نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين ، فقبل ، ولم ينكر عليه باقي الصحابة الحاضرون.

لا يقال : إنّ عليا عليه‌السلام خالف فيه.

لأنّا نقول : إنّه لم ينكر جوازه ، لكنّه لم يقبله ، ولكن لا يوجبه حتى يضرّنا ذلك.

الخامس : حكم يسوغ فيه الاجتهاد ، فجاز لغير العالم به تقليد العالم كالعامّيّ ، والجامع وجوب العمل بالظن المستند إلى قول المفتي.

السادس : الإجماع على قبول خبر الواحد عن المجتهد ، بل عن العامّيّ. ووجوب عمل المجتهد به اعتمادا على عقله ودينه ، وهنا قد أخبر المجتهد عن منتهى اجتهاده بعد بذل الجهد ، فجواز العمل به أولى.

السابع : إذا ظنّ المجتهد العمل بفتوى مجتهد آخر ، فقد ظنّ أنّ حكم الله ذلك ، فيحصل ظن العقاب بترك العمل ، فيجب العمل دفعا للضرر المظنون.

والجواب عن الأوّل. أنّ الأمر يقتضي وجوب السؤال ، وهو منفي في حقّ العالم إجماعا ولأنّه يقتضي وجوب السؤال على المجتهد بعد اجتهاده ، لأنّه بعد الاجتهاد غير عالم ، بل ظان وهو منفي بالإجماع. ولأنّه أمر بالسؤال من غير تعيين المسئول عنه ، فيحمل على السؤال عن وجه الدليل.

وفيه نظر ، لأنّ المراد بالعلم هنا يحتمل ما يشتمل العلم والظن.

٢٦١

سلّمنا ، لكن سؤال (١) أهل الذكر أي العالم ممنوع ، والمسئول هنا ليس بعالم ، فامتنع السؤال لتعذّره.

وعن الثاني. نمنع عموم وجوب الطاعة على كلّ شيء وإن دلّت على وجوبها مطلقا ، فيحمل على وجوب الطاعة في القضايا والأحكام. ولو دلّت الآية على تناول صورة النزاع ، لوجب التقليد ، وهو منفي إجماعا.

وفيه نظر ، لأنّ الغرض بالآية إنّما يتمّ بالتعميم ، ولأنّ المفعول عام بالنسبة إلى الله تعالى ، فكذا في المعطوف عليه لاتّحاد الفعل. ونمنع الإجماع على عدم وجوب التقليد مع عدم التمكّن من الاجتهاد ولضيق الوقت أو لغيره من الأعذار.

وعن الثالث. أنّ الآية دالّة على وجوب الحذر عند إنذاره لا عند كلّ إنذار ، ونحن نقول بالأوّل فإنّا نوجب العمل بروايته.

وفيه نظر ، لأنّ الإنذار عقيب التفقّه إنّما يفهم منه الإفتاء.

وعن الرابع. يحتمل أن يكون المراد من سيرة الشيخين طريقتهما في العدل.

وعن الخامس. بالفرق ، فإنّ العامّيّ عاجز فجاز له التقليد ، بخلاف العالم.

وعن السادس. أنّ المفتي ربّما بنى اجتهاده على خبر الواحد ، فإذا

__________________

(١) في «أ» و «ب» : المسئول.

٢٦٢

تمسّك به المجتهد أوّلا كان احتمال الغلط فيه أقل ممّا إذا قلّد غيره.

وفيه نظر ، إذ قد يكون اجتهاد المفتي أقوى من اجتهاده ، أو مساويا ، أو أضعف.

وعن السابع. أنّ مجرّد الظن يجب العمل به إذا لم يصرفنا عنه دليل سمعي ، وما ذكرناه من الأدلّة السمعية يوجب العدول عنه.

البحث الثالث : في شرائط الاستفتاء

الإجماع على أنّه لا يجوز استفتاء من اتّفق ، بل يجب أن يجمع المفتي وصفين :

أ. الاجتهاد.

ب. الورع.

ولا يجب على المستفتي الاجتهاد البالغ في معرفة المجتهد المتورّع ، بل يكفيه البناء على الظاهر ، وذلك بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد الخلق ، ويرى اجتماع الخلق عليه والانقياد إلى ما يفتيهم به ، وإقبال المسلمين على سؤاله.

وقد وقع الإجماع على أنّه لا يجوز أن يقلّد من يظنّه غير عالم ، ولا متديّن وإنّما وجب عليه ذلك ، لأنّه بمنزلة نظر المجتهد في الأمارات.

وإذا تعدّد المجتهدون ، فإن اتّفقوا على الحكم وجب على المستفتي

٢٦٣

العمل به ، وإن اختلفوا وجب على المستفتي الاجتهاد في معرفة الأعلم الأورع ، لأنّ ذلك طريق إلى قوة ظنه يجري مجرى قوة ظن المجتهد. وهو قول جماعة من الأصوليّين والفقهاء وأحمد بن حنبل وابن سريج من الشافعية والقفّال منهم. والكتاب العزيز يدلّ عليه وهو قوله تعالى : (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(١).

وقال آخرون ، كالقاضي أبي بكر وجماعة من الأصوليّين والفقهاء : لا يجب عليه الاجتهاد ، بل يتخيّر في الرجوع إلى من شاء منهم ، لأنّ العلماء في كلّ عصر لم ينكروا على العوام في ترك النظر في أحوال العلماء ، وهو ممنوع.

فإذا اجتهد ، فإن ظنّ الاستواء مطلقا تخيّر في تقليد من شاء كالدليلين المتعارضين ولا ترجيح. وقيل : بعدم جواز وقوعه كما لا يجوز استواء أمارتي الحل والحرمة. وقيل : يسقط التكليف ، لأنّا جعلنا له أن يفعل ما شاء.

وإن ظنّ الرّجحان مطلقا تعيّن عليه العمل بقول الراجح ، كما لو حصل للمجتهد رجحان إحدى الأمارتين.

وإن ظنّ رجحان كلّ منهما على الآخر باعتبار ففيه صور (٢) :

الأولى : أن يستويا في الدين ويتفاضلا في العلم ، فالحقّ وجوب الأخذ

__________________

(١) يونس : ٣٥.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٥٣٣ ـ ٥٣٤.

٢٦٤

بقول الأعلم ، لمرتبته ورجحانه ولهذا تقدّم في الصلاة ؛ ولأنّ ظن إصابته للحق أقوى فيتعيّن العمل بقوله.

وقيل : يتخيّر بينهما ، وليس بمعتمد.

الثانية : أن يتساويا في العلم ويتفاضلا في الدين ، فالأقرب وجوب الأخذ بقول الأدين ، لقوة الظن ؛ ويحتمل التخيير ، إذ مناط التقليد وهو الورع والعلم موجود ولا ترجيح فيما يتعلّق بالاجتهاد الّذي هو العلم.

الثالثة : أن يكون أحدهما أرجح في دينه والآخر في علمه ، فالأقرب ترجيح الأعلم ، لاستفادة الحكم من علمه لا من دينه. وقيل (١) : يؤخذ بقول الأدين. والوجه الأوّل.

لا يقال : العامي ربّما اغترّ بالظواهر فيقدّم المفضول على الفاضل ويستفتي من يتعيّن استفتاء غيره ، فيجب عليه الاجتهاد فيمن يقلده والبحث عنه وعن اجتماع الشرائط فيه ، فإنّه لو جاز أن يحكم بغير بصيرة في ترجيح بعض العلماء على بعض ، فليجز أن يحكم في المسألة بما يقع له ابتداء ، إذ لا فرق بين الأمرين.

لأنّا نقول : إن أردت بالاجتهاد في معرفة الأفضل استفادته من تواتر الأخبار عن الفاضل بأنّه أفضل ومن إذعان المفضول له ومن الأمارات الدالّة عليه والقرائن الّتي لا تخفى دون البحث عن نفس العلم ، فهو مسلّم ونحن نشترط ذلك ونوجبه ، وأمّا ما عدا ذلك فلا.

__________________

(١) القائل هو الرازي في المحصول : ٢ / ٥٣٤.

٢٦٥

تذنيب : في عدول المقلّد في غير ما قلّد فيه

إذا تبع العامّيّ بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها ، لم يجز له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره ، إجماعا.

والوجه عندي جواز العدول إلى غيره في مساواته لا فيه نفسه.

وهل له اتّباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟

اختلفوا (١) : فمنهم من جوزه وهو الوجه عندي ، إذ العلماء لم يوجبوا في كلّ عصر رجوع من استفتاهم في حكم إليهم في جميع الأحكام ، بل سوّغ الصحابة وغيرهم استفتاء العامّي لكلّ عالم في مسألة ، ولم يحجروا على العامّة في ذلك ، ولو كان ذلك واجبا لمّا سوغوا السكوت عنه ؛ ولأنّ كلّ مسألة لها حكم مختصّ بها ، فكما لم يتعيّن في المسألة الأولى الاتّباع لشخص معين ، بل كان مخيّرا في اتّباع من شاء ، فكذا باقي المسائل لعدم الربط بينها ، وبعضهم منع من ذلك. وليس بجيد.

أمّا لو عيّن العامّي لنفسه مذهبا معينا ، كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره وقال : أنا على مذهبه وملتزم به ، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟

اختلفوا (٢) : فجوّزه قوم ، لأنّ التزامه بمذهب معيّن غير ملزم له.

__________________

(١) راجع الإحكام : ٤ / ٢٤٢ ـ ٢٤٣.

(٢) راجع الإحكام : ٤ / ٢٤٣.

٢٦٦

ومنع منه آخرون ، لأنّه بالتزامه المذهب صار لازما له كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة. وقيل : إنّ كلّ مسألة من مذهب الأوّل اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها ، وما لم يتّصل عمله بها فلا مانع له من اتّباع غيره فيها. هذا خلاف الجمهور.

أمّا الإمامية فلمّا كانت الإمامة عندهم ركنا في الدين وأصلا من أصوله ، لم يجز التقليد فيها وأوجبوا اتّباع أئمتهم ومن يدين بمقالتهم خاصة في كلّ الأحكام.

البحث الرابع : في محلّه

قد بيّنا أنّه يجوز التقليد في المسائل الفروعية الاجتهادية وبيّنا الخلاف فيه ، وأمّا المسائل الأصولية فالحقّ أنّه لا يجوز التقليد في مسائل أصول الدين ـ كوجود الصانع وما يجب له ويمتنع ، والنبوة ، والعدل وغيرها ـ للمجتهد ولا للعامي ، بل يجب على كلّ واحد منهما النظر والبحث خلافا لعبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية والتعليمية حيث ذهبوا إلى جوازه ، بل ربّما ذهب بعضهم إلى وجوبه. (١)

لنا وجوه (٢) :

الأوّل : أنّ تحصيل العلم في أصول الدين قد كان واجبا على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فيكون واجبا علينا.

__________________

(١) راجع الإحكام : ٤ / ٢٢٩.

(٢) راجع الإحكام : ٤ / ٢٢٩ ـ ٢٣٠ ؛ المحصول : ٢ / ٥٣٩.

٢٦٧

أمّا الأولى فلقوله تعالى : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ)(١) وأمّا الثانية فلقوله : (وَاتَّبِعُوهُ)(٢) وغيرها من الأدلّة الدالّة على وجوب التأسّي.

لا يقال : نمنع إمكان إيجاب العلم بالله تعالى ، لأنّ المأمور إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره ، وحال ما يمتنع أن يكون عالما بأمره يمتنع كونه مأمورا من قبله ، وإلّا لزم تكليف ما لا يطاق. وإن كان عالما به استحال أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل.

لأنّا نقول : قد بيّنا أنّ الحق أنّ وجوب المعرفة والنظر عقلي لا سمعي ودلالة السمعي للمطابقة والتوافق. (٣)

الثاني : القرآن دلّ على ذمّ التقليد في مواضع متعدّدة. خرج عنه التقليد في المسائل الفرعية لمشقّة الاجتهاد ، فينصرف ذمّ التقليد إلى مسائل الأصول.

الثالث : الإجماع على أنّه لا يجوز تقليد غير المحقّ ، وإنّما يعلم المحقّ من غيره بالنظر والاستدلال على أنّ ما يقوله حق وصواب ، فإذن لا يجوز له التقليد إلّا بعد الاستدلال ، وإذا صار مستدلّا امتنع كونه مقلّدا.

اعترض ، بالمعارضة بالتقليد في الأمور الشرعية ، فإنّه لا يجوز له تقليد المفتي إلّا إذا كان المفتي قد أفتاه بناء على الدّليل الشرعي ، فإن اكتفيت بالظن

__________________

(١) محمد : ١٩.

(٢) الأعراف : ١٥٨.

(٣) في «أ» و «ب» : التوفيق.

٢٦٨

وإن كان المفتي مخطئا لحطّ ذلك الخطأ عنه فليجز مثله في مسائل الأصول.

وفيه نظر ، للفرق بين الخطأ في المسائل الأصولية والفرعية ، فإنّ الخطأ في الأولى يقتضي التكفير بخلافه في الثانية ، فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى.

الرابع : النظر واجب ، لأنّه لمّا نزل قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(١) الآية ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكّر فيها» (٢) توعّد على ترك النظر والتفكّر فيها. فيكون واجبا ، والتقليد ترك لهذا الواجب فيكون حراما.

الخامس : الإجماع على وجوب المعرفة وما يجب عليه ويمتنع. والتقليد ليس طريقا إلى المعرفة ، لأنّ تقليد من ليس بمعصوم لا يوجب العلم لجواز الكذب عليه ؛ ولأنّه لو أفاد التقليد العلم ، لزم اجتماع الضدين على تقدير تقليد من يعتقد الحدوث ومن يعتقد القدم ؛ ولأنّ العلم الحاصل عن التقليد ليس ضروريا لعدم الاشتراك ، ولا نظريا لعدم دليله.

احتجّ المخالف بوجوه (٣) :

الأوّل : النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكلّف الأعرابي الجاهل بأكثر من تلفّظه بالشهادتين ، وكان يحكم بإيمانه باعتبار تلفّظه بهما ، وما ذلك إلّا للتقليد.

__________________

(١) البقرة : ١٦٤.

(٢) تخريج الأحاديث والآثار : ١ / ٢٦١ ؛ الإحكام : ٤ / ٢٢٩.

(٣) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٥٣٩ ـ ٥٤٠ ؛ والآمدي في الإحكام : ٤ / ٢٣٠.

٢٦٩

الثاني : معلوم أنّ هذه العلوم إنّما تحصل بعد الممارسة الشديدة والبحث الطويل ، وأكثر الصحابة لم يمارسوا شيئا منها فيستند اعتقادهم إلى التقليد.

الثالث : إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسأل أحدا تلفظ بكلمة الشهادة هل علمت حدوث الأجسام أم لا؟ وهل علمت أنّه تعالى قادر أو لا؟ إلى غير ذلك من المسائل. فعلم أنّ حضور تلك المسائل غير معتبر في الإيمان لا تقليدا ولا علما.

الرابع : النظر غير واجب للنهي عنه في قوله تعالى : (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا)(١) والنظر يفتح باب الجدال.

ولأنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأى الصحابة يتكلّمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها وقال : «إنّما هلك من كان قبلكم لخوضهم في هذا» (٢).

ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عليكم بدين العجائز» (٣) والمراد ترك النظر ، فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه.

ولأنّه لم ينقل عن أحد من الصحابة الخوض في مسائل الكلام مطلقا ، ولو وجد ذلك منهم لنقل كما نقل عنهم النظر في المسائل الفقهية ، ولو كان واجبا لكانوا أولى بالمحافظة عليها.

__________________

(١) غافر : ٤.

(٢) الإحكام : ٤ / ٢٣٠. لم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

(٣) البداية والنهاية : ١٢ / ١٨٩ ؛ تفسير الرازي : ٢ / ٩٥ ؛ الإحكام : ٤ / ٢٣٠.

٢٧٠

ولأنّه لم ينقل عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الإنكار على العوام في ترك النظر ، بل حكموا بإسلامهم وأقرّوهم على جهلهم.

الخامس : النظر مظنّة الوقوع في الشبهات والتورّط في الضلال ، بخلاف التقليد فإنّه أقرب إلى السلامة ، فيكون أولى.

السادس : الأصول أغمض أدلّة من الفروع وأخفى ، فإذا جاز التقليد في الأسهل كان الجواز في الأصعب أولى.

السابع : الأصول والفروع سواء في التكليف بهما ، وقد جاز التقليد في الفروع فليجز في الأصول.

والجواب عن الأوّل. أنّ فيه نظرا لمنع الاكتفاء بالشهادتين ، لورود الأمر بالنظر والفكر كما في قوله تعالى : (قُلِ انْظُرُوا)(١) ، (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ)(٢) ، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(٣) ، (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ)(٤) إلى غير ذلك من الآيات.

وفي الثاني نظر لأنّ الصحابة لمشاهدتهم المعجزات وقوة معارفهم

__________________

(١) يونس : ١٠١.

(٢) الروم : ٨.

(٣) الزمر : ٩.

(٤) الرعد : ١٩.

٢٧١

وشدة ذكائهم لا يحتاجون إلى تعب شديد في إدراك معارفهم ، فلهذا لم يحتاجوا إلى الطلب الشديد.

وفي الثالث نظر ، لاحتمال أن يكون صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علم من حاله العلم بشرائط الإسلام ، أو أنّه كان يقبل منه ذلك للتمرس ثمّ يتبين له بعد وقت ما يحتاج إليه من المعارف.

وعن الرابع : بأنّ المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى : (وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَ)(١) ولم يرد الجدال بالحقّ لقوله : (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(٢) ، (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)(٣). ولو كان الجدال مطلقا منهيا عنه لما أمر به.

والنظر غير منهي عنه لورود الثناء على فاعله في قوله تعالى : (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(٤).

ولم يثبت اسناد قوله : «عليكم بدين العجائز» ، ولو ثبت حمل على إرادة التفويض إلى الله تعالى.

ولو لم ينظر الصحابة لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى وصفاته فيكون الواحد منّا أفضل منهم ، وهو باطل إجماعا. وإذا كانوا عالمين وليس

__________________

(١) غافر : ٥.

(٢) النحل : ١٢٥.

(٣) العنكبوت : ٤٦.

(٤) آل عمران : ١٩١.

٢٧٢

بالضرورة فهو بالاستدلال ، ولم ينقل المناظرة عنهم في ذلك لاتّفاقهم على المطالب الحقّة وصحّة عقائدهم وعدم من يحوجهم إلى ذلك ، بخلاف مسائل الفروع لتفاوت الظنون ، وهي اجتهادية متفاوتة.

وإنّما لم ينكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصحابة ومن بعدهم على العوام بترك النظر بحصول المعرفة الواجبة لهم ، وهي المعرفة المستندة إلى الدليل.

وعن الخامس : أنّ اعتقاد المقلّد إن كان عن تقليد لزم إمّا التسلسل ، أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة ، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة آخر وهو احتمال كذب المقلّد فيما يخبر المقلّد به ، بخلاف الناظر مع نفسه فإنّه لا يكابر نفسه فيما أدّى إليه نظره.

وعن السادس : أنّ المطلوب في الأصول القطع واليقين ، وذلك لا يحصل بالتقليد ، بخلاف الفروع المطلوب فيها الظن. وهو الجواب عن السابع.

٢٧٣
٢٧٤

الفصل الثالث :

في التعادل

وفيه بحثان :

الأوّل : في جوازه

الإجماع على أنّه لا يجوز تعادل الأدلّة العقلية المتقابلة بالنفي والإثبات لوجوب حصول المدلول عند وجود الدليل ، فلو تعادل دليلان في نفسهما لزم حصول مدلوليهما ، وهو يستلزم اجتماع النقيضين.

وأمّا الأمارات الظنّية فقد اختلفوا في تعادلها ، فمنعه الكرخي وأحمد بن حنبل ، وجوّزه الباقون. ثمّ اختلف المجوّزون في حكمه عند وقوعه فقال الجبّائيان والقاضي أبو بكر من الأشاعرة : حكمه التخيير ، وعند بعض الفقهاء أنّهما يتساقطان ويرجع إلى مقتضى العقل.

واعلم أنّ تعادل الأمارتين قد يقع في حكمين متنافيين والفعل واحد ، كتعارض الأمارتين الدالّتين على كون الفعل قبيحا ومباحا. وقد يكون في فعلين متنافيين والحكم واحد ، كوجوب التوجه إلى جهتين غلب في ظنّه أنّهما جهتا القبلة.

٢٧٥

والحق أن يقول : أمّا بالنسبة إلى مجتهدين ، فإنّه جائز مطلقا ولا يعلم فيه خلافا. وأمّا بالنسبة إلى مجتهد واحد فنقول بالجواز في القسمين معا ، لكن الأوّل غير واقع شرعا.

أمّا جواز الأوّل فالوجدان دال عليه ، إذ لا نمنع أن يخبرنا رجلان بالنفي والإثبات ويستويان في العدالة والصدق بحيث لا يتميّز أحدهما عن الآخر بمائز في ذلك.

وأمّا جواز الثاني فلقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في زكاة الإبل : «في كلّ أربعين بنت لبون ، وفي كلّ خمسين حقّة» فمن ملك مائتين مخير في إخراج أيّهما شاء ، لأنّه بأيّهما فعل أدّى الواجب ولا أولوية لأحدهما.

والمصلّي في الكعبة ، يتخيّر في استقبال أي الجدران شاء.

والولي إذا لم يجد من اللبن إلّا ما يكفي أحد الصغيرين ، ولو صرفه إليهما معا ماتا ، ولو صرفه إلى واحد منهما عاش دون الآخر ، فإنّه يتخيّر لعدم الأولوية.

ولأنّ ثبوت الحكم في الفعلين المتنافيين يقتضي إيجاب أحد الضدين وذلك يقتضي إيجاب فعل كلّ منهما بدلا عن الآخر.

وأمّا عدم وقوع الأوّل شرعا ، فلأنّه لو تعادلت أمارتان على الحظر والإباحة :

فإمّا أن يعمل بهما ، وهو محال ، وإلّا لزم إباحة الفعل وحظره في

٢٧٦

وقت واحد لمكلّف واحد ، وهو محال.

أو لا يعمل بهما ، وهو محال ، لأنّهما لمّا كانتا في نفسيهما بحيث لا يمكن العمل بهما البتّة كان وضعهما عبثا ، وهو غير جائز على الله تعالى.

أو يعمل بأحدهما دون الأخرى فإمّا على التعيين ، وهو ترجيح من غير مرجّح ، فيكون قولا في الدين بمجرد التشهّي ؛ أو لا على التعيين ، وهو يقتضي العمل بإحدى الأمارتين ، لأنّا إذا خيّرناه بين الفعل والترك فقد أبحنا له الفعل ، فيكون ذلك ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها على أمارة الحظر ، وهو القسم الّذي تقدّم بطلانه.

اعترض من وجوه (١) :

الأوّل : (يجوز العمل) (٢) بإحدى الأمارتين على التعيين إمّا لأنّها أحوط ، أو أخذ بالأولى.

الثاني : لم لا يجوز اقتضاء التعادل التخيير وليس ذلك إباحة لجواز أن يقول الله تعال : «أنت مخيّر في الأخذ بأمارة الإباحة وبأمارة الحظر ، لكن متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل ، وإن أخذت بأمارة الحظر فقد حرمته عليك» وليس هذا إذنا في الفعل والترك مطلقا ، بل هو إباحة وحظر في حالين متغايرين ، كالمسافر المخيّر في التمام والتقصير في أحد الأماكن إن

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٣٥ ـ ٤٤٠.

(٢) في «أ» : بجواز الأخذ ، وفي «د» : لم لا يجوز العمل.

٢٧٧

شاء صلّى أربعا فرضا وإن شاء صلّى ركعتين ، فالركعتان واجبتان ويجوز تركهما بشرط قصد الترخّص ؛ وكذا من عليه درهمان إذا قال له المالك : تصدّقت عليك بدرهم إن قبلت وإن أبيت فالاثنين أخذتهما منك عن الدين الواجب ، فإن شاء قبل الصدقة ودفع درهم ، وإن شاء دفع الدرهمين عن الواجب. فكذا هنا إذا سمع المكلّف قوله تعالى : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ)(١) حرم عليه الجمع بين المملوكتين ، وإنّما يجوز له الجمع إذا قصد العمل بموجب الدليل الثاني ، وهو قوله تعالى : (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)(٢) ، كما قال عثمان : أحلّتهما آية وحرمتهما آية.

الثالث : سلّمنا ، لكن هذه الدلالة تتمّ عند تعارض أمارة الحظر والإباحة ، وأمّا عند تعارض أمارة الحظر والوجوب فإنّ التخيير يستلزم الترجيح من غير مرجّح ، فدليلكم على امتناع التعادل غير متناول لكلّ الصور.

الرابع : سلّمنا فساد القول بالتخيير فلم لا يجوز التساقط ، والعبث غير لازم لجواز أن يكون لله تعالى فيه حكمة خفية لا يطّلع عليها.

الخامس : التعادل في نفس الأمر وإن كان ممتنعا ، لكن لا شك في وقوع التعادل بحسب أذهاننا ، فإذا انتفى العبث عن التعادل الذهني جاز أن لا يكون التعادل الخارجي عبثا.

السادس : يشكل ما ذكرتموه بما إذا أفتى أحد المفتيين بالإباحة والآخر

__________________

(١) النساء : ٢٣.

(٢) النساء : ٢٤.

٢٧٨

بالتحريم واستويا عند المستفتي فإنّهما بالنسبة إلى العامي كالأمارة.

والجواب عن الأوّل : إن جاز الترجيح بالأحوط أو بالأخف فوجوده بنفي التعادل ، وإن لم يجز بطل كلامكم.

وعن الثاني : إنّما كان التخيير إباحة ، لأنّ المحظور هو الّذي منع من فعله والمباح هو الّذي لا يمنع منه ، وإذا حصل الإذن في الفعل لا يقع الحجر فلا يبقى حظر البتة ، وهو معنى الإباحة.

قوله : الفعل محظور بشرط الأخذ بأمارة الحظر ، ومباح بشرط الأخذ بأمارة الإباحة مطلقا.

قلنا : إنّه باطل ؛ لأنّ أمارتي الحظر والإباحة إن قامتا على ذات الفعل وماهيته باعتبار واحد ، فإن رفعنا الحظر عن ماهيّة الفعل كان ذلك إباحة ، فيكون ترجيحا لإحدى الأمارتين بعينها ؛ وإن لم يرفع الحظر كان حظرا وهو ترجيح الأمارة الأخرى.

وإن لم تقم الأمارتان على ذات الفعل باعتبار واحد بل قامت أمارة الإباحة على الفعل المقيّد بقيد ما ، وقامت أمارة الحظر على الفعل المقيّد بقيد آخر ، كان ذلك غير المتنازع ، لأنّ صورة النزاع أن تقوم الأمارتان على إباحة شيء وحظره ، وعلى تقدير ما ذكروه تقوم أمارة الإباحة على شيء وأمارة الحظر على آخر ، فإنّهم لما قالوا عند الأخذ بأمارة الحرمة : يحرم الفعل ، كان معناه أنّ أمارة الحرمة قائمة على حرمة هذا الفعل حال الأخذ بأمارة الحرمة ؛ وأمارة الإباحة قائمة على إباحة هذا الفعل حال عدم الأخذ بأمارة الحرمة ،

٢٧٩

فالأمارتان إنّما قامتا على شيئين متباينين غير متلازمين ، لا على شيء واحد ، وكلامنا في أمارتين قامتا على حكمين متنافيين في شيء واحد لا في شيئين.

وأيضا : إن عنيتم بالأخذ بإحدى الأمارتين اعتقاد رجحانها فهو باطل ، لأنّها إذا لم تكن راجحة كان اعتقاد رجحانها جهلا. ولأنّا نفترض الكلام فيما إذا حصل العلم بانتفاء الرجحان ، ففي هذه الصورة يمتنع حصول اعتقاد الرجحان. وإن عنيتم به العزم على الإتيان بمقتضاها ، فإن كان عزما جزما بحيث يتّصل بالفعل لا محالة ، كان الفعل في ذلك الوقت واجب الوقوع ، فيمتنع ورود الإباحة والحظر ، لأنّه يكون ذلك إذنا في إيقاع ما يجب وقوعه ، أو منعا عن وقوع ما يجب وقوعه. وإن لم يكن جازما جاز له الرجوع ، لأنّه إذا عزم عزما غير جازم على الترك ، فلو أراد الرجوع عنه وقصد الإقدام على الفعل جاز له ذلك.

وعن الثالث : أنّه لا قائل بالفرق بين أمارتي الوجوب والإباحة ، وبين أمارتي الوجوب والحظر. ولأنّ الإباحة منافية للوجوب والحظر ، فعند تعادل أمارتي الوجوب والحظر لو حصلت الإباحة كان ذلك قولا بتساقطهما معا وإثباتا لحكم لم يدلّ عليه دليل البتة.

وعن الرابع : أنّ المقصود من وضع الأمارة التوسّل بها إلى المدلول ، فإذا كان في ذاته بحيث يمتنع التوسّل به إلى الحكم كان خاليا عن المقصود الأصلي ، وهو معنى العبث. وهذا بخلاف وقوع التعارض في أفكارنا ، لأنّ الرجحان حاصل في نفس الأمر فلم يكن وضعه عبثا ، نعم لمّا قصرنا في

٢٨٠