نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

يختلفان في الخلقة على رغم كلّ الدعايات المزيّفة التي تبغي إزالة كلّ تفاوت بينهما ، وبما انّ هذا النوع من الاختلاف ثابت لا يتغير بمرور الزمان فهو يقتضي تشريعا ثابتا على شاكلة موضوعه ، يقول سبحانه : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ)(١).

٤. الروابط العائلية هي روابط طبيعية ، فالأحكام المنسّقة لهذه الروابط من التوارث ولزوم التكريم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان ، يقول سبحانه : (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ)(٢) والمراد من الأولوية هي الأقربية.

٥. انّ الحياة الاجتماعية رهن الحفاظ على الأخلاق ، وممّا لا شكّ فيه انّ الخمر والميسر والإباحة الجنسية تقوّض أركان الأخلاق ، فالخمر يزيل العقل ، والميسر يورث العداء في المجتمع ، والإباحة الجنسية تفسد النسل والمجتمع فتتبعها أحكامها في الثبات والدوام.

هذه نماذج استعرضناها للحياة الاجتماعية التي لا تمسّها يد التغير ، وهي ثابتة ، فإذا كان التشريع على وفق الفطرة ، وكان نظام التشريع قد وضع وفق ملاكات واقعية ، فالموضوعات تلازم أحكامها ، ملازمة العلة لمعلولها ، والأحكام تتبع موضوعاتها تبعيّة المعاليل لعللها.

هذا جواب إجمالي ، وأمّا الجواب التفصيلي فهو رهن الوقوف على

__________________

(١) النساء : ٣٤.

(٢) الأنفال : ٧٥.

٨١

الدور الذي يلعبه الزمان والمكان في مرونة الأحكام الشرعية ، وتطبيع الأحكام على متطلبات العصر ، وهذا هو الذي سنقوم بدراسته.

دور الزمان والمكان في الاستنباط

قد يطلق الزمان والمكان ويراد منهما المعنى الفلسفي ، فيفسر الأوّل بمقدار الحركة ، والثاني بالبعد الذي يملأه الجسم ، والزمان والمكان بهذا المعنى خارج عن محط البحث ، بل المراد هو المعنى الكنائي لهما ، أعني : تطور أساليب الحياة والظروف الاجتماعية حسب تقدم الزمان وتوسع شبكة الاتصالات. وهذا المعنى هو الذي يهمّنا في هذا البحث ، ودراسته تتم في ضمن بحوث خمسة :

الأوّل : دراسة الروايات الواردة في ذلك المضمار.

الثاني : نقل مقتطفات من كلمات الفقهاء.

الثالث : تطبيقات عملية.

الرّابع : دور الزمان والمكان في الأحكام الحكوميّة.

الخامس : في دراسة العنصرين في الفقه السني.

وإليك دراسة الجميع واحدا تلو الآخر.

٨٢

البحث الأوّل

استعراض الروايات الواردة

في ذلك المضمار

قد أشير في غير واحد من الروايات عن أئمّة أهل البيت عليهم‌السلام إلى أنّ للزمان والمكان دورا في تغير الحكم إمّا لتبدّل موضوعه بتبدّل الزمان ، أو لتغير ملاك الحكم إلى ملاك آخر ، أو لكشف ملاك أوسع من الملاك الموجود في عصر التشريع أو غير ذلك ممّا سيوافيك تفسيره عند البحث في التطبيقات.

وأمّا ما وقفنا عليه في ذلك المجال من الأخبار ، فنذكره على الترتيب التالي :

١. سئل علي عليه‌السلام عن قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود».

فقال عليه‌السلام : «إنّما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك والدين قلّ ، فأمّا الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار». (١)

__________________

(١) نهج البلاغة ، قسم الحكم ، رقم ١٧.

٨٣

فقول الإمام يشير إلى إنّ عنوان التشبّه كان قائما بقلّة المسلمين وكثرة اليهود ، فلو لم يخضّب المسلمون الشيب يوم كانوا أقلية صار عملهم تشبها باليهود وتقوية لهم ، وأمّا بعد انتشار الإسلام في أقطار الأرض على نحو صار اليهود فيه أقلية ، فلا يصدق التشبّه بهم إذا ترك الخضاب.

٢. روى محمد بن مسلم وزرارة عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام أنّهما سألاه عن أكل لحوم الحمر الأهلية ، فقال : «نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أكلها يوم خيبر ، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس ، وإنّما الحرام ما حرّم الله في القرآن». (١)

والحديث يشير إلى أنّ نهي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أكل لحومها كان لأجل أنّ ذبحها في ذلك الوقت يورث الحرج والمشقة ، لأنّها كانت سببا لحمل الناس والأمتعة من مكان إلى آخر ، فإذا ارتفعت الحاجة في الزمان الآخر ارتفع ملاك الحرمة.

٣. روى محمد بن سنان ، أنّ الرضا عليه‌السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله : «كره أكل لحوم البغال والحمر الأهلية لحاجة الناس إلى ظهورها واستعمالها والخوف من فنائها وقلّتها لا لقذر خلقها ولا قذر غذائها». (٢)

٤. روى عبد الرحمن بن الحجاج ، عمّن سمعه ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : سألته عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل؟ وقلت له : إنّه بلغنا أنّ

__________________

(١) وسائل الشيعة : ١٦ ، الباب ٤ من كتاب الأطعمة والأشربة ، الحديث ١.

(٢) وسائل الشيعة : ١٦ ، الباب ٤ من كتاب الأطعمة والأشربة ، الحديث ٨.

٨٤

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : أيّما رجل ترك دينارين فهما كيّ بين عينيه ، قال : فقال : «أولئك قوم كانوا أضيافا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذا أمسى ، قال : يا فلان اذهب فعشّ هذا ، فإذا أصبح قال : يا فلان اذهب فغدّ هذا ، فلم يكونا يخافون أن يصبحوا بغير غذاء ولا بغير عشاء ، فجمع الرّجل منهم دينارين ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه هذه المقالة ، فإنّ الناس إنّما يعطون من السنة إلى السنة فللرّجل أن يأخذ ما يكفيه ويكفي عياله من السنة إلى السنة». (١)

٥. روى حماد بن عثمان ، قال : كنت حاضرا عند أبي عبد الله عليه‌السلام إذ قال له رجل: أصلحك الله ، ذكرت أنت علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن ، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك ، ونرى عليك اللباس الجيّد ، قال : فقال له : «إنّ علي بن أبي طالب صلوات الله عليه كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر ، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به ، فخير لباس كلّ زمان ، لباس أهله». (٢)

٦. روى مسعدة بن صدقة : دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه‌السلام فرأى عليه ثياب بيض كأنّها غرقئ البيض ، فقال : إنّ هذا اللباس ليس من لباسك ، فقال الإمام ـ بعد كلام ـ «إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في زمان مقفر جدب ، فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها ، ومؤمنوها لا منافقوها ، ومسلموها لا كفّارها». (٣)

__________________

(١) معاني الأخبار : ١٥٢ ، باب معنى قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «أيما رجل ترك دينارين».

(٢) الوسائل : ٣ ، الباب ٧ من أبواب أحكام الملابس ، الحديث ٧.

(٣) الوسائل : ٣ ، الباب ٧ من أبواب أحكام الملابس ، الحديث ١٠.

٨٥

٧. روى عبد الله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «بينا أنا في الطواف وإذا برجل يجذب ثوبي ، وإذا هو عباد بن كثير البصري» ، فقال : يا جعفر بن محمد تلبس مثل هذه الثياب وأنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من علي عليه‌السلام؟! فقلت : «فرقبيّ اشتريته بدينار ، وكان علي عليه‌السلام في زمان يستقيم له ما لبس فيه ، ولو لبست مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس هذا مراء مثل عباد». (١)

٨. روى المعلى بن خنيس ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إنّ عليّا كان عندكم فأتي بني ديوان (٢) واشترى ثلاثة أثواب بدينار ، القميص إلى فوق الكعب والإزار إلى نصف الساق ، والرداء من بين يديه إلى ثدييه ومن خلفه إلى أليتيه ، وقال : هذا اللباس الذي ينبغي للمسلمين أن يلبسوه ، قال أبو عبد الله : «ولكن لا يقدرون أن تلبسوا هذا اليوم ولو فعلناه لقالوا مجنون ، ولقالوا مرائيّ». (٣)

٩. روى أبو بكر الحضرميّ ، قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «لسيرة علي عليه‌السلام في أهل البصرة كانت خيرا لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس أنّه علم أنّ للقوم دولة ، فلو سباهم تسب شيعته». (٤)

__________________

(١) الوسائل : ٣ ، الباب ٧ من أبواب أحكام الملابس ، الحديث ٣.

(٢) كذا ، وفي الوافي نقلا عن الكافي : (فأتي ببرد نوار) وقال في بيانه : النوار : النيلج الذي يصبغ به.

(٣) الكافي : ٦ ، باب تشمير الثياب من كتاب الزي والتجمل ، الحديث ٢.

(٤) الكافي : ٥ ، كتاب الجهاد : ٣٣ باب (لم يذكر عنوان الباب) الحديث ٤.

٨٦

١٠. روى السراد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قلت له : أبيع السلاح؟ قال : «لا تبعه في فتنة». (١)

١١. روى المعلى بن خنيس إذا جاء حديث عن أوّلكم وحديث عن آخركم بأيّهما نأخذ؟ فقال : «خذوا به حتى يبلغكم عن الحي ، فخذوا بقوله ، أما والله لا ندخلكم إلّا فيما يسعكم». (٢) فإنّ الحكم الثاني المخالف لما روي سابقا رهن حدوث تغير في جانب الموضوع أو تبدل الملاك أو غير ذلك من العناوين المؤثرة لتبدّل الحكم.

١٢. روى محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : قال : «إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة ، فأمّا اليوم فلا بأس به». (٣)

١٣. روى محمد بن مسلم ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى؟ فقال : «كنّا نقول : لا يخرج منها بشيء لحاجة الناس إليه ، وأمّا اليوم فقد كثر الناس فلا بأس بإخراجه». (٤)

١٤. روى الحكم بن عتيبة ، عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : قلت له : إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل والبقر والغنم ، قال : فقال : «إنّما كان ذلك

__________________

(١) الكافي : ٥ ، باب بيع السلاح منهم ، الحديث ٤ وفي الباب ما له صلة بالمقام.

(٢) الكافي : ١ ، باب اختلاف الحديث ، الحديث ٩.

(٣) الوسائل : ١٠ ، الباب ٤١ من أبواب الذبح ، الحديث ٣.

(٤) الوسائل : ١٠ ، الباب ٤٢ من أبواب الذبح ، الحديث ٥.

٨٧

في البوادي قبل الإسلام ، فلمّا ظهر الإسلام وكثرت الورق في الناس قسّمها أمير المؤمنين عليه‌السلام على الورق» قال الحكم : قلت : أرأيت من كان اليوم من أهل البوادي ، ما الذي يؤخذ منهم في الدية اليوم؟ إبل؟ أم ورق؟ فقال : «الإبل اليوم مثل الورق بل هي أفضل من الورق في الدية ، انّهم كانوا يأخذون منهم في دية الخطأ مائة من الإبل يحسب لكلّ بعير ، مائة درهم ، فذلك عشرة آلاف».

قلت له : فما أسنان المائة بعير؟ فقال : «ما حال عليه الحول ذكران كلّها» (١).

يلاحظ على المقرر من الديات الست من خلال الوجوه التالية :

الأوّل : عدم وجود التعادل والتساوي بين الأمور الست في بدء الأمر ، الواردة في بعض الأحاديث.

١٥. روى عبد الرحمن بن الحجاج دية النفس بالشكل التالي :

أ : مائة إبل كانت في الجاهلية وأقرّها رسول الله.

ب : مائتا بقرة على أهل البقر.

ج : ألف شاة ثنيّة على أهل الشاة.

د : ألف دينار على أهل الذهب.

__________________

(١) الوسائل : ١٩ ، الباب ٢ من أبواب ديات النفس ، الحديث ٨.

٨٨

ه : عشرة آلاف درهم على أهل الورق.

و : مائتا حلّة على أهل اليمن. (١)

فأين قيمة مائتي حلة من قيمة مائة إبل أو غيرها؟ إن ذلك أوجد مشكلة في أداء الدية خصوصا إذا قلنا بما هو المشهور من أنّ اختيار أي واحد منها بيد القاتل ، فإذا كيف يتصور التخيير بين الأقل والأكثر؟!

والجواب : أنّه من المحتمل أن تكون جميع هذه الموارد متقاربة القيمة ، لأنّ الحلل اليمانية وإن كانت زهيدة الثمن إلّا أنّ صعوبة اقتنائها حال دون انخفاض قيمتها.

وعلى فرض انخفاض قيمتها لما كان للجاني اختيار الحلل أخذا بالمتيقن من مورد النص للجاني.

الثاني : المراد من الورق الوارد في النصوص هو الدينار والدرهم المسكوكين الرائجين ، وهذا غير متوفر في غالب البلدان ، لأنّ المعاملات تتم بالعملة الرائجة في كلّ بلد ، وهي غير النقدين ، وعلى فرض وجود النقدين في الأعصار السابقة ، فليسا برائجين.

الثالث : لم يرد في النصوص الاجتزاء بالعملة الرائجة فما ورد من الدينار والدرهم فغير رائجين وما هو الرائج اليوم كالعملة الورقية فلم يرد فيها نصّ.

__________________

(١) الوسائل : ١٩ ، الباب ١ من أبواب دية النفس ، الحديث ١.

٨٩

والجواب عن الأخيرين هو : أنّ تقويم دية النفس بالأنعام أو الحلل ، لم يكن لخصوصية فيها دون غيرها ، بل لأجل انّ قلّة وجود النقدين كانت سببا لتعامل الناس بالأجناس فكان الثمن أيضا جنسا كالمثمن ولمّا كثر الورق ، قسّمها الإمام على الورق.

وهذا يعرب عن أنّ الدية الواقعية هو قيمة هذه الأنعام والحلل ، لا أنفسها بما هي هي ، بنحو لو أدى قيمتها لما أدّى الدية الواقعية.

ولو صحّ ذلك فلا فرق عندئذ بين النقدين والعملة الرائجة في البلاد هذه الأيام ، إذ الغرض أداء قيمة النفس بأشكالها المختلفة.

١٦. روى الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سألت عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحول الرجل إلى ناحية أخرى ، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره؟

فقال : «لا بأس إنّما نهى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو فوقع فيهم الوباء فهربوا منه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الفارّ منه كالفار من الزحف كراهية أن تخلو مراكزهم» (١).

فدلّ الحديث على أنّ النهي كان بملاك خاص ، وهو انّ الخروج كان سببا لضعف النظام الإسلامي وإلّا فلا مانع من أن يخرجوا منه بغية السلامة.

__________________

(١) الوسائل : ٢ ، الباب ٢٠ من أبواب الاحتضار ، الحديث ١.

٩٠

١٧. روى علي بن المغيرة ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : القوم يكونون في البلد فيقع فيه الموت ، ألهم أن يتحوّلوا عنها إلى غيرها ، قال : «نعم» ، قلت : بلغنا أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاب قوما بذلك ، فقال : «أولئك كانوا ربيئة بازاء العدو فأمرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يثبتوا في موضعهم ولا يتحولوا عنه إلى غيره ، فلما وقع فيهم الموت تحولوا من ذلك المكان إلى غيره ، فكان تحويلهم عن ذلك المكان إلى غيره كالفرار من الزحف». (١)

١٨. روى عبد الله بن بكير ، عن بعض أصحابه ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : لا ينبغي أن يتزوج الرجل الحرّ المملوكة اليوم ، إنّما كان ذلك حيث قال الله عزوجل :

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) والطول المهر ، ومهر الحرة اليوم مثل مهر الأمة أو أقل. (٢)

فالحديث يهدف إلى تفسير قوله سبحانه :

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ)(٣).

فالآية تعلّق جواز تزويج الأمة بعدم الاستطاعة على نكاح الحرة لأجل غلاء مهرها بخلاف مهر الأمة فإنّها كانت زهيدة الثمن.

__________________

(١) الوسائل : ٢ ، الباب ٢٠ من أبواب الاحتضار ، الحديث ٢.

(٢) الوسائل : ١٤ الباب ٤٥ من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث ٥.

(٣) النساء : ٢٥.

٩١

فإذا عاد الزمان إلى غير هذا الوضع وصار مهر الأمة والحرة على حدّ سواء بل كان مهر الحرة أقل ، فلا ينبغي أن يتزوج المملوكة لأنّ الظروف تغيّرت ، فيتغيّر الحكم من الجواز إلى الكراهة أو التحريم.

١٩. روى بكير بن محمد ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال سأله رجل وأنا حاضر ، فقال : يكون لي غلام فيشرب الخمر ويدخل في هذه الأمور المكروهة فأريد عتقه ، فهل أعتقه أحبّ إليك أم أبيعه وأتصدق بثمنه؟ فقال : «إنّ العتق في بعض الزمان أفضل ، وفي بعض الزمان الصدقة أفضل ، فإن كان الناس حسنة حالهم ، فالعتق أفضل ، وإذا كانوا شديدة حالهم فالصدقة أفضل ، وبيع هذا أحبّ إليّ إذا كان بهذه الحال». (١)

٢٠. روى محمد بن سنان ، عن الإمام موسى بن جعفر عليهما‌السلام في حديث : «ليس بين الحلال والحرام إلّا شيء يسير ، يحوله من شيء إلى شيء فيصير حلالا وحراما». (٢)

هذا بعض ما وقفنا عليه ، ولعلّ الباحث في غضون الجوامع الحديثيّة يقف على أكثر من ذلك.

__________________

(١) الوسائل : ١٦ ، الباب ٢٧ من أبواب العتق ، الحديث ١.

(٢) بحار الأنوار : ٦ / ٩٤ ، الحديث ١ ، باب علل الشرائع والأحكام.

٩٢

حصيلة الروايات

إنّ الإمعان في مضامين هذه الروايات يثبت أنّ تغير الحكم إنّما كان لإحدى الجهات التالية :

١. إذا كان حكما حكوميا وولائيا نابعا من ولاية النبي وصلاحياته في إدارة المجتمع وحفظ مصالحه ، فمثل هذا الحكم لا يكون حكما شرعيا إلهيا نزل به أمين الوحي عن ربّ العالمين ، بل حكما مؤقّتا يدور مدار المصالح والمفاسد التي أوجبت تشريع هذا النوع من الأحكام.

ومن هذا القبيل النهي عن إخراج اللحم من منى قبل ثلاثة أيّام ، أو النهي عن أكل لحوم الحمير ، ولذلك قال الإمام بعد تبيين علّة النهي إنّما الحرام ما حرّم الله في القرآن ، مشيرا إلى أنّه لم يكن هذا النهي كسائر النواهي النابعة من المصالح والمفاسد الذاتية ، كالخمر والميسر بل نجم عن مصالح ومفاسد مؤقتة.

ونظيرهما النهي عن الخروج من مكان ظهر فيه الطاعون ، حيث إنّ النهي كان لأجل أنّ تحوّلهم من ذلك المكان كان أشبه بالفرار من الزحف فوافاهم النهي ، فإذا زال هذا القيد فلا مانع حينئذ من خروجهم.

٢. انّ تبدل الحكم كان لأجل انعدام الملاك السابق ، وظهور ملاك مباين ، كما هو الحال في حديث الدينارين ، بخلاف عصر الإمام الصادق حيث كان يعطون من السنة إلى السنة.

٩٣

ومثله جواز نكاح الأمة مع القدرة على الحرة ، لأنّ ملاك الجواز هو غلاء مهر الحرة ، وقد انتفى في ذلك العصر ، بل صار الأمر على العكس كما في نفس الرواية.

٣. طروء عنوان محرم عليه ، كما في الأحاديث التي تعرّضت لأحكام الملابس ، مثل أن يكون اللباس لباس شهرة ، أو باعثا على السخرية والرمي بالجنون. كما قد يحصل تبدّل في الملاك ، ومثاله الرواية التي ربطت بين نوع الملابس وبين طبيعة العصر ، من حيث القفر والجدب أو النعيم والرخاء.

٤. كون الملاك أوسع كما هو الحال بالاكتفاء بالدرهم والدينار في دية النفس ، في عصر الإمام علي عليه‌السلام فانّ الملاك توفر ما يقوّم به دم المجني عليه ، ففي أهل الإبل الإبل ، وفي أهل البقر والغنم بهما ، وفي أهل الدرهم والدينار بهما.

٩٤

البحث الثاني

مقتطفات من كلمات الفقهاء

إنّ تأثير الظروف في تفسير الروايات والفتاوى في كلام الفقهاء أمر غير عزيز ، وقد وقفوا على ذلك منذ أمد بعيد ، ونذكر هنا مقتطفات من كلامهم :

١. الصدوق (٣٠٦ ـ ٣٨١ ه‍)

١. روى الصدوق في الفقيه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال : «الفرق بين المسلمين والمشركين التلحي بالعمائم».

ثمّ قال الصدوق في شرح الحديث : ذلك في أوّل الإسلام وابتدائه ، وقد نقل عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضا انّه أمر بالتلحّي ونهى عن الاقتعاط. (١)

قال الفيض الكاشاني بعد نقل الحديث : التلحّي إدارة العمامة تحت الحنك ، والاقتعاط شدّها من غير إدارة ، وسنّة التلحّي متروكة اليوم في أكثر بلاد الإسلام كقصر الثياب في زمان الأئمة ، فصارت من لباس الشهرة المنهي عنها. (٢)

__________________

(١) الفقيه : ١ / ٢٦٠ برقم ٨٢١.

(٢) الوافي : ٢٠ / ٧٤٥.

٩٥

٢. العلّامة الحلّي (٦٤٨ ـ ٧٢٦ ه‍)

قال في مبحث تجويز النسخ : الأحكام منوطة بالمصالح ، والمصالح تتغير بتغير الأوقات ، وتختلف باختلاف المكلّفين ، فجاز أن يكون الحكم المعين مصلحة لقوم في زمان فيؤمر به ، ومفسدة لقوم في زمان آخر فينهى عنه. (١)

٣. الشيخ الشهيد محمد بن مكي العاملي (٧٣٤ ـ ٧٨٦ ه‍)

قال : يجوز تغيير الأحكام بتغير العادات كما في النقود المتعاورة (٢) والأوزان المتداولة ، ونفقات الزوجات والأقارب فإنّها تتبع عادة ذلك الزمان الذي وقعت فيه ، وكذا تقدير العواري بالعوائد.

ومنه الاختلاف بعد الدخول في قبض الصداق ، فالمروي تقديم قول الزوج ، عملا بما كان عليه السلف من تقديم المهر على الدخول.

ومنه : إذا قدّم بشيء قبل الدخول كان مهرا إذا لم يسم غيره ، تبعا لتلك العادة فالآن ينبغي تقديم قول الزوجة ، واحتساب ذلك من مهر المثل (٣).

فقد أشار بقوله : «ينبغي تقديم قول الزوجة» إلى مسألة التنازع بينهما

__________________

(١) كشف المراد : ١٧٣ ، ط مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام.

(٢) المتعاورة أي المتداولة.

(٣) القواعد والفوائد : ١ / ١٥٢ ، القاعدة الخامسة ، ط النجف الأشرف.

٩٦

فيما إذا ادّعت الزوجة بعد الدخول بعدم تسلم المهر ، وادّعى الرجل تسليمه إليها ، فقد روى الحسن بن زياد ، قال : إذا دخل الرجل بامرأته ، ثمّ ادّعت المهر وقال : قد أعطيتك فعليها البيّنة وعليه اليمين. (١)

غير أنّ لفيفا من الفقهاء حملوا الرواية على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول وإلّا فالبيّنة على الزوج.

قال صاحب الجواهر : الظاهر أنّ مبنى هذه النصوص على ما إذا كانت العادة الإقباض قبل الدخول ، بل قيل إنّ الأمر كذلك كان قديما ، فيكون حينئذ ذلك من ترجيح الظاهر على الأصل. (٢)

٤. المحقّق الأردبيلي (المتوفّى ٩٩٣ ه‍)

قال : ولا يمكن القول بكلية شيء بل تختلف الأحكام باعتبار الخصوصيات والأحوال والأزمان والأمكنة والأشخاص وهو ظاهر ، وباستخراج هذه الاختلافات والانطباق على الجزئيات المأخوذة من الشرع الشريف ، امتياز أهل العلم والفقهاء ، شكر الله سعيهم ورفع درجاتهم. (٣)

__________________

(١) الوسائل : ١٥ ، الباب ٨ من أبواب المهور ، الحديث ٧.

(٢) الجواهر : ٣١ / ١٣٣.

(٣) مجمع الفائدة والبرهان : ٣ / ٤٣٦.

٩٧

٥. صاحب الجواهر (المتوفّى ١٢٦٦ ه‍)

قال في مسألة بيع الموزون مكيلا وبالعكس : إنّ الأقوى اعتبار التعارف في ذلك وهو مختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة. (١)

٦. الشيخ الأنصاري (١٢١٤ ـ ١٢٨١ ه‍)

وقال الشيخ الأنصاري في بحث ضمان المثلي والقيمي : بقي الكلام في أنّه هل يعد من تعذر المثل خروجه عن القيمة كالماء على الشاطئ إذا أتلفه في مفازة والجمد في الشتاء إذا أتلفه في الصيف أم لا؟ الأقوى ، بل المتعيّن هو الأوّل بل حكي عن بعض نسبته إلى الأصحاب وغيرهم والمصرح به في محكي التذكرة والإيضاح والدروس قيمة المثل في تلك المفازة ويحتمل آخر مكان أو زمان يخرج المثل فيه عن المالية. (٢)

٧. الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (١٢٩٤ ـ ١٣٧٣ ه‍)

قال في تحرير المجلة في ذيل المادة ٣٩ : «لا ينكر تغيير الأحكام بتغير الأزمان» قد عرفت أنّ من أصول مذهب الإمامية عدم تغيير الأحكام إلّا بتغيير الموضوعات أمّا بالزمان والمكان والأشخاص ، فلا يتغير الحكم ودين الله

__________________

(١) الجواهر : ٢٣ / ٣٧٥.

(٢) المكاسب : ١١٠.

٩٨

واحد في حقّ الجميع لا تجد لسنّة الله تبديلا ، وحلال محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حلال إلى يوم القيامة وحرامه كذلك.

نعم يختلف الحكم في حقّ الشخص الواحد باختلاف حالاته من بلوغ ورشد وحضر وسفر وفقر وغنى وما إلى ذلك من الحالات المختلفة ، وكلّها ترجع إلى تغيير الموضوع فيتغير الحكم فتدبر ولا يشتبه عليك الأمر. (١)

الظاهر انّه يريد من قوله : «امّا بالزمان والمكان والأشخاص فلا يتغير الحكم» أنّ مرور الزمان لا يوجب تغيير الحكم الشرعي بنفسه ، وأمّا إذا كان مرور الزمان سببا لطروء عناوين موجبة لتغير الموضوع فلا شكّ انّه يوجب تغير الحكم وقد أشار إليه في ذيل كلامه.

٨. السيد الإمام الخميني (١٣٢٠ ـ ١٤٠٩ ه‍)

قال : إنّي على اعتقاد بالفقه الدارج بين فقهائنا وبالاجتهاد على النهج الجواهري ، وهذا أمر لا بدّ منه ، لكن لا يعني ذلك انّ الفقه الإسلامي لا يواكب حاجات العصر ، بل انّ لعنصري الزمان والمكان تأثيرا في الاجتهاد ، فقد يكون لواقعة حكم لكنّها تتخذ حكما آخر على ضوء الأصول الحاكمة على المجتمع وسياسته واقتصاده. (٢)

وقد طرح هذه المسألة غير واحد من أعلام السنّة ، منهم :

__________________

(١) تحرير المجلة : ١ / ٣٤.

(٢) صحيفة النور : ٢١ / ٩٨.

٩٩

١. ابن قيم الجوزية (المتوفّى ٧٥١ ه‍) فقد عقد في كتابه فصلا تحت عنوان «تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأموال والنيات والعوائد».

يقول في ذيل هذا الفصل :

هذا فصل عظيم النفع ، ووقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة ، وتكليف ما لا سبيل إليه ، ما يعلم أنّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلّها ، ورحمة كلّها ، ومصالح كلّها ، وحكمة كلّها ، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة. (١)

٢. أبو إسحاق الشاطبي (المتوفّى ٧٩٠ ه‍) ، قال في الموافقات : المسألة العاشرة : إنّا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد والأحكام العادية تدور معه حيثما دار ، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة فإذا كان فيه مصلحة جاز. (٢)

وقال في موضع آخر : النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا ، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك انّ المجتهد لا يحكم على فعل من

__________________

(١) اعلام الموقعين : ٣ / ١٤ وقد استغرق بحثه في هذا الكتاب ٥٦ صفحة.

(٢) الموافقات : ٢ / ٣٠٥ ، ط دار المعرفة.

١٠٠