نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

ثانيا : انّ اللوم لم يتوجّه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبدا وإنّما توجّه إلى من أخذ الأسرى.

والشاهد على الأمر الأوّل قوله : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أي الأمر الممنوع هو أخذ الأسرى فقط لا الفداء والمن ، وإلّا لكان له عطف الفداء والمن عليه ، ولو كان الممنوع هو الفداء لما قال سبحانه في الآية الثالثة : (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ومن الواضح انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن له أيّ دور في أخذ الأسرى ، بل كان هو القائد والمجاهدون هم الذي يأخذون الأسرى قبل الإثخان في الأرض بالقتل والتنكيل.

والشاهد على الأمر الثاني قوله سبحانه : (لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.) والمخاطب هم المقاتلون لا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

أضف إلى ذلك قوله : (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ).

فملخّص القول : إنّ اللوم انصبّ على المقاتلين المجاهدين الذين أسروا الأعداء ، ولم يكن للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيّ دور في ذلك.

وأمّا الروايات الواردة ، فهي مختلفة جدا لا يمكن الركون إلى الخصوصيات الواردة فيها.

وقد اختلفت التفاسير حسب اختلاف الروايات ، فمن قائل بأنّ العتاب والتهديد متوجه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين جميعا ، إلى آخر بأنّه متوجه إلى

٢١

النبي والمؤمنين ما عدا عمر ، إلى ثالث أنّه متوجه إلى النبي والمؤمنين ما عدا عمر وسعد بن معاذ ، إلى رابع أنّه متوجه إلى المؤمنين دون النبي ، إلى خامس أنّه متوجه إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعد ما استشارهم.

وعليه لا يمكن الركون إلى تلك الروايات والأخذ بها ، والآيات الواردة في المقام محكمة ناصعة البيان ليست بحاجة إلى تفسير من قبل الروايات الآنفة الذكر. فالاستدلال على أنّ النبي كان مجتهدا وانّه اجتهد خطاء في هذه الواقعة غريب جدا.

* * *

الثاني : إذا كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصدر الأحكام بإلهام منه سبحانه دون أن يكون له اجتهاد فيها ، فما معنى قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديث السواك : «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك».

ومثله قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكة : «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وانّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ، ولا ينفّر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلّا من عرفها ، ولا يختلى خلاه».

فقال العباس : يا رسول الله إلّا الإذخر ، فإنّه لقينهم ولبيوتهم.

فقال : «إلّا الإذخر». (١)

__________________

(١) صحيح البخاري : ٤ / ١٠٥ ، باب اسم الغادر للبر والفاجر قبيل كتاب بدء الخلق.

٢٢

فاستثناء الإذخر بعد التعميم أخذا برأي العباس كان اجتهادا منه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحديث أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من أهل السنن. (١)

الجواب : أمّا الحديث الأوّل فبيان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للحكم لم يصدر عن الاجتهاد وضرب الأدلّة بعضها ببعض ، وإنّما وقف على الحكم الشرعي وهو الاستحباب عن طريق الوحي ولمّا بيّن للأمّة أهميته من الناحية الصحية ، ظهر فيه ملاك الإلزام ، ولكن لم يتابعه التشريع ، لما في الإلزام من حرج ومشقة.

وأمّا الحديث الثاني فقد روى البخاري انّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «ولا يختلى خلاه».

قال ابن الأثير : ففي حديث تحريم مكة «لا يختلى خلاها» الخلى ـ مقصور ـ النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا ، واختلاؤه قطعه ، وأخلت الأرض : كثر خلاها ، فإذا يبس فهو حشيش. (٢)

وأمّا استثناء الإذخر فلم يكن اجتهادا من النبي بل بيانا لواقع الحكم حيث كان قطعه مستثنى في الشريعة ، وكان للنبي أن يذكر العام دون المخصّص لمصلحة في التأخير ، ولكن لمّا تكلّم العباس بالمخصّص ، صدّقه وبيّن المخصص فورا.

ووجه الاستثناء ابتلاء الحدّاد والصائغ والناس في بيوتهم بهذا النبات

__________________

(١) تاريخ التشريع الإسلامي : ٣.

(٢) النهاية : ٢ / ٧٤.

٢٣

الطيب الرائحة قال الجزري : وفي حديث العباس «إلّا الإذخر فإنّه لقيوننا» القيون : جمع قين ، وهو الحدّاد والصائغ. (١)

الثالث : لما أمسى الناس في اليوم الذي فتحت عليهم ـ يعني خيبر ـ أوقدوا نيرانا كثيرة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا : على لحم ، قال : «أي لحم؟» قالوا : الحمر الأنسية ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أهريقوها واكسروها» فقال رجل : أو يهرقوها ويغسلوها؟ قال : «أو ذاك». (٢)

وجه الاستدلال : أنّ النبيّ أمر بكسر القدور أوّلا ، ولمّا طلب منه الاكتفاء بالإهراق والغسل اقتصر عليه. فلو كان الكسر بوحي منه سبحانه لما كان له العدول عنه.

الجواب أوّلا : إنّ الرواية نقلت بصور مختلفة حتى أنّ البخاري نقلها كالتالي :

أ. فجاء منادي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا وأهريقوها.

ب. فنادى منادي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اكفئوا القدور. (٣)

ولم يعلم أنّ النبي أمر بكسرها.

__________________

(١) النهاية : ٤ / ١٣٥ ؛ وفي بعض النصوص القين وتعني الزينة ، وهو الأظهر ممّا ذكره صاحب النهاية.

(٢) صحيح مسلم : ٥ / ١٨٦ ، باب غزوة خيبر.

(٣) صحيح البخاري : ٥ / ١٣٦ ، باب غزوة خيبر.

٢٤

وثانيا : إذا سلّمنا أنّه أمر بالكسر ، فليس هناك مانع من أن يكون للكراهة الشديدة مراحل فالأولى هو كسر القدور وطرحها جانبا ، والثانية إهراقها وغسلها ، فبدأ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما هو الأولى ، ولمّا كان شاقا على الناس ، أمضى الحكم الثاني ، وهو إخلاؤها وإكفاؤها.

ولعمري ليس في تلك الأمور أي دلالة على أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يجتهد كاجتهاد الآخرين ، والعجب من ابن قيّم الجوزية انّه عقد فصلا بيّن فيه فتاوى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال :

ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها ، عظيم أمرها من فتاوى إمام المفتين ورسول ربّ العالمين تكون روحا لهذا الكتاب ، ورقما على جلة هذا التأليف. (١)

فذكر أحاديثه وكلماته في العقائد والأحكام باسم الفتوى ، فيتبادر إلى الذهن أنّه كان يفتي كالآخرين مع أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يرشد الناس لحكم الله سبحانه بطرق مختلفة ، فالإفتاء في كلامه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالإفتاء في قوله سبحانه : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ). (٢)

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأمور الدنيوية

لا شكّ انّ هناك أمورا دنيوية كالزراعة والطب والحرب وفنونها

__________________

(١) إعلام الموقعين : ٤ / ٢٦٦ ـ ٤١٤.

(٢) النساء : ١٧٦.

٢٥

يكتسبها الناس عبر التجربة ، ولم يزل المجتمع الإنساني يتقدّم ويرتقي كلّما كثرت تجاربه وخبراته المادية ، والإنسان يخطئ ويصيب في الوقوف على أسرار الكون ونواميسه ، وتلك الخطوات وإن أخفقت في بعض المراحل ، لكنّها تنتهي إلى كشف الحقائق ولمس الواقع ، وهذه هي الأسس التي بنيت عليها الحضارات.

إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى هذه الأمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد ويخطئ ، أو أنّه لا يخطئ في تلك الأمور بإلهام من الله سبحانه مسدّد الخطى نحو الصواب؟

يقول أحد الكتاب المعاصرين : إنّ النبي يجتهد في شئون الزراعة والطب اجتهاد غيره يخطئ ويصيب وليس شرعا ، ولذا قال في تأبير النخل : «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

ففي الصحيحين انّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّ بقوم يلقحونه ، فقال : «لو لم تعملوا لصلح» قال : فخرج شيصا (١) فمرّ بهم ، فقال : «ما لنخلكم؟» قالوا : قلت كذا وكذا ، قال : «أنتم أعلم بأمور دنياكم».

أقول : إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر ، وقد علّمه سبحانه الأسماء قال سبحانه : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ

__________________

(١) يقال : شيّصت النخلة : فسدت وحملت الشيص ، وهو تمر رديء.

٢٦

أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ). (١)

قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات : أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين ، فالمراد من الأسماء المسمّيات عبّر عن المدلول بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له ـ إلى أن قال : ـ علّم الله آدم كلّ شيء ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد ، أو في آونة متعدّدة ، والله قادر على كلّ شيء.

ولأجل تلك المكانة جعله الله خليفة في الأرض ، وأمر الملائكة بالسجود له. (٢)

فإذا كانت هذه مكانة آدم ومنزلته من حيث العلم بحقائق الأشياء وأسرار الكون ، فكيف بأفضل الخليقة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهل من المعقول أن لا يقف على ما وقف عليه أبونا آدم؟!

فالقرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية ، فليكن مهيمنا على كلّ المأثورات المعزوّة إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال سبحانه : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ). (٣)

وعلى ضوء ذلك ، فكل ما نسب إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الجهل بأسرار

__________________

(١) البقرة : ٣١ ـ ٣٣.

(٢) تفسير المنار : ١ / ٢٦٢ ـ ٢٦٥.

(٣) المائدة : ٤٨.

٢٧

الطبيعة ورموزها ، فهو موضوع على لسانه فضلا عن جهله بأبسط الأمور وأوضحها التي يعرفها صبيان العرب. ولنتناول بعض الأحاديث في هذا الصدد مع النقد والتعليق عليها :

١. روى مسلم ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه ، قال : مررت ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوم على رءوس النخل ، فقال : «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا : يلقحونه ، يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما أظن يغني ذلك شيئا» ، فأخبروا بذلك ، فتركوه ، فأخبر رسول الله بذلك ، فقال : «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإنّي إنّما ظننت ظنا ، فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئا فخذوا به ، فإنّي لن أكذب على الله عزوجل». (١)

وروى عن رافع بن خديج ، قال : قدم نبي الله المدينة وهم يأبرون النخل يقولون : يلقحون النخل فقال : «ما تصنعون؟» قالوا : كنّا نصنعه ، قال : «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيرا» فتركوه ، فنقصت قال : فذكروا ذلك له ، فقال : «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر». (٢)

والعجب أنّ مسلما النيسابوري مؤلف الصحيح ذكر الحديث في باب أسماه ب «وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء يسير ، ونترك التفصيل إلى القارئ.

__________________

(١) صحيح مسلم : ١٥ / ١٢٥ ، الباب ٣٨ ، كتاب الفضائل.

(٢) صحيح مسلم : ١٥ / ١٢٦ ، الباب ٣٨ ، كتاب الفضائل.

٢٨

أوّلا : لنفترض أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن نبيا ، ولا أفضل الخليقة ، ولم يصنع على عين الله تعالى ، فعلّمه من لدنه علما وآتاه الكتاب والحكمة ، أفلم يكن عربيا صميما قد ولد في أرض الحجاز ، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية ، وتوالى سفره إلى الشام؟ أفيجهل إنسان عاش تلك الظروف مثل هذا الأمر ولم يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلّا بالتلقيح؟ وهل أنّ هذا الموضوع كان من الخفاء بحيث يسأل ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم : إنّهم «يلقحونه»؟

ثانيا : كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح الذي هو سنّة من سنن الله أودعها في الطبيعة ، وقال سبحانه : (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً)(١) ومع ذلك فكيف يقول : «ما أظن يغني ذلك شيئا»؟!

ثالثا : انّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيء الظن بكل ما يخبر به عن الله بلسانه ويخرج من شفتيه ، والأسوأ من ذلك ما نسب إليه من الاعتذار بقوله : «وإذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به ، فإنّي لن أكذب على الله عزوجل» ، لأنّ فيه تلميحا إلى أنّه ـ والعياذ بالله ـ يكذب في مواضع أخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصدرا للعقيدة ، فسيعقبها جهل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبسط السنن الجارية في الحياة ، فهل يصح التفوّه بذلك؟!

٢. روى ابن هشام أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال لرسول

__________________

(١) فاطر : ٤٣.

٢٩

الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزوة بدر : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ، ولا نتأخّر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟

قال : «بل هو الرأي والحرب والمكيدة؟» فقال : يا رسول الله ، فإنّ هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ثمّ نغور ما وراءه من القلب ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثمّ نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لقد أشرت بالرأي». فنهض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن معه من الناس ، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثمّ أمر بالقلب فغوّرت ، وبنى حوضا على القلب الذي نزل عليه فملئ ماء ، ثمّ قذفوا فيه الآنية. (١)

أقول : إنّ متابعة قول الصحابي الحباب بن المنذر لم ينشأ عن خطأ رأي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنزل الذي نزلوه ، بل انّ كلا الرأيين كانا على صواب ، ولكنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزل عند رغبة الحباب إجلالا له واستمالة لقلوب الأصحاب وتسكينا لنفوسهم ، ودعما لمبدأ الشورى الذي يهدف الإسلام إلى تعزيزه بين المسلمين في مجالات حياتهم ، في دعوة منه إلى مشاركة أكثر في صنع القرارات ، ودرءا لمحاولات الاستبداد بالرأي والتحكّم بالقرار قال سبحانه : (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ

__________________

(١) السيرة النبوية : ٢ / ٦٢٠.

٣٠

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.)(١) هذا إذا صحّت الرواية وإلّا فلتطرح.

فلم تكن مشاورة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في واحد من تلك المواقف نابعة عن جهله (نعوذ بالله) بما فيه مصلحة الأمّة ، بل كانت المصلحة يومذاك تقتضي المشاورة والوقوف على الآراء ، ثمّ العزم على ما تقتضيه المصلحة ، ومن هنا استشارهم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزوة بدر قائلا : «أشيروا عليّ أيّها الناس» ومبتغيا بذلك معرفة رأي الأنصار ومدى استعدادهم للحرب ، ذلك أنّهم كانوا يؤلّفون الأكثرية وانّهم حينما بايعوه بالعقبة فإنّما بايعوه على أن يدافعوا عنه مثلما يدافعون عن أبنائهم ونسائهم ولم يبايعوه للهجوم والقتال ، ولما كان المسير إلى وادي بدر مسيرا للقتال ، فلم يكن له بدّ من استشارتهم ، فلمّا اطمأنّ إلى استعدادهم لأكثر ممّا بايعوه بالعقبة ، قال : «سيروا وأبشروا».

روى ابن هشام : انّ سعد بن معاذ ، قام وقال : فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك ، ما تخلّف منّا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا انّا لصبر في الحرب وصدق في اللقاء ، لعل الله يريك منّا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة الله. فسرّ رسول الله بقول سعد ونشطه ذلك ، ثمّ قال : «سيروا وأبشروا». (٢)

وهذه هي الضابطة الكلية في كلّ ما شاور النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحروب

__________________

(١) آل عمران : ١٥٩.

(٢) السيرة النبوية : ٢ / ٦١٥.

٣١

وغيرها ، وقد كمنت المصلحة في نفس المشاورة عن طريق استقطاب آراء الصحابة دون أن تكون الغاية من ورائها الوصول إلى الواقع ورفع أغشية الجهل نعوذ بالله.

٣. أخرج السيوطي في «الدر المنثور» وقال : لمّا توفّي عبد الله بن أبيّ أتى ابنه عبد الله رسول الله يسأله أن يعطيه قميصه وليكفّنه فيه ، فأعطاه ، ثمّ سأله أن يصلّي عليه ، فقام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه ، فقال : يا رسول الله أتصلّي عليه ، وقد نهاك الله أن تصلّي على المنافقين؟ فقال : «إنّ ربي خيّرني فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)(١) وسأزيد على السبعين» فقال : إنّه منافق ، فصلّى عليه ، فأنزل الله تعالى : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ)(٢) فترك الصلاة عليهم. (٣)

وفي هذا المعنى روايات أخرى رواها أصحاب الجوامع ، ورواة الحديث عن عمر بن الخطاب وجابر وقتادة ، وفي بعضها : انّه كفّنه بقميصه ونفث في جلده ونزل في قبره.

وفي رواية أخرى قال عمر فيها : يا رسول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه أتصلّي عليه ، وقد نهاك الله أن تصلّي عليه؟ فقال : وأين؟ فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ

__________________

(١) التوبة : ٨٠.

(٢) التوبة : ٨٤.

(٣) الدر المنثور : ٤ / ٢٥٨.

٣٢

لَهُمْ) قال : فإنّي سأزيد على سبعين ، فأنزل الله : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ) الآية. (١)

قال : فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك ، وأنزل الله : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ).

هذا وقد قسّم ابن قيّم الجوزيّة الرأي المحمود إلى أنواع وعدّ منه رأي الصحابة ، وعرّفه بأنّه رأي أفقه الأمّة وأبر الأمّة قلوبا وأعمقهم علما. ثمّ أيّد كلامه بما نقله عن الشافعي ، انّه قال : البدعة ما خالفت كتابا أو سنّة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله ، وجعل ما خالف قول الصحابي بدعة ، ثمّ قال : لمّا توفي عبد الله بن أبيّ قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي عليه ، فقام عمر فأخذ بثوبه فقال : يا رسول الله إنّه منافق ، فصلّى عليه رسول الله ، فأنزل الله عليه : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ). (٢)

أقول : إنّ العاطفة قد حملت الراوي على اختلاق هذا الحديث ووضعه ، وعلائم الوضع فيه ظاهرة لوجوه :

١. انّ قوله سبحانه : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ...) ظاهر في أنّ المراد لغوية الاستغفار للمنافقين دون التحديد ، وعدد السبعين كناية عن المبالغة ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يجهل بمفهوم الآية ويحملها على التحديد. ويقول فإنّي سأزيد على السبعين.

__________________

(١) المصدر السابق : ٤ / ٢٥٨.

(٢) إعلام الموقعين : ١ / ٨١.

٣٣

٢. انّ الآيات الناهية عن الاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم تعلّل النهي بفسقهم وكفرهم.

يقول سبحانه : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ). (١)

وقال سبحانه : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ). (٢)

ومثله قوله سبحانه : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ). (٣)

فالآيات ظاهرة في أنّ الاستغفار أمر لغو ، لكفر المستغفر له وفسقه ، وعند ذلك فما معنى الاستغفار الذي عزي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم؟!

ثم ما معنى نزول قوله سبحانه : (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) في صلاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على المنافق «عبد الله بن أبيّ» مع أنّه نزل في غزوة بني المصطلق ، ويرجع تاريخه إلى العام السادس من الهجرة في حين توفّي عبد الله بن أبيّ في العام التاسع.

ثمّ إنّ هناك من حاول تصحيح تلك الروايات بقوله : إنّ النبي استغفر وصلّى على عبد الله ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام. (٤)

__________________

(١) المنافقون : ٦.

(٢) التوبة : ٨٠.

(٣) التوبة : ١١٣.

(٤) تفسير المنار : ١٠ / ٦٦٩.

٣٤

وهذه المحاولة من الوهن بمكان ، إذ كيف يصحّ للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخالف النص القرآني الصريح بغية استمالة قلوب المنافقين والمداهنة معهم ، وقد ندّد الله سبحانه بمثل هذا العمل وتوعد به وقال : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ... إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً). (١)

والحقّ انّ رواة هذا الحديث حاولوا تعظيم أمر الخليفة بما يمسّ كرامة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حيث لا يشعرون ، وليس هذا بجديد ، فقد رووا في غير واحد ما يشبهه حيث نقلوا :

١. انّ الخليفة رأى ان تحجب نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزل القرآن بموافقته. (٢)

٢. رأى الخليفة أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلّى ، فنزل القرآن بموافقته. (٣)

وقد مرّ أنّ عمر رأى في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم ، فنزل القرآن بموافقته ، ولعل من أبرز الدوافع إلى وضع تلك الروايات هو العاطفة الجامحة تجاه الخليفة والغلوّ في حقّه.

__________________

(١) الإسراء : ٧٣ ـ ٧٥.

(٢) الدر المنثور : ٦ / ٦٣٩.

(٣) الدر المنثور : ١ / ٢٩٠.

٣٥

٢

وجود الاجتهاد عند الصحابة

أوجز المصنّف الكلام في وجود الاجتهاد في زمان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّ كان ما ذكره وافيا بالمقام ، وبما أنّ باب الاجتهاد قد أغلق عبر القرون الماضية واختص الاجتهاد بمذهب أحد الأئمة الأربعة ، فنفيض الكلام فيه حتّى يتبيّن أنّ غلق باب الاجتهاد كان خسارة عظيمة للفقه وأهله ، ولا بد أن يفتح على مصراعيه ، فنقول :

إنّ الاجتهاد كان مفتوحا في زمن النبوة وبين أصحابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فضلا عن غيرهم ، وفضلا عن سائر الأزمنة التي بعده ، نعم غايته إنّ الاجتهاد يومئذ ، كان خفيف المئونة جدا ، لقرب العهد ، وتوفّر القرائن ، وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع ، ثم كلّما بعد العهد من زمن الرسالة وكثرت الآراء والأحاديث والروايات ، ربّما قد دخل فيها الدس والوضع ، وتوفرت دواعي الكذب على النبي ، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي ، يصعب ويحتاج إلى مزيد من المئونة واستفراغ الوسع. (١)

__________________

(١) أصل الشيعة وأصولها : ١١٩ طبعة بيروت.

٣٦

ويرشدك إلى وجوده في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول الرسول لأمير المؤمنين عليه‌السلام عند ما بعثه إلى اليمن : قال علي عليه‌السلام : بعثني رسول الله إلى اليمن ، قلت : يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟ قال : فضرب بيده في صدري وقال : «اللهمّ اهد قلبه وثبّت لسانه» فو الذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين. (١)

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمعاذ بن جبل حين وجّهه إلى اليمن : بم تقضي؟ قال : بما في كتاب الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال : بما في سنّة رسول الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال : اجتهد رأيي ولا آلو جهدا ، فسرّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : الحمد لله الذي وفّق رسول رسوله بما يرضي رسوله. (٢)

«وبطبيعة الحال ، أنّ الصحابي قد يسمع من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في واقعة ، حكما ويسمع الآخر في مثلها خلافه ، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين وغفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهرا ، ولا تنافي واقعا ، ولهذه الأسباب وأضعاف أمثالها ، احتاج حتى نفس الصحابة الذين

__________________

(١) أعلام الورى : ١٣٧ ؛ والبحار : ٢١ / ٣٦١. وشتان بين علمه واجتهاده عليه‌السلام وعلم الآخرين واجتهادهم.

(٢) الطبقات الكبرى : ٢ / ٣٤٧ ؛ الاستيعاب ، لابن عبد البر ، في ترجمة «معاذ» واللفظ للثاني. أقول : لو صح الحديث يكون المراد منه باعتبار وروده في أمر القضاء ، هو فصل الخصومة في الأموال والنفوس ، بما يعدها العقلاء عدلا وإنصافا وهذا المراد من قوله : اجتهد رأيي. وعندئذ لا يكون الحديث دليلا على صحة مطلق الرأي حتى المستند إلى القياس والاستحسان وأشباههما التي لا قيمة لها عندنا في عالم الاستنباط.

٣٧

فازوا بشرف الحضور ، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد ، والنظر في الحديث وضم بعضه إلى بعض والالتفات إلى القرائن الحالية ، فقد يكون للكلام ظاهر ، ومراد النبي خلافه اعتمادا على قرينة في المقام ، والحديث نقل ، والقرينة لم تنقل».

«وكل واحد من الصحابة ، ممن كان من أهل الرأي والرواية ، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث ، للسامع من بعيد أو قريب ، فهو في هذا الحال راو ومحدّث وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات ، بحسب نظره فهو في هذا الحال ، مفت وصاحب رأي» (١).

ولم يزل هذا الباب مفتوحا عند الشيعة ، من زمن صاحب الرسالة إلى يومنا هذا ، وقد تخرج منهم الآلاف من المجتهدين والفقهاء ، قد أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس ، وأغنوا بذلك الأمّة الإسلامية في كل مصر وعصر ، عن التطلع إلى موائد الغربيين ، وألّفوا مختصرات ومطوّلات ، لا يحصيها إلّا الله سبحانه.

وقد اقتدى الشيعة في فتح هذا الباب على مصراعيه في وجه الأمّة بأئمّة دينهم وخلفاء رسولهم ، الذين حثوا شيعتهم بأقوالهم وأفعالهم ، على التفقّه في الدين والاجتهاد فيه ، وأنّه «من لم يتفقّه ، فهو أعرابي» وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة ، بالتدبر في الآيات والأصول المتلقاة عنهم ، وأمروا أصحابهم بالتفريع (٢) ، وقد بلغت عنايتهم بذلك ما جعلهم

__________________

(١) أصل الشيعة وأصولها : ١١٨.

(٢) ستوافيك روائع نصوصهم في هذا المضمار.

٣٨

ينصبون بعض من يعبأ بقوله ورأيه في منصب الإفتاء ، إلى غير ذلك.

والاجتهاد كما عرّفناك هو بذل الجهد في استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية فلا يحتج به إلّا إذا بنيت أحكامه على أساس الكتاب والسنّة ، وما يرجع إليها فهو مقيد من هذه الجهة وإن كان متحررا من سوى ذلك ، فلا يتقيد بمذهب ولا برأي ، بل هو فوق المذاهب.

غير أنّ أئمّة أهل السنّة ، قد أقفلوا باب الاجتهاد ، إلّا الاجتهاد في مذهب خاص ، كمذهب أبي حنيفة والشافعي ، وبما أنّ الفتاوى المنقولة عنهم ، مختلفة أخذ علماء كل مذهب يبذلون جهدهم لتشخيص ما هو رأي كل إمام في هذا الباب.

ولا أدري لما ذا أقفل هذا الباب المفتوح منذ زمن الرسول ، وإن تفلسف في بيان وجهه ، بعض الكتّاب من متأخّريهم ، وقال : ولم يكن مجرد إغلاق باب الاجتهاد باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم ، وإنّما كان حالة نفسية واجتماعية ذلك أنّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين ، فخافوا على الإسلام ورأوا أنّ أقصى ما يصبون إليه ، هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الأئمّة مما وضعوه واستنبطوه. (١)

ولا يكاد يخفى على القارئ الكريم ما في اعتذاره من الإشكال.

ولقد صدع بالحق الدكتور «حامد حفني داود» أستاذ الأدب العربي

__________________

(١) رسالة الإسلام : العدد الثالث ، من السنة الثالثة عن مقال لأحمد أمين المصري.

٣٩

بكلية الألسن في القاهرة في ما قدمه على كتاب عقائد الإمامية (١) وقال :

إنّ الصورة المتوارثة عن جهابذة أهل السنّة أنّ الاجتهاد أقفل بابه بأئمّة الفقه الأربعة : أبي حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وابن حنبل.

هذا إذا عنينا الاجتهاد المطلق أمّا ما حاوله الفقهاء بعد هؤلاء من اجتهاد لا يعدو أن يكون اجتهادا في المذهب أو اجتهادا جزئيا في الفروع ، وأنّ هذا ونحوه لا يكاد يتجاوز عند أهل السنّة القرن الرابع بحال من الأحوال ، أمّا ما جاء عن الغزالي في القرن الخامس ، وأبي طاهر السلفي في القرن السادس ، وعزّ الدين بن عبد السلام وابن دقيق العيد في القرن السابع ، وتقي الدين السبكي وابن تيمية في القرن الثامن ، والعلّامة جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في القرن التاسع ... فإنّ هذا ونحوه لا يتجاوز ـ في نظر المنهج العلمي الحديث ـ باب الفتوى ولا يدخل في شيء من الاجتهاد ، وهو القدر الذي أوضحناه في كتابنا «تاريخ التشريع الإسلامي في مصر».

أمّا علماء الشيعة الإمامية فإنّهم يبيحون لأنفسهم الاجتهاد في جميع صوره التي حدّثناك عنها ، ويصرّون عليه كل الإصرار ولا يقفلون بابه دون علمائهم في أي قرن من القرون حتى يومنا هذا.

وأكثر من ذلك تراهم يفترضون بل يشترطون وجود «المجتهد المعاصر» بين ظهرانيهم ، ويوجبون على الشيعة اتباعه رأسا دون من مات من

__________________

(١) للعلّامة المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر راجع ص ١٧ ـ ١٨ من المقدمة.

٤٠