دراسات في علم الأصول - ج ١

آية الله السيّد علي الشاهرودي

دراسات في علم الأصول - ج ١

المؤلف:

آية الله السيّد علي الشاهرودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية
المطبعة: محمّد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

يكون اللفظ متصوّرا آليا في مقام الاستعمال ، بل يمكن ان يكون ملحوظا استقلالا كما في القصائد والخطب ، فإذا لوحظ مستقلا كما يمكن ان يجعل مبرزا لمعنى واحد يمكن ان يجعل مبرزا لمعنيين ، ولا يلزم منه المحذور المذكور.

ثم انه ذكر في الكفاية (١) ان في المقام روايات دالة على ان للقرآن سبعين بطنا أو سبعة أبطن ، واحتمل ان يكون المراد من ذلك ان جبرئيل عليه‌السلام حين إنزال القرآن على قلب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أراد أمورا عديدة مستقلا لا من ألفاظ القرآن.

ونقول : بعد الفحص في البحار والوسائل لم نظفر على رواية واحدة تدل على ذلك ، وانما ورد في الأخبار ان للقرآن ظهرا وبطنا ، والمراد من الظهر هو الظاهر وما يعرفه كل عارف بلغة العرب ، والمراد من البطن هو المستتر من المعنى ، وقد فسّر بطن القرآن في الأخبار بوجهين :

الأول : ان باطن القرآن عظة ، أي ان ظاهره وان كان قصة وتاريخا ، ولكن ليس القرآن كتاب تاريخي وانما ذكر فيه القصص لكي يتعظ به الناس.

الثاني : ان القرآن يجري كجري الشمس والقمر ، وانه وان كانت الآية نازلة في مورد خاص إلّا انها تجري في غيره أيضا ممن يشاكله ، فله باطن بهذا المعنى.

ثم على تقدير تسليم ورود تلك الأخبار فلا معنى لأن يراد من البطون ما أراده جبرئيل عليه‌السلام حين إنزاله على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فان بطن الشيء لا بد وان يكون له إضافة إلى الشيء ، ومجرد إرادة جبرئيل امرا أجنبيا عن الآية حين إنزالها لا يصحّح إطلاق بطن الآية على ما أراده.

والّذي يمكن ان يراد منها هو مداليلها الالتزامية ، وليس المراد من السبعة أو السبعين خصوص هذا العدد بلا زيادة ونقيصة ، فان السبعة والسبعين يستعملان

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٥٧.

١٠١

للمبالغة في الكثرة ، فالمراد ان للقرآن مداليل التزامية كثيرة ولا يفهمها إلّا الأئمة عليهم‌السلام ، الذين هم العارفون بالملازمات والخصوصيات.

ومن الواضح انه ربما يفهم أحد من اللفظ ما لم يفهمه غيره منه ، مثلا العالم البارع ربما يستفيد من كتاب رسائل الشيخ مطالب لا يستفيده نوع الطلاب العارفين الذين يفهمون الرسائل ، وهكذا لو أخبر أحد بان زيدا أكل سمّ الفأر فالطبيب العارف بان سمّ الفأر قتال يستفيد من هذا الاخبار حكاية موت زيد بخلاف غير العارف بذلك ، وهكذا في القرآن.

١٠٢

المشتقّ

وقع الخلاف في ان إطلاق المشتق على من انقضى عنه المبدأ هل يكون حقيقة ، أو يكون مجازا ، بمعنى انه يكون من مصاديقه أم لا؟ بعد الوفاق على انه حقيقة في المتلبس بالفعل ، وعلى انه مجاز فيمن لم يتلبس بعد.

تحرير محل النزاع :

ثم ان المحمولات التي تحمل على موضوعاتها تنقسم إلى أقسام ، لأن المحمول تارة : يكون مقوما للموضوع أو من مقوماته كالإنسان أو الحيوان أو الناطق ويسمى اصطلاحا بذاتي باب الكلّيات ، وأخرى : لا يكون كذلك ، وإذا لم يكن المحمول ذاتيا ومقوّما للموضوع ، فاما ان يكون وضع الموضوع ولحاظه كافيا في انتزاع المحمول وحمله عليه من دون حاجة إلى ضم ضميمة أصلا كالإمكان بالقياس إلى الممكنات ، فان تصور الممكن وانه مما يكون نسبة الوجود والعدم إليه على حد سواء يكفي في حمل الممكن عليه ، ويعبر عن ذلك بخارج المحمول ، لأنه خارج عن ذات الشيء ومحمول عليه ، وبذاتي كتاب البرهان.

وإما يتوقّف صحّة الحمل وانتزاع المحمول منه إلى ضم ضميمة إليه ، وهذا أيضا ينقسم إلى أقسام ثلاثة ، فالمجموع خمسة ، فان تلك الضميمة المصححة للحمل المعبّر عنها بالمبدإ تارة : يكون مما له مطابق في الخارج كالبياض والقيام ونحو ذلك مما يكون من المقولات والأمور الحقيقيّة ، وأخرى : لا يكون له مطابق خارجا

١٠٣

ولكن يكون من شئون ما له مطابق كالفوقيّة ، فانه في حمل الفوق على ما قيل لا يكون في الخارج الا الذات وتحيّزه في مكان مخصوص الّذي هو من مقولة الأين ، ومن انتسابه إلى شيء آخر ينتزع عنوان الفوقيّة.

وهكذا في الأصغر والأكبر ، ولذا لو سئل ان الشيء الفلاني أصغر أو أكبر أو فوق أو تحت ، ليس له جواب إلّا ان يضاف إلى شيء آخر ، وثالثة : لا يكون له مطابق في الخارج ، ولا يكون من شئون ما له مطابق ، وانما يكون أمرا اعتباريا قائما باعتبار من بيده الاعتبار كالملكية والزوجية والرقية وأمثال ذلك ، فانه بعد ما اعتبر الشارع أو العقلاء الملكيّة لزيد على ما استولى عليه يحمل عليه عنوان المالك فيقال : «زيد مالك» وذاك المال مملوك.

وبالجملة فالمحمول تارة : يكون ذاتيا للموضوع أو من ذاتيّاته ، وأخرى : يكون خارج المحمول ، وثالثة : يكون من الأمور الحقيقيّة ، ورابعة : من الأمور الانتزاعية ، وخامسة : من الأمور الاعتبارية ، إذا عرفت ذلك نقول :

لا إشكال في خروج القسم الأول من حريم النزاع ، بداهة انعدام الذات بل زوال ذاتياته ، ولذا يكون إطلاق الإنسان على التراب الّذي كان إنسانا غلطا لا مجازا ، وهكذا على من تلبّس بالإنسانيّة بعد ، فكما انه لا نزاع أيضا في دخول القسم الثالث بأقسامه الثلاثة في محل الخلاف ، فان إطلاق الأبيض مثلا على شيء كان أبيض صحيح كما ان إطلاق المالك على من انقضى عنه صحيح أيضا ، فيقال للمعتق «هذا مملوك زيد» أو يقال «ذاك سلطان حجاز» وهكذا فيقع البحث في كون ذاك الإطلاق الصحيح حقيقة أو مجازا.

وانما الكلام في دخول خارج المحمول في محل الخلاف وعدمه ، وقد ذهب

١٠٤

المحقق النائيني (١) إلى الثاني لعين ما ذكر في خروج القسم الأول ، فان زوال العنوان الّذي هو من قبيل خارج المحمول مساوق لانعدام الذات للملازمة بينهما.

وفيه : ان محل البحث في المقام انما هو الهيئات المشتقّة وليس لنا شغل بالمواد ، فلو كان لكل صيغة بمادتها وضع يخصها لكان ما ذكره متينا إلّا ان الأمر ليس كذلك ، بل الهيئات لها وضع نوعي بنحو الإطلاق ، فمحل الكلام في المقام هو ان هيئة فاعل مثلا موضوعة لخصوص المتلبس ، أو للأعم منه ومن المنقضى عنه ، فعدم قابلية مادّة للبقاء بعد زوال المبدأ عنها لا يوجب خروج هيئتها عن مورد النزاع ، مثلا غالب المشتقات التي تطلق على ذات البارئ كالغني والعالم يكون زوال المبدأ فيه مستحيلا ، ولا يوجب ذلك تخصيص البحث بغيرها.

ولا يجري هذا الوجه في القسم الأول ، فانه لا يكون من قبيل المشتقات ليكون لهيئته وضع بنحو الإطلاق.

ثم انه يلحق بالمشتقات بعض الجوامد التي تكون منتزعة عن الشيء بلحاظ اتصافه بأمر اعتباري ولذا تشابه المشتقات كالزوج والزوجة ، فهي داخلة في محل النزاع ، ولم ترد آية ولا رواية في اختصاص النزاع بعنوان المشتق ، وعلى هذا بنى فخر المحققين الفرع المعروف وهو ما إذا كان للرجل زوجة كبيرة فأرضعت زوجته الصغيرة.

(وتلخص) مما ذكر ان المحمول لا يخلو من ان يكون من قبيل ذاتي كتاب الكليّات ، أو ذاتي كتاب البرهان ، أو لا يكون من الذاتي أصلا ، وعلى جميع التقادير لو كان المحمول من قبيل المشتقّات الاصطلاحيّة أعني ما كان لهيئتها وضع ولمادّتها وضع آخر فهو داخل في محل النزاع ولو كان من الذاتي في باب الكليات

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٥٣.

١٠٥

كالناطق ، أو الحيوان على وزن فعلان ، والسر فيه ما تقدم من ان وضع الهيئات نوعي ، فعدم قابلية المادّة في مورد للبقاء بعد زوال العنوان لا يوجب خروجه عن محل النزاع.

وأما لو لم يكن مشتقا ، فان كان من الذاتي بقسميه فهو خارج عن مورد البحث لا محالة كعنوان الحجر مثلا ، فانه حيث تكون شيئية الشيء بصورته فبعد زوالها يزول الشيء أصلا ، واما الجنس والمادة فليس بشيء.

نعم تنقسم الجوامد في القسم الثالث إلى قسمين ، فانها تارة : تكون منتزعة عن ذات الشيء كالبياض والسواد ونظائر ذلك من الجواهر والأعراض ، وهي خارجة عن محل البحث قطعا ، إذ لا مجال لتوهّم صدق البياض بعد تبديله بما يضاده بل يناقضه ، فان ثبوت كل ضد يلازم عدم الضد الآخر ، فلازم صدق البياض مثلا بعد انعدامه وقيام السواد مقامه هو اجتماع النقيضين وقد رتّبنا على هذا ثمرة مهمّة في بحث الاستصحاب وعدم دلالة حديث لا تنقض اليقين بالشك على قاعدة اليقين لعدم صدق عنوان اليقين بعد زواله بالشك فراجع ، وأخرى : لا تكون منتزعة عن ذات الشيء كالعبد والزوج وأمثال ذلك ، فهي داخلة في محل الكلام ، فالمشتقات بأجمعها محل الكلام وكذلك ما يلحق بها من الجوامد.

وبما ذكرنا ظهر الجواب عن توهّم خروج بعض المشتقات كالساكن أو المتحرّك ، فان كون بعض المواد ملازما للانقضاء. والتصرّم لا ينافي عموم وضع الهيئة ولا خصوصها ، وهكذا الكلام في اسم الزمان ، فان صيغته غير موضوعة لخصوص زمان المادّة ، وانما هي موضوعة لوعاء المادّة وظرفها ، فإذا قيل : «هناك مقتل زيد» يستفاد منه المكان بسبب القرينة ، وإذا قيل : «يوم الجمعة مقتل زيد» يستفاد منه الزمان ولا ينبغي إطالة البحث في تحقيق اسم الزمان ، بعد ما بيّناه.

١٠٦

ثمرة البحث :

ثم انه لا ثمرة للبحث عن المشتق أصلا ، وذلك لأنّا ولو لم نقل بكونه حقيقة في خصوص المتلبّس ولكن لا ريب في انه منصرف إلى خصوص المتلبّس وظاهر فيه عرفا ، وقد ذكرنا مرارا ان المتّبع هو الظهور العرفي ولا غرض لنا بالمعنى الحقيقي ، مثلا لو قال المولى : «يحرم إهانة المؤمن» ظاهره بنظر العرف حرمة إهانة من يتّصف بالايمان بالفعل لا من كان متلبسا وقد كفر فعلا. وهكذا ما جعل ثمرا للبحث وهو ما ورد من كراهة البول تحت الشجرة المثمرة ، فان ظاهره المثمرة بالفعل لا ما كانت مثمرة.

واما الفرع الّذي ذكره فخر المحققين من انه لو أرضعت الزوجة الكبيرة الزوجة الصغيرة ، وقد فرض العلّامة قدس‌سره ان للرجل زوجات ثلاثة إحداهن صغيرة واثنتان منهن كبيرتان ، ويشترك الفرضان فيما هو المهمّ غالبا ، ونشير إلى ما يختصّ بفرض الثلاثة فهو أيضا غير صحيح لأنه مورد النص الخاصّ ، وكيف كان فتارة تكون الكبيرتان مدخول بهما معا ، وأخرى : غير مدخول بهما ، وثالثة : تكون إحداهما مدخولا بهما دون الأخرى ففي المقام فروع ثلاثة ، وعلى التقادير : تارة : نتكلّم من حيث بطلان عقد الزوجة ، وأخرى : من حيث لزوم الحرمة الأبديّة ، فنفرض الكلام فيما إذا لم تكون مدخولا بهما أصلا.

وفي الفرض ذهب المشهور إلى بطلان زوجيّة الكبيرة والصغيرة معا ، لصدق عنوان أم الزوجة على الكبيرة وبنت الزوجة على الصغيرة في آن واحد ، وتحقيق الكلام في ذلك مبني على مقدمتين :

الأولى : ان حرمة الزوجة ، تارة : تكون حرمة عينيّة ، وأخرى : تكون الحرمة في الجمع كالجمع بين أختين ، وفي الثاني إذا تقارنتا كما لو كان للرجل وكيلان

١٠٧

فعقدا له على أختين في آن واحد فيدور الأمر بين القول بصحّتهما معا ، أو فسادهما معا ، أو صحّة أحد العقدين معينا دون الآخر ، أو صحّة إحداهما لا بعينه وفساد الآخر ، ولا خامس.

اما صحتهما معا فهي خلف واضح ، وصحّة أحدهما المعين ترجيح بلا مرجّح ، واحدهما لا بعينه ان رجع تعينه إلى اختيار الزوج فلا دليل عليه ، وان لم يرجع إلى ذلك فلا معنى له ، لأنه لا وجود للواحد الغير المعين ، فيتعيّن بطلانهما معا.

الثانية : ان ظاهر قوله تعالى : (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ)(١) وان كان حرمة بنت الزوجة الفعليّة لا بنت من كانت زوجة ، إلّا ان لازم ذلك هو جواز تزويج الرّجل بنت زوجته المطلّقة المولودة لها بعد طلاقها وتزوّجها من رجل آخر ، ولم يلتزم الفقهاء بذلك ، ولذا لا بدّ من رفع اليد عن ذلك الظهور ، وكذلك تسالموا على حرمة تزويج أم الزوجة التي صارت أم الزوجة للشخص بعد طلاق البنت ، ولا بدّ ان يفرض ذلك في الرضاع ، ولا يعقل في الولادة بان يفرض ان للإنسان زوجة صغيرة وبعد طلاقها ارتضعت من امرأة فتتصف المرضعة بأنها أم زوجة هذا الرّجل لكن لا زوجته الفعلية ، بل ما انقضت عنها الزوجية.

إذا عرفت المقدمتين. نقول : في الفرض لو فرضنا ان حرمة تزويج أم الزوجة وبنت الزوجة تكون في الجمع بينهما لا حرمة عينيّة ، فبمجرّد تماميّة ارتضاع الصغيرة من الكبيرة ينفسخ العقد بين الزوج وبينهما معا كما عرفت في المقدّمة الأولى ، وحيث ان الترتب بين تحقق عنوان أم الزوجة وبنت الزوجة وانفساخ العقد ليس إلّا ترتّبا رتبيا ، وإلّا فلم يتحقق زمان صدق فيه كون الكبيرة أمّا للزوجة ، ولم يمض وقت اتصف فيه الصغيرة بأنها بنت الزوجة ، إذ ليس بين ذلك وبين بطلان

__________________

(١) النساء ـ ٢٣.

١٠٨

الزوجية ترتب زماني ، فثبوت الحرمة الأبديّة للكبيرة مبني على ما بيّناه من تسالم الفقهاء على حرمة تزويج أم من كانت زوجة ولو لم تكن زوجة حين الارتضاع منها. وأما الصغيرة فلا تحرم مؤبدا كما هو ظاهر.

وأما لو فرضنا ان الحرمة عينيّة والمحرم هو تزويج أم الزوجة كما هو ظاهر الأدلة وتزويج بنت الزوجة المدخول بها ، فعليه بعد ارتضاع الصغيرة من الكبيرة تحرم خصوص الكبيرة مؤبدة دون الصغيرة ، لأن حرمة بنت الزوجة مشروطة بالدخول وهو غير متحقّق على الفرض ، بخلاف حرمة أم الزوجة ، فان اتصافها بذلك آناً ما يكفي في حرمتها إلى الأبد كما نظيره قيل في (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(١) ، وكما قيل في ما إذا حدّ الإمام ولو مرّة واحدة يسقط عن قابلية الإمامة إلى الأبد.

(وبالجملة) تارة : لا يكون في البين دخول بالكبيرتين أصلا ، وأخرى : تكون المرضعة الأولى مدخول بها دون الثانية ، وثالثة : بالعكس.

واما الدخول بكلتا الكبيرتين فلا أثر له ، أما في فرض عدم الدخول رأسا فان قلنا بان الجمع بين البنت والأم محرم كالجمع بين أختين ، وعليه فبمجرد ما أرضعت الكبيرة الأولى الصغيرة تبطل الزوجية في الصغيرة والكبيرة معا للوجه المتقدّم ، والكبيرة تحرم مؤبدا بخلاف الصغيرة ، وأما المرضعة الثانية فحرمتها مبنية على ان تكون حرمة أم الزوجة السابقة أي أم من كانت زوجة موردا للإجماع ـ كما ادعي الإجماع على حرمة بنت الزوجة اللاحقة ـ وأما لو قلنا بالحرمة الذاتيّة وان أم الزوجة يحرم زواجها وبنت الزوجة كذلك ، فبالإرضاع لا تبطل زوجية الصغيرة ، وانما تبطل زوجية المرضعة فقط ، لأن حرمتها غير متوقّفة على شيء بخلاف حرمة

__________________

(١) البقرة ـ ١٢٤.

١٠٩

الصغيرة فانها متوقّفة على الدخول بالأم ، ويتفرع على هذا فروع :

منها : إذا تقارن وقوع عقد الزواج على الأم والبنت ، فانه عليه يحكم ببطلان عقد الأم دون البنت ، وهكذا لو كان العقد الأم دون البنت ، يبطل نكاح الأم ، ويجري ما ذكرناه في المرضعة الأولى في المرضعة الثانية أيضا.

واما لو فرض الدخول بالمرضعة الأولى فبتمامية الارتضاع ينفسخ نكاح المرضعة والمرتضعة معا ، وتحرمان مؤبدا ، اما الكبيرة فلأنها يصدق عليها أم الزوجة التي كانت زوجة قبل ان وان لم يصدق عليها أم الزوجة بالفعل حقيقة ، لما ذكرنا من انه بمجرد تمامية الارتضاع يحكم بانفساخ الزوجتين ، إلّا انه يتسامح في هذا المقدار القليل من الزمان كما يذكره المحقق قدس‌سره فيصدق عليها أم الزوجة.

واما الصغيرة فبناء على ثبوت الإجماع على حرمة بنت الزوجة ولو كانت البنتية لاحقة بالزوجية لا مقارنة لها فكذلك تحرم مؤبدا ، وليست الحرمة في شيء من ذلك مبنيا على المشتق.

واما الكبيرة الثانية في الفرض فلا يفرق بين كونها مدخولا بها ، أو غير مدخول بها ، فان الدخول بها انما كان يجدي في حرمة الصغيرة والمفروض انها محرمة بارتضاعها من الكبيرة الأولى التي كانت مدخولا بها.

وبالجملة فحرمتها مبنية على ثبوت الإجماع على حرمة أم الزوجة ، ولو كانت الأمومة حادثة بعد زوال زوجية البنت ، فهي أيضا غير مبنى على المشتق ، فان المشتق ظاهر في المتلبس بلا خلاف.

واما الفرع الثالث وهو ما إذا كانت الثانية مدخولا بها دون الأولى ، فظهر الحال فيه مما تقدم ، فانه تحرم الكبيرة المرضعة الأولى بالارتضاع دون الصغيرة ، ويجري ما ذكر في المرضعة الأولى في الفرض المتقدم في المرضعة الثانية بلا زيادة ونقيصة.

١١٠

هذا كلّه في الفرع من حيث الحرمة الأصولية أي عدم بنائه على أساس ، وظهر ان شيئا من شقوقه لا يتوقف على مسألة المشتق أصلا ، وتفصيل الكلام فيها موكول إلى محلّه.

اختلاف المشتقات :

ثم ان صاحب الكفاية (١) ذكر ان اختلاف المشتقّات من حيث المبادئ من جهة كون المبدأ في بعضها فعلا ، وفي بعضها حالا وفي بعضها آلة وفي بعضها ملكة أو صنعة وحرفة لا يوجب اختلافا في دلالتها بحسب الهيئة ولا تفاوتا في الجهة المبحوث عنها في المقام ، بل يكون الاختلاف فيها من حيث المادّة ، مثلا المفتاح اسم لآلة الفتح ، فمادّته موضوعة لعنوان الآلية لا يزول ذلك بزوال فعلية الفتح بها ، وانما يزول ذلك بانكسار بعض أسنانه بحيث لا يمكن فتح الباب به بعد ذلك. وهكذا المجتهد بمعنى من له ملكة الاستنباط ، فزوال ذلك لا يكون بالنوم ونحوه ، وانما يكون بزوال القوّة ، وهذا بخلاف زوال النوم عن النائم الّذي هو من قبيل الأفعال وانه انما يكون برفع اليد عن ذلك الفعل.

ولنا في المقام كلام ، إذ لا معنى لأن يراد من مادة واحدة الفاء والتاء والحاء أعني الفتح في ضمن هيئة الفاعل أعني الفاتح الفعل ، وفي هيئة مفتاح الآلة لذلك ، فعلى ما ذكره قدس‌سره لا بدّ وان يكون استعمال المادّة في الموارد مجازا ، مع انه لا يصحّ هذا الاستعمال المجازي في ساير اشتقاقاته. مثلا القاضي يطلق على المتّصف بهذا المنصب ولو لم يحكم بشيء بعد ، ولا يصح استعمال هذه المادّة في الفعل الماضي أو المضارع كقضى يقضي في ذاك المعنى ، فاذن لا يمكن ان يكون اختلاف المشتقّات لأجل

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٦٥.

١١١

اختلاف معنى الموادّ بل لا بدّ وان يكون مستندا إلى الهيئات.

فنقول : الصيغ المبالغة كالبكّاء والأكول ونحو ذلك لم توضع للمتلبس بالأكل أو البكاء الفعلي ، وانما هي موضوعة للمنتسب إلى كثرة المادة من البكاء ونحوه ، فمعنى البكّاء الّذي إذا بكى بكى كثيرا ، والأكول هو الّذي إذا أكل أكل كثيرا ، وزوال هذا الانتساب ليس بزوال الفعل ، بل يكون بزوال ذاك الانتساب ، فإذا عرض له عارض لا يبكي بعد ذلك كثيرا أو لا يأكل كثيرا. يقع النزاع في ان إطلاق البكّاء أو الأكول عليه بعد ذلك حقيقي أو مجازي؟

واما اسم الآلة كالمفتاح فهو موضوع لما انتسب إليه المادّة بالنسبة الآلية وواقع في طريق حصول المادّة ، ففعلية ذلك انما يكون بتمامية صنع الآلة ولو لم يستعمل في تحصيل المادّة بعد ، وزواله يكون بزوال البتة لذلك ، ولذا يطلق المفتاح على الآلة قبل ان يستعمل في الفتح.

واما مثل القاضي والتاجر وأمثال ذلك فالهيئة فيها موضوعة لما أسند إليه المادة صدورا ، وكيفيّة الانتساب مختلفة ، فربما تكون بالاتصاف بالفعل ، وربما تكون بالاتصاف الشغلي الفعلي ، وربما يكون بالاتصاف المنصبي إلى غير ذلك بحسب اختلاف الموارد.

فكيفيّة الانتساب مستفادة من ذلك لا من المادّة ، فزوال الانتساب المنصبي لا يكون إلّا بزوال المنصب اما شرعا أو عرفا ، كما ان ثبوته لا يكون بفعلية الحكم ، وانما يكون بفعلية المنصب.

وبالجملة فجميع المشتقات داخلة في محل البحث ، ويلحق بها بعض الجوامد أيضا.

١١٢

وللمحقق النائيني قدس‌سره في المقام كلام (١) وهو : انه استثنى عن محل البحث اسم الآلة واسم المفعول بدعوى ان اسم الآلة يطلق على الآلة قبل تلبسها بالمبدإ فكيف بعد انقضائه عنه.

وهذا ظهر جوابه بما مرّ ، إذ عرفت ان التلبّس في اسم الآلة انما هو باتصافه بالآلية للمبدإ وهو متحقّق بعد تمام صنعه.

واما اسم المفعول فلأنه موضوع لمن وقع عليه الفعل خارجا والشيء لا ينقلب عما وقع عليه ، فالمضروب مضروب إلى الأبد وهكذا المقتول.

وفيه : أولا ـ النقض باسم الفاعل كالضارب فانه أيضا موضع لمن صدر عنه الفعل ، والشيء لا ينقلب عما وقع عليه.

وثانيا ـ كأنه قدس‌سره تخيّل ان اسم المفعول موضوع لمن وقع عليه الفعل خارجا مع ان الأمر ليس كذلك ، بل هو كسائر المفاهيم الكلّية مثل الإنسان والحجر والشجر موضوع للمفهوم الكلّي ، والوجود أو العدم خارج عنه ، ولذا يحمل عليه الوجود تارة والعدم أخرى ، وهو المتلبس بالمبدإ بالتلبس الوقوعي.

نعم هذا المفهوم منتزع عن الموجود الخاصّ بما وقع عليه الفعل كما تنتزع جميع المفاهيم الكلّية من الوجودات الخاصّة على القول بتأصل الوجود.

فالنزاع في ان هيئة المفعول موضوعة للمفهوم الضيّق أعني المتلبس بالمبدإ وقوعا عليه بالفعل أو موضوعة للمفهوم الوسيع الأعم من المتلبس بالفعل وما انقضى عنه التلبس ، فجميع المشتقات داخلة في محل البحث.

__________________

(١) أجود التقريرات ـ المجلد الأول ـ ص ٨٣ ـ ٨٤.

١١٣

المراد بالحال في محل النزاع :

ثم ما المراد بالحال المأخوذ في محل النزاع؟

ذكر في الكفاية (١) انه ليس المراد منه حال النطق وانما المراد منه حال التلبّس بالنسبة ، ضرورة ان مثل «كان زيد ضاربا أمس» أو «سيكون ضاربا غدا» حقيقة إذا كان متّصفا بذلك في ذاك الزمان واقعا وإلّا فيكون مجازا ، ثم قال : ولا ينافي ما ذكرناه ما ادعي من الاتفاق على ان «زيد ضارب غدا» مجاز ، وذلك لأن المراد منه ما إذا كان الإسناد بالفعل ويكون لفظ غد قرينة على زمان التلبّس.

ونقول : كلامه غير خال عن التشويش ، اما ما ذكره من الاتفاق على ان «زيد ضارب غدا» مجاز فهو أول الكلام ، ولم ينقل ذلك إلّا عن العضدي ، بل الصحيح ان ذلك الاستعمال غلط أصلا ، لأن القيد في الجملة يرجع إلى المحمول أعني الضارب ، ولا معنى لحمل الضارب غدا على الذات فعلا ، واما بيان صدور الضرب عن زيد في الغد فلا بدّ من ان يكون بتعبير آخر غير هذا.

واما ما ذكره في المثالين من ان المشتق بهما حقيقة إذا كان الاتصاف متحققا في ظرفه وإلّا فيكون مجازا.

ففيه : ان الاتصاف الحقيقي وعدمه لا يكون مناطا للحقيقة أو المجاز بل يكون ذلك ميزانا للصدق والكذب ، فحمل الضارب على زيد والأخبار بذلك في المثالين يكون صدقا على فرض تحقق النسبة وكذبا على تقدير عدمه ، وأما الاستعمال فحقيقي في ما وضع له على التقديرين ، ويجري ذلك في الجوامد أيضا ، مثلا لو قيل : «الإنسان جماد بعد موته» فان كان الأمر كذلك واقعا فالإخبار صدق وإلّا كذب ، وعلى التقديرين لفظ الجماد حقيقة لكونه مستعملا في معناه الحقيقي ، وهذا

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٦٦.

١١٤

الاختشاش انما نشأ من أخذ الحال في محل النزاع فالحق إسقاطه.

وتحرير النزاع بوجه آخر بان يقال : ان المشتق حقيقة في المفهوم الوسيع أو الضيق وقد ظهر بيانه مما تقدم.

ونزيد وضوحا فنقول : قد عرفت ان الوجود والعدم كليهما خارجان عما وضع له الألفاظ في الجوامد والمشتقات بل هي موضوعة لنفس الماهيّة ، فيقع النزاع في ان المشتق موضوع لمفهوم ضيق منحصر مطابقه في الخارج بخصوص المتلبس أو لمفهوم عام يكون مطابقه أعم من المتلبس ومن المسبوق بالتلبس ، فلا نأخذ الحال في ذلك ليلزم الاختلال.

التمسك بالأصل العملي :

ثم انه لو لم يتم دليل على إثبات أحد الطرفين ، فهل يكون في البين أصل عملي يعين أحدهما؟ الظاهر عدمه ، فان أصالة عدم لحاظ خصوصية التلبس غير جارية وذلك :

أولا : لأن الوضع بأي معنى كان هو فعل اختياري للواضع مسبوق بالعدم ، فوضع المشتق لكل من الخاصّ والعام في حد نفسه مورد للاستصحاب فيتعارضان ، وليس هناك قدر متيقن في البين ليجري الا في المقدار الزائد ، وأصالة عدم لحاظ خصوصية التلبس لا يثبت تحقق الوضع للعام.

ثانيا : ان لحاظ خصوصيّة التلبس مما لا بدّ منه على التقديرين ، لما أثبتناه من ان الإطلاق انما هو بمعنى رفض القيود ، ففي الإطلاق أيضا لا بدّ من لحاظ القيد ليرفض ، ومعه لا معنى لأصالة عدم لحاظ الخصوصية.

وثالثا : ان الاستصحاب بناء على ان يكون مستفادا من الأخبار لا بدّ في

١١٥

جريانه من ترتيب أثر عملي عليه ، ولا أثر لذلك في المقام إلّا إذا كان المكلف ناذرا بشيء لو كان المشتق حقيقة في المتلبس أو في الأعم.

فالصحيح : انه ليس في هذه المسألة اللغوية أصل عملي. فلا بد فيها من الرجوع في موردها إلى الأصل الجاري في الحكم الفرعي ، فنقول : ذكر في الكفاية (١) ان مقتضى الأصل العملي في الحكم الفرعي يختلف في المقام ، فان كان المورد حين تعلق الحكم بالمشتق متلبسا بالمبدإ ثم زال عنه الاتصاف فيرجع فيه إلى الاستصحاب ، لأن الشك فيه يكون شكّا في ارتفاع الحكم بعد ثبوته سابقا بسبب زوال المبدأ ، فيستصحب ذلك ، وهذا بخلاف ما إذا لم يكن متلبسا حين صدور الحكم بل كان منقضيا عنه المبدأ حينئذ ، فلا مجال للاستصحاب ، فلا بدّ من الرجوع إلى البراءة.

ونقول : اما الرجوع إلى البراءة في الفرض الثاني فلا كلام لنا فيه ، وأما الرجوع إلى الاستصحاب فان أريد منه الاستصحاب الحكمي فبناء على تسليم جريانه في الأحكام ففي خصوص المقام لا يجري ، وذلك لأنه يعتبر في جريانه إحراز اتحاد القضية المتيقّنة والمشكوكة عرفا ، وإلّا فيكون صدق عنوان نقض اليقين بالشك مشكوكا ، فالشبهة تكون مصداقية ، ولا يمكن الرجوع فيها إلى عموم العام.

ومن الواضح ان الموضوع في قولك «أكرم العلماء» بنظر العرف انما هو عنوان العالم لا ذاته ، وبزوال العلم ينتفي الموضوع جزما ولا أقل من احتماله ، ونظير هذا في الجوامد ما إذا وقع الكلب في المملحة فصار ملحا فلا يمكن التمسك فيه باستصحاب النجاسة ، فان موضوعها كان عنوان الكلب لا ذاته ، وهو منتف يقينا ، والموجود الفعلي وهو الملح لم يكن محكوما بالنجاسة أصلا ، فبقاء العنوان الّذي هو الموضوع

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٦٨.

١١٦

بنظر العرف معتبر في جريان الاستصحاب سواء كان العنوان ذاتيا أو كان اشتقاقيا وبدونه لا يجوز الاستصحاب لأنه من التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية.

وان أريد منه الاستصحاب الموضوعي ، أي استصحاب صدق العنوان على الذات بعد زوال اتصافه بالمبدإ كما يستصحب بقاء نفس المبدأ والاتصاف به إذا شك في زواله.

ففيه : أولا : النقض بالصورة الثانية أعني بها ما إذا كان الاتصاف بالمبدإ منقضيا عن الذات حين صدور الحكم ، فانه على هذا يجري استصحاب بقاء صدق العنوان عليه فيدخل في موضوع الحكم ، فلما ذا يرجع فيها إلى البراءة.

وثانيا : بالحل ، وهو انا ذكرنا في بعض مباحث الاستصحاب ان مورده انما يكون ما إذا شك في حدوث حادث لم يكن حادثا قبلا أو في ارتفاع أمر كان موجودا سابقا ، وفي المقام ليس لنا حادث نشك في انعدامه ، أو في حدوثه نظير الشك في بقاء النهار بعد استتار القرص وعدم ذهاب الحمرة ، وقد بيّنا في محله انه لا يمكن الرجوع فيه إلى الاستصحاب بعين هذا التقريب ، والسرّ في الجميع هو انه ليس في هذه الموارد متيقّن ومشكوك ، بل نعلم بان زيدا كان عالما مثلا في السابق وزال عنه العلم فعلا يقينا ، فليس هناك امر نشك فيه إلّا سعة الوضع وضيقه ، والاستصحاب أجنبي عن ذلك ، ومن ثم قلنا بعدم جريانه في جميع الشبهات المفهومية ، وعليه فلا بدّ من التمسك بالبراءة في كلا الفرضين من غير فرق بينهما.

المختار في المسألة :

ثم ان المسألة عند القدماء كانت ذات قولين ، والأقوال الأخر حادثة من المتأخرين كالتفصيل بين ما إذا كان المشتق محكوما عليه فهو يكون حينئذ للأعم أو

١١٧

كان محكوما به فيكون لخصوص المتلبس.

ولا وجه لشيء من ذلك فان المشتق ليس له وضعان أحدهما للأعم إذا كان مبتدأ وثانيهما لخصوص المتلبس إذا كان محكوما به ، بل هو موضوع بوضع واحد ، فان كان للمتلبس فهو كذلك مطلقا وان كان بالعكس فكذلك.

والحق مع القدماء حيث لم يذهبوا فيه إلّا إلى قولين ، والحقّ منهما انه موضوع لخصوص المتلبس وحقيقة فيه وفاقا للأشاعرة وخلافا للمعتزلة ، والدليل عليه :

أولا : هو التبادر ، ولا يخفى ان التبادر في المشتقات وموارد الأوضاع النوعيّة يكون أوضح صحّة وأسهل تحصيلا من التبادر في الجوامد التي يكون وضعها شخصيّا مثل لفظ صعيد ، وذلك لأن الوضع النوعيّ الثابت للمشتق غير مختص بلغة دون لغة ، فهيئة الماضي في جميع اللغات موضوعة لمعنى واحد ، ولا اختلاف فيها باختلاف الألسنة ، ولذا يكون التبادر فيها سهلا ، وهذا بخلاف الجوامد المختصّة بلغة دون لغة.

وثانيا : صحّة السلب عن المنقضي عنه المبدأ ، إذ يصح ان يقال : ان المنقضي عنه النوم ليس بنائم ، وإثبات ذلك أيضا سهل في المشتقات بخلاف الجوامد لما تقدم.

ثم ان صحّة المشتق عن ما انقضى عنه المبدأ بناء على ما ذهب إليه السيد الشريف والمحقّق الدواني والميرزا النائيني من اتحاد المبدأ والمشتق ذاتا وان الفرق بينهما اعتباري بلحاظ اللابشرطيّة ولحاظ للشرط اللائية في غاية الوضوح ، إذ كما لا يصح إطلاق البياض بعد انعدام اللون الخاصّ المفرق للبصر كذلك يصح سلب الأبيض عن الشيء بعد زوال صفة البياض عنه ، لأن الأبيض والبياض حقيقة واحدة على الفرض ، فمهما لم يصدق المبدأ لا يصدق المشتق أيضا ، وإلّا لزم صدق المبدأ بعد زواله ، وهو بديهي البطلان.

واما على القول بعدم بساطة المشتق بهذا المعنى ، وانه موضوع للذات المندمجة

١١٨

من جميع الجهات كلفظ الموصول مثل الّذي يستعمل في الواجب والممكن والممتنع ويكون معرفه صلته ، فالمشتقات أيضا موضوع لذات مبهمة ومعرفها يكون اتصافها بالمبدإ ، وعليه فالمبدأ يكون مأخوذا في المشتق بنحو الركنية وان لم يكن هو الموضوع له لذلك ، فبانتفائه ينتفي صدق المشتق ، ويصح سلبه بعد ذلك لا محالة ، فعلى كلا القولين تتم دعوى التبادر وصحّة السلب.

نعم يبقى إشكال وهو احتمال ان يكون ذلك من الانصراف لا من حاق اللفظ كما قيل ، والجواب عنه :

أولا : انه يكفينا إثبات معنى المشتق ولو بمجرد ما يكون اللفظ منصرفا إليه عرفا ، فانه الّذي يترتّب عليه الأثر العملي لإثبات خصوص المعنى الحقيقي المقابل للمجازي.

وثانيا : ان الانصراف لا يتحقّق من دون سبب خارجي وليس ذلك إلّا كثرة الاستعمال ، وعلى الأعمي لا يكون المشتق أكثر استعمالا في المتلبس من المنقضي ، وذلك لأن المشتق كثيرا ما يستعمل بلحاظ الماضي والمستقبل ، فيقال : «زيد كان ضاربا» أو «سيكون ضاربا» وهذا الاستعمال بناء على القول بان المشتق حقيقة في خصوص المتلبس لا بدّ وان يكون الإطلاق فيه بلحاظ حال التلبس.

ولكن على القول بوضعه للأعم فلا وجه للالتزام بذلك ، لأن كلا من حال التلبس وحال الانقضاء يكون من مصاديقه الحقيقيّة ، وعلى هذا فلا وجه لحمل الإطلاق على ان يكون بلحاظ حال التلبس من الماضي والاستقبال ، بل يكون الإطلاق بلحاظ حال النطق وهو حال الانقضاء ، وعليه فينبغي أن يكون استعمال المشتق في المنقضي عنه المبدأ كثيرا.

وبعبارة أخرى بنحو الجدل نقول للمستشكل : انه على مبناك من وضع المشتق للأعم يكون استعماله في المنقضي أقل من استعماله في المتلبس ، فليس هناك

١١٩

وجه للقول بان التبادر بسبب الانصراف أو صحّة السلب لذلك.

هذا كلّه في الوجوه العرفيّة.

ويمكن ان نقيم البرهان على المنع عن وضع المشتق للأعم ، بتقريب : انه ليس الزمان مأخوذا في المشتق أصلا ، بل كما ان الجوامد مثلا «الإنسان» موضوع للحيوان الناطق كذلك المشتق يكون موضوعا للمفهوم الخاصّ ونعبّر عنه بالمتّصف بالمادّة ، ومن ثم ذكرنا ان في قولك «زيد كان قائما» أو «يكون قائما» يكون استعمال المشتق حقيقة سواء كان صدقا أو لم يكن ، لأنه مستعمل في معناه وهو عنوان الاتصاف.

وعليه ففي مقابل المتصف غير المتصف ، وتصوير الجامع بين المتصف وغير المتصف كما ترى ، إلّا ان يتصور بعنوان الماضي ، كما حكي عن العلّامة انه موضوع لمن تحقق منه المبدأ أعم من ان يكون باقيا أو لا يكون باقيا ، ولازمه :

أولا : دخل الزمان في المشتق ، وهو غير صحيح.

وثانيا : عدم صحّة ان يقال «زيد سيكون ضاربا» إذ لم يتحقق منه الضرب بعد ، وانما يتحقق منه فيما بعد ، وإذا لم يكن هناك جامع للأعم فما معنى الوضع للأعم ، وهذا نظير ما تقدم من دعوى عدم وجود الجامع بين الأفراد الصحيحة.

وبما ذكرنا ظهر الحال فيما نقل في الكفاية (١) من انه ان أريد من صحّة السلب سلب المشتق مطلقا فهو غير صحيح ، وان أريد سلب المقيد فهو غير مفيد.

فان الجواب عنه ، انا نريد صحّة سلبه بما له من المعنى بحسب المرتكز العرفي.

واستدلّ لوضع المشتق للأعم من المتلبس والمنقضي بوجوه :

الأول : تبادر الجامع عند إطلاقه.

__________________

(١) كفاية الأصول ـ المجلد الأول ـ ص ٧١.

١٢٠