نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

النظر لم ننتفع به. أمّا إذا كان الرجحان منتفيا في نفس الأمر ، كان الوضع عبثا.

وأمّا وقوع الثاني فلما تقدم من الصور.

واحتجّ المانع من التخيير بأنّ أمارات وجوب كلّ من الفعلين اقتضت وجوبه على وجه لا يسوغ الإخلال به ، والتخيير بينه وبين ضده يقتضي تسويغ الإخلال به ، فالتخيير مخالف لمقتضى الأمارتين.

والجواب أمارة وجوب الفعل يقتضي وجوبه فقط ، والمنع من الإخلال به على كلّ حال موقوف على عدم الدلالة على قيام غيره مقامه ، وحينئذ لا يكون التخيير مخالفا لمقتضى الأمارتين.

وفيه نظر ، إذ مقتضى الوجوب المنع من التخيير.

تذنيب

التعادل إن وقع للإنسان في عمل نفسه تخيّر.

وللمفتي : تخيير المستفتي في العمل بأيّهما شاء ، كما يلزمه في حقّ نفسه.

وللحاكم : معيّن لأنّه نصب لقطع التنازع ، فتخيير الخصمين يفتح باب المخاصمة ، لأنّ كلا منهما يختار الأوفق له بخلاف المفتي.

ولا يمتنع عقلا أن يقضي الحاكم بحكم إحدى الأمارتين في قضية ثم يقض بالأخرى في غيرها إلّا أن يمنع منه مانع شرعي كما روي أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال

٢٨١

لأبي بكر : «لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين» (١).

وما روي عن عمر أنّه قضى في مسألة بحكمين وقال : ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي (٢) ، يحتمل أن لا يكون ذلك لتعادل الأمارتين ، بل لأنّه ظن في الأوّل قوة أمارة ، وفي الثاني قوة الأخرى.

البحث الثاني : في تعدّد أقوال المجتهد

إذا نقل عن مجتهد واحد قولان في مسألة واحدة ، فإمّا أن يكون في موضعين بأن يقول في كتاب بتحريم الشيء وفي آخر بتحليله ، أو في موضع واحد.

والأوّل إن علم التاريخ ، كان الثاني رجوعا عن الأوّل ظاهرا.

وإن لم يعلم حكى عنه القولان ، ولا يحكم عليه برجوع عن واحد منهما بعينه للجهل به ، بل يحكم بالرجوع المطلق عن أحدهما لا بعينه. وإن كان الثاني بأن يقول في موضع واحد : في المسألة قولان ، فإن عقب بما يشعر بتقوية أحدهما كان ذلك قولا له ، لأنّ قول المجتهد ليس إلّا ما يترجّح عنده ، وإن لم يعقب قال بعض الناس : إنّه يقتضي التخيير ، وهو باطل لما تقدّم.

ولأنّه حينئذ يكون له في المسألة قول واحد هو التخيير لا قولان ، بل الوجه دلالة ذلك على توقّفه في المسألة ولم يظهر له وجه رجحان.

__________________

(١) المحصول : ٢ / ٤٤٠. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

(٢) المحصول : ٢ / ٤٤٠. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

٢٨٢

والمتوقّف في المسألة لا يكون له فيها قول فضلا عن القولين. أمّا إذا لم يعرف قوله في المسألة وعرفنا قوله في نظيرها ، فالظاهر أنّه إن لم يكن بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب ، كان قوله في إحدى المسألتين هو قوله في الأخرى ، وإن كان بينهما فرق لم يحكم بأنّ قوله في المسألة كقوله في نظيرها لجواز أن يذهب إلى الفرق.

إذا عرفت هذا فقد وجد للشيخ أبي جعفر الطوسي رحمه‌الله ولغيره من الفقهاء أقوال مختلفة في مسألة واحدة ويحمل على وجوه (١) :

الأوّل : أن يكون قد ذكر في كتبه القديمة شيئا وفي الجديدة غيره ونقلهما المتأخّرون وجعلوهما قولين ويكون المتأخّر ناسخا ، وهو يدلّ على قوة دينه وشدة طلبه ، لأنّه يدلّ على اشتغاله بالطلب في كلّ وقت ، وأنّه متى ظهر له شيء من أمور الدين أظهره ، ولم يتعصّب لما قاله أوّلا ، بل رجع عنه.

الثاني : أن يتّحد الموضع فيذكر في كتاب واحد قولين ، وينصّ على الترجيح لقوله عقيب ذكر القولين : وهذا أولى ، أو أشبهه بالحق ، أو به أقول. أو يفرع على أحدهما وترك التفريع على الآخر ، وهو يدلّ على أنّ الّذي فرّع عليه أقوى عنده.

الثالث : أن يذكر في المسألة قولان ولا يبيّن الترجيح ، ويحتمل وجوها :

أحدهما : أن يكونا لبعض الناس ، ويذكرهما للتنبيه على مأخذهما

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤١.

٢٨٣

وإيضاح القول فيما لكلّ منهما وعليهما. ولأنّه لو لم يذكرهما لتعطّل الإفتاء بأحدهما ، إذ قد يقوى أحدهما عند بعض الناظرين ولا يمكنه القول به ، لظنّه أنّه قول حادث ، خارق للإجماع ، فإذا نقل عرف أنّه لم يخرق الإجماع.

ثانيهما : لعلّ المراد احتمال قولين يمكن أن يقول بهما قائل لقوتهما وبطلان ما عداهما ، فالتمييز بينهما غير ممكن إلّا للبالغ في التحقيق ، فلهذا أفرد بالذكر دون سائر الوجوه الممكنة. وكما يقال : الخمر مسكر وهو في الدن ، والسكين قاطع وهو لم يقطع على إرادة الصلاحية ، كذا هنا.

واعلم أنّه لا خلاف في إمكان اعتقاد الوجوب والتحريم أو النفي والإثبات معا في مسألتين مختلفتين ، كوجوب الصلاة وتحريم الزنا ؛ وفي إمكان اعتقاد الجمع بين الأحكام المختلفة الّتي لا تقابل بينها في شيء واحد ، كالتحريم ووجوب الحد ونحوه ؛ وفي اعتقاد وجوب فعلين متضادين على البدل كالاعتداد بالطهر والحيض ، أو فعلين غير متضادين كخصال الكفّارة ؛ وأمّا اعتقاد حكمين متقابلين في شيء واحد على سبيل البدل ففيه الخلاف.

٢٨٤

الفصل الرابع :

في التراجيح

وفيه مطالب :

المطلب الأوّل : في مقدّماته

وفيه مباحث :

البحث الأوّل : في ماهيته

الترجيح : تقوية أحد الطريقين على الآخر ، ليعلم الأقوى فيعمل به ويترك الأضعف. إنّما قلنا أحد الطريقين ، لأنّه لا يصحّ الترجيح بين أمرين إلّا بعد تكامل كونهما طريقين ، لو انفرد كلّ منهما ، إذ لا يصحّ ترجيح الطريق على ما ليس بطريق.

وقيل : إنّه عبارة عن اقتران أحد الصّالحين للدلالة على المطلوب مع تعارضهما بما يوجب العمل به وإهمال الآخر.

فقولنا : «اقتران أحد الصالحين» احتراز عمّا ليس بصالح للدلالة ، أو أحدهما صالح دون الآخر ، فإنّ الترجيح إنّما يتحقّق مع تحقّق التعارض ، ولا

٢٨٥

تعارض مع عدم الصلاحية لهما أو لأحدهما.

وقولنا : المتعارضان ليخرج الصالحان اللّذان ليس بينهما تعارض ، فإنّ الترجيح يطلب عند التعارض لا عند عدمه ، وهو عام للمتعارضين مع التوافق في الاقتضاء ، كالعلل المتعارضة في أصل القياس. وللمتعارضين مع التنافي في الاقتضاء كالأدلّة المتعارضة في الصور المختلف فيها نفيا وإثباتا.

وقولنا : «بما يوجب العمل بأحدهما وإهمال الآخر» احتراز عمّا اختصّ به أحد الدليلين عن الآخر من الصفات الذاتية والعرضية ، ولا مدخل له في التقوية والترجيح.

البحث الثاني : في جوازه

المحقّقون على وجوب العمل بالراجح من الطريقين على جواز الترجيح ، وأنكر بعضهم.

لنا وجوه (١) :

الأوّل : الإجماع على العمل بالترجيح والمصير إلى الراجح من الدليلين فإنّهم قدّموا خبر التقاء الختانين على خبر أبي هريرة : «إنّما الماء من الماء» (٢). وقدّم بعضهم خبر أبي هريرة: «من أصبح جنبا فلا صوم له» على

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤٣ ـ ٤٤٤ ؛ والآمدي في الإحكام : ٤ / ٢٤٦.

(٢) صحيح مسلم : ١ / ١٨٦ ، باب إنّما الماء من الماء ؛ صحيح ابن خزيمة : ١ / ١١٧ عن أبي سعيد الخدري ؛ كنز العمال : ٩ / ٣٧٦ برقم ٢٦٥٤٥.

٢٨٦

خبر عائشة (١) أنّه كان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصبح جنبا وهو صائم. (٢) وقوّى علي عليه‌السلام خبر أبي بكر فكان لا يحلّفه وكان يحلّف غيره من الرواة. وقوّى عمر خبر أبي موسى في الاستيذان بموافقة أبي سعيد الخدري.

الثاني : إذا تعارض الظنّان ثمّ رجح أحدهما تعيّن العمل بالراجح عرفا فكذا شرعا ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن». (٣)

الثالث : لو لم يعمل بالراجح لزم العمل بالمرجوح ، ولقبح عقلا ترجيح المرجوح على الراجح.

الرابع : تقرير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معاذا لمّا بعثه قاضيا إلى اليمن في ترتيب الأدلّة وتقديم بعضها على بعض.

احتجّ المنكرون بوجهين (٤) :

الأوّل : إنّما قوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا)(٥) وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «نحن نحكم بالظاهر» (٦) يقتضي عدم الالتفات إلى زيادة الظن فإنّ

__________________

(١) في الإحكام : ٤ / ٢٤٦ : تقديم خبر عائشة على خبر أبي هريرة لكونها أعرف بحال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسب ما قال ، فراجع.

(٢) مسند أحمد : ٦ / ١٨٤ و ٢٠٣ و ٢٦٦ و ٣١٣ ؛ سنن البيهقي : ٤ / ٢١٣ ، باب من أصبح جنبا في شهر رمضان ؛ سنن النسائي : ٢ / ١٧٦ ، باب صيام من أصبح جنبا.

(٣) مستدرك الحاكم : ٣ / ٧٨ ؛ مجمع الزوائد : ١ / ١٧٧.

(٤) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤٤ ؛ والآمدي في الإحكام : ٤ / ٢٤٦ ـ ٢٤٧.

(٥) الحشر : ٢.

(٦) عمدة القاري : ٧ / ٢٤٩ ؛ تفسير الرازي : ٣ / ٢١٥ ؛ تفسير الآلوسي : ١ / ١٠٣ ؛ المحصول : ٢ / ٤٤٤.

٢٨٧

الدليل المرجوح ظاهر وحصل فيه الاعتبار.

الثاني : لو اعتبر الترجيح في الأمارات لاعتبر في البيّنات المتعارضة في الحكومات. والتالي باطل لعدم تقديم شهادة الأربعة على الاثنين ، فالمقدّم مثله.

وبيان الشرطية. انّ العلّة وهي ترجيح الأظهر على الظاهر موجود هنا.

والجواب : أنّ ما ذكرناه دليل قطعي وما ذكرتموه ظنّي ، فلا يعارضه. على أنّ غاية الآية دلالتها على وجوب النظر والاعتبار ، وليس فيها ما ينافي القول بوجوب العمل بالراجح.

والخبر يدلّ على جواز العمل بالظاهر ، والظاهر هو ما ترجّح أحد طرفيه على الآخر ، ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا من جهة مخالفته للراجح ، فلا يكون ظاهرا فيه.

ونمنع نفي الترجيح في باب الشهادة فإنّه يقدّم عندنا قول الأربعة على قول الاثنين.

سلّمنا لكن عدم الترجيح في الشهادة ربّما كان مذهب أكثر الصحابة ، وقد ألف منهم اعتبار الترجيح في تعارض الأدلة دون الشهادة.

٢٨٨

البحث الثالث : في محلّه

الترجيح لا يجري في الأمور اليقينية لوجوه (١) :

الأوّل : الدليل اليقيني إنّما يحصل لو كانت مقدّماته ضرورية ، أو لازمة عنها لزوما ضروريا ، إمّا ابتداء أو بواسطة شأنها ذلك ، إمّا واحدة أو متعدّدة. وهذا إنّما يصحّ عند اجتماع علوم أربعة :

أ. العلم ضروري بحقيقة تلك المقدّمات إمّا ابتداء ، أو بواسطة شأنها ذلك.

ب. العلم الضروري بصحّة تركيبها.

ج. العلم الضروري بلزوم النتيجة عنها.

د. العلم الضروري بأنّ ما لزم عن الضروري لزوما ضروريا فهو ضروري. وهذه العلوم الأربعة يستحيل حصولها في النقيضين معا ، وإلّا لزم القدح في الضروريات ، وإذا استحال ثبوتها انتفى التعارض.

الثاني : الترجيح هو التقوية ، واليقين لا يقبل التقوية ، لأنّه إن قارنه احتمال النقيض ولو على وجه ما ، كان ظنا لا علما ، وإن لم يقارنه لم يقبل التقوية.

اعترض بجواز كون أحد النقيضين (٢) راجحا.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤٥ ؛ والآمدي في الإحكام : ٤ / ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٢) في «أ» و «ب» : اليقينين.

٢٨٩

الثالث : الترجيح إنّما يكون بين متعارضين وهو غير متصوّر في القطعي ، لأنّ المعارض له لا يجوز أن يكون قطعيا ، وإلّا لكان العمل بهما جمعا بين النقيضين ، وتركهما رفعا للنقيضين ، والعمل بأحدهما دون الآخر ترجيحا من غير مرجّح. ولا أن يكون ظنيا لامتناع ترجيح الظني على القطعي ، وامتناع طلب الترجيح في القاطع ، كيف والدليل القاطع لا يكون في مقابلته دليل صحيح ، فإذن محلّ الترجيح الطرق الظنية.

تذنيب

المشهور أنّ العقليات لا يجري فيها الترجيح. وفيه تفصيل فإنّ العوام إن اقتنع منهم بالاعتقاد الجازم الحاصل عن تقليد أمكن تطرق التقوية إليه ، فجرى فيه الترجيح.

البحث الرابع : في الترجيح بكثرة الأدلّة

اعلم أنّ الترجيح في الأدلّة يحصل بالكثرة ، فإذا كان أحد الحكمين مدلولا عليه بعدّة أدلّة كان أولى من الحكم الّذي يستدلّ عليه بأدلّة أقل. وبه قال الشافعي ، خلافا لبعضهم حيث قال : لا يحصل بكثرة الأدلة ترجيح ومن صور النزاع ترجيح أحد الخبرين بكثرة الرّواة.

لنا وجهان (١) :

__________________

(١) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤٦ ـ ٤٤٧.

٢٩٠

الأوّل : الظن التابع للأمارة يقوى بكثرتها ويضعف بقلّتها ، والعمل بأقوى الظنين واجب.

بيان الصغرى من وجوه :

أ. كثرة الرواة قد ينتهي إلى حصول العلم ، فكلّما كانت المقارنة إلى ذلك الحد أشد كان اعتقاد صدقهم أقوى.

ب. قول كلّ واحد يفيد قدرا من الظن ، فعند الاجتماع يستحيل حصول ذلك القدر خاصة ، وإلّا لزم اجتماع المؤثرات على أثر واحد ، وهو محال ، فلا بدّ من الزيادة.

ج. احتراز العدد عن تعمّد الكذب أكثر من احتراز الواحد ، وتطرق الخطأ والغلط إلى العدد أبعد من تطرّقه إلى الواحد ، فالظن الحاصل بخبر العدد أقوى من ظن الواحد.

د. العاقل يحترز عن كذب يطّلع عليه غيره أكثر من احترازه من كذب لا يطّلع عليه سواه ، وإذا كان احتراز الكذب هناك أكثر كان الظن أقوى.

ه. إذا فرضنا تعارض دليلين متساويين في القوة ذهنا ثم اعتضد أحدهما بآخر يساوي أحدهما فالمجموع زائد على ذلك الواحد ، لأنّ مجموعهما أعظم من كلّ واحد منهما ، وكلّ واحد منهما يكون لذلك الآخر ، والأعظم من المساوي أعظم.

و. إجماع الصحابة على أنّ الظن الحاصل بقول الاثنين أقوى من الظن

٢٩١

الحاصل بقول الواحد ؛ فإنّ أبا بكر لم يعمل بخبر المغيرة في مسألة الجد حتى شهد له محمد بن مسلمة ، وعمر لم يقبل خبر أبي موسى حتّى شهد له أبو سعيد الخدري ، فلو لا أنّ كثرة الرواة يؤثر [في] قوة الظن لما كان كذلك. فثبت بذلك أنّ الظن أقوى فيجب العمل به للإجماع على جواز الترجيح بقوة الدليل ، وإنّما يكون لزيادة القوة في أحد الجانبين ، وهذا حاصل في الترجيح بكثرة الأدلّة ، إلّا أنّ ترجيح القوة يستلزم حصول الزيادة مع المزيد عليه في محل واحد ، وترجيح الكثرة يختلف محل الزيادة والمزيد عليه فيه ، ولا أثر لذلك بالضرورة.

الثاني : مخالفة الدليل على خلاف الأصل ، فإذا تعدّدت الأدلّة في طرف واتّحدت في آخر كانت المخالفة في الأوّل أشد محذورا منها في الثاني ، فاشترك المحذوران في قدر واختصّ أحدهما بزيادة منفية عن الآخر ، فلولا الترجيح لزم ارتكاب القدر الزائد من المحذور لا لموجب ، وهو محال.

احتجّوا بوجوه (١) :

الأوّل : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «نحن نحكم بالظاهر» (٢) يدلّ بإيمائه على أنّ المعتبر أصل الظهور ، وأنّ الزائد عليه ملغى ترك العمل به في الترجيح بقوة الدليل ، لاتّحاد محلّ الزيادة مع المزيد عليه والقوى تتزايد عند اجتماعها في محل وتتناقص حال التفرد ، أمّا كثرة الأدلّة فإنّ المحلّ في الزيادة والمزيد

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤٧.

(٢) مرّ مصدره. راجع ص ١٨٨ و ٢٠٨ من هذا الجزء.

٢٩٢

عليه لمّا تعدّد ، ضعفت القوة ولم يحصل كمالها.

الثاني : القياس على الشهادة والفتوى ، فإنّ الإجماع دلّ على عدم الترجيح فيها بالكثرة ، فكذا هنا.

الثالث : القياس على خبر الواحد لو عارضه قياسات متعدّدة كثيرة فإنّه يترجّح على الجميع ، وهو يدلّ على أنّ الترجيح لا يحصل بكثرة الأدلّة.

والجواب عن الأوّل. أنّه متروك في الترجيح بالقوة فيترك بالترجيح بالكثرة لجامع قوة الظن ، إذ هو المعتبر ، والمحل في الكثرة وإن تعدّد واتّحد في القوة لكن مجموع الزيادة مع المزيد عليه يؤثر في قوة الظن. وبهذا لو أخبر عدل بأمر حصل ظن وقوعه ، فإذا وافقه ثان زاد الظن ، فإذا تظاهر ثالث قوي الظن ، ثمّ لا يزال الظن بتزايد ترادف الأخبار إلى أن ينتهي إلى العلم ، فعلم أنّ الفرق الّذي ذكروه غير قادح في تقوية الظن.

وفيه نظر ، فإنّ لمانع أن يمنع استناد الترجيح هنا إلى كثرة الأدلّة ، بل إلى قوتها ؛ ولأنّ الإجماع لا يؤثر في شيء واحد ، بل قول الواحد أفاد ظنّا ما ، والثاني أفاد ظنا آخر ، وهكذا حتى حصل العلم.

وعن الثاني. بالمنع من عدم الترجيح بكثرة الشهود ، فإنّ الإمامية ومالك بن أنس ذهبوا إلى حصول الترجيح فيها بكثرة الشهود ، وفرّق الباقون بأنّ مقتضى الدليل منع كون الشهادة حجّة لما فيه من توهّم الكذب وتطرق الخطأ ، وجعل قول شخص نافذا في آخر مثله ، إلّا أنّ الشرع اعتبرها لقطع

٢٩٣

الخصومات فوجب اعتبارها على وجه لا يفضي إلى تطويل الخصومة ، لئلّا يرجع على موضوعه بالنقض ، فلو أثر كثرة العدد في الترجيح طالت الخصومة ، فإنّهما لو أقاما الشهادة في الطرفين على السواء كان لأحدهما طلب الإمهال ليأتي بعدد زائد ، فإذا أمهل وأقام بعد المدة كان للآخر ذلك أيضا فلا تنقطع الخصومة البتة ، فأسقط الشرع اعتبار الترجيح بالكثرة دفعا لهذا المحذور.

وفيه نظر ، إذ يمكن دفع هذا المحذور بضابط مدة كما ضبط المدة في مدّعي البيّنة بالقبض.

وأمّا الترجيح بكثرة المقتضي فقد جوّزه بعض العلماء.

وعن الثالث. أنّ أصول تلك القياسات إن كانت شيئا واحدا قدّم الخبر عليها ، لعدم تغاير تلك الأقيسة ، لما عرفت من أنّه لا يجوز تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين ، وإن تعدّدت منعنا عدم الترجيح.

وفيه نظر ، فإنّ الوجه في الجواب أنّ شرط العمل بالقياس عدم الوجدان في الكتاب والسنّة كما دلّ عليه خبر معاذ ، وخبر الواحد من السنة ، فلهذا قدّم على الأقيسة الكثيرة.

٢٩٤

البحث الخامس : في الجمع بين الأدلّة المتعارضة

إذا تعارض دليلان لم يمكن العمل بكلّ منهما من كلّ وجه وإلّا فلا تعارض بل لا بدّ من إبطال أحدهما من كلّ وجه أو من بعض الوجوه ، أو إبطالهما معا من كلّ وجه أو من بعض الوجوه. فإن أمكن العمل بكلّ منهما من وجه دون وجه كان أولى من العمل بأحدهما وإبطال الآخر بالكلية ، لأنّ دلالة اللفظ على جزء المفهوم تابعة لدلالته على كلّ مفهومه الّتي هي دلالة أصلية. فإذا عمل بكلّ منهما من وجه دون آخر فقد تركنا العمل بالدلالة التبعية ، وإذا عملنا بأحدهما دون الثاني فقد تركنا العمل بالدلالة الأصلية ، والأوّل أولى.

فالعمل بكلّ منهما من وجه دون وجه أولى من العمل بأحدهما من كلّ وجه دون الثاني.

وفيه نظر ، لأنّ العمل بكلّ منهما من وجه دون وجه عمل بالدلالة التبعية وإبطال للأصلية من الدليلين ، والعمل بأحدهما دون الآخر عمل بالدلالة الأصلية والتبعية في أحد الدّليلين وإبطال لهما في الآخر ، ولا شكّ في أولوية العمل بأصل وتابع على العمل بالتابعين وإبطال الأصلين.

إذا تقرر هذا فنقول : العمل بكلّ منهما من وجه على أقسام ثلاثة (١) :

الأوّل : الاشتراك والتوزيع إن كان قبل التعارض يقبل ذلك.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٤٩ ـ ٤٥٠.

٢٩٥

الثاني : أن يقتضي كلّ واحد منهما أحكاما فيعمل بكلّ منهما في حقّ بعض الأحكام.

الثالث : العامّان المتعارضان يعمل بكلّ منهما في بعض الصور ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ألا أنبّئكم بخير الشهود؟» ، قيل : نعم يا رسول الله ، قال : «أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد». (١)

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (٢). فيعمل بالأوّل في حقوقه تعالى ، وبالثاني في حقوق عباده.

البحث السادس : في تقسيم الأدلّة المتعارضة

إذا تعارض الدليلان فإمّا أن يكونا عامّين على الإطلاق ، أو خاصّين ، أو يكون أحدهما عاما والآخر خاصا ، أو يكون كلّا منهما أعمّ من الآخر من وجه وأخصّ من وجه. فالأقسام أربعة. (٣)

وعلى هذه التقادير الأربعة فإمّا أن يكونا معلومين ، أو مظنونين ، أو بالتفريق.

وعلى التقادير كلّها إمّا أن يكون المتقدّم معلوما أو المتأخّر ، أو لا يكون واحد منهما معلوما.

__________________

(١) صحيح مسلم : ٥ / ١٣٣ ، باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين ؛ سنن أبي داود : ٢ / ١٦٣ برقم ٣٥٩٦ ؛ سنن الترمذي : ٣ / ٣٧٣ برقم ٢٣٩٧ ؛ مسند أحمد : ٥ / ١٩٣ ؛ كنز العمال : ٧ / ١٢ برقم ١٧٧٣٠.

(٢) مجمع الزوائد : ٥ / ٢٢٥ ؛ المعجم الأوسط : ٧ / ١٩٣.

(٣) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٥٠ ـ ٤٥٣.

٢٩٦

الأوّل : أن يكونا عامّين :

فإن كانا معلومين ، فإن علم التاريخ وكان المدلول قابلا للنسخ كان المتأخّر ناسخا ، (سواء القرآن والسنّة في ذلك). (١)

والشافعي وإن منع من نسخ القرآن بالخبر المتواتر ومن عكسه فإنّه يجوّز ذلك بحيث لو وقع لكان المتأخّر ناسخا لكنّه ينفي الوقوع لا الجواز.

وإن لم يقبل المدلول النسخ تساقطا ووجب الرجوع إلى غيرهما. ولو تقارنا فإن أمكن التخيير بينهما تعيّن ، لأنّه إذا امتنع الجمع لم يبق إلّا التخيير. ولا يترجّح أحدهما بقوة الاسناد ، لما ثبت من أنّ المعلوم لا يقبل الترجيح ؛ ولأنّ ما يرجع إلى الحكم بأن يكون أحدهما يقتضي التحريم أو إثبات حكم شرعي لاستلزامه طرح المعلوم بالكلية.

وإن جهل التاريخ وجب الرجوع إلى غيرهما ، لأنّا نجوّز تأخّر كلّ واحد منهما ، فيكون ناسخا للمتقدّم ولا أولوية ، فيطرحان معا.

وإن كانا مظنونين ، فالمتأخّر ناسخ ، ولو تقارنا أو جهل التاريخ وجب الرجوع إلى الترجيح فيعمل بالأقوى ، وإن تساويا وجب التخيير.

وفيه نظر ، إذ مع جهالة التاريخ يمكن تأخير أحدهما فيكون ناسخا.

وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا فإن كان المعلوم متأخرا كان

__________________

(١) العبارة في المحصول : ٢ / ٤٥٠ كما يلي : سواء كانا آيتين ، أو خبرين ، أو أحدهما آية والآخر خبرا متواترا.

٢٩٧

ناسخا للمتقدم وإن كان بالعكس لم يكن المتأخر ناسخا فإنّ المعلوم لا ينسخ بالمظنون ، وإن جهل التاريخ تعيّن المعلوم ، لأنّه إن كان متأخرا كان ناسخا وإن كان متقدما لم يكن منسوخا ، وإن تقارنا كان المعلوم راجحا فيتعين العمل به على كلّ تقدير.

الثاني : أن يكونا خاصّين ، وتفصيله كما تقدّم في تفصيل العامّين.

الثالث : أن يكون كلّ منهما عاما وخاصا باعتبارين كما في قوله تعالى : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ)(١) مع قوله : (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)(٢).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها» (٣) مع نهيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الصلاة في الأوقات الخمسة المكروهة ، فالأوّل عام في الأوقات ، خاص في صلاة القضاء ؛ والثاني عام في الصلاة خاص في الأوقات ؛ فإن علم تقدّم أحدهما وكانا معلومين ، أو مظنونين ، أو كان المتأخّر معلوما كان المتأخّر ناسخا للمتقدّم عند من قال : العام ينسخ الخاص المتقدّم ، لأنّ المتأخّر وإن كان أعم من وجه لكنّه أخص من آخر ، فإن كان العام من كلّ وجه ينسخ الخاص المتقدّم والعام (٤) من وجه أولى بجواز النسخ. وإن كان المتقدّم معلوما وجب الرجوع إلى الترجيح عندهم ، ولم ينسخ الثاني الأوّل ، لامتناع نسخ المعلوم بالمظنون.

__________________

(١) النساء : ٢٣.

(٢) النساء : ٢٤.

(٣) سنن الدارمي : ١ / ٢٨٠ ، باب من نام عن صلاة أو نسيها ؛ سنن البيهقي : ٢ / ٢١٦ ؛ عمدة القاري : ٤ / ٢٩.

(٤) في «ج» : في العام ، وفي «ب» : كالعام.

٢٩٨

أمّا من بنى العام المتأخّر على الخاص المتقدّم وأخرج بالخاص المتأخّر بعض ما دخل تحت العام المتقدّم ، فالأنسب بمذهبه عدم النسخ في شيء من هذه الأقسام ، بل يرجع إلى الترجيح ، إذ لا يتخلّص كون المتأخّر أخصّ من المتقدّم حتى يخرج من المتقدّم ما دخل تحت المتأخّر.

وإن جهل التاريخ فإن كانا معلومين لم يجز الترجيح بقوة الإسناد ، بل بما يتضمّنه أحدهما من كونه محظورا ، أو مثبتا بحكم شرعي ، لأنّ الحكم بذلك طريقة الاجتهاد ، وليس في ترجيح أحدهما على الآخر إطراح للمرجوح ؛ بخلاف ما لو تعارضا من كلّ وجه ، وإن لم يترجّح أحدهما على الآخر فالحكم التخيير.

وإن كانا مظنونين جاز الترجيح بقوة الإسناد ، وبما يتضمّنه من الحكم. فإن لم يترجّح فالتخيير ، وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا ، جاز ترجيح المعلوم لكونه معلوما. فإن ترجّح المظنون عليه بما يتضمّنه من الحكم ، كالمحرم والشرعي حتى حصل التعارض ، فالحكم ما تقدّم.

الرابع : أن يكون أحدهما عاما والآخر خاصا ، فإن اتّفقا علما أو ظنّا وتأخّر الخاص كان ناسخا للعام المتقدّم في مورد الخاص. وإن تأخّر العام كان ناسخا للخاص المتقدّم عند أبي حنيفة. والحق عندنا وعند الشافعي بناء العام على الخاص وقد تقدّم. وإن وردا معا كان الخاص مخصّصا للعام بالإجماع. وإن جهل التاريخ بني العام على الخاص ، وعند الحنفية الوقف (١).

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٥٣.

٢٩٩

وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا قدّم المعلوم على المظنون إجماعا ، إلّا إذا كان المعلوم عامّا والمظنون خاصا ووردا معا ، كتخصيص الكتاب والسنّة المتواترة بخبر الواحد ، وقد تقدّم.

المطلب الثاني : في وجوه التراجيح

قد عرفت فيما تقدّم أنّ التعارض إنّما يقع في الأدلّة الظنّية إمّا من كلّ وجه كخبر الواحد العام ، أو من بعض الوجوه كالآيات العامّة وأخبار الآحاد الخاصّة. فإنّ الأوّل وإن كان قطعيا في متنه إلّا أنّ دلالته على موارده ظنّية ، والثاني بالعكس.

وإذا ثبت هذا فقد يقع التعارض بين الكتاب العزيز والسنّة المتواترة وبين غيرهما من الأدلّة الظنّية ؛ ولمّا كانت أنواع الأدلّة هي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس عند بعضهم والاستدلال عند آخرين ، وجب النظر في الترجيح بينها ، فهاهنا أبواب :

[الباب] الأوّل : في الترجيح بين الأدلّة النقلية

وفيه مقدّمة ومباحث.

أمّا المقدّمة : فاعلم أنّ الأدلّة النقلية لمّا اشتملت على نقل هو السند ، ومنقول هو المتن ، ومنقول عنه وكان العائد إلى السند منه ما يعود إلى الراوي ، ومنه ما يعود إلى نفس الرواية. وما يعود إلى الراوي إمّا أن يعود إلى نفسه ، أو إلى تزكيته ، وجب النظر في ذلك كلّه.

٣٠٠