال في المقام أربعة :

الأول : ما ذهب إليه أكثر الفلاسفة من انّ الأفعال الاختيارية معلولة للإرادة ، فهي إرادية غير انّ الإرادة تنتهي إلى ما ليس بالاختيار فهي غير اختيارية.

الثاني : ما ذهبت إليه الأشاعرة من انّ الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى ، وليس لقدرة العبد واختياره تأثير فيها أصلا ، وانّ العبد معرض ومحل للفعل نظير الجسم الّذي يعرضه السواد ، وانما الفرق بينهما في انّ خلق الفعل في الإنسان يكون مقارنا لقدرته بخلاف خلق السواد في الجسم.

الثالث : ما ذهب إليه المعتزلة من استغناء العباد في أفعالهم عن المؤثر ، وانهم لا يستمدون فيها من الله تعالى وان كان إيجاد مبادئ الفعل فيهم ابتداء من الله ، وهو قادر على إعدام ما أوجده فيهم من المبادئ إلّا انه بعد ما أعطاهم الحياة والقدرة

١٥٣

وبقية المقدمات فما لم يسترجعها يكونون مستلقين في أعمالهم.

الرابع : ما اختاره الإمامية من الأمر بين الأمرين.

أما الأشاعرة فيرد عليهم :

أولا : انا بالوجدان نفرّق بين حركة يد المرتعش وغيرها من الحركات الاختيارية ، وبين حركة النبض وتحريك الإصبع اختيارا ، والوجدان أعظم البراهين ، فحينئذ نسأل من الأشعري ونقول : ما الفرق بين الحركة الاختيارية والغير الاختيارية؟

فان قال : بعدم الفرق بينهما ، فهو إنكار للوجدان ، وإثبات المطلب على منكر الوجدانيات ممتنع نظير من أنكر استحالة اجتماع النقيضين.

وان قال : بأنّ الفرق بينهما بمقارنة الفعل الاختياري مع القدرة ، نقول : ما المراد من القدرة؟ ان أريد بها الإرادة والاختيار على الفعل فمعها لا معنى لأن يكون الفعل مخلوقا لله تعالى مع صدوره عن اختيار الفاعل ، وان كان المراد منها مجرد الشوق وحب الفعل فهو غير موجب لاختيارية الفعل ، ولذا لا تكون حركة النبض اختيارية مع انّ الإنسان يحبها وهو يشتاق إليها لأنها سبب حياة الإنسان ، فما هو الفارق بين الفعلين؟

وثانيا : انه على هذا المبنى يكون العقاب والثواب ظلما وقبيحا ، نظير عقاب العبد على طول قامته ، مع انّ الأشعري بنفسه يعاقب من ضربه بالحجر ولا يعاقب الحجر الواقع بنفسه من مكان مرتفع على رأسه ، وقد أورد هذا على رئيس الأشاعرة ، وهو أبو موسى الأشعري ، وأجيب عنه بجوابين :

الجواب الأول : انّ العقاب يكون على الكسب.

وفيه : انه ما المراد من الكسب ليكون العقاب عليه ، ان أريد منه معناه المتعارف الظاهر من اللفظ في الاستعمالات العرفية كما في قوله تعالى : (لَها ما

١٥٤

كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)(١) وأمثال ذلك فهو الفعل ، والمفروض انه غير اختياري ، ولذا ذكر بعضهم انه معنى لا يعقل ولا يمكن بيانه ، وقد وجهه بعضهم بوجهين :

أحدهما ـ انّ العقاب يكون على تقارن الفعل مع القدرة.

وفيه : انّ التقارن غير اختياري أيضا ، وليس العقاب عليه إلّا كالعقاب على تقارن أمر غير اختياري مع قصر قامة العيد أو سواد وجهه.

ثانيهما ـ ما ذكره الباقلاني من انّ العقاب والثواب يكون على الإطاعة والعصيان ، فانّ للفعل حيثيتين ، فانه بما هو فعل مخلوق لله تعالى وبما هو إطاعة أو عصيان يوجب الثواب أو العقاب.

وفيه : انّ الإطاعة والعصيان ليسا إلّا عنوانين انتزاعيين ولا حقيقة لهما إلّا بمنشإ انتزاعهما ، فالإطاعة تنتزع عن انطباق المأمور به على المأتي به والمعصية عن انطباق المنهي عنه عليه ، ولا معنى للعقاب على ذلك.

وبعبارة أوضح : ان كانت الإطاعة أو العصيان فعلا مستقلا فننقل الكلام فيها ، إذ لو كانت مخلوقة للعبد يلزم الشرك المتوهم عند الأشعري ، ولو كانت مخلوقة لله فالعقاب لما ذا؟

وان أريد من الكسب الإرادة والاختيار فننقل الكلام في ذلك ونقول : ان كان الاختيار فعلا نفسانيا مخلوقا للعبد فقد وقع المحذور وهو الشرك المتوهم عنده ، وعليه فلما ذا لم يكن أصل الفعل مخلوقا للعبد؟! وان كان هو أيضا فعل الله تعالى فالعقاب عليه أيضا ظلم قبيح.

الجواب الثاني : عن إشكال الظلم هو إنكارهم الحسن والقبح في الأفعال

__________________

(١) البقرة ـ ٢٨٦.

١٥٥

رأسا ، بدعوى : انّ الأفعال كلها مخلوقة لله تعالى ، وتصرّفه يكون في ملكه وسلطانه ، والظلم انما هو التصرّف في سلطان الغير ، فلا موضوع للظلم في أفعاله تعالى ، وعلى هذا حملوا الآيات النافية للظلم عنه كقوله تعالى : (أَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)(١) ، فقالوا المراد منه انه لا معنى للظلم منه تعالى ، لا انه معقول ولا يفعله ، فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا معنى لإثبات التكليف له تعالى بان يقال : يجب ان يفعل كذا وان لا يفعل كذا ، إذ ليس للعبد تكليف المولى وبيان الوظيفة له وإلزامه بشيء ، فلا مانع ان يدخل النبي في أسفل دركات الجحيم ويدخل المشرك العاصي في أعلى درجات الجنة إلى آخر ما يسطروه من الخرافات.

ونقول : أما قولهم بأنه ليس للعبد ان يحكم على المولى بشيء فهو حق ، إلّا انّ المراد من الحكم في المقام ليس هو الإلزام وجعل الوظيفة ، وانما المراد منه الإدراك ، فالحكم بأنه عادل كالحكم بأنه عالم وقادر.

واما قولهم بأنّ الظلم هو التصرف في سلطان الغير ولا معنى له في افعال الباري.

ففيه : انه مغالطة واشتباه بالغصب ، فانّ الغصب هو التصرّف في سلطان الغير ولا يعقل بالقياس إلى مالك الملوك ، واما الظلم فهو بمعنى الاعوجاج والخروج عن العدالة والاستقامة إلى حد الإفراط أو التفريط ولو في ملكه أو نفسه ، مثلا انّ الإنسان على نفسه حقوقا فلا بدّ وان يصرف مقدارا من زمانه في الأمور الأخرويّة ومقدارا منه في الأمور الدنيويّة يقال انه ظلم نفسه ، وهكذا لو كان للإنسان عبدان وكان أحدهما مطيعا لمولاه في تمام عمره والآخر عاصيا له كذلك لو أثاب المولى العبد العاصي وعاقب المطيع فهو ظالم ويعد عند العقلاء مجنونا.

__________________

(١) الحج ـ ٢٢.

١٥٦

وأما قولهم يجوز ان يدخل الله نبيّه في الجحيم ويخلد عدوّه في الجنّة فهو أيضا كالمثال المتقدم مما لا يجوّزه العقل والعقلاء ولو كان تصرفا في ملكه وسلطانه.

هذا مضافا إلى انه عليه يكون بعث الرسل وإنزال الكتب لغوا ، إذ لا مانع من ان يدخل جميع المؤمنين في النار ، ويسكن جميع الكفار في الجنان ، فلا يبقى لهذا دافع إلّا القول بأنّ الوعد والوعيد ينفي ذلك ، فانه لا يخلف الميعاد.

والجواب عنه واضح على مشربهم ، إذ خلف الوعد بل الكذب الّذي ليس إلّا ظلما في الكلام لا يكون قبيحا ، واما توهم انّ عادة الله جارية على ذلك.

ففيه : انه متى عاشرنا مع الله تعالى وكم مدّة كنّا معه حتى علمنا عادته في الأمور الدنيويّة؟ ومن رجع من الآخرة وأخبر عن عادته تعالى فيها؟ فهذه الكلمات مما تضحك الثكلى.

ثم انهم استدلوا على مطلبهم بوجهين.

أحدهما : عقلي.

ثانيهما : استظهار من ظواهر الكتاب كقوله تعالى : و (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)(١) ، وافعال العباد شيء فهو خالقها ، وغير ذلك مما دلّ على نفي الشرك.

وفيه : أولا : انّ المسألة عقلية لا يمكن الرجوع فيها إلى الظهورات.

وثانيا : يخالف هذه الظهورات ظهورات أخر على خلافها مما أسند الفعل فيها إلى العبد كقوله تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها)(٢) ، وقوله تعالى : (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)(٣) ، وقوله عزّ شأنه : (فَتَبارَكَ اللهُ

__________________

(١) الفرقان ـ ٢.

(٢) الإسراء ـ ٧.

(٣) المائدة ـ ١١٠.

١٥٧

أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)(١) ، وقوله تعالى : (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً)(٢) إلى غير ذلك ، وقد صرّح فيها بإسناد الخلق إلى الله تعالى ، فلا بدّ وان يراد من قول الله خالق كل شيء الأشياء الموجودة في نفسها غير الأفعال ، وأعجب من هذا استدلالهم بقوله تعالى : (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)(٣) ، فانّ صدر الآية (قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) ، أي الّذي تعملونه وهو الخشب فانّ ال «ما» موصول بمعنى ومعرفة صلته ، فالمعنى الله خلقكم وما تنحتونه من الأخشاب لا انّ الله خلق نفس عملكم وفعلكم.

واما العقلي فأمران :

الأول : انّ الله تعالى عالم بأفعال العباد ، وإلّا لزم الجهل في ذاته المقدّسة ، وهو محال ، فإذا تعلق علمه بأنّ زيدا يفعل العمل الكذائي وعمرا يتركه ، فبالضرورة لا بدّ وان يتحقق ذلك ، وإلّا لانقلب علمه جهلا ، وهو محال.

وهذا الوجه ذكره «الفخر الرازي» ، وأرعد بذلك حيث قال ما حاصله : انه لو أجمع أهل العالم والعلماء لما أجابوا عن هذه الشبهة ، وافترى على هشام وقال : إلّا ان يختار ما ذهب إليه هشام من نسبة الجهل إليه تعالى.

وقد أضاف إلى الشبهة بعضهم ما مضمونه انّ الله تعالى أخبر عن دخول أبي لهب النار بقوله تعالى : (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) ، فلو لم يكن كفر أبي لهب ضروريا وأمكن إيمانه ، والإيمان يجبّ ما قبله ، يلزم الكذب والجهل في ذاته المقدّسة.

وفيه : انّ العلم عبارة عن الانكشاف ، والانكشاف يتعلّق الواقع المنكشف

__________________

(١) المؤمنون ـ ١٤.

(٢) العنكبوت ـ ١٧.

(٣) الصافات ـ ٩٦.

١٥٨

على ما هو عليه واقعا ، فالعلم تابع للمعلوم ، لا انّ المنكشف تابع للعلم ، نظير من وقف امام المرآة فانّ ما يرتسم في المرآة يكون تابعا لصاحب الرسم لا العكس ، فالرسم يكون رسم إنسان يتبع كون الواقف امام المرآة إنسانا ، لا انّ الإنسان إنسان لأنّ رسمه رسم إنسان.

وبالجملة لا فرق بين علمه تعالى وعلمنا بالأشياء في ذلك ، فكما انا لو علمنا بأنّ زيدا يصلي غدا لا يؤثر ذلك في فعله ، وكلنا نعلم بأنه في الغد تطلع الشمس ولكن لا يؤثر علمنا في طلوعها ، كذلك علمه تعالى بافعال عباده لا يؤثر في تحققها فهو عزّ شأنه يعلم بصدور الفعل أو الترك من العبد بقدرته واختياره ، لأنه يصدر منه كذلك.

وأما ما ذكروه من قياس علمه تعالى بعلم البنّاء والخيّاط بعمله ، وتأثير ذلك فيه.

ففيه : انّ هذا العلم هو العلم الفعلي باصطلاح بعضهم أي ما يكون في طريق للفعل وهو عبارة عن تصوّر ، فتحقق كل فعل اختياري يكشف عن تعلق علم الفاعل به كشف المعلول عن علته ، فهذا العلم مؤثر في الفعل ، ولكن لا ربط له بالعلم بمعنى انكشاف الواقع.

والّذي يؤيد ما ذكرناه هو انه تعالى عالم بالملازمات وباستحالة الأمور المستحيلة كاجتماع النقيضين مع انه لا دخل لعلمه في شيء من ذلك ، فاستحالة اجتماع النقيضين ثابتة لا من جهة علمه تعالى بذلك ، هذا في الحل.

والنقض : انه تعالى كما هو عالم بافعال العباد عالم بافعال نفسه من إنزال المطر في الوقت الخاصّ ، وإرسال الريح في الزمان المعيّن ، وخلق زيد في الساعة الفلانيّة إلى غير ذلك ، فيلزم ان يكون تحققها ضروريا ، وان يكون جلّ شأنه مضطرّا في افعال نفسه ، ولا يلتزم به الأشعري ، وبالجملة بعد فرض تحقق الفعل من العبد

١٥٩

وتعلق علم البارئ به بهذا العنوان يكون صدوره منه ضروريا لكن من قبيل الضرورة بشرط المحمول ، واما في حد نفسه فصدور الفعل الاختياري وعدمه من العبد يكون بالنسبة إليه على حد سواء.

وأما ما ذكروه من انه بعد تعلق علمه بصدور الفعل عن الشخص لو لم يكن ضروريا ينقلب علمه إلى الجهل فهو فاسد ، إذ لو فرضنا تعلق علمه بصدور الفعل من العبد اختياريا فصدوره عنه بالاضطرار مستلزم لانقلاب علمه جهلا.

الثاني : انّ نسبة الفعل والترك في كل فعل اختياري إلى الفاعل يكون على حد سواء ، لأنّ المفروض انّ الفعل ممكن فلا بدّ في تحقق أحد طرفيه من ثبوت مرجح لذلك ، وإلّا لزم الترجيح بلا مرجح ، فان ثبت مرجح لأحد الطرفين وأوجب تحققه ، فقد خرج إلى حد الوجوب فيجب تحققه ، وهذا هو المطلوب ، وإلّا فهو باق على حد الإمكان وداخلا تحت قدرة الفاعل ، ولا بدّ في تحقق أحد طرفي الممكن من مرجّح ، فان كان ذلك المرجّح الثاني أيضا موجبا فقد ثبت المطلوب ، وإلّا فالفعل باق على إمكانه إلى ان يتسلسل أو يتحقق مرجح موجب.

وفيه : انّ هذه الشبهة أيضا موهونة بعد التأمل.

فنقول : نحن لا شغل لنا بالألفاظ والاصطلاحات ، بداهة انّ نزاع الجبر والتفويض غير مبني على وضع لفظ الإرادة ونظائره ، بل نريد ان نتأمل الواقع ونرى ما يتحقق في أنفسنا وجدانا عند صدور الفعل عنّا ، لا شبهة في انه :

أولا : لا بدّ لنا من ملاحظة الفعل وتصوّره ، ثم بعد ذلك لا بدّ من إدراك كون الفعل والترك ملائما لإحدى قوانا الظاهرية أو الباطنية وربما يعبرون عنه بالتصديق بالفائدة ، ثم إدراك ما يترتب عليه من المفسدة ودفعها أو توطين النّفس عليها ، ثم نشتاقه ونميل إليه ، وبعد ذلك نرى انّ لنا قدرة على الفعل وعلى الترك ، وبعد ذلك ليس إلّا إعمال القدرة فتحريك العضلات من دون ان يكون هناك مرجح إلى كونه

١٦٠