نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

التكليف لم يتغير ، نعم لا يأثم ولا يفسق من حيث العذر الحاصل له باعتبار أنّه مكلّف بإصابة الحكم المعين مستندا إلى الدليل الظاهر ، فلمّا حصل له ظنّ غيره لتقصير في اجتهاد ظنّ إصابة الحق فأهمل استيفاء النظر باعتبار توهّمه بسبب ظنّه أنّه فعل المأمور به.

وعن الخامس. أنّ المرتبة الّتي عندها يحكم بكونه مغفورا له ما بعدها هي الإتيان بما يقدر عليه من غير تقصير.

وعن السادس. أنّه معارض بقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من اجتهد واخطأ فله أجر واحد».

وأيضا فهو خبر واحد ، وما ذكرناه دلائل قاطعة فلا يحصل التعارض. وهو الجواب عن السابع.

وعن الثامن. لا مانع من اقتضاء الحكمة طلب ظن ذلك الحكم بناء على الأدلّة الظنيّة لا طلب العلم به ، فلا يجب نصب دليل قطعي ولا يلزم حصول العذر.

وعن التاسع. أنّ بتقدير تسليم أنّ الترجيح قد يكون بما لا يستقل بالحكم ، فلا نمنع ذلك من اعتباره جزءا من الدليل وحينئذ لا يكون المرجوح دليلا ، ولو كان دليلا فلا نسلّم وجوب ترتيب الحكم على المرجوح مع وجود الراجح في نفس الأمر. (١)

__________________

(١) ذكر الرازي هذه الأجوبة في المحصول : ٢ / ٥١٩ ـ ٥٢٠ ، فراجع.

٢٢١

البحث الرابع : في القول بالأشبه

هذا لا يجيء على رأي الإمامية ومن وافقهم فإنّ لله تعالى في كلّ مسألة حكما معينا ، وإنّما يأتي على رأي المصوبة.

وقد اختلف القائلون بعدم الحكم فقال بعضهم : بالأشبه ، وهو أنّه وإن لم يكن لله تعالى فيها حكم لكن لو حكم لم يحكم إلّا بكذا. ونفاه المحقّقون. وهو الحق. (١)

لنا : انّ ذلك الأشبه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات وكان موجودا ، كان الأمر به واردا بالإجماع على وجوب العمل بأقوى الأمارات. فحينئذ يكون الحكم بذلك الأشبه واردا ، وقد فرض غير وارد. هذا خلف.

وإن لم يكن أقوى الأمارات موجودا لم يكن الأشبه أيضا موجودا ، لأنّا فرضنا الأشبه هو أقوى الأمارات.

وأمّا أن يكون الأشبه شيئا غير العمل بأقوى الأمارات ، استحال أن يكون مفسدة للمكلّف ، إذ لا قائل بوجوب حكم في كلّ واقعة لو نصّ الله تعالى على حكم فيها لنصّ عليه مع كونه مفسدة للمكلّف.

وإن كان مصلحة فإن قلنا بوجوب رعاية المصالح ـ كما هو مذهبنا ومذهب المعتزلة ـ وجب أن ينص الله تعالى عليه ، ليتمكّن المكلف من

__________________

(١) وهو مختار الرازي في المحصول : ٢ / ٥٢٠.

٢٢٢

استيفاء تلك المصلحة ؛ وإن لم يجب ـ كما هو رأي الأشاعرة ـ جاز أن ينص على غيره ، فيبطل القول بأنّه لو نصّ على الحكم لما نصّ إلّا عليه.

وإن لم يكن مصلحة ولا مفسدة فهو إنّما يتمشّى على رأي الأشاعرة الذين نفوا وجوب رعاية المصلحة في الأحكام ، وكلّ من قال بذلك قال : إنّه لا يتعيّن عليه أن يحكم على وجه معين ، بل له الحكم كيف شاء فيمتنع القول بالأشبه.

احتجّ القائلون به بوجهين (١) :

الأوّل : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر واحد» صرّح بالتخطئة وليست لأجل مخالفة حكم واقع ، لأنّا دللنا على أنّه لا حكم ، فيكون لأجل حكم مقدّر وهو الأشبه.

الثاني : المجتهد طالب ، فلا بدّ له من مطلوب ، ولمّا لم يكن المطلوب معيّنا وقوعا ، وجب أن يكون معيّنا تقديرا.

والجواب. أنّ ذلك الأشبه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات فهو حقّ. وهو قولنا.

وإن كان غيره مع أنّه تعالى لم ينصّ عليه ، ولا أقام عليه دلالة ولا أمارة فكيف يكون مخطئا بالعدول عنه ، وكيف ينقص ثوابه إذا لم يظفر بما لم يكلّف بإصابته ، ولا سبيل له إلى إصابته.

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٥٢١ ـ ٥٢٢.

٢٢٣

البحث الخامس : في فصل التنازع بين المجتهدين المختلفين

اعلم أنّ القائلين بأنّ المصيب واحد أوردوا على المصوبة إشكالا ، وهو أنّ تصويب الكلّ يفضي إلى التنازع بحيث لا يمكن حمله كما قلنا في الزوج لو قال لامرأته : «أنت بائن» وكانا مجتهدين ، ثمّ راجعها وكان شافعيا يرى الرجعة والمرأة حنفية ترى أنّ الكنايات بوائن ؛ فهاهنا يتمكّن الزوج شرعا من مطالبتها بالوطء والمرأة مأمورة بالامتناع ، ولا يمكن قطع هذه المنازعة.

قال المصوّبون : هذا الإشكال وارد عليكم أيضا فإنّ المحقّقين ساعدوا على أنّه يجب على المجتهد العمل بموجب ظنّه إذا لم يعلم كونه مخطئا ، فهو وارد عليكم أيضا.

وطريق التخلّص أن يقول : الحادثة إن نزلت بمجتهد واختصّت به ، عمل على ما يؤدّيه اجتهاده إليه ، فإن تساوت الأمارات فيها تخيّر بينها ، أو يعاود الاجتهاد إلى أن يظهر الرجحان. وإن تعلّقت بغيره فإن كان يجري فيها الصلح كالأموال ، اصطلحا فيه أو رجعا إلى حاكم يفصل بينهما إن وجد ؛ وإن لم يوجد رضيا بمن يحكم بينهما ، فإذا حكم لزمهما ولم يجز الرجوع عنه.

وإن لم يجز فيه الصلح كالمسألة المفروضة ، رجعا إلى من يفصل بينهما ، سواء كان صاحب الحادثة مجتهدا أو حاكما أو لم يكن ،

٢٢٤

فإنّه لا يجوز للحاكم أن يحكم لنفسه على غيره ، بل ينصب من يقضي بينهما.

وإن كان مقلّدا فإن كانت الحادثة تخصّه عمل على ما اتّفق عليه الفتوى ؛ فإن اختلفوا ، عمل بفتوى الأعلم الأزهد ؛ فإن استويا ، تخيّر بينهما ؛ وإن تعلّقت بغيره ، عمل كما تقدّم في المجتهدين. (١)

البحث السادس : في نقض الاجتهاد

إذا تغيّر اجتهاد المجتهد فإن كان في حقّه مثل أن يكون قد أدّاه اجتهاده إلى جواز التزويج بغير ولي أو إلى أنّ الخلع فسخ فنكح امرأة خالعها ثلاثا ، ثمّ تغيّر اجتهاده فيهما ؛ فإن كان الحكم الأوّل قد اتّصل به حكم حاكم وقضاء قاض ، سواء كان المجتهد نفسه أو غيره ، لم ينقض النكاح وكان صحيحا ، لأنّ قضاء القاضي لمّا اتّصل به فقد تأكّد فلا يؤثر فيه بغير الاجتهاد محافظة على حكم الحاكم ومصلحته. (٢)

وفيه نظر ، لأنّ الحكم من القاضي تابع للحكم في نفسه لا متبوعا ، لأنّ الحكم عندنا لا يتغيّر بحكم القاضي وعدمه ، فإن كان سائغا لم يتغيّر ، وكذا إن كان غيره فلا يصير حكم القاضي ما ليس بحلال في نفسه حلالا.

وإن لم يتّصل به حكم الحاكم لزمه مفارقتها إجماعا ، وإلّا كان

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٥٢٢ ـ ٥٢٣.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٥٢٣.

٢٢٥

مستديما (١) يحل الاستمتاع بها على خلاف معتقده ، ومرتكبا لما يحرم بتحريمه ، وهو خلاف الإجماع.

وإن كان قد أفتى غيره وعمل بفتواه ثمّ تغير الاجتهاد ، كما لو أفتاه بأنّ الخلع فسخ فنكح العامّي ثم تغيّر اجتهاد المفتي ، فقد اختلفوا في أنّ المقلّد هل يجب عليه مفارقة الزوجة لتغيّر اجتهاد المفتي والحق وجوبه ؛ كما لو قلّد من ليس من أهل الاجتهاد من هو من أهله في جهة القبلة ثمّ تغير اجتهاد المجتهد إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلّد ، فإنّه يجب عليه التحوّل إلى الجهة الأخرى ؛ بخلاف قضاء القاضي فإنّه متى اتّصل بالحكم استقرّ على ما تقدّم من الإشكال.

وأمّا قضاء القاضي فإن كان قد خالف دليلا قاطعا كنص أو إجماع أو قياس جلي وهو ما نص فيه على العلّة ، فإنّه ينقض إجماعا لظهور خطائه قطعا. وإن لم يكن قد خالف دليلا قاطعا بل اجتهد وحكم باجتهاده ، فإنّه لا يجوز نقض حكمه ، وإلّا لزم اضطراب الأحكام وعدم استقرار الشرع ، إذ لو جاز للحاكم أن ينقض حكم نفسه أو حكم غيره بتغيّر اجتهاده المفيد للظن لجاز نقض البعض عند تغيّر الاجتهاد ، وهكذا إلى غير النهاية ، وهو يقتضي عدم الوثوق بحكم الحاكم ، وهو خلاف المصلحة الّتي نصب الحاكم لها.

__________________

(١) في «ب» : مستدعيا.

٢٢٦

البحث السّابع : في أنّه لا يجوز أن يقول الله تعالى للنبي أو العالم : احكم بمهما شئت فإنّما تحكم بالصواب

اختلف الناس في جواز تفويض الله تعالى إلى المكلّف أن يحرم ويوجب ويبيح باختياره بأن يقال له : احكم بما رأيت أو بما شئت فإنّك لا تحكم إلّا بالصواب.

فجزم بجوازه مطلقا مويس (١) بن عمران.

وقال أبو علي الجبائي : يجوز أن يقال ذلك للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دون غيره.

وتوقّف الشافعي في امتناعه وجوازه (٢) ، وجمهور المعتزلة على الامتناع. (٣)

والسيد المرتضى وإن جزم في صدر كلامه بالمنع وأنّه لا بدّ في كلّ حكم من دليل لا يرجع إلى اختيار الفاعل والعلم بأنّه لا يختار إلّا الصواب غير كاف في هذا الباب ، إلّا أنّه في أثناء دلالته يشعر باختيار ذلك في الحكم الواحد لا في الأحكام المتعدّدة. (٤)

__________________

(١) في النسخ الّتي بأيدينا موسى ويونس بن عمران ، وما أثبتناه من كتب الرجال والأصول كالذريعة وعدة الأصول والمحصول وإكمال الكمال.

وهو مويس بفتح الواو وبعدها ياء ساكنة ، أحد المتكلّمين ، ذكره الجاحظ وروى عنه حكايات. إكمال الكمال : ٧ / ٣٠٠.

(٢) وهو مختار الرازي في المحصول : ٢ / ٥٦٦.

(٣) راجع المحصول : ٢ / ٥٦٦ ؛ الإحكام : ٤ / ٢١٥.

(٤) الذريعة إلى أصول الشريعة : ٢ / ١٧٤.

٢٢٧

احتجّ المانعون بوجوه (١) :

الأوّل. من أجاز هذا التكليف ، إن جعل الاختيار ممّا تتم به المصلحة فهو محال لوجهين :

أحدهما : أنّه على هذا التقدير يسقط التكليف ، فإنّه إذا قيل له : إن اخترت فافعله وإن لم تختر فلا تفعله ، كان محض إباحة الفعل لا تكليفا. (٢)

واعترض بفرض الكلام في حكمين يجوز الخلو عنهما كالوجوب والتحريم.

ثانيهما. أنّ الإنسان لا ينفك من النقيضين فلا يجوز تكليفه بما لا يمكنه الانفكاك عنه ، بخلاف تخيير الكفّارات لتمكّنه من الانفكاك عنها أجمع.

وإن جعل الفعل مصلحة في نفسه ثمّ يختاره المكلّف ، استحال التفويض حينئذ لوجوه :

أوّلها. إمّا أن يجوز التفويض في الحوادث الكثيرة ، أو في حادثة وحادثتين.

والأوّل محال للعلم القطعي بامتناع حصول الإصابة دائما على سبيل الاتّفاق ؛ وكما لا يجوز أن يقال للأمّي : اكتب كتابا فإنّك لا تخط بيمينك إلّا ما

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٥٦٦.

(٢) في «ب» بزيادة : وانّه باطل.

٢٢٨

طابق ترتيب الكتاب ، ولا أن يقال للجاهل : اخبر بما شئت فإنّك لا تخبر إلّا بالصدق. وإلّا لزم بطلان الاستدلال بالاحكام على العلم وبطلان الاستدلال بالأخبار عن الغيب على النبوة ؛ فكذا لا يجوز أن يقال له : احكم فإنّك لا تختار إلّا الصواب.

وأمّا الثاني وهو جوازه في القليل فإنّه وإن كان جائزا ، إلّا أنّ القول به خارق للإجماع ، فإنّ كلّ من منع من الكثير منع من القليل ، فالفرق خارج عن الإجماع.

وفيه نظر ، للفرق بين الكتابة المفتقرة إلى تقدّم المعرفة بالصيغة وبين الإخبار المنبئ عن تقدّم غيره ، وكذا فرق بين الإخبار (١) والإخبار المتوقّف على علم المطابقة.

ثانيها. إنّما يحسن القصد إلى فعل علم أو ظنّ كونه حسنا ، فلا بد وأن يتميّز له الحسن عن القبيح قبل الإقدام على الفعل. فإذا لم تتقدّم هذه الأمارة المميّزة كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح تكليفا بما لا يطاق.

لا يقال : المميّز موجود وهو قوله : قد علمنا أنّك لا تختار إلّا الحسن.

لأنّا نقول : هذا يقتضي أنّ العلم بالحسن بعد فعله وبعد الفعل يزول التكليف عنه. فالدور لازم لوجوب تقدّم المميز بين الحسن والقبح على الاختيار ، وإلّا لزم تكليف ما لا يطاق.

__________________

(١) في «أ» و «ج» : الاختبار.

٢٢٩

وقوله : «إنّك لا تحكم إلّا بالصواب» إنّما يحصل معه التمييز بعد الفعل ، والمتقدم لا يجوز أن يكون هو المتأخّر.

وفيه نظر ، لأنّ وجوب تقدّم العلم أو الظن بالحسن على الفعل إنّما ثبت على تقدير جواز وقوع القبيح ، أمّا على تقدير عدمه فلا ، والجواز هنا منتف.

ثالثها : لو جاز أن يقول : «احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالصواب» لجاز أن يكلّفه تصديق النبي وتكذيب المتنبّي عن غير دليل ، بل تفويضه إلى اختياره ؛ ولجاز أن يكلّفه الإخبار بمهما شاء فإنّه لا يخبر إلّا عن حق ، ولجاز أن يصيب في مسائل الأصول من غير اجتهاد ، ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله تعالى من غير وحي نزل عليه وهو باطل إجماعا.

ورابعها : لو جاز ذلك في حقّ العالم لجاز في حقّ العامّي.

[الوجه الثاني] وهو يدلّ على عدم الوقوع. [وفيه أمران :]

١. لو كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مأمورا باتّباع إرادته من غير دليل ، لما نهي عن اتّباع هواه ، إذ معناه الحكم بكلّ ما يميل قلبه إليه من غير دليل ، لكنّه قد نهي بقوله تعالى : (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى)(١) ، (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)(٢).

لا يقال : إذا قيل له : «احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالحق» كان نصا على حقّيّة كلّ ما يميل قلبه إليه ، فلا يكون اتّباعا للهوى.

__________________

(١) ص : ٢٦.

(٢) النجم : ٣.

٢٣٠

لأنّا نقول : فيبقى اتّباع الهوى منه ممتنعا.

وفيه نظر ، لإمكانه لو لا القول : وفيما عدا ما خيّر (١) فيه.

٢. لو قيل له : «احكم فإنّك لا تحكم إلّا بالصواب» لما قيل : لم فعلت ، لكنّه قد قيل له : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ)(٢) وهو يدلّ على عدم الوقوع أيضا.

وفيه نظر ، لتوجه العتاب إلى الأمّة ، ولأنّ توجّه العتاب إلى فعل لا يمنع من التخيير في غيره.

احتجّ مويس بوجوه (٣) :

أحدها. نادى مناديه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكة أن اقتلوا مقيس بن صبابة (٤) وابن أبي سرح (٥) وإن وجدتموهما متعلّقين بأستار الكعبة لقوله : «من تعلّق

__________________

(١) في «أ» و «ب» : خبر.

(٢) التوبة : ٤٣.

(٣) راجع المحصول : ٢ / ٥٦٩ ـ ٥٧١.

(٤) هو مقيس بن صبابة بن حزن بن يسار الكناني القرشي ، شاعر ، اشتهر في الجاهلية ، شهد بدرا مع المشركين ، قتل أخوه خطأ على يد رجل من الأنصار فأخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ديته ، ثم قدم مقيس المدينة مظهرا الإسلام ، فأمر له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدية فقبضها ، ثم ترقّب قاتل أخيه حتّى ظفر به وقتله ، وارتد ولحق بقريش ، قال شعرا في ذلك ، فأهدر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دمه ، فقتله نميلة بن عبد الله الليثي يوم فتح مكة سنة (٨ ه‍) ، وقيل : رآه المسلمون بين الصفا والمروة فقتلوه بأسيافهم. الأعلام : ٧ / ٢٨٣.

(٥) هو عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري ، أخو عثمان من الرضاعة ، ارتدّ فأهدر ـ

٢٣١

بأستار الكعبة فهو آمن». (١) ثم شفع عثمان في ابن أبي سرح فعفا عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولو كان قتله بأمر من الله تعالى لم يقبل فيه شفاعة أحد إلّا بوحي آخر ولم يوجد ، إذ لنزوله علامات يعرفونها ، ولم يظهر في ذلك الوقت شيء منها.

ثانيها : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكة : «إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها» فقال العباس : يا رسول الله إلّا الإذخر! ، فقال : «إلّا الإذخر». (٢) ولم يكن الاستثناء بالوحي ، لعدم ظهور علاماته.

ثالثها : نادى مناديه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا هجرة بعد الفتح» (٣) حتى استفاض ، فبينا المسلمون كذلك إذ أقبل مجاشع بن مسعود (٤) بالعباس شفيعا ليجعله

__________________

ـ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دمه ، ثم عاد مسلما واستوهبه عثمان يوم الفتح من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولي مصر لعثمان ولم يبايع عليا ، توفّي سنة تسع وخمسين على قول ، وقيل : الأصحّ وفاته في خلافة علي عليه‌السلام. سير أعلام النبلاء : ٣ / ٣٥ برقم ٨.

(١) تفسير السمرقندي : ٤٤ ؛ إرشاد المفيد : ١ / ١٣٦ باختلاف في اللفظ ؛ المحصول : ٢ / ٥٦٩.

(٢) صحيح البخاري : ١ / ٣٦ ، كتاب العلم ، وج ٢ / ٩٥ ، باب الجنائز ، وص ٢١٣ ، باب لا يعضد شجر الحرم ، وج ٣ / ١٣ ، كتاب البيوع ، وج ٨ / ٣٨ ، كتاب الديات ؛ سنن النسائي : ٥ / ٢١١ ؛ سنن البيهقي : ٥ / ١٩٥ ؛ مسند أحمد : ١ / ٢٥٣ ؛ الكافي : ٤ / ٢٢٦ ح ٣ ؛ من لا يحضره الفقيه : ٢ / ٢٤٦ برقم ٢٣١٦ ؛ وسائل الشيعة : ١٢ / ٥٥٨ ، باب ٨٨ من أبواب تروك الإحرام ، ح ٤.

(٣) صحيح البخاري : ٣ / ٢٠٠ و ٢١٠ ، كتاب الجهاد والسير ، وج ٤ / ٣٨ ، باب لا هجرة بعد الفتح ؛ صحيح مسلم : ٦ / ٢٨ ، باب المبايعة بعد الفتح ؛ سنن الترمذي : ٣ / ٧٥ برقم ١٦٣٨ ؛ مسند أحمد : ١ / ٢٢٦ و ٣٥٥ وج ٣ / ٢٢ و ٤٦٨ و ٤٦٩ وج ٥ / ١٨٧ ؛ عوالي اللآلي : ١ / ٤٤ و ١٦٢.

(٤) مجاشع بن مسعود بن ثعلبة السلمي ، صحابي ، استخلفه المغيرة بن شعبة على البصرة في خلافة عمر ، وغزا كابل وصالحه صاحبها الأصبهبذ ، وقيل : على يديه فتح «حصن أبرويز» ـ

٢٣٢

مهاجرا بعد الفتح! فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أشفّع عمّي ولا هجرة بعد الفتح».

رابعها : لما قتل النضر بن الحارث (١) جاءته ابنته (٢) فأنشدته.

أمحمد ولأنت ضنء نجيبة

في قومها والفحل فحل معرق

ما كان ضرّك لو مننت وربّما

منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

إلى آخر الأبيات.

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو كنت سمعت شعرها ما قتلته».

وهذا إنّما يكون لو كان القتل بغير وحي ، إذ لو كان بأمره تعالى لقتله ولو سمع الشعر.

خامسها : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق». (٣) وإسناد العفو عن الزكاة إليه يدلّ على عدم الوحي فيه.

__________________

ـ بفارس ، وكان يوم الجمل مع عائشة أميرا على بني سليم فقتل فيه سنة ٣٦ ه‍. الأعلام : ٥ / ٢٧٧.

(١) هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف ، من بني عبد الدار ، صاحب لواء المشركين ببدر ، كان من شجعان قريش ووجوهها ومن شياطينها ، له اطّلاع على كتب الفرس وغيرهم ، وهو ابن خالة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآذى رسول الله كثيرا ، أسره المسلمون يوم بدر وقتلوه بالأثيل قرب المدينة. الأعلام : ٨ / ٣١.

(٢) وهي قتيلة بنت النضر ، شاعرة من الطبقة الأولى في النساء ، أدركت الجاهلية والإسلام ، وقتل أبوها في وقعة بدر بعد أسره ، فرثته بقصيدة ضمنها البيتين المذكورين في المتن ، وأسلمت بعد مقتله وروت الحديث ، وتوفّيت في خلافة عمر. الأعلام : ٥ / ١٩٠.

(٣) مسند أحمد : ١ / ١٢١ و ١٣٢ و ١٤٦ ؛ سنن الدارمي : ١ / ٣٨٣ ؛ سنن ابن ماجة : ١ / ٥٧٠ و ٥٧٩ ؛ سنن الترمذي : ٢ / ٦٦ برقم ٦١٦ ؛ بحار الأنوار : ٩٣ / ٣٢ ح ٩.

٢٣٣

سادسها : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أيها الناس كتب عليكم الحج» فقال الأقرع (١) : أكل عام يا رسول الله؟ يقول ذلك ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ساكت ، فلمّا أعاد قال : «والذي نفسي بيده لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ، دعوني ما ودعتكم» (٢).

سابعها : أخّر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم العشاء ذات ليلة فخرج ورأسه يقطر فقال : «لو لا أن أشقّ على أمّتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين». (٣)

ثامنها : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن عشت إن شاء الله أن أنهى أمّتي أن يسمّوا ؛ نافعا ، وأفلح ، وبركة» (٤).

تاسعها : قال جابر : لما قيل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ ماعزا رجم! قال : «هلّا تركتموه حتى انظر في أمره» (٥). ولو لم يكن حكم الرجم إليه لما قال ذلك.

__________________

(١) هو الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي ، صحابي قدم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وفد من بني دارم فأسلموا ، وكان من المؤلّفة قلوبهم ، وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتّى اليمامة. توفّي سنة ٣١ ه‍. الأعلام : ٢ / ٥.

(٢) مسند أحمد : ١ / ٣٧١ ؛ سنن النسائي : ٥ / ١١١ ؛ مستدرك الحاكم : ١ / ٤٧٠.

(٣) المصنّف لابن أبي شيبة : ١ / ٣٦٦ برقم ١٥ ، تأويل مختلف الحديث : ١٨٤ ؛ كنز العمال : ٨ / ٥٦ برقم ٢١٨٤٦.

(٤) سنن أبي داود : ٢ / ٤٦٨ برقم ٤٩٦٠ ؛ شرح صحيح مسلم للنووي : ١٤ / ١١٨ ؛ كنز العمال : ١٦ / ٤٢٦ برقم ٤٥٢٤٦ ؛ تفسير الآلوسي : ٢٧ / ٦٤.

(٥) مسند أحمد : ٥ / ٢١٧ ؛ سنن أبي داود : ٢ / ٣٤٤ ؛ سنن الترمذي : ٢ / ٤٤١ برقم ١٤٥٣ ؛ مستدرك الحاكم : ٤ / ٣٦٣ ؛ سنن البيهقي : ٨ / ٢١٩ و ٢٢٨.

٢٣٤

عاشرها : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ، وعن لحوم الأضاحي ألا فانتفعوا بها» (١).

حادي عشر : قوله تعالى : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ)(٢).

ثاني عشر : القياس على خصال الكفّارة فإنّه قد سبق أنّ الواجب واحد ، ثمّ إنّه تعالى فوّضها إلى المكلّف لمّا علم أنّه لا يختار إلّا ذلك الواجب ، فكذا هنا.

ثالث عشر : الواجب في التكليف يمكن المكلّف من الفعل المخرج عن العهدة ، فإذا قال له تعالى : «إنّك لا تفعل إلّا الصواب» علم أنّ كلّما يصدر عنه صواب ، وكان متمكّنا من الخروج عن العهدة ، فكان جائزا.

رابع عشر : إذا استوى عند المستفتي مفتيان ، وأفتى أحدهما بالتحريم والآخر بالإباحة تخيّر المستفتي بينهما ، ولا فرق في العقل بين خبر يقول : «بأيّهما شئت فإنّك لا تفعل إلّا الصواب» وبين «افعل ما شئت فإنك لا تفعل إلّا الصّواب».

خامس عشر : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لو لا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك عند كلّ صلاة» (٣).

__________________

(١) صحيح مسلم : ٣ / ٦٥ ، كتاب الجنائز ؛ سنن الترمذي : ٣ / ٣٧٠ برقم ١٥٠٤ ؛ مستدرك الحاكم : ١ / ٣٧٥ ؛ سنن البيهقي : ٤ / ٧٦ ؛ المعجم الأوسط : ١ / ٨٢ وج ٦ / ٢٧٤ ؛ الجامع الصغير للسيوطي : ٢ / ٢٩٧.

(٢) آل عمران : ٩٣.

(٣) صحيح البخاري : ١ / ٢١٤ ، باب السواك يوم الجمعة ، وج ٢ / ٢٣٤ ، كتاب الصوم ، وج ٨ / ـ

٢٣٥

سادس عشر : الإجماع عن الصحابة في قول أحدهم عن حكمه : «إن كان صوابا فمن الله ورسوله وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان» أضاف الحكم إلى نفسه ولم ينكر عليه أحد ، فصار إجماعا ، ولأنّ آحاد الصحابة كانوا يرجعون عمّا حكموا به أوّلا من غير إنكار عليه ، ولو لم يكن ذلك من تلقاء نفسه بل عن (١) دليل من الشارع لما ساغ ذلك منه ، ولوجب على الباقين الإنكار عليه.

سابع عشر : إذا جاز الحكم بالأمارة الظنّية مع جواز الخطأ فيها ، جاز الحكم بما يختاره المجتهد من غير دليل وإن جاز عدوله عن الصواب.

والجواب عن الوجوه العشرة الّتي ذكرها مويس (٢) أوّلا : باحتمال أن يقال : ورد الوحي بها قبل تلك الوقائع مشروطا ، كأن يقال له : إذا استثنى أحد شيئا فاستثني له ، وكذا باقي الصور.

وتحريم إسرائيل على نفسه جاز أن يكون بالنذر ، ويمنع تعيين الواجب المخير عند الله تعالى على ما تقدّم ، ولأنّ إسرائيل عليه‌السلام لم يكن من جملة بنيه حتى يكون داخلا في عموم الآية.

__________________

ـ ١٣١ ، كتاب الأحكام ؛ صحيح مسلم : ١ / ١٥١ ، باب السواك ؛ سنن ابن ماجة : ١ / ١٠٥ ، باب السواك ؛ سنن أبي داود : ١ / ١٩ ، باب السواك ؛ سنن الترمذي : ١ / ١٨ و ١٩ ، باب ما جاء في السواك ؛ سنن النسائي : ١ / ١٢ ، باب السواك ؛ مسند أحمد : ١ / ٨٠ و ١٢٠ ؛ الكافي : ٣ / ٢٢ ح ١ ، باب السواك ؛ بحار الأنوار : ٧٣ / ١٢٦ ح ٣ و ١٣٧ وج ٧٧ / ٣٤٠ و ٣٤١.

(١) في «ب» : غير ، وفي «د» : من غير.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٥٧٣ ـ ٥٧٤ ؛ الإحكام : ٤ / ٢١٧ ـ ٢١٩.

٢٣٦

وأمّا الإذخر فقيل : إنّه ليس من الخلا فلا يدخل في التحريم ، فإباحته للاستصحاب ، والاستثناء من العباس والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مؤكّدا.

ويجوز نزول الوحي بأمرهم بالسّواك الشاق عند كلّ صلاة إن اختار صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك ، لاستحالة استناد الأوامر الشرعية إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لقوله تعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى).

وإضافة العفو إلى نفسه بمعنى أنّه لم يأخذ صدقة الخيل والرقيق منهم لا بمعنى أنّه المسقط لها.

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ولو قلت نعم لوجبت» لا يدلّ على استناد الوجوب إلى قوله : «نعم» من تلقاء نفسه ، بل لأنّه لا يقول ما يقول إلّا بوحي لما تقدّم.

وجاز أن يباح له القتل وتركه في ابن أبي سرح والنضر وماعز.

وإضافة الخطأ إلى آحاد الصحابة لا يدلّ على أنّ من حكم منهم إنّما حكم من غير دليل ، بل أنّه حكم بدليل في ظنّه ثم اظهر أنّه غالط فيه ، ولو كان ذلك باعتبار اختيار أبيح لهم لم يشكّوا في كونه صوابا.

ورجوع آحاد الصحابة عن ما حكم به إلى غيره إنّما كان لظهور خطائه فيما ظنّه دليلا.

ولا يلزم من التخيير في خصال الكفّارة من غير اجتهاد جواز ذلك في الأحكام الشرعية ، لأنّ للعامي التخيّر في الخصال بخلاف التخيّر في الأحكام.

٢٣٧

ولا يلزم من العمل بالأمارة المفيدة للظن العمل بالاختيار من غير ظن مفيد للحكم.

واعترض القائلون بالوقف على الأوّل من حجج المانعين (١) بجواز كون الاختيار ممّا يتمّ به المصلحة وليس فيه إسقاط للتكليف ، لأنّه إذا قيل للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن اخترت الفعل فاحكم على الأمّة بالفعل ، وإن اخترت الترك فاحكم بالترك» فهذا لا يكون إسقاطا للتكليف ، بل يكون مكلّفا بأمر الخلق بمتعلق اختياره.

وفيه نظر ، إذ البحث أعم موضوعا من التكليف بأمر الخلق.

وعلى قوله : لا يخلو المكلّف عن الفعل والترك انّ الحكم على الخلق بالفعل أو الحكم بالترك قد ينفك عنهما. وفيه ما تقدّم.

قالوا : ويشكل بالمستفتي إذا اختلف المفتيان ، والعذر واحد.

ونمنع عدم كثرة الاتّفاقي ، فإنّ حكم المتّفقات في الماهية واحد.

وحال الأمثلة الّتي ذكرتموها كالكتابة وغيرها إن كانت مثل هذه الحال في المتنازع ، افتقر الفرق بين القليل والكثير إلى دليل ، ومنعنا الحكم فيها وإلّا امتنع القياس على أنّ القياس لا يفيد اليقين.

سلّمنا عدم دوام الاتّفاقي ، لكن إذا لم يكن الاتّفاقي ببعض الجهات معلوم السبب بسائر الجهات ، فإنّ من الجائز أن يعلم الله تعالى أنّ مصلحة

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٥٧١ ـ ٥٧٣.

٢٣٨

المكلّفين أكل الطعام الحلو في هذه السنة ، ويعلم أنّهم خلقوا على وجه لا يشتهون إلّا الطعام الحلو ، فإذا كان تناول الطعام الحلو مصلحة للمكلّف طول عمره ، لم يكن جهله بكون الفعل مصلحة مانعا له في هذه الصورة من الإقدام عليه في أكثر أوقاته.

سلمنا تعذّر ذلك في الكثير ، فجاز في القليل ، والإجماع ممنوع.

وعلى الثاني. نمنع وجوب تقدّم التمييز بين الحسن والقبيح على الفعل لما تقدّم في الجواب عن الأوّل.

سلّمنا ، لكنّه حاصل هنا ، إذا التقدير من المكلّف من فعل القبيح ، وأي فرق بين نصب أمارة قبل الفعل وبين جعل الأمارة نفس الفعل ، فإنّه على التقديرين يأمن الخطأ ولا يلزم ما قالوه من عدم الأمن من فعل القبيح لو لم تتقدّم الأمارة.

وعلى الثالث والرابع. أنّ الله تعالى لمّا نصّ في تلك الصور بأنّ المكلّف لا يختار إلّا الصواب ، فلم قلت : إنّه لا يجوز ورود الأمر بمتابعة إرادته؟ ولا يلزم من عدم التزام مويس ذلك عدم جواز التزام غيره له.

وعلى الخامس والسادس. إنّ قوله تعالى للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّك لا تحكم إلّا بالصواب» ورد في زمان متأخّر ، وما ذكروه ورد في زمان متقدّم ، فلا يتنافيان.

٢٣٩
٢٤٠