نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

الشرعي ، لأنّ التعليل بالحاجة تعليل بنفس المؤثر ، وهذا يقتضي منع التعليل بغيره ترك العمل به في الوصف الثبوتي ، للإجماع عليه ولاشتماله على الضبط ؛ ولأنّه أشبه بالعلل العقلية فيبقى في غيره على الأصل.

الخامس : لمّا كان العدمي أشبه بالأمور الحقيقية من الحكم الشرعي ، وكان الشرعي أشبه بالوجود من العدمي ، احتمل أولوية كلّ منهما على صاحبه بهذين الاعتبارين.

السادس : الأقرب أولوية التعليل بالعدم على الصفات التقديرية ، لأنّ المقدّر معدوم أعطى حكم الموجود ، فكلّ محذور ثبت في المعدوم ثبت في المقدّر مع زيادة محذور آخر ، وهو إعطاؤه حكم الوجود مع كونه عدميا.

السابع : تعليل الحكم الوجودي بالعلّة الوجودية أولى من تعليل الحكم العدمي بالوصف العدميّ ، ومن تعليل الحكم العدميّ بالوصف الوجوديّ ، ومن تعليل الحكم الوجوديّ بالوصف العدميّ ، لأنّ كون العلّة والمعلول عدميّين يستدعي تقدير كونهما وجوديّين ، إذ العلّيّة والمعلولية وصفان ثبوتيّان ، فحملهما على المعدوم لا يمكن إلّا إذا قدّر المعدوم موجودا. وتعليل العدم بالعدم أولى من القسمين الباقيين ، للمشابهة. وأمّا أنّ تعليل العدم بالوجود أولى من تعليل الوجود بالعدم ، ففيه احتمال ، ونمنع كون العلّية والمعلولية ثبوتيّين ، وقد تقدّم.

الثامن : التعليل بالحكم الشرعي أولى من التعليل بالوصف المقدّر ، لاشتماله على وفق الأصل بخلاف الثاني.

٣٤١

التاسع : العلّة المفردة أولى من المركّبة ، لقلّة الاحتمال في المفردة وكثرته في المركّبة. فإنّ المفرد لو وجد لوجد بتمامه ، ولو عدم عدم بتمامه ؛ وأمّا المركّب إذا كان من قيدين يحتمل في جانب الوجود أمورا ثلاثة : أن يوجد هذا الجزء بدلا عن ذلك ، وبالعكس ، وأن يوجد المجموع. وكذا في طرف العدم والمركّب من قيود ثلاثة فيه احتمالات تسعة (١) في طرف الوجود وكذا في طرف العدم ، ولا شك أنّ ما قلّ الاحتمال فيه أولى.

البحث الثاني : في الترجيح العائد إلى ما يدلّ على وجود ذات العلّة

العلم بوجود ذات العلّة إمّا أن يكون بديهيا ، أو حسيا ، أو استدلاليا. والاستدلالي إمّا أن يفيد علما ، أو ظنا. وعلى التقديرين فذلك الدليل إمّا أن يكون عقليا محضا ، أو نقليا محضا ، أو مركّبا منهما. أمّا إذا كان الطريق يفيد اليقين فإنّه لا يقبل الترجيح ، سواء كان بديهيا أو حسيّا أو استدلاليا يقينيا ، وسواء كان عقليا محضا أو نقليا محضا أو مركبا ، وسواء كثرت مقدّماته أو قلّت ، خلافا لأبي الحسين (٢) ، لأنّ القطعيات لا تقبل الترجيح على ما سبق.

لا يقال : الضروري أولى من النظري ، لأنّ الضروري لا يقبل الشك والشبهة والنظري يقبلهما.

لأنّا نقول : كلّ من البديهي والكسبي واجب الحصول ، فالأوّل عقيب

__________________

(١) في المحصول : ٢ / ٤٧٣ : سبعة.

(٢) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤٧٤.

٣٤٢

تصوّر طرفيه ، والثاني عقيب حصول مقدّمتيه ، وكما يزول النظري عند زوال بعض ما لا بد في حصوله منها كذا الضروري يزول عند زوال أحد تصوراته الّتي يتوقّف عليها ، فلا بد في وجوب الجزم من حصول موجباته في البابين. نعم النظري يتوقّف على أمور أكثر ممّا يتوقّف عليه الضروري ، فلا جرم كان زوال النظري أكثر من زوال الضروري. أمّا في جانب الوجود والعدم فلا فرق بينهما في وجوب الوجود وامتناع العدم عند حصول كلّ ما لا بدّ منه. فإذن لا فرق بين الضروري والنظري.

وفيه نظر ، إذ الحكم ترجيح العلّة المفردة في القياس على المركبة باعتبار قلّة شرط وجود الأولى ، وكثرة شرط الثانية تناقض عدم الترجيح هنا.

أمّا إذا كان الطريق الدالّ على وجود العلّة ظنيا ، فقد أطلق بعضهم القول فيه بقوة القياس المشتمل على مقدّمات أقل النتيجة لذلك الظن على ما اشتمل على مقدّمات أكثر ، لأنّ قلّة المقدّمات يستلزم قلّة احتمال الغلط ، وقلّة احتمال الغلط يستلزم قوة ظن الصواب وهذا على عمومه ليس بحق ، لقبول الظن الشدة والضعف ، فإذا كان ذو المقدّمات القليلة مشتملا على ظن ضعيف في كلّ مقدماته ، وكان ذو المقدّمات الكثيرة مشتملا على ظن قوي في كلّ مقدّماته ، حصل التعادل أو الترجيح للثاني على الأوّل ، إذ أحدهما أزيد في الكيفية والآخر في الكمية.

إذا ثبت هذا فالدليل الظنّي الدال على وجود العلّة إمّا أن يكون نصا ، أو إجماعا ، أو قياسا.

٣٤٣

والقياس الكلام فيه كما في الأوّل ولا يتسلسل ، بل ينتهي إلى النصّ أو الإجماع.

وأمّا النصّ فقد تقدّم طريق الترجيح فيه.

وأمّا الإجماع فإن كانا قطعيّين أو أحدهما لم يقبل الترجيح ، لاستحالة تعارض الأدلة القطعية ، ووجوب العمل بالمعلوم دون المظنون. وأمّا إن كانا ظنيّين فإنّه يقع على وجهين (١) :

الأوّل : أن يكون أحدهما من الإجماعات المختلف فيها عند المجتهدين ، كالإجماع الحادث عن قول بعض وسكوت الباقين.

الثاني : الإجماع المنقول بالآحاد. فهذان في محلّ الترجيح. وأمّا ما يقال من أنّ أحدهما متّفق عليه والآخر مختلف فيه ، فإن أريد به عدم الاختلاف في أحدهما ووقوعه في الآخر فليس من الترجيح ، لأنّ تقديم المعلوم على المظنون قطعي. وإن عني قلّة الاختلاف في أحدهما وكثرته في الآخر ، منعنا وجوب الترجيح به.

وفيه نظر ، لأنّ الاختلاف مظنّة الخطاء ، فكلّما كان أقلّ كان احتمال الخطأ فيه أقل ، فحصل به الرجحان.

واعلم أنّ وجود العلّة إذا كان معلوما في أحد القياسين كان راجحا على الآخر ، لأنّ الّذي بعض مقدّماته معلوم راجح على ما كانت مقدّماته كلّها ظنّية.

__________________

(١) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٤٧٥.

٣٤٤

البحث الثالث : في الترجيح العائد إلى دلائل طريق العلّيّة في الأصل

قد عرفت فيما تقدّم أنّ الطريق الدالّ على علّية الوصف في الأصل قد يكون نقليا ، وقد يكون عقليا. والنقلي إمّا نص ، أو إيماء.

والنصّ قد لا يحتمل سوى العلّيّة ، مثل : لعلّه كذا ، وبسبب كذا ، ولموجب كذا وهو مقدّم على جميع الطرق ، لعدم الاحتمال فيه ووجوده في غيرها.

وأمّا الّذي يحتمل غير العلّيّة لكنّه ظاهر فيها فألفاظه ثلاثة : اللام ، وإنّ ، والباء.

واللّام مقدّم عليهما ، لظهوره في التعليل ، ولفظة «إنّ» قد ترد للتأكيد المحض. و «الباء» للإلصاق ، مثل : «كتبت بالقلم». وقد يفيد كونه محكوما به ، نحو أنا أقضي بالظاهر.

وفيه نظر ، فإنّ الإلصاق التقديري هنا ثابت ، وهو أولى من جعله مشتركا.

وإذا لم تأت «لا» للآلة ولا لكونه محكوما به ، فإنّها مرادفة للام لعدم الفرق بين قتله بجنايته ولجنايته ، وفي أولوية تقديم «الباء» على «أنّ» وبالعكس احتمال. وأمّا الإيماءات فتشتمل على مسائل :

٣٤٥

الأولى : قد عرفت أنّ دلالة الإيماء على علّيّة الوصف في الأصل لا تتوقّف على كونه مناسبا ، لكنّ المناسب راجح على ما لا يكون كذلك.

الثانية : إيماء الدلالة اليقينيّة راجح على إيماء الدلالة الظّنية ، إذ قد ثبت أولوية ما بعض مقدّماته قطعية ممّا يكون جميع مقدّماته ظنّية. وأمّا إذا ثبت عليه الوصفين بإيماء خبر الواحد ، فالترجيح بينهما باعتبار تراجيح الأخبار الظنّية. وقد تقدّم.

الثالثة : ما ظهرت علّيّته بالإيماء راجح على ما ظهرت علّيّته بغيره من الوجوه العقلية ، كالمناسبة والدوران. ويشكل بأنّ الإيماء لمّا لم يوجد فيه لفظ يدلّ على العلّيّة فلا بد وأن يكون الدالّ على علّيّته شيئا آخر سوى اللفظ ، ولمّا بحثنا لم نجد شيئا يدل على العلّيّة سوى المناسبة والدوران والسبر على ما تقدّم في باب الإيماءات. وإذا ثبت أنّ الإيماء إنّما يدلّ بواسطة أحد هذه الطرق ، ولا شك في أولوية الأصل على الفرع لوجود مفاسد الأصل في الفروع دون العكس. وكان كلّ واحد من الثلاثة أقوى من الإيماءات.

الرابعة : أقسام الإيماءات خمسة كما تقدّم ، ويندرج تحت كلّ واحد منها أمور كثيرة ، ولا يمكن الاستقصاء في هذا الباب إلّا بعد الكلام في تفاصيل كلّ واحد منها ونسبته إلى صاحبه ، ثمّ يتكلّم في كلّ واحد من جزئيات تلك الأقسام مع مشاركته في جنسه وما هو خارج عنه ، لإمكان أن

٣٤٦

يكون أحد الجنسين أقوى من الآخر ، ويكون بعض أنواع الضعيف أقوى من بعض أنواع القوي ، ولمّا كثرت تركناها للاختصار.

وأمّا الطرق العقلية فقد ذكر منها ستة : المناسب ، والمؤثر ، والشبه ، والدوران ، والسبر ، والطرد. فهنا مسائل (١) :

الأولى : المناسبة أقوى من الدوران ، خلافا لقوم حيث قالوا العلّة المطردة المنعكسة أقوى ممّا لا تكون كذلك.

لنا : أنّ المناسبة علّة لكون الوصف علّة ، فهي علّة العلّة ، وليس تأثير الوصف لاطّراده مع الحكم وجودا وعدما ، لأنّ الدوران ليس من لوازم العلّة ، فإنّها قد تكون أخصّ فتنفك عن الدوران. والدوران قد ينفك عن العلّة وقد سبق ذكر أمثلته. فإذن الاستدلال بالمناسبة أقوى.

احتجّوا بوجهين :

أ. العلّة المطّردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فتكون أرجح ، لما تقدّم من رجحان المشبهة للعقلية دون غيرها.

ب. الإجماع على صحّة المطّرد المنعكس. وقد أنكر بعضهم عليه ما لا يكون منعكسا.

والجواب عن أ. نمنع وجوب العكس في العلل العقلية.

سلّمنا ، لكن لا نسلّم أولوية الأشبه بالعلل العقلية.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٧٨ ـ ٤٨٠.

٣٤٧

وعن ب. أنّ ذلك يقتضي ترجيح المناسب المطّرد المنعكس على الّذي لا يكون مطّردا أو منعكسا ولا نزاع فيه. ولا يقتضي ترجيح الدوران المنفك عن المناسبة على المناسب المنفك عن الدوران ، فإنّه إذا وجد الدوران بدون المناسبة فقد لا تحصل العلّة ، كرائحة الخمر مع حرمتها.

الثانية : المناسب أقوى من التأثير ، إذ معنى التأثير ليس إلّا أنّه قد عرف تأثير هذا الوصف في نوع هذا الحكم وفي جنسه ، وكون الشيء مؤثّرا في شيء لا يقتضي كونه مؤثرا فيما يشاركه في جنسه. وأمّا المناسبة فهي الموجبة لكون الوصف مؤثرا في الحكم فكان الاستدلال على العلّيّة بالمناسبة أقوى من التأثير.

الثالثة : السبر إن كان قطعيا في جميع مقدّماته تعيّن العمل به ، وليس ترجيحا. وإن كان مظنونا في الجميع بأن يظن تعليل الحكم ، ويظن انحصار العلّة في هذين الوصفين ، ويظن انتفاء العلّيّة عن أحدهما فيحصل ظن ثبوتها للآخر ، فالمناسبة أولى ، لأنّ الدليل الدال على المقدّمات الثلاث ليس النصّ ، وإلّا كانت يقينية وقد فرضت ظنّية. هذا خلف.

وإن كان إيماء فقد عرفت أنّه مرجوح بالنسبة إلى المناسبة.

وإن كان بعض الطرق العقلية فالمناسبة أولى ، لاستقلال المناسبة بانتاج العلّيّة ، والسبر لا ينتجها إلّا بعد مقدّمات كثيرة. فالمثبت لتلك المقدّمات إن كان المناسبة كانت المناسبة أولى من السبر ، للاكتفاء بالمناسبة الواحدة في ثبوت الحكم ، والافتقار في السبر إلى ثلاث مقدّمات. وإن كان غيرها

٣٤٨

فالمناسبة أولى ، لأنّها علّة لعلّيّة العلّة ، وغير المناسبة ليس كذلك.

وإن كان مظنونا في بعض المقدّمات معلوما في البعض جاء (١) الترجيح في تلك المقدّمات المظنونة.

الرابعة : المناسبة أقوى من الشبه والطرد ، وهو ظاهر.

هذا فيما يرجع إلى الطرق الستّة العقلية بحسب الجنس ، أمّا ترجيح الأنواع فاعلم أنّ ترجيح بعض المناسبات على البعض إمّا أن يكون بأمور عائدة إلى ماهياتها ، أو بأمور خارجة عنها.

أمّا الأوّل فتقريره : أنّ كون الوصف مناسبا إمّا لمصلحة ترجع إلى الدنيا ، أو إلى الدين.

والأوّل إمّا أن يكون في محلّ الضرورة ، أو الحاجة ، أو الزينة. ولا شك في رجحان المناسبة الضرورية على الحاجة ، والحاجة على الزينة. والضرورية خمسة وأولاها ما يتعلّق بحفظ أصل الدين نظرا إلى ثمرته من حصول السعادة الأبدية.

اعترض (٢) بأنّ ما يفضي إلى حفظ مقصود النفس أولى وأرجح ، لأنّ مقصود الدين حقّ الله تعالى وغيره حقّ الآدمي ، وهو مرجّح على حقّه تعالى ، لأنّ حقّ الآدمي مبني على الشح والمضايقة ، وحقوقه تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة ، فإنّه تعالى لا يتضرّر بفوات حقّه بخلاف الآدمي ، وما

__________________

(١) في المحصول : ٢ / ٤٨٠ : عاد.

(٢) ذكره الآمدي وأجاب عنه في الإحكام : ٤ / ٢٨٧.

٣٤٩

يتضرّر بفوات حقّه أولى بالمحافظة من حقّ لا يتضرّر مستحقّه بفواته ، ولهذا لو كفر وقتل فإنّا نقتله قصاصا لا بكفره.

ورجّحنا مصلحة النفس على مصلحة الدين في المسافر حيث أسقط عنه ركعتان ، وأداء الصوم في رمضان ، وأسقط عن المريض الصوم والقيام في الصّلاة ، ورجّحنا مصلحة النفس على مصلحة الصلاة في إنجاء الغريق ، بل رجّحنا مصلحة المال على الدين حيث سوّغنا ترك الجمعة والجماعة لحفظ قليل من المال ، ورجّحنا مصالح المسلمين المتعلّقة ببقاء الذمّي بين أظهرهم على مصلحة الدّين حتى عصمنا دمه وماله مع وجود الكفر المبيح.

وأجيب بأنّ النفس وإن كانت متعلّق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام ، فهي متعلّق حقّ الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر ، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف بما يفضي إلى تفويتها ، فالتقديم إنّما هو لمتعلّق الحقّين ، ولا امتناع في تقديم حقّ الله تعالى وحقّ الآدمي على حقّه تعالى.

كيف وأنّ مقصود الدين متحقّق بأصل شرعية القتل وقد تحقّق ، والقتل بالفعل انما هو لتحقّق الوعيد به ، والمقصود بالقصاص إنّما هو التشفّي والانتقام ، ولا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل دون القتل بالفعل على ما يشهد به العرف ، فكان الجمع بين الحقّين أولى من تضييع أحدهما.

كيف وأنّ تقديم حقّ الآدمي هنا لا يفضي إلى تفويت حقّ الله تعالى فيما يتعلّق بالعقوبة البدنية مطلقا ، لبقاء العقوبة الأخروية ؛ وتقديم حقّ الله

٣٥٠

تعالى ممّا يفضي إلى فوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقا ، فكان لذلك أولى.

وتخفيف المسافر والمريض ليس تقديما لمقصود النفس على مقصود أصل الدين ، بل على فروعه ، وفروع الشيء ليست كأصله ، على أنّ مشقّة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقّة الأربع في الحضر ، وكذا صلاة المريض قاعدا بالنسبة إليه قائما صحيحا.

وأداء الصوم لا يفوت مطلقا ، بل إلى خلف هو القضاء.

وكذا إنقاذ الغريق ، وترك الجمعة والجماعة ، وبقاء الذمّي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال لا لمصلحة المسلمين ، بل لاطّلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين ليسهل انجذابه ويتيسّر استرشاده ، وذلك مصلحة دينية.

وكما أنّ مقصود الدين مقدّم على غيره من مقاصد الضرورة ، فكذا ما يتعلّق به مقصود النفس فيكون مقدّما على غيره من باقي المقاصد الضرورية.

أمّا بالنسبة إلى حفظ النسب ، فلأنّ حفظ النسب إنّما قصد لأجل حفظ الولد فلا يبقى ضائعا لا كافل له فلا يطلب لعينه ، بل لأدائه إلى بقاء النفس.

وأمّا بالنسبة إلى المال فكذلك ، لأنّ بقاءه ليس مطلوبا لذاته ، بل لأجل بقاء النفس مترفّهة منعّمة حتى يأتي بوظائف التكليف وفروض العبادات.

٣٥١

وأمّا بالنسبة إلى حفظ العقل ، فلأنّ النفس أصل والعقل تبع ، والمحافظة على الأصل أولى ، وكذا حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل ، والمال لكونه عائدا إلى حفظ النفس ، وما يفضي إلى حفظ العقل مقدّم على ما يفضي إلى حفظ المال ، لكونه محلّا للأمانة ومناط التكليف والمقصود بالخطاب للعباد بنفسه من غير واسطة بخلاف المال.

واعلم أنّ الوصف المناسب للحكم قد يكون نوعه مناسبا لنوع الحكم ، وقد يناسب جنسه نوع الحكم ، وقد يناسب نوعه جنس الحكم ، وقد يناسب جنسه جنس الحكم. وقد عرفت ذلك فيما تقدّم ومعلوم تقدّم الأوّل على الثلاثة الأخيرة ، والثاني والثالث كالمتعارضين ، ولا شك في تقدّمهما على الرابع.

ثمّ الجنس إمّا قريب أو بعيد ، والمناسبة المتولّدة من القريب متقدّمة على المتولّدة من البعيد.

ثمّ المناسبة في كلّ واحدة من هذه قد تكون جلية ، وهي الّتي يلتفت الذهن إليها في أوّل سماع الحكم ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يقضي القاضي وهو غضبان». (١) فإنّ الذهن يلتفت عند سماع هذا الكلام إلى أن الغضب إنّما منع من الحكم ، لكونه مانعا من استيفاء الفكرة.

__________________

(١) صحيح البخاري : ٨ / ١٠٨ ، باب هل يقضي الحاكم وهو غضبان ؛ سنن ابن ماجة : ٢ / ٧٧٦ ، باب لا يحكم وهو غضبان ؛ سنن أبي داود : ٢ / ١٦١ ؛ سنن الترمذي : ٢ / ٣٩٦ ؛ من لا يحضره الفقيه : ٣ / ١١ برقم ٣٢٣٤ ؛ تهذيب الأحكام : ٦ / ٢٢٦ برقم ٥٤٢.

٣٥٢

وقد تكون خفية ، وهي ما لا تكون كذلك. ولا شك في تقدّم الجلي على الخفي.

وأمّا الثاني : وهو ترجيح بعض المناسبات على بعض بأمور خارجة ، فهو على وجوه (١) :

الأوّل : المناسبة المعتضدة بسائر الطرق من الإيماء والدوران والسبر راجحة على ما لا تكون كذلك ، ويرجع حاصله إلى الترجيح بكثرة الأدلّة.

الثاني : المناسبة الخالية عن المعارض راجحة على ما لا تكون كذلك ، فإنّ المناسبة وإن لم تبطل بالمعارضة لكنّها مرجوحة بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك.

الثالث : المناسب من وجهين راجح على المناسب من وجه واحد ، وكذا ما زاد على الاثنين بالنسبة إلى الاثنين ، وهكذا.

أمّا الدوران فإنّ الحاصل في صورة واحدة راجح على الحاصل في صورتين ، لقلّة احتمال الخطأ في الأوّل دون الثاني ، فإنّ العصير لمّا لم يكن مسكرا فلم يكن محرّما ، فإذا كان مسكرا صار محرما ، فإذا زالت صفة الإسكار زالت الحرمة ، فها هنا يعلم أنّ شيئا من الصفات الباقية في الأحوال الثلاثة لا يصلح لعلّيّة هذا الحكم ، وإلّا وجدت العلّة بدون الحكم ، وهو خلاف الأصل (٢).

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٨١.

(٢) في «أ» : الصواب.

٣٥٣

وأمّا الدوران في الصورتين فهو كقول الحنفي في مسألة الحلي : «كونه ذهبا موجب للزكاة ، لأنّ التبر لمّا كان ذهبا وجب الزكاة فيه ، والثياب لمّا لم تكن ذهبا لم تجب الزكاة فيها». وهنا لا يمكن القدح في علّيّة الصفات الباقية بمثل ما ذكرناه في الصورة الأولى. فيثبت أنّ احتمال المعارض في الصورة الأولى أقلّ ، فكان الظنّ فيها أقوى.

وأمّا الشبه فقد يكون شبها في الحكم الشرعي ، وقد يكون شبها في الصفة واختلفوا في الراجح. والظاهر أنّ الشبه في الصفة أولى ، لأنّها بالعلل العقلية أشبه.

البحث الرابع : في التراجيح العائدة إلى دليل الحكم

في الأصل دليل الحكم الشرعي يكون شرعيا ، فإمّا أن يكون في القياسين المتعارضين قطعيا ، أو ظنيا ، أو بالتفريق. فإن كان قطعيا استحال الترجيح في ذلك ، لما تقدّم. وإن كان ظنّيا فإمّا أن يكون الدليل الدالّ عليه لفظيا ، أو إجماعا ، أو قياسا.

فإن كان إجماعا فقد ذهبوا إلى أنّ القياس الّذي ثبت الحكم في أصله بالإجماع أقوى من الّذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية ، لقبولها التخصيص والتأويل بخلاف الإجماع ، ويشكل بأنّا أثبتنا الإجماع بالدلائل القطعية ، فالفرع لا يكون أقوى حالا من الأصل.

وفيه نظر ، فإنّ الإجماع قد ثبت كونه حجّة ، وقد دلّت الأدلّة عليه فلا يقبل المعارضة.

٣٥٤

واعلم أنّا قد بيّنا أنّ حكم الأصل لا يجوز أن يثبت بالقياس ، خلافا لقوم حيث جوزوه لكنّهم اتّفقوا على أنّ القياس الثابت حكمه بالنص راجح على ما ثبت حكم أصله بالقياس ، لأنّ ذلك الحكم لا يتفرّع على قياس آخر إلى غير النهاية ، بل لا بدّ من الانتهاء إلى ما ثبت حكم أصله بالنصّ ، فالنصّ أصل للقياس والأصل راجح على الفرع.

وفيه نظر ، فإنّا قد بيّنّا أنّ بعض الجزئيات الضعيف قد يقوى على بعض الجزئيات القوي إذا تقاربت الأنواع فيها بالشدّة والضعف.

إذا عرفت هذا فالأدلّة اللفظية إن كانت متواترة ، لم يمكن ترجيح بعضها على بعض إلّا بما يرجع إلى المتن.

وإن كانت آحادا ، أمكن الترجيح بما يتعلّق بالمتن والإسناد. وقد تقدّمت.

وإذا كان ثبوت الحكم في الأصل أقوى كان القياس أرجح فإن كان ثبوت حكم الأصل في أحد القياسين مقطوعا به وفي الآخر مظنونا ، كان الأوّل أرجح.

وفيه نظر ، فإنّ حكم الأصل مقدّمة ولا يلزم من الترجيح في مقدّمة الترجيح المطلق ، إلّا مع التساوي في باقي المقدّمات في القوة والضعف ، أو تكون مقدّمات الأقوى أقوى.

وإذا ثبت الحكم في أحد الأصلين بإيماء خبر متواتر كان راجحا على

٣٥٥

ما ثبت بإيماء خبر واحد بشرط التعادل في الإيمائين ، ولو ثبت حكم الأصلين بخبر الواحد ، كان المشتمل على الحقيقة راجحا على المشتمل على المجاز.

البحث الخامس : في ترجيح الحاصل بسبب كيفية الحكم

وهو يقع على وجوه (١) :

الأوّل : القياس الموجب للحكم الشرعي راجح على الموجب للعقلي ، لأنّ القياس دليل شرعي ، ولأنّ تقدير تقديم العلّة المثبتة للحكم الشرعي [على] المثبتة للعقلي يستلزم النسخ مرتين ، وتقديم العقلي يستلزمه مرة.

لا يقال : كيف يجوز أن يستخرج من أصل عقلي علّة شرعية؟

لأنّا نقول : يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه الشرع ، فنستخرج العلّة الّتي لأجلها لم ينقلنا عنه الشرع. أمّا لو كان أحد الحكمين نفيا والآخر إثباتا وكانا شرعيّين فقال قوم إنّهما يتساويان ، وقد سلف وجوب كون أحدهما عقليا.

الثاني : الترجيح بكون الحكم في أحد الفرعين تحريما ؛ فإن كان شرعيا كان راجحا على الإباحة ، لأنّه شرعي ، ولأنّ الاحتياط يقتضيه. وإن كان عقليا اجتمع فيه جهتان : راجحية التحريم ومرجوحية العقلي ، فيرجع إلى

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٨٣.

٣٥٦

غيرهما ، ولا بدّ في الحظر والإباحة من كون أحدهما عقليا.

الثالث : أن يكون حكم أحد العلّتين العتق والأخرى الرق ، فمثبت العتق أولى لموافقة الأصل ، ولأنّ فيه مزيد قوة.

الرابع : المسقط للحدّ أولى من مثبته ، لأنّ ثبوته على خلاف الأصل.

لا يقال : مثبت العقوبة يثبت حكما شرعيا والدارئ يثبت حكما عقليا ، ومثبت الشرعي أولى.

لأنّا نقول : الشرع إذا ورد بالسقوط صار السقوط شرعيا ، ولهذا يمتنع نسخه إلّا بما ينسخ به الحكم الشرعي.

الخامس : المشتمل على زيادة حكم إحدى العلّتين راجح على الآخر ، فمثبت الندب راجح على مثبت الإباحة ، لأنّ فيه إباحة وزيادة.

السادس : مثبت الطلاق راجح على نافيه لقوة الطلاق.

السابع : القياس على الحكم الوارد على وفق قياس الأصول أولى من القياس الوارد بخلافها ، للاتّفاق على الأوّل والخلاف في الثاني ، ولخلو الأوّل عن المعارض بخلاف الثاني.

الثامن : القياس على أصل أجمعوا على تعليل حكمه أولى من غيره ، لأنّ إحدى مقدّمتيه قطعية ، وهو تعليل حكم الأصل.

التاسع : الترجيح بشهادة الأصول للحكم تارة أن يكون جنس ذلك الحكم ثابتا في الأصول ، وتارة دلالة الكتاب والسنّة والإجماع على ذلك

٣٥٧

الحكم. وهذه إن كانت صريحة فهي الأصل في إثبات الحكم ، فلا يجوز الترجيح بها ؛ وإن اشتملت على احتمال شديد ، جاز ترجيح القياس بها.

العاشر : الترجيح يحصل بقول الصحابي ، لأنّه أعرف بمقاصد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. وكذا إذا عضّدت العلّة علّة أخرى ، كما ترجّح أخبار الآحاد بكثرة بعضها على بعض.

الحادي عشر : إذا استلزم ثبوت حكم الفرع تخصيص عموم أو ترك ظاهر أو ترجيح مجاز على حقيقة ، فهو مرجوح بالنسبة إلى ما لا يكون كذلك. وفرق بين هذا الترجيح وبين ما ذكرناه من شهادة الأصول ، لأنّ الحكم الشرعي قد يكون بحيث يوجد في الشرع أصول تشهد بصحّته وأصول أخر تشهد ببطلانه ، فالقوة الحاصلة بسبب وجود الأصول الّتي تشهد بصحّته غير القوة الحاصلة بسبب عدم ما يشهد ببطلانه. ومن هذا الباب كون الحكم لازما للعلّة في كلّ الصور ، فإنّ من يجوّز تخصيص العلّة يسلّم أنّ العلّة المطّردة أولى من المخصوصة.

البحث السادس : في الترجيح الحاصل بسبب محلّ العلّة

محلّ العلّة إمّا الأصل ، أو الفرع ، أو مجموعهما.

أمّا الأصل فبأن تشهد للعلّة الواحدة أصول كثيرة ، فإنّه راجح على خلافه ، فإنّ شهادة الأصل دليل اعتبار العلّة ، وكلّ شهادة دليل مستقل بالترجيح ، فالشهادات الكثيرة ترجيح بكثرة الدلائل.

٣٥٨

وأمّا الفرع وفيه صور (١) :

الأولى : المتعدّية أولى من القاصرة عند الأكثر ، خلافا لبعض الشافعية ، لكثرة فائدة المتعدية ، وللاتّفاق عليها بخلاف القاصرة ، والأخذ بالمتّفق أولى.

احتجّوا بأنّ التعدية فرع الصحّة ، والفرع لا يقوّي الأصل.

والجواب أنّه وإن لم يقو الأصل ، لكنّه قد يدلّ على قوّته.

الثانية : ما كثرت فروعها من العلل أرجح من الأقل خلافا لبعضهم ، لأنّ كثرة الفروع يستلزم كثرة الفائدة ، فكانت أولى.

لا يقال : إنّما يكون أولى لو كثرت فوائدها الشرعية ، وكثرة فروعها ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع ، وليس ذلك بأمر شرعي.

لأنّا نقول : كثرة وجود الفرع ليس بأمر شرعي ، لكنّ الفروع لمّا كثرت لزم من جعل هذا الوصف علّة كثرة الأحكام ، فكان أولى.

احتجّوا بوجوه :

الأوّل : لو كان أعمّ العلّتين أرجح من أخصّهما ، لكان العمل بأعمّ الخطابين أولى من أخصّهما.

الثاني : التعدية فرع صحّة العلّة في الأصل ، فلو توقّفت صحّتها على التعدية ، دار.

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٨٦ ـ ٤٨٧.

٣٥٩

الثالث : كثرة الفروع ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع ، وليس [ذلك] بأمر شرعي ، بخلاف كثرة الأصول.

والجواب عن الأوّل. إنّما لم يترجّح أعمّ الخطابين لاستلزامه طرح أخصّهما ، بخلاف العمل بأخصّهما. أمّا العلّة فإذا انتهى الأمر إلى الترجيح ، وترجيح إحداهما يوجب طرح الأخرى ، فكان طرح ما تقلّ فائدته أولى.

وعن الثاني والثالث. ما تقدّم.

[الصورة] الثالثة : العلّة المثبتة للحكم في كلّ الفروع راجحة على المثبتة في بعضها ، لأنّ الدال على الحكم في كلّ الفروع يجري مجرى الأدلّة الكثيرة ، لأنّ العلّة تعود على كلّ منهما ، ولأنّ دلالته على ثبوت الحكم في كلّ واحد من تلك الفروع يقتضي ثبوته في البواقي ، إذ لا قائل بالفرق ، فهذه العلّة العامة قائمة مقام الأدلّة الكثيرة. وأمّا العلّة الخاصّة بالصورة الواحدة فهي دليل واحد فقط ، فكان الأوّل أولى.

وفيه نظر ، فإنّ الترجيح بكثرة الأدلة إنّما هو مع اتحاد المحل ، نعم وجه الترجيح هنا كثرة الفائدة.

وأمّا الراجع إلى الأصل والفرع معا فهو أن تكون العلّة يردّ بها الفرع إلى ما هو من جنسه والأخرى يردّ بها الفرع إلى خلاف جنسه ، كقياس الحنفي الحلي على التبر أولى من قياسه على سائر الأموال ، لأنّ الاتّحاد من حيث الجنسية ثابت بينهما.

٣٦٠