نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

أ. إذا اقتضى العقل حظر الفعل ، ثمّ ورد خبران أحدهما في إباحته والآخر في وجوبه.

ب. أن يقتضي العقل وجوب الفعل ، ثمّ يرد خبران أحدهما يدلّ على الحظر والآخر على الإباحة.

ج. أن يقتضي العقل إباحة الفعل ، ثم يرد خبران أحدهما يقتضي الوجوب والآخر الحظر.

قال أبو الحسين : لقائل أن يقول لا بد وأن يكون أحدهما مطابقا لحكم العقل ، إذ كلّ فعل له في العقل له حكم الحسن أو القبح أو ما زاد على الحسن ، ولا يكون أحد الخبرين نفيا والآخر إثباتا إلّا والنفي منهما نفي لواحد من الأحكام ، والإثبات منهما إثبات لبعضها. (١)

وقال فخر الدين الرازي : هذا يستقيم على مذهبنا في أنّ العقل لا يستقلّ بشيء من الأحكام إثباتا ونفيا ، بل إنّما يستفاد ذلك من الشرع فحينئذ لا مزية لأحدهما على الآخر. ولا يتمّ على مذهب المعتزلة ، لأنّ كلّ نفي وإثبات تواردا على حكم واحد فلا بدّ وأن يكون أحدهما عقليا.

فإنّ الإباحة تشارك الوجوب في جواز الفعل ، وتخالفه في جواز الترك ؛ وتشارك الحظر في جواز الترك وتخالفه في جواز الفعل. فهي تشارك كلّ واحد من الوجوب والحظر بما به تخالف الآخر. وإذا تقرر هذا فنقول : إذا اقتضى العقل الحظر اقتضى جواز الترك لصدق جائز الترك على المحظور ،

__________________

(١) المعتمد في أصول الفقه : ٢ / ١٨٤.

٣٢١

فإذا ورد خبر الإباحة والوجوب كانت الإباحة منافية للوجوب من حيث إنّها تقتضي جواز الترك ، لا من حيث إنّها تقتضي جواز الفعل. وجواز الترك حكم عقلي ، فثبت أنّه لا بدّ في النفي والإثبات هنا من كون أحدهما عقليا.

وأمّا إذا اقتضى العقل الوجوب ثمّ ورد خبران في الحظر والإباحة فالكلام فيه كما تقدم.

وأمّا إذا اقتضى العقل الإباحة ثمّ ورد خبران في الوجوب والتحريم ، فنقول : ثبت أنّ الإباحة تشارك كلّا من الوجوب والتحريم بما به تخالف الآخر ، فإذا كانت الإباحة مقتضى العقل لزم أن يكون الوجوب مقررا للحكم العقلي من وجه ، وناقلا من آخر. وكذا التحريم فهنا أيضا لا بدّ في النفي والإثبات المتواردين على أمر واحد من أن يكون أحدهما عقليا ، وإذا ثبت أنّ النفي والإثبات لا بدّ وأن يكون أحدهما عقليا رجع الترجيح إلى ما تقدّم من أنّ الناقل أرجح أم المبقي. (١)

وفيه نظر ، لأنّ الإباحة بالمعنى الأخص منافية لكلّ من الحظر والوجوب ، وهي المراد بالحكم الشرعي.

تذنيب

إذا اقتضى العقل الحظر ثمّ ورد خبران بالإباحة والوجوب ، وقد عرفت مشاركة الإباحة للحظر من وجه ومخالفتها له من آخر ، فخبر الإباحة يقتضي

__________________

(١) المحصول : ٢ / ٤٦٦ ـ ٤٦٧.

٣٢٢

بقاء حكم العقل من وجه هو الّذي حصلت به المشاركة ، والنقل من وجه هو الذي حصلت به المباينة. وأمّا الوجوب فإنّه يخالف الحظر في القيدين معا ، فيكون مقتضيا للنقل من وجهين فمن رجّح الناقل رجّح خبر الوجوب ، ومن رجّح المقرر رجّح خبر الإباحة.

وكذا القول لو اقتضى العقل الوجوب ثمّ ورد خبران بالإباحة والحظر. وأمّا لو كان مقتضى العقل الإباحة ثمّ ورد خبران بالوجوب والتحريم وكلّ منهما يشارك الإباحة من وجه دون آخر ، فيكون كلّ منهما ناقلا من وجه ومقررا من آخر ، فيحصل التساوي.

قال أبو الحسين (١) : وقد مثل قاضي القضاة الخبرين الوارد أحدهما بالإثبات والآخر بالنفي بما روي أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى في الكعبة وما روي : أنّه لم يصل ، وما روت أم سلمة أنّه لم يقبّلها وهو صائم وما روت عائشة أنّه قبّلها وهو صائم ، قال : وليس هذا بمثال للمسألة ، لأنّ القبلة والصلاة ونفيهما أفعال لا أحكام فيقال إنّها عقلية أو شرعية وإنّما الأحكام جواز الصلاة ونفي جوازها ، والعقل لو تجرّد لكان مطابقا لنفي جوازها لأنّها (٢) غير مصلحة ، وكون القبلة غير مفسدة للصوم هو مقتضى العقل ، وكذا تزويج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ميمونة وهو حلال أو حرام هو إيقاع فعل في أحوال ، وليس ذلك بحكم وإنّما الحكم هو حسن ذلك مع الإحرام أو قبحه ، ومقتضى العقل هو حسنه ، هذا إذا كان هو الأصل في العقل.

__________________

(١) المعتمد في أصول الفقه : ٢ / ١٨٤.

(٢) في «أ» و «ب» : فإنّها.

٣٢٣

أمّا ما يكون الأصل من حال المروي عنه نحو ما روي أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يصلّ في الكعبة ولم يقبّل وهو صائم ، وأنّه تزوّج ميمونة وهو حلال ، لأنّ الأصل منه عدم ذلك.

فالخبر المروي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى في الكعبة أولى ، وتحمل رواية من لم يصل على حسب اعتقاده وأنّه خفي عليه بعض أحوال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ورواية القبلة راجحة على رواية نفيها ، لأنّ أم سلمة روت عن حالها معه فلا تعارض رواية عائشة أنّه قبّلها وهو صائم.

وعدالة راوي تزويج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو حرام تقتضي أن يثبت رواية «تزويجه إياها وهو حلال» إلى أنّه استدام الأصل ، فكانت هذه الرواية أولى أن تثبت العدالة.

* * *

[الوجه] الثالث : إذا تعارض خبران في الحظر والإباحة وكانا شرعيّين ، قال أبو هاشم وعيسى بن أبان : إنّهما يستويان فيطرحان فيرجع المجتهد إلى غيرهما من الأدلّة.

وقال الكرخي وجماعة من الفقهاء : خبر الحظر راجح لوجوه (١) :

الأوّل : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما اجتمع الحرام والحلال إلّا وغلب الحرام الحلال». (٢)

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٦٨.

(٢) عوالي اللآلي : ٣ / ٤٦٦ برقم ١٧ ؛ بحار الأنوار : ٦٢ / ١٤٤ ؛ مستدرك الوسائل : ١٣ / ٦٨.

٣٢٤

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». (١) ولا يريبه جواز ترك هذا الفعل ، لأنّه بين أن يكون حراما ومباحا ، وإنّما يريبه جواز فعله فيجب تركه.

الثاني : لو طلق واحدة من نسائه ونسيها حرم عليه وطء الجميع ، وكذا لو أعتق إحدى إمائه.

الثالث : دار بين ارتكاب الحرام أو ترك المباح ، وترك المباح أولى ، فكان الترجيح للمحرم احتياطا.

لا يقال : يحتمل أن يكون الفعل مباحا ، فاعتقاد تحريمه إقدام على ما لا يؤمن كونه جهلا.

لأنّا نقول : إذا استباح المحظور أقدم على محظورين : الفعل ، واعتقاد إباحته ؛ أمّا إذا امتنع عن المباح فقد أقدم على محظور واحد هو اعتقاد التحريم.

قال أبو الحسين : وقد نصر هذا القول بوجوه :

أوّلها : الحظر أدخل في التعبّد من الإباحة ، لأنّه أشق.

واعترضه بأنّ الفعل قد يتعبّدنا الله بحظره ، وقد يتعبّدنا باعتقاد إباحته ، ويرد الشرع بإباحته ، وقد يرد الشرع بإباحة ما لم يكن في العقل مباحا كما

__________________

(١) مسند أحمد ٣ / ١١٢ و ١٥٣ ؛ مستدرك الحاكم : ١ / ٥١ وج ٢ / ١٣ ؛ مجمع الزوائد : ١ / ٢٣٨ وج ٥ / ٥٦.

٣٢٥

يرد بحظر ما لم يكن محظورا فليس أحدهما أدخل في التعبّد من الآخر.

ثانيها : إذا تعارض خبر حظر وإباحة فقد حصلت جهة حظر وجهة إباحة. وهاتان الجهتان متى اجتمعتا كان الحظر أولى ، فإنّ الأمة بين الشريكين لمّا اجتمع فيها ملكه وهو مبيح وملك الآخر وهو محرم ، قدّم الحظر.

واعترضه بأنّ ملك أحد الشريكين لبعض الأمة ليس بجهة مبيحة للوطء ، بل الجهة المبيحة ملك الجميع فلم يحصل في هذه الأمة جهتان إحداهما لو انفردت أباحت ، والأخرى لو انفردت حظرت ، بخلاف الخبرين فإنّ كلّ واحد منهما لو انفرد لثبت حكمه.

ثالثها : لو غرق جماعة من الأقارب وخفي المتقدّم جعلناهم كأنّهم غرقوا معا ، ولم نورّث بعضهم من بعض وغلبنا حظر التوارث بينهم.

واعترضه بأنّ ذلك حجّة للمخالف ، لأنّهم قد نزلوا منزلة من لم يموتوا. وفرّق قاضي القضاة بجواز أن يكونوا قد غرقوا دفعة فجاز أن يجريهم هذا المجرى ، بخلاف الخبر المبيح مع المحرم فإنّه لا يجوز ورودهما معا ، فلا يصحّ تقديرهما هذا التقدير.

لا يقال : ليس إذا تعارضت البينتان في الملك لم يسقطا وعمل عليهما ، فهلّا وجب مثله في الخبرين؟

لأنّا نقول : إنّه يمكن العمل على البيّنتين في الملك فيجعل بينهما ، وأجاب قاضي القضاة بأنّ البيّنتين يجوز صدقهما بأن تستند الشهادة إلى

٣٢٦

التصرف ويكون المتداعيان قد تصرفا ، فيثبت لكلّ منهما الملك بحكم اليد ، بخلاف الحظر والإباحة معا. (١)

[الوجه] الرابع : إذا كان أحد الخبرين مثبتا للطلاق والعتاق والآخر نافيا لهما ، قال الكرخي : نقدّم المثبت لهما على النافي ، وقال آخرون بالتسوية.

احتجّ الكرخي : أنّ مشروعية ملك النكاح واليمين على خلاف الأصل ، فيكون زوالهما على وفق الأصل. والخبر المتأيّد بموافقة الأصل راجح على الواقع بخلاف الأصل. (٢)

وقيل : النافي لهما أولى ، لأنّه على وفق الدليل المقتضي لصحّة النكاح وإثبات ملك اليمين الراجح على النافي له.

[الوجه] الخامس : النافي للحد مقدّم على المثبت له عند بعض الفقهاء ، خلافا للمتكلّمين لوجوه (٣) :

أحدها : الحد ضرر فتكون مشروعيته على خلاف الأصل ، والنافي له على وفق الأصل ، فيكون النافي راجحا.

ثانيها : ورود الخبر في نفي الحد إن لم يوجب الجزم بذلك النفي فلا أقل من إفادته الشبهة ، وإذا حصلت الشبهة سقط الحد لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ادرءوا الحدود بالشبهات» (٤).

__________________

(١) المعتمد في أصول الفقه : ٢ / ١٨٧ ـ ١٨٨.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٤٦٩.

(٣) راجع المحصول : ٢ / ٤٦٩ ؛ الإحكام : ٤ / ٢٥٩.

(٤) من لا يحضره الفقيه : ٤ / ٧٤ برقم ٥١٤٦ ؛ مستدرك الوسائل : ١٨ / ٢٦ ح ٣ و ٤ ؛ عوالي اللآلي : ١ / ٢٣٦ برقم ١٤٧ وج ٢ / ٣٤٩ برقم ٤.

٣٢٧

ثالثها : إذا كان الحدّ يسقط بتعارض البيّنتين مع ثبوته في أصل الشرع فليس يسقط بتعارض الخبرين في الجملة ، ولم يتقدّم له ثبوت أولى.

رابعها : النهي من حيث هو نهي راجح على الأمر ، لأنّ طلب الترك أشدّ ، إذ القائل بالمرّة في الأمر قائل بالتكرار في النهي ، ولقلّة تردّد النهي في محامله التي هي التحريم والكراهة وكثرة محامل الأمر الّتي هي الوجوب والندب والإباحة ؛ ولأنّ غالب النهي طلب دفع المفسدة وغالب الأمر تحصيل المصلحة ، واهتمام العقلاء بدفع المفاسد أكثر من اهتمامهم بتحصيل المصالح.

خامسها : الأمر راجح على المبيح لانتفاء الضرر بمخالفة المبيح دون مخالفة الأمر. وقد يرجح المبيح باتّحاد مدلوله وتعدّد مدلول الأمر ؛ ولأنّ في العمل بالمبيح تأويل الأمر على بعض محامله ، وفي العمل بالأمر تعطيل المبيح بالكلية ، والتأويل أولى من التعطيل.

سادسها : الخبر راجح على الأمر ، لاتّحاد مدلول الخبر فيبعد عن الاضطراب ؛ ولأنّه أقوى في الدلالة ، ولهذا امتنع نسخه عند بعضهم ؛ ولأنّ في ترك العمل به محذور الكذب في خبر الشارع ، وهو فوق المحذور اللازم من فوات مقصود الأمر ، فكان الخبر أولى.

سابعها : المبيح مقدّم على النهي ، كما تقدّم في الأمر مع المبيح وفيه ما تقدّم.

ثامنها : الخبر مقدّم على النهي كما في الأمر ، وعلى المبيح.

٣٢٨

تاسعها : الخبر المشتمل على الزيادة أرجح لإمكان خفائها عن الآخر ، كرواية من روى أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كبّر في العيد سبعا (١) فإنّها مقدّمة على رواية من روى أربعا. (٢)

عاشرها : إذا اقتضى أحدهما الحظر والآخر الوجوب فالأوّل راجح ، لأنّ غالب الحرمة دفع مفسدة ملازمة للفعل أو تقليلها ، وفي الوجوب تحصيل مصلحة ملازمة للفعل أو تكميلها ، واهتمام الشارع والعقلاء بدفع المفاسد أتمّ. ولأنّ إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتمّ من إفضاء الوجوب إلى مقصوده ، لأنّ مقصود الحرمة يتأتى بالترك ، سواء كان مع قصد أو غفلة بخلاف فعل الواجب.

حادي عشر : المقتضي للتحريم راجح على المقتضي للكراهة للمساواة بينهما في طلب الترك وزيادة التحريم بما يدلّ على الذم عند الفعل ؛ ولأنّ المقصود منهما الترك لما يلزم من دفع المفسدة الملازمة للفعل ، والحرمة أولى بتحصيل ذلك المقصود فكانت أولى بالمحافظة ؛ ولأنّ العمل بالمحرم لا يستلزم إبطال دلالة المقتضي للكراهة وهو طلب الترك ، والعمل بالمقتضي للكراهة بما يجوز معه الفعل ، وفيه إبطال دلالة المحرم. ولا يخفى أنّ العمل بما لا يفضي إلى الإبطال يكون أولى.

__________________

(١) مسند أحمد : ١ / ٧٣ وج ٦ / ٦٥ ؛ سنن أبي داود : ١ / ٢٥٦ ، باب التكبير في العبدين ؛ سنن ابن ماجة : ١ / ٤٠٧ ؛ سنن البيهقي : ٣ / ٢٨٥ ؛ الإحكام : ٤ / ٢٦٦.

(٢) سنن أبي داود : ١ / ٢٥٦ برقم ١١٥٣ ؛ سنن البيهقي : ٣ / ٢٨٩ ؛ الإحكام : ٤ / ٢٦٦.

٣٢٩

وفيه نظر ، لأنّ دلالة مقتضي الكراهة ليس هو مطلق طلب الترك ، بل الطلب غير المانع من النقيض.

ثاني عشر : معقول المعنى أرجح لسرعة القبول وسهولة الانقياد ، وما شرعه أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع يكون أولى ، ولهذا كان شرع المعقول أغلب من شرع غيره حتى قيل انّ كلّ حكم فهو معقول المعنى حتى في ضرب الدية على العاقلة وغيره ممّا يظن أنّه غير معقول المعنى ، ولاشتماله على فائدة التعدية مطلقا عند قوم ، وإلى عموم (١) الموافقة عندنا.

ثالث عشر : التكليفي وإن ترجّح باعتبار اشتماله على زيادة الثواب المنوط بالتكليف ، إلّا أنّ الوضعي راجح من حيث إنّه لا يتوقّف على ما يتوقّف عليه التكليفي من أهلية المخاطب وفهمه وتمكّنه من الفعل.

رابع عشر : قيل الأخف أولى ، لأنّ مبنى الشريعة على التخفيف ، كما قال تعالى : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(٢) ، (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(٣).

وقيل : الأثقل أرجح ، لأنّ القصد بالشرع مصالح المكلّفين وإنّما تحصل المصلحة التامّة بالأشقّ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ثوابك على قدر مشقتك» (٤) ، ولأنّ الغالب تأخّر الأثقل.

__________________

(١) «أ» و «ب» : مفهوم.

(٢) البقرة : ١٨٥.

(٣) الحج : ٧٨.

(٤) الإحكام : ٤ / ٢٧٣. ولم نجده في المصادر الحديثية.

٣٣٠

البحث الخامس : في التراجيح بالأمور الخارجية

وهي من وجوه (١) :

الأوّل : الترجيح بكثرة الأدلّة. وقد سبق.

الثاني : لو عمل بعض الفضلاء من الصحابة أو قال بخلافه والخبر ممّا لا يخفى عنه ، قال بعضهم : يحمل على نسخه ، أو أنّه لا أصل له. وإلّا لما خالف ، والحقّ أنّه ليس كذلك ، نعم إذا عارضه خبر آخر لا يكون كذلك كان راجحا عليه. وبه قال الشافعي.

الثالث : إذا عمل بأحد الخبرين أكثر السلف ممّن لا يجب تقليده ، قال عيسى بن أبان : يجب ترجيحه لأنّ الأكثر يوفّق للصواب ما لا يوفّق له الأقل. وبه قال بعض علماء الإمامية.

وقال آخرون : لا يحصل به الترجيح ، لأنّه لا يجب تقليدهم. والأوّل أنسب ، لأنّ عدم وجوب التقليد لا يستلزم نفي الترجيح.

الرابع : خبر الواحد فيما تعمّ به البلوى مرجوح ، لأنّ كونه ممّا تعمّ به البلوى ، وإن لم يوجب القدح فلا أقل من إفادة المرجوحية ، ولأنّ فيه خلافا بخلاف غيره.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٧٠.

٣٣١

تذنيب

ما يرجّح به الخبر قد يكون بعضه أقوى من بعض ، فإذا استوى الخبران في كمية وجوه الترجيح وجب اعتبار الكيفية ، فإن ترجح أحدهما فيها تعيّن العمل به ، وإن تساويا تساقطا ورجع إلى غيرهما إن وجدا ووجب التخيير أو الوقف ، وكذا إن تساويا في الكيفية وتفاوتا في الكمية وجب العمل بالأكثر كمية. وإن كان أحدهما أكثر كيفية وأقل كمية أو بالعكس وجب على المجتهد أن يقابل ما في أحد الجانبين من الرجحان بما في الجانب الآخر منه فإن رجح أحدهما تعيّن العمل به ، وإلّا فالحكم ما تقدّم من التساقط أو التخيير أو الوقف ، ويعتبر حال قوة الظن.

البحث السادس : في بقايا تراجيح الأخبار

وهي من وجوه :

الأوّل : ما يوافقه دليل أقوى أرجح ممّا يوافقه الأضعف ، كما أنّ ما يوافقه دليل آخر أقوى ممّا لا يوافقه شيء البتّة.

الثاني : ما يوافق عمل علماء المدينة أو الأفضل أرجح ، لأنّ أهل المدينة أعرف بالتنزيل وأخبر بمواقع الوحي والتأويل.

الثالث : ما تأويله أقوى أرجح ممّا تأويله أضعف.

الرابع : العامّان إذا ورد أحدهما على سبب خاص وتعارضا بالنسبة إلى

٣٣٢

ذلك السبب ، فالوارد عليه أقوى ، لكونه أخصّ به ؛ ولأنّ محذور المخالفة فيه أشد من حيث اشتماله على تأخير البيان عن وقت الحاجة. وإن تعارضا في غيره فالمطلق أولى ، لأنّ عمومه أقوى من عموم مقابله لاستوائهما في صيغة العموم ، وحصول الشك بتخصيص ما ورد على الواقعة بها نظر إلى بيان ما دعت الحاجة إليه وإلى أصالة مطابقة ما ورد في معرض البيان لما نسب إليه الحاجة وللخلاف فيه.

الخامس : أن يكون أحدهما قد وردت به المخاطبة على سبيل الإخبار بالوجوب أو التحريم أو غيره كما في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ)(١) ، أو في معرض الشرط والجزاء كقوله تعالى : (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)(٢) ، والآخر وردت به المخاطبة شفاها كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ)(٣) ، (يا أَيُّهَا النَّاسُ)(٤) ، فإن تقابلا في حق من وردت المخاطبة إليه شفاها فخطاب المشافهة أولى ، وإن كان بالنظر إلى غيره من وردت المخاطبة إليه شفاها كان الآخر أولى لما تقدّم من أولوية العام المطلق على الوارد على السبب. ولأنّ الشفاهي إنّما هو للحاضرين وتعميمه بالنسبة إلى غيرهم إنّما هو بالنظر إلى دليل آخر إمّا من إجماع الأمّة على عدم التفرقة ، أو من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة».

__________________

(١) المجادلة : ٣.

(٢) آل عمران : ٩٧.

(٣) البقرة : ١٧٨ و ١٨٣.

(٤) البقرة : ٢١ و ١٦٨ ، و...

٣٣٣

وفيه نظر ، للتساوي من هذا الوجه ، إذ التكليف منوط بالوجود الشفاهي.

السادس : ما وقع الخلاف في نسخه أو جاز تطرّق النسخ إليه أضعف من مقابله لقلّة تطرّق المنافي إليه.

السابع : العامّان إذا اتّفق على العمل بأحدهما في صورة من صور موارده وإن غلب على الظن زيادة اعتباره على مقابله إلّا أنّ العمل بما لم يعمل به في صورة متّفق عليها أولى ، لعدم إفضاء العمل به إلى تعطيل الآخر لكونه قد عمل به في الجملة ، والعمل بما عمل به يفضي إلى تعطيل ما لم يعمل به ، وما يفضي إلى التأويل أولى ممّا يفضي إلى التعطيل ، وما عمل به في صورة الوفاق وإن ترجح فيها على الآخر إلّا أنّه يحتمل استناد الرجحان إلى أمر خارج لا وجود له في محل النزاع.

الثامن : أن يكون أحدهما قد قصد فيه بيان الحكم المختلف فيه بخلاف الآخر فهو أولى من الآخر ، لأنّه أمسّ بالمقصود لقوله تعالى : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ)(١) ، فإنّه قصد به بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين ، فيقدّم على قوله تعالى : (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)(٢) حيث لم يقصد به بيان الجمع.

التاسع : ما هو أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمّة أرجح ، لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع المضرة.

__________________

(١) النساء : ٢٣.

(٢) النساء : ٣.

٣٣٤

العاشر : ذاكر السبب في ورود ذلك النصّ أولى من غيره لشدّة اهتمامه بما رواه ، وكذا المقترن بتفسير الراوي بفعله أو قوله فإنّه يكون راجحا على ما ليس كذلك.

الحادي عشر : إذا كان الراوي من كبار الصحابة فروايته أرجح من رواية من هو من صغارهم ، لأنّ الغالب قرب الأوّل إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حالة السماع لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى». (١) ولأنّ محافظته على منصبه يوجب التحرّز عن الكذب أكثر من الأصغر ، وكذا متقدّم الإسلام أرجح رواية من متأخّره لزيادة أصالته في الإسلام وتحرّزه فيه.

الثاني عشر : من زكّاه الأكثر أو الأعدل أو الأفقه أرجح ، وكذا من زكّي بصريح المقال أرجح ممّن زكّي بالرواية عنه أو بالعمل بروايته أو الحكم بشهادته عنه ، ورواية من زكّي بالحكم بشهادته أرجح من رواية من زكّي بالرواية عنه.

الثالث عشر : المتواتر واجب العمل به دون الآحاد لو تعارضا.

والمعنعن أولى من الخبر الّذي طريقه مشهور مع عدم التنكير ، ومن الّذي طريقه الإسناد إلى كتاب من كتب المحدّثين لبعده عن الغلط والتصحيف.

__________________

(١) صحيح مسلم : ٢ / ٣٠ ؛ مسند أحمد : ١ / ٤٥٧ وج ٤ / ١٢٢ ؛ سنن الدارمي : ١ / ٢٩ ؛ سنن ابن ماجة : ١ / ٣١٣ ؛ سنن أبي داود : ١ / ١٥٨ ؛ سنن الترمذي : ١ / ١٤٤ برقم ٢٢٨ ؛ سنن النسائي : ٢ / ٨٧ و ٩٠.

٣٣٥

وما طريقه الشهرة أولى من المستند إلى كتاب من كتب المحدّثين.

والمستند إلى كتاب مشهور بالصحّة أولى من غيره.

والذي روايته بقراءة الشيخ عليه أولى من الّذي يقرأ هو على الشيخ ، أو بخبره له ، أو مناولته ، أو يراه بخطّه.

والمناولة أولى من الإجازة ، لأنّ المناولة غير كافية وهو أن يقول : «خذ هذا الكتاب» ما لم يقل : «وحدّث به عنّي فقد سمعته من فلان» وعلى هذا يكون إجازة وزيادة.

والإجازة راجحة على رواية الخط في الكتاب ، لأنّ الخطوط ممّا يشتبه. وكذا لو قال الشيخ : «هذا خطّي» فالإجازة أولى ، لأنّ دلالة لفظ الشيخ على الرواية عمّن روى عنه أظهر من دلالة خطّه عليها.

والخبر الّذي لم ينكره راوي الأصل أرجح من الّذي أنكره ، والّذي أنكره راوي الأصل إنكار نسيان وتوقّف أرجح من الّذي أنكره الأصل إنكار تكذيب وجحود.

البحث السابع : في تراجيح الإجماعات

اعلم أنّ بعض الإجماعات قد يرجّح على بعض ، وهو من وجوه (١) :

الأوّل : الإجماع الّذي دخل فيه أهل العصر أرجح من الّذي دخل فيه

__________________

(١) راجع الإحكام : ٤ / ٢٦٦ ـ ٢٦٨.

٣٣٦

أهل الحل والعقد خاصة ، لأنّه أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.

واعلم أنّ لنا في ترجيح بعض الإجماعات على البعض الآخر نظرا ، وذلك أنّهما إن لم يتعارضا فلا ترجيح ، وإن تعارضا لزم أن يكون أحد الإجماعين خطاء ، وهو باطل بما تقدّم.

الثاني : الإجماع الّذي دخل فيه مع أهل الحل والعقد الفقهاء الذين ليسوا أصوليّين والأصوليّين الذين ليسوا فقهاء وخرج عنه العوام راجح على العكس ، لقربهم من المعرفة والإحاطة بأحكام الشرع واستنباطها من مداركها. وكذا ما دخل فيه الأصولي الّذي ليس بفقيه ولم يدخل فيه الفقيه أرجح من العكس ، لأنّ الأصولي أعرف بمدارك الأحكام وكيفية تلقّيها من المنطوق والمفهوم والأمر والنهي وغير ذلك.

الثالث : ما دخل فيه المجتهد المبتدع الّذي ليس بكافر أولى ممّا لم يدخل فيه ، لبعده عن الخلاف.

الرابع : إجماع الصحابة أولى من إجماع التابعين ، وكذا إجماع التابعين أولى من إجماع تابعي التابعين ، وهكذا.

الخامس : الإجماع الّذي انقرض عصره أولى ، لاستقراره وبعده عن الخلاف.

السادس : الإجماع على إثبات القول الثالث أولى من انقسام الأمّة إلى قسمين في أنّه إجماع على نفي الثالث ، لبعده عن اللبس.

٣٣٧

السابع : الإجماع غير المسبوق بالخلاف راجح على المسبوق به.

الثامن : ما لم يرجع فيه بعض المجتهدين إلى دليل ظهر له عن موافقة الباقين أرجح ممّا قد رجع فيه البعض.

خاتمة

لمّا كان الكتاب العزيز متواترا لم يقع فيه الترجيح بسبب النقل بل بسبب المتن ، ولمّا تطرّق إليه النسخ وكان حكم المنسوخ مرتفعا لم يقع بينه وبين الناسخ ترجيح ، لوجوب العمل بالناسخ ، فبقي الترجيح في الدلالة من حيث العموم والخصوص ، فيقدّم الخاص على العام في مورده خاصّة جمعا بين الأدلّة. ومن حيث المطلق والمقيد فيعمل بالمقيد ويحمل المطلق عليه ، لأنّه أولى من جعل المقيد للندب.

وإذا تعارض الكتاب وخبر الواحد فإن كان الكتاب معلوم المتن كما هو معلوم النقل تعيّن العمل به ، لأنّه معلوم وخبر الواحد مظنون فلا يعارضه. وإن كان مظنون الدلالة كالعام مع خبر الواحد الخاص ، كان الجمع بينهما أولى بأن يخص العموم به ، وقد سبق.

الباب الثاني : في تراجيح الأقيسة

قد بيّنّا فيما سلف أنّ القياس لا يجوز العمل به إلّا إذا كانت العلّة منصوصة ، خلافا للأكثر ، والتفريع هنا على قول الأكثر.

٣٣٨

واعلم أنّ الترجيح في الأقيسة إمّا أن يكون بحسب ماهية العلّة ، أو بحسب ما يدلّ على وجودها ، أو بحسب ما يدلّ على علّتها ، أو بحسب ما يدلّ على ثبوت الحكم في الأصل ، أو بحسب ماهية ذلك الحكم ، أو بحسب محلّ ذلك الحكم ، أو بحسب محالّ العلّة ، أو بحسب أمور خارجة. فهنا مباحث :

[البحث] الأوّل : في التراجيح المعتبرة بحسب ماهيّة العلّة

اعلم أنّ العلّة إمّا أن تكون وصفا حقيقيا ، أو حكمة ، أو حاجة ، أو وصفا عدميا ، أو إضافيا ، أو تقديريا ، أو حكما شرعيا. وعلى كلّ تقدير فإمّا أن تكون مفردة ، أو مركبة من أمرين ، أو أزيد. وقد تقدّم البحث في ذلك كلّه. واعتمد بعضهم في الترجيح على أمرين :

أحدهما : أن يكون أحدهما أشبه بالعلل العقلية فإنّه راجح على ضده ، لأنّ العقل أصل للنقل ، والفرع كلّما كان أشبه بالأصل كان أقوى.

ثانيهما : المتّفق عليه أولى من المختلف فيه ، لأنّ المتّفق عليه تكون المقدّمة فيه يقينية ، ولا شك في أنّ القياس الّذي يكون بعض مقدّماته يقينيا وبعضها ظنيا أقوى من الّذي يكون جميع مقدّماته ظنّيا ، لأنّ الاحتمال في الأوّل أقل فيكون الطريق أقوى.

وفيه نظر ، لأنّه إنّما يكون أقوى لو كانت النسبة بين الظنّين محفوظة ، أمّا على تقدير زيادة ظن ما تكون مقدّماته ظنّية على ظنّ المقدّمة الظنّية من

٣٣٩

الآخر فلا يلزم ذلك ، لجواز أن يكون في غلبة الظن هنا وفاء برجحان اليقين هناك وزيادة. إذا ثبت هذا فنقول الترجيح يقع من وجوه (١) :

الأوّل : الوصف الحقيقي أولى في التعليل به من باقي الأوصاف ، للإجماع عليه بين القائسين ، والخلاف في البواقي.

الثاني : التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف العدمي ، لأنّ العلم بالعدم لا يدعو إلى شرع ذلك الحكم إلّا إذا حصل العلم باشتمال ذلك العدم على نوع مصلحة ، وحينئذ يبقى الداعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنّما هو تلك المصلحة لا العدم ، فيكون التعليل بها أولى من التعليل بالعدم.

لا يقال : يلزم ذلك في الوصف الثبوتي.

لأنّا نقول : قد كان الواجب ذلك ، إلّا أنّ الوصف الثبوتي لمّا كان أدخل في الضبط من الحاجة وأبعد من الاضطراب بخلاف المصلحة رجع إليه في التعليل دون المصلحة ، وأمّا العدم المحض فإنّه غير منضبط ولا يتقيد إلّا بالإضافة إلى الوجود ، وإذا لم يكن منضبطا لم يكن صالحا للتعليل.

الثالث : التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف الإضافي ، لأنّ الإضافات ليست ثبوتية ، بل هي أمور عدمية ، وقد سبق رجحان التعليل بالحكمة على التعليل بالعدمي.

الرابع : التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالوصف التقديري والحكم

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٧١ ـ ٤٧٣.

٣٤٠