نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

المجتهدين ما دام هذا المجتهد المعاصر استمد مقوّمات اجتهاده ـ أصولها وفروعها ـ من المجتهدين ، وورثها عن الأئمّة كابرا عن كابر.

وليس هذا غاية ما يلفت نظري أو يستهوي فؤادي في قولهم بالاجتهاد.

وإنّما الجميل والجديد في هذه المسألة أنّ الاجتهاد على هذا النحو الذي تقرأه عنهم يساير سنن الحياة وتطوّرها ، ويجعل النصوص الشرعية حية متحركة نامية متطورة ، تتمشى مع نواميس الزمان والمكان ، فلا تجمد ذلك الجمود الذي يباعد بين الدين والدنيا ، أو بين العقيدة والحياة الذي نشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم. ولعل ما نلاحظه من كثرة عارمة في مؤلفات الإمامية وتضخّم مطّرد في مكتبة التشيّع راجع ـ في نظرنا ـ إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه».

هذا هو الاجتهاد ، وهذا دوره في خلود الدين وصلوحه للظروف والبيئات ولم يكن إغلاقه إلّا جهلا بأهميته أو ابتغاء للفتنة ، أو تزلفا إلى أبناء الدنيا ، أو جبنا عن النطق بالصواب ، وعلى أي تقدير فقد تنبّه بعض الجدد (١) من أهل النظر بلزوم فتحه وإنمائه ، وأنّ الاجتهاد أحد مصادر الشريعة التي تسع كل تطور تشريعي ، قال في مقال له حول الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بمصر وإثبات ما عليه القواعد الشرعية من سموّ وشمول ودقة وإحكام مع اتّسامها دائما بالجدة ، وملائمة أحكامها لكل حضارة ولكل بيئة

__________________

(١) الأستاذ علي علي منصور المصري مستشار مجلس الدولة لمحكمة القضاء الإداري.

٤١

ولكل زمان : «النصوص الشرعية للأحكام التي وردت في الكتاب والسنّة قليلة إذا ما قيست بمواد القانون في أي شريعة وضعية ، إذ الآيات القرآنية التي تضمّنت اصول الأحكام على ما أحصاها ابن قيم الجوزية لا تعدو مائة وعشرين آية من نيف وستة آلاف آية ، أمّا الأحاديث فخمسمائة من أربعة آلاف حديث ، ولقد أراد الله بذلك أن يهيّئ للناس فرصة الاجتهاد في الفروع دون الأصول ، فجعل النصوص الأصلية لقواعد الشريعة عامة ، دون التعمّق في التفاصيل ليتسع لها عقل من نزل فيهم القرآن وليترك للقوى الإنسانية التي أودعها مخلوقاته ، فرصة العمل والتفكير والتدبير واستنباط الأحكام فيما لا نص فيه من كتاب أو سنّة ، لما يجد ويعرض لهم في حياتهم من مشاكل وأقضية تختلف باختلاف الزمان والمكان ، وهذا هو الاجتهاد وهو أحد مصادر الشريعة المحمدية.

ومشروعية هذا المصدر ثابتة من حديث معاذ بن جبل إذ أنّه لمّا بعثه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن قال له : «بم تقض يا معاذ؟ قال : بكتاب الله ، قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فإن لم تجد؟ قال : فبسنّة رسول الله ، قال : وإن لم تجد؟ قال : اجتهد برأيي ، فأقره على ذلك». (١) وما كان يمكن أن ينزل الكتاب والسنّة على غير هذا الإجمال والتعميم ، لأنّ هذه الشريعة إنّما نزلت لكل زمان وكل مكان : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً).

ولو أنّ صاحب الشريعة عني بالتفاصيل والجزئيات لوجب أن يقدر ما

__________________

(١) قد مر المراد من الحديث فلاحظ.

٤٢

سيكون عليه العالم من نظم مختلفة واختراعات مستحدثة في جميع الأمكنة والأزمنة فيضع لها ولما تفرّع عنها ، من التفاصيل ، ولو أنّه فعل ذلك لما اتسع وقت الرسالة لهذا كلّه ، بل لأعرض الناس عن هذه الدعوة لتعقدها ، ولأنّها تضمّنت أحكاما عن جزئيات ومخترعات لا تقع تحت حسهم ، ويصعب عليهم تصورها ، لأنّها لم تعرف في زمانهم ، ولنضرب لذلك مثلا فقد نزلت في القرآن آية تضمّنت الحكم العام لآداب التلاوة وجرت على نسق مختصر : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(١) وحدث بعد نزولها بنيف وألف وثلاثمائة عام أن اخترع المذياع (الراديو) والتلفزيون ، ولما بدأ بإذاعة آيات الذكر الحكيم به ، بدأ التساءل عن حكم الشرع والدين في ذلك أحلال هو أم حرام؟ وهل تصح إذاعته في منتدى ترتكب فيه الآثام والموبقات وتدار كئوس الخمر؟

لا بدع في أنّ حكم هذه الجزئية لم يرد بنص صريح في الكتاب ، وانّ ذلك ترك للاجتهاد على هدى الحكم العام الوارد بالآية الشريفة ، لا بدع في ذلك ، إذ لو أريد للشريعة أن تتضمّن الأحكام المفصلة لجميع الفروع والجزئيات لوجب أوّلا إفهام الذين نزل عليهم الدين وقت الرسالة ما هو الراديو وما هو التلفزيون ، ولو حاول الرسول ذلك وقال لهم : إنّ مخترعات البشر بإذن الله ستجيء للعالم بعد ألف وثلاثمائة عام بآلة يستطيع بها الإنسان أن يسمع ويرى صورة المحدث وهو على بعد آلاف الفراسخ والأميال ، لما صدّقوه لعدم إمكانهم تصوره ولجادلوه فأكثروا جداله في كنه

__________________

(١) الأعراف : ٢٠٤.

٤٣

تلك الآلة ، ولما لزمتهم حجته في أنّ الذي يقوله ليس من عنده وإنّما هو من عند الله لأنّ الحجة لا تلزمها صفة الإقناع إلّا متى دخلت مناط العقل ، أمّا إذا كانت فوق إدراك المرسل إليهم فهي داحضة ...

والاجتهاد هو الباب الذي دخلت منه إلى حضيرة الشريعة الإسلامية كل الحضارات بما فيها من مشاكل قانونية ومالية واجتماعية فوسعها جميعا وبسط عليها من محكم آياته وسديد قواعده ما أصاب المحجة ، فكان للشريعة الإسلامية في ذلك تراث ضخم تسامى على كل الشرائع وأحاط بكل صغيرة وكبيرة من أمور الدين والدنيا ...

أفبعد ذلك يصح في الأفهام أن تتهم الشريعة الإسلامية بالقصور ، أو بأنّها نزلت لعرب الجزيرة لتعالج أمورهم في حقبة من الزمان انقضى عهدها ، أو أنّها تضيق عن أن تجد الحلول لمشاكل الحضارات الحديثة ، ارجعوا إليها وإلى تراثها الضخم تجدوا أنّها عالجت الجليل والخطير والصغير والكبير من أمور الدين والدنيا فيها ذكر ما مضى ، وفيها ذكر الحاضر ، وفيها ذكر المستقبل وسيظل العلم الحديث يكشف عمّا فيها من كنوز ، وستترى المشاكل على العالم جيل بعد جيل ، ويضطرب العالم في محاولة الحلول لها دون جدوى إلّا إذا رجع إلى أحكام هذا الدين وهذه الشريعة المحكمة السمحة ، حيث الدواء الشافي والعلاج الحاسم لكل ما يجيب العالم في حاضره وفي مستقبله. (١)

__________________

(١) مجلة رسالة الإسلام لجماعة دار التقريب العدد الأوّل من السنة الخامسة : ٥١.

٤٤

وممّا يؤيد لزوم انفتاح باب الاجتهاد إلى يوم القيامة هو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما هذا ملخّصه :

انّه لم يكن كل واحد من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متمكنا من دوام الحضور عنده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأخذ الأحكام عنه ، بل كان في مدة حياته يحضره بعضهم دون بعض وفي وقت دون وقت ، وكان يسمع جواب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كل مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب ويفوت عن الآخرين فلمّا تفرق الأصحاب بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في البلدان تفرقت الأحكام المروية عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها ، فيروى في كل بلدة منها جملة ، ويروى عنه في غير تلك البلدة جملة أخرى حيث إنّه قد حضر المدني من الأحكام ما لم يحضره المصري ، وحضر المصري ما لم يحضره الشامي ، وحضر الشامي ما لم يحضره البصري ، وحضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك ، وكان كل منهم يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام.

ولعدم تساوي هؤلاء المجتهدين في العلوم والإدراكات وسائر القوى والملكات تختلف طبعا الآراء والاجتهادات ، فمجرد تفاوت أشخاص الصحابة تسبب اختلاف فتواهم ثم تزايد ذلك الاختلاف بعد عصر الصحابة.

ثم قال : ثم بعد الصحابة تبع التابعون فتاوى الصحابة فكانوا لا يتعدون عنها غالبا ، ولما مضى عصر الصحابة والتابعين صار الأمر إلى فقهاء الأمصار أبي حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى بالكوفة ، وابن جريج بمكة ، ومالك وابن الماجشون بالمدينة ، وعثمان التيمي (الظاهر عثمان بن مسلم البطي) وسوار

٤٥

بالبصرة ، والأوزاعي بالشام والليث بن سعد بمصر فكان هؤلاء الفقهاء يأخذون من التابعين وتابعيهم أو يجتهدون.

وذكر المقريزي في الجزء الرابع من الخطط ما هذا ملخّصه :

انّه تولّى القاضي أبو يوسف القضاء من قبل هارون الرشيد بعد سنة ١٧٠ ه‍ إلى أن صار قاضي القضاة فكان لا يولّي القضاء إلّا من أراده ، ولمّا كان هو من أخصّ تلاميذ أبي حنيفة فكان لم ينصب للقضاء ببلاد خراسان والشام والعراق وغيرها إلّا من كان مقلّدا لأبي حنيفة ، فهو الذي تسبب في نشر مذهب الحنفية في البلاد.

وفي أوان انتشار مذهب الحنفية في المشرق نشر مذهب مالك في افريقية المغرب ، بسبب زياد بن عبد الرحمن ، فإنّه أوّل من حمل مذهب مالك إليها ، وأوّل من حمل مذهب مالك إلى مصر سنة ١٦٠ هو عبد الرحمن بن القاسم.

قال : ونشر مذهب محمد بن إدريس الشافعي في مصر بعد قدومه إليها سنة ١٩٨ ه‍ وكان المذهب في مصر لمالك والشافعي إلى أن أتى القائد «جوهر» بجيوش مولاه «المعز لدين الله أبي تميم معد» الخليفة الفاطمي ، إلى مصر سنة ٣٥٨ ه‍ فشاع بها مذهب الشيعة حتى لم يبق بها مذهب سواه (أي سوى مذهب الشيعة).

ثمّ إنّ المقريزي بيّن بدء انحصار المذاهب في أربعة فقال :

٤٦

فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة ٦٦٥ حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها ، وانكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها ، والعمل على هذا إلى اليوم. (١)

وهذه الكلمة الأخيرة «وتحريم ما عداها» تكشف عن أعظم المصائب على الإسلام حيث إنّه قد مضى على الإسلام ما يقرب من سبعة قرون ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلّا ربّهم ولم يسمع أحد من أهل القرنين الأوّلين اسم المذاهب أبدا ثم فيما بعد القرنين كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية ، كان يقلد عاميهم من اعتمد عليه من المجتهدين وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام عن الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالسنّة النبوية ، فأي شيء أوجب في هذا التاريخ على عامة المسلمين : «العامي المقلد والفقيه المجتهد» أن لا يخرج أحد في الأحكام الشرعية عن حد تقليد الأئمّة الأربعة ، وبأي دليل شرعي صار اتباع أحد المذاهب الأربعة واجبا مخيرا ، والرجوع إلى ما وراءها حراما معيّنا مع علمنا بأحوال جميع المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل في تقدم بعضها على غيرها ، بالقهر والغلبة من الدولة

__________________

(١) راجع الخطط المقريزية : ٢ / ٣٣٣ و ٣٣٤ و ٣٤٤.

٤٧

والحكومة كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في الحوادث الجامعة ، ص ٢١٦ في وقائع سنة ٦٤٥ ه‍ يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في أيام المستعصم الذي قتله هولاكو ، سنة ٦٥٦ ه‍ فلاحظ ذلك الكتاب (١).

وفي الختام نلفت نظر القارئ الكريم لمعرفة قضية الاجتهاد وتطوره وعلل إيصاد بابه لدى بعض المسلمين إلى المصادر التالية :

١ ـ المواعظ والاعتبار في الخطط والآثار : تأليف الشيخ تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المعروف بالمقريزي ، المولود في بعلبك عام ٧٦٦ ه‍ والمتوفّى بالقاهرة عام ٨٤٥ ه‍.

٢ ـ تاريخ اليعقوبي المعروف بابن واضح الأخباري من أعلام القرن الثالث الهجري.

٣ ـ الحوادث الجامعة في المائة السابعة لكمال الدين عبد الرزاق بن المروزي الفوطي البغدادي المتوفّى سنة ٧٢٣ ه‍.

٤ ـ الإنصاف في بيان سبب الاختلاف.

٥ ـ عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد : ألّفهما ولي الله الدهلوي ، المولود سنة ١١١٤ ه‍ والمتوفّى ١١٨٠ ه‍.

٦ ـ الاقليد لأدلّة الاجتهاد والتقليد.

__________________

(١) راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلامة الطهراني : ١٠٤.

٤٨

٧ ـ الطريقة المثلى في الإشارة إلى ترك التقليد : ألّفهما صديق حسن خان القنوجي البخاري المتوفّى سنة ١٣٠٧ ه‍ ، وطبعا بالاستانة عام ١٢٩٥ ه‍.

٨ ـ حصول المأمول من علم الأصول : له أيضا طبع في الجوائب سنة ١٢٩٦ ه‍.

٩ ـ مقالة صاحب السعادة أحمد تيمور باشا ابن إسماعيل بن محمد المولود في القاهرة سنة ١٢٨٨ وهي تحت عنوان : «نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الأربعة» ، طبعت مستقلة في القاهرة سنة ١٣٤٤ ه‍.

١٠ ـ ما كتبه محمد فريد وجدي في دائرة معارفه في مادتي «جهد وذهب» وما كتبه يعد أبسط ما كتب في الموضوع.

١١ ـ أعلام الموقعين عن ربّ العالمين : للحافظ ابن قيم الجوزية (المتوفّى ٧٥١ ه‍).

١٢ ـ تاريخ حصر الاجتهاد : لشيخنا العلّامة آقا بزرگ الطهراني المتوفّى يوم الجمعة ١٣ ذي الحجة عام ١٣٨٩ ه‍.

إلى غير ذلك من المؤلفات ، وقد أشار إلى غير ما ذكرنا صديق حسن خان في كتابه «حصول المأمول في علم الأصول» ص ١٩٨.

٤٩

شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا

ربّما يختلج في أذهان بعض القصّر من النّاس عدم مشروعية الاجتهاد الدّارج في أعصارنا هذه ، مستدلا بأنّ الفقه فيها أخذ لنفسه صورة فنيّة ، وجاء على طراز سائر العلوم العقليّة الفكرية بعد ما كان في أعصار المتقدمين من العلوم البسيطة المبنيّة على سماع الأحكام من النبيّ والأئمة عليهم‌السلام وبثها بين الناس من دون اجتهاد من الراوي في تشخيص حكم الله تعالى بترجيح دليل على آخر أو تقييده أو تخصيص واحد بالآخر ، إلى غير ذلك من الأصول الدّارجة في زماننا.

الجواب :

إنّ ذلك أشبه شيء بالشّبهة ويمكن الإجابة عنها بوجهين :

الأوّل : إنّ الاجتهاد بالمعنى الوسيع وإعمال النظر في الروايات والتدقيق في دلالتها وترجيح بعضها على بعض ، كان موجودا في أعصارهم ، دارجا بين أصحابهم عليهم‌السلام ، فإنّ الاجتهاد وإن توسّع نطاقه في أعصارنا وبلغ مبلغا عظيما ، إلّا أنّ أصله بالمعنى الجامع بين عامّة مراتبه كان دارجا في تلك العصور ، وإنّ الأئمة عليهم‌السلام أرجعوا شيعتهم إلى فقهاء أعصارهم ، وكانت السيرة آنذاك هي الرّجوع إليهم من دون تزلزل وتردّد ، والدالّ على وجود الاجتهاد بهذا المعنى آنذاك عدّة من الروايات وهي كالتالي :

الأولى : ما رواه ابن إدريس رضى الله عنه في «مستطرفات السرائر» نقلا عن

٥٠

هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «إنمّا علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا». (١)

الثانية : ما روي عن كتاب أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرّضا عليه‌السلام قال : «علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع» (٢).

أقول : إنّ التفريع الّذي هو استخراج الفروع عن الأصول الكليّة الملقاة وتطبيقها على مواردها وصغرياتها ، إنّما هو شأن المجتهد وما هو إلا الاجتهاد ، نعم التفريع والاجتهاد يتفاوت صعوبة لتفاوت نطاقه حسب مرور الزمن ، فإذا قال الإمام عليه‌السلام : «لا تنقض اليقين بالشك» أو روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا ضرر ولا ضرار» كان على المخاطبين وعلى علماء الأعصار المستقبلة استفراغ الوسع في تشخيص صغرياتها ، وما يصلح أن يكون مصداقا له وما لا يصلح ، وهذا ما نسمّيه بالاجتهاد.

الثالثة : ما رواه الصّدوق رضى الله عنه في «معاني الأخبار» عن داود بن فرقد قال : سمعت أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا ، إنّ الكلمة لتنصرف على وجوه ، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب». (٣)

أقول : إنّ عرفان معاني الكلام ليس إلّا تشخيص ما هو الأظهر بين

__________________

(١) الوسائل : ١٨ ، كتاب القضاء ، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥١.

(٢) الوسائل : ١٨ ، كتاب القضاء ، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٥٢.

(٣) الوسائل : ٨٤ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٧.

٥١

المحتملات بالفحص عن القرائن الحافّة بالكلام ، وبعرض أخبارهم عليهم‌السلام على الكتاب والسنّة إلى غير ذلك ممّا يوضّح به المراد ويعيّن المفاد ، وليس هذا إلّا الاجتهاد.

الرابعة : ما رواه الصدوق رضى الله عنه في عيونه بإسناده عن الرضا عليه‌السلام قال : «من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى صراط مستقيم ـ ثم قال عليه‌السلام : ـ إنّ في أخبارنا محكما كمحكم القرآن ومتشابها كمتشابه القرآن ، فردّوا متشابهها إلى محكمها ، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا». (١)

أقول : إنّ ردّ المتشابه إلى محكمه ، بجعل أحدهما قرينة على الآخر ، وتحقّقه موقوف على الاجتهاد.

الخامسة : الروايات الواردة في تعليم أصحابهم عليهم‌السلام كيفيّة استفادة أحكام الفروع من الذكر الحكيم ، رواية زرارة عن الباقر عليه‌السلام قوله : ألا تخبرني من أين علمت وقلت : إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال عليه‌السلام : «يا زرارة ، قاله رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونزل به الكتاب من الله عزوجل ، لأنّ الله عزوجل قال : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل ، ثمّ قال : (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) ، فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه ، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين ، ثمّ فصل بين الكلام فقال : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فعرفنا حين قال : (بِرُؤُسِكُمْ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء ، ثمّ وصل الرّجلين بالرّأس كما وصل اليدين

__________________

(١) الوسائل : ١٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٢.

٥٢

بالوجه فقال : (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين وصلهما بالرّأس أنّ المسح على بعضهما ، ثمّ فسّر ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للنّاس فضيّعوه». (١)

السادسة : ما في رواية عبد الأعلى مولى آل سام بعد ما سأل الإمام عليه‌السلام عن حكم المسح على المرارة ، قال عليه‌السلام : «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل قال الله تعالى : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(٢) ، امسح عليه» (٣).

أقول : لقد أوضح للسائل كيفيّة الاستنباط ، وردّ الفروع إلى أصولها ، ونظير ما تقدّم بل أقوى منه ما في مرسلة يونس (٤) الطويلة الواردة في أحكام الحائض والمستحاضة فإنّ فيها موارد ترشدنا إلى طريق الاجتهاد ، وغير ذلك من الروايات المرشدة إلى دلالة الكتاب وكيفيّة الاستدلال ،

__________________

(١) الوسائل : ١ ، الباب ٢٣ من أبواب الوضوء ، الحديث ١.

(٢) الحج : ٧٨.

(٣) الوسائل : ١ ، الباب ٣٩ من أبواب الوضوء ، الحديث ٥.

(٤) الوسائل : ٢ ، الباب ٣ من أبواب الحائض ، الحديث ٤.

وهناك حديث أيضا في أبواب الحيض ، الباب ٤١ الحديث ٥ ـ ص ٥٨٩ يمكن أن يفي بالمطلوب ، وهو عن إسماعيل الجعفيّ عن أبي جعفر عليه‌السلام قال الراوي : قلت لأبي جعفر عليه‌السلام : إنّ المغيرة بن سعيد ، روى عنك أنّك قلت له : إنّ الحائض تقضي الصّلاة؟ فقال عليه‌السلام : «ما له ، لا وفّقه الله ، إنّ امرأة عمران نذرت ما في بطنها محرّرا ، والمحرّر للمسجد يدخله ثمّ لا يخرج منه أبدا ، فلمّا وضعتها قالت : ربّ إنّي وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثى ، فلمّا وضعتها أدخلتها المسجد ، فساهمت عليها الأنبياء ، فأصابت القرعة زكريّا عليه‌السلام فكفلها ، فلم تخرج من المسجد حتّى بلغت ، فلمّا بلغت ما تبلغ النساء خرجت ، فهل كانت تقدر على أن تقضي تلك الأيّام التي خرجت وهي عليها أن تكون الدهر في المسجد».

٥٣

وهي منبثّة في طيّات أبواب الفقه فراجع.

السابعة : قول الباقر عليه‌السلام لزرارة ومحمّد بن مسلم حيث سألاه عليه‌السلام وقالا له : ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ وكم هي؟ فقال عليه‌السلام : «إنّ الله عزوجل يقول : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ)(١) فصار التقصير في السّفر واجبا كوجوب التمام في الحضر» قالا : قلنا له : قال الله عزوجل : (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ) ولم يقل «افعلوا» فكيف أوجب ذلك؟ فقال عليه‌السلام : «أو ليس قد قال الله عزوجل في الصّفا والمروة : (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما)(٢) ، ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض لأنّ الله عزوجل ذكره في كتابه ، وصنعه نبيّه ، وكذلك التقصير ، شيء صنعه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكره الله في كتابه» (٣).

الثامنة : مقبولة عمر بن حنظلة ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال عليه‌السلام : «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت ، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا ، وإن كان حقّا ثابتا له ، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفر به ، قال الله تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ)».

قلت : فكيف يصنعان؟ قال عليه‌السلام : «ينظران (إلى) من كان منكم ممّن قد

__________________

(١) النساء : ١٠١.

(٢) البقرة : ١٥٨.

(٣) الوسائل : ٥ ، الباب ٢٢ من أبواب صلاة المسافر ، الحديث ٢.

٥٤

روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكما ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ ، والرّاد علينا رادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله».

قلت : فإن كان كلّ رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما ، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال عليه‌السلام : «الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».

(إلى أن قال) : قلت : جعلت فداك ، أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا لهم ، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال عليه‌السلام : «ما خالف العامّة ففيه الرّشاد». (١) وفي المقبولة إرشاد إلى كيفيّة استنباط الحكم من الكتاب والسنّة ، وعلاج الخبرين المتعارضين بعرضهما عليهما ، وهذا واضح لمن تأمّلها ، وهي صريحة بوجود الاجتهاد ـ بالمعنى الدارج في زماننا ـ في عصر الصادق عليه‌السلام.

التاسعة : روى العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، قال : ذكر أنّ ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا المسجد الحرام فأتيا محمّد بن علي عليه‌السلام فقال لهما : «بم تقضيان»؟ فقالا : بكتاب الله والسنّة ، قال عليه‌السلام : «فما لم تجداه في

__________________

(١) الوسائل : ١٨ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١.

٥٥

الكتاب والسنّة»؟ قالا : نجتهد رأينا ، قال عليه‌السلام : «رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا ترضعان صبيّين في بيت وسقط عليهما فماتتا وسلم الصبيّان»؟ قالا : القافّة ، قال عليه‌السلام : «القافة (١) ـ يتجهّم منه لهما ـ» قالا : فأخبرنا؟ قال : «لا»!!

قال ابن داود مولى له : جعلت فداك بلغني أنّ أمير المؤمنين عليّا عليه‌السلام قال : «ما من قوم فوّضوا أمرهم إلى الله وألقوا سهامهم إلّا خرج السّهم الأصوب» ، فسكت (٢).

العاشرة : روى الحسن الصيقل عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : قلت : رجل طلّق امرأته طلاقا لا تحلّ له حتى تنكح زوجا غيره ، فتزوّجها رجل متعة أتحلّ للأوّل؟ قال عليه‌السلام : «لا ، لأنّ الله تعالى يقول : (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها ...) والمتعة ليس فيها طلاق» (٣).

الحادية عشرة : روى الحسن بن الجهم قال : قال لي أبو الحسن الرضا عليه‌السلام : «يا أبا محمّد ، ما تقول في رجل تزوّج نصرانيّة على مسلمة»؟ قال : قلت : جعلت فداك وما قولي بين يديك؟ قال عليه‌السلام : «لتقولنّ فإنّ ذلك يعلم به قولي». قلت : لا يجوز تزويج نصرانيّة على مسلمة ولا غير مسلمة.

__________________

(١) القافة جمع قائف وهو الّذي يعرف الآثار. وفي جامع أحاديث الشيعة : ٢٤ / ٥١٤ التعليقة : تجهّم لهما أي : استقبلهما بوجه عبوس كريه ، كناية عن عدم علم القافة وعدم تشخيصها ، ـ القافة تلحقهما بهما ـ في نسخة الوافي.

(٢) التهذيب : ٩ / ٣٦٣ ح ١٨ ، باب ميراث الغرقى والمهدوم عليهم.

(٣) الوسائل : ١٥ ، كتاب الطلاق ، الباب ٩ من أبواب أقسام الطلاق وأحكامه ، الحديث ٤.

٥٦

قال عليه‌السلام : «ولم»؟ قلت : لقول الله عزوجل : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ...)(١).

قال عليه‌السلام : «فما تقول في هذه الآية :

(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...؟)» (٢).

قلت : فقوله : (لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ) نسخت هذه الآية؟ فتبسّم عليه‌السلام ثمّ سكت (٣).

الثانية عشرة : عن جعفر بن سماعة أنّه سأل عن امرأة طلّقت على غير السنّة : ألي أن أتزوّجها؟ فقال : نعم ، فقلت له : ألست تعلم أنّ عليّ بن حنظلة روى : إيّاكم والمطلّقات ثلاثا على غير السنّة ، فإنّهنّ ذوات الأزواج؟ فقال : يا بنيّ رواية عليّ بن أبي حمزة أوسع على الناس ، روى عن أبي الحسن عليه‌السلام أنّه قال : «ألزموهم من ذلك ما ألزموه أنفسهم ، وتزوّجوهنّ فلا بأس بذلك» (٤).

فقدّم الخبر الثاني على الأوّل بإحدى ملاكات التقديم. هذا إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الظاهرة في وجود الاجتهاد بين أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام.

__________________

(١) البقرة : ٢٢١.

(٢) المائدة : ٥.

(٣) الوسائل : ١٤ ، كتاب النّكاح ، الباب ١ من أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ، الحديث ٣.

(٤) الوسائل : ١٥ ، الباب ٣٠ من أبواب مقدّمات الطّلاق وشرائطه ، الحديث ٦.

٥٧

٣

في تجزؤ الاجتهاد

يقع الكلام في التجزؤ في الاجتهاد في مقامين ـ وان لم يفصله المصنّف في مورده ـ فنقول :

تارة نبحث في إمكان التجزؤ وأخرى في أحكامه.

القول في إمكان التجزّؤ

اختلفت كلمتهم في إمكان التجزؤ فالغزالي والآمدي وغيرهما يرون جواز تجزئة الاجتهاد ، ونقل عن أبي حنيفة أنّ الاجتهاد غير متجزّي حيث قال : إنّ الفقيه هو الّذي له ملكة الاستنباط في الكلّ (١) والمعروف بين الأصحاب هو إمكانه. هذا :

واستدلّ القائل بالامتناع على أنّ الملكة أمر بسيط وحدانيّ ، والبسيط لا يتجزّأ ، فإن وجدت ملكة الاستنباط فهو الاجتهاد المطلق وإلّا فلا اجتهاد.

__________________

(١) حاشية الأزميريّ على مرقاة الوصول المسمّاة بمرآة الأصول لملّا خسرو من الحنفيّة ـ (نقلا عن كتاب الاجتهاد في الإسلام ـ د ـ نادية شريف العمريّ).

٥٨

وكذا الأمر لو فسّر الاجتهاد بنفس الاستنباط لا ملكته فإنّه أيضا أمر بين الوجود والعدم لا بين الكلّ والبعض.

يلاحظ عليه بأحد أمرين :

الأوّل : أنّه ملكة بسيطة ذات مراتب متعدّدة ، فهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل السهلة أو مسائل كتاب واحد كالإرث أو الدماء الثلاثة وهناك مرتبة يمكن بها استنباط المسائل الصعبة المعضلة. فكونها بسيطة لا ينافي أنّها ذات مراتب تختلف شدّة وضعفا.

الثاني : أنّ الاجتهاد ليس ملكة واحدة ، بل هناك ملكات مختلفة ومتعدّدة ، فإنّ ملكة الاستنباط في باب المعاملات غيرها في باب العبادات ، والاستنباط في قسم من مسائلها يبتني على معرفة القواعد الفقهيّة والارتكازات العرفيّة في تلك المجالات من دون حاجة إلى معرفة فنّ الحديث ورجاله وأسناده وكيفيّة الجمع بين متعارضيه ، وهذا بخلاف أبواب العبادات فإنّ الاستنباط فيها لا ينفكّ عن هذه الأمور وغيرها ، وعليه تكون ملكة الاستنباط فيها ملكتين لا ملكة واحدة ، ولا مانع من حصول إحداهما دون الأخرى. (١)

__________________

(١) كما قيل : إنّ مدّعي إمكان التجزّي لا يريد بذلك أنّ ملكة الاجتهاد قابلة للتّجزّي وأنّ للمتجزّي نصف الملكة أو ثلثها ، بل مراده أنّ متعلّق القدرة في المتجزّي أضيق دائرة من متعلّقها في المجتهد المطلق لأنّها فيه أوسع. وقيل : التجزّي تبعيض في أفراد الكلّي ، لا التبعيض في أجزاء الكلّ (التفريق لأجزاء المركّب) فالفرق بين المطلق والمتجزّي إنّما هو بزيادة أفراد ملكة الاستنباط ونقيصتها لا بشدّة الملكة وضعفها.

٥٩

قال الغزالي : وليس الاجتهاد عندي منصبّا لا يتجزّأ ... فمن عرف طريق النظر القياسيّ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث ... ثم ضرب أمثلة أخرى ، مثلا أن يكون عارفا بأصول الفرائض ومعانيها وإن لم يكن قد حصّل الأخبار التي وردت في مسألة تحريم المسكرات أو في مسألة النكاح بلا وليّ ، فلا استمداد لنظر هذه المسألة منها ولا تعلّق لتلك الأحاديث بها ... ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذّميّ وطريق التصرّف فيه فما يضرّه قصوره عن علم النحو الّذي يعرف قوله تعالى : (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.) .. وليس من شرط المفتي أن يجيب عن كلّ مسألة فقد سئل مالك عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين منها : لا أدري ، وكم توقّف الشافعي بل الصحابة في المسائل. (١)

وقال الآمدي : وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل ، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلّق بتلك المسألة ، وما لا بدّ منه فيها ، ولا يضرّه في ذلك جهله بما لا تعلّق له بها ممّا يتعلّق بباقي المسائل الفقهيّة. (٢)

واستدلّ القائل بالإمكان بوجهين :

الأوّل : إنّ أبواب الفقه مختلفة مدركا ، والمدارك متفاوتة سهولة وصعوبة ، عقلية أو نقلية مع اختلاف الأشخاص ، وربّ شخص له مهارة في النقليات دون العقليات وكذلك العكس ، وهذا يوجب حصول القدرة القويّة في بعضها دون بعض.

__________________

(١) المستصفى : ٢ / ٣٥٣ و ٣٥٤.

(٢) الإحكام في أصول الأحكام : ٤ / ١٧١.

٦٠