نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

الله إنّه قد استغلّ غلامي ، فقال رسول الله : «الخراج بالضمان» (١).

وقد ورد من طرقنا أنّ الإمام الصادق عليه‌السلام لمّا سمع بفتوى أبي حنيفة بعدم ضمان الغاصب قيمة المنافع التي استوفاها ، قال : «في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركتها». (٢)

ثمّ إنّه يدل على ضمان المنافع المستوفاة عموم قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا يحل مال امرئ مسلم لأخيه إلّا عن طيب نفسه» والمنافع مال ، ولأجل ذلك يجعل ثمنا في البيع وصداقا في النكاح ، مضافا إلى السيرة العقلائية في تضمين الغاصب المنافع المستوفاة ، وعلى ذلك فليس هاهنا مشكلة حتى تعالج بعنصر الزمان ، ولم يكن الحكم المزعوم حكما شرعيّا حتى يتغير لأجل فساد أهل الزمان.

٣. في أصل المذهب الحنفي انّ الزوجة إذا قبضت مؤجّل مهرها تلزم بمتابعة زوجها حيث شاء ، ولكن المتأخّرين لحظوا انقلاب الأخلاق وغلبة الجور ، وانّ كثيرا من الرجال يسافرون بزوجاتهم إلى بلاد نائية ليس لهنّ فيها أهل ولا نصير ، فيسيئون معاملتهنّ ويجورون عليهنّ ، فأفتى المتأخرون بأنّ المرأة لو قبضت مؤجل مهرها لا تجبر على متابعة زوجها إلى مكان إلّا إذا كان وطنا لها وقد جرى فيه عقد الزواج بينهما ، وذلك لفساد الزمان وأخلاق

__________________

(١) سنن ابن ماجة : ٢ ، برقم ٢٢٤٣.

(٢) وسائل الشيعة : الجزء ١٣ ، الباب ١٧ من أبواب أحكام الإجارة ، الحديث ١. والحديث طويل جدير بالمطالعة.

١٤١

الناس ، وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب. (١)

أقول : إنّ لحلّ هذا النوع من المشاكل طريقا شرعيا في باب النكاح ، وهو اشتراط عدم إخراجها من وطنها أو أن يسكنها في بلد خاص ، أو منزل مخصوص في عقد النكاح ، فيجب على الزوج الالتزام به. وليس مثل هذا الاشتراط مخالفا للكتاب والسنّة.

ولو افترضنا غفلة أولياء العقد عن الاشتراط وأراد الزوج إخراجها إلى بلاد نائية يصعب عليها العيش فيها ويعد حرجيّا لها ، فللزوجة رفع الشكوى إلى الحاكم بغية عدم إخراجها من وطنها ، فيحكم بعد تبيّن الحال بعدم الإخراج نتيجة طروء العناوين الثانوية كالحرج والضرر ، فليس للزمان هنا أي مدخلية في تغيير الحكم ، بل يكمن الحكم الشرعي في نفس الشرع.

٤. في أصل المذهب الحنفي وغيره انّ القاضي يقضي بعلمه الشخصي في الحوادث ، أي أنّ علمه بالوقائع المتنازع فيها يصح مستندا لقضائه ، ويغني المدّعي عن إثبات مدّعاه بالبيّنة ، فيكون علم القاضي بواقع الحال هو البيّنة ، وفي ذلك أقضية مأثورة عن عمر وغيره ، ولكن لوحظ فيما بعد أنّ القضاة قد غلب عليهم الفساد والسوء وأخذ الرشا ، ولم يعد يختار للقضاء الأوفر ثقة وعفة وكفاية بل الأكثر تزلّفا إلى الولاة وسعيا في استرضائهم وإلحافا في الطلب.

لذلك أفتى المتأخّرون بأنّه لا يصحّ أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٢٨ ، برقم ٥٤٦.

١٤٢

في القضاء بل لا بدّ أن يستند قضاؤه إلى البيّنات المثبتة في مجلس القضاء حتى لو شاهد القاضي بنفسه عقدا أو قرضا أو واقعة ما بين اثنين خارج مجلس القضاء ثمّ ادّعى به أحدهما وجحدها الآخر ، فليس للقاضي أن يقضي للمدّعي بلا بيّنة ، إذ لو ساغ ذلك بعد ما فسدت ذمم كثير من القضاة ، لزعموا العلم بالوقائع زورا ، وميلا إلى الأقوى وسيلة من الخصمين ، فهذا المنع وإن أضاع بعض الحقوق لفقدان الإثبات لكنّه يدفع باطلا كثيرا ، وهكذا استقر عمل المتأخرين على عدم نفاذ قضاء القاضي بعلمه.

على أنّ للقاضي أن يعتمد على علمه في غير القضاء من أمور الحسبة والتدابير الإدارية الاحتياطية ، كما لو علم ببينونة امرأة مع استمرار الخلطة بينها وبين زوجها ، أو علم بغصب مال ؛ فإنّ له أن يحول بين الرجل ومطلقته ، وأن يضع المال المغصوب عند أمين إلى حين الإثبات. (١)

أقول : يشترط المذهب الإمامي في القاضي : العدالة والاجتهاد المطلق ، فالقاضي الجائر لا يستحق القضاء ولا ينفذ حكمه.

وعلى ضوء ذلك فلا يترتب على عمل القاضي بعلمه أي فساد ، لأنّ العدالة تصدّه عن ارتكاب الآثام.

ولو افترضنا إشغال منصة القضاء بالفرد الجائر فليس للقاضي العمل بعلمه في حقوق الله سبحانه ، كما إذا علم أنّ زيدا زنى أو شرب الخمر أو غير ذلك ، فلا يصحّ له إقامة الدعوى وإجراء الحدود لاستلزامه وحدة القاضي

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٢٨ ـ ٩٢٩ ، برقم ٥٤٦.

١٤٣

والمدعي من غير فرق بين كونه عادلا أو غيره.

وأمّا العمل بعلمه في حقوق الناس فلا يعمل بعلم غير قابل للانتقال إلى الغير بل يقتصر في العمل بعلمه بنحو لو طولب بالدليل لعرضه وإلّا فلا يجوز ، وقد حقّق ذلك في كتاب القضاء.

٥. من المبادئ المقرّرة في أصل المذهب انّ العمل الواجب على شخص شرعا لا يصحّ استئجاره فيه ولا يجوز له أخذ أجرة عليه ، ومن فروع هذا المذهب الفقهي انّ القيام بالعبادات والأعمال الدينية الواجبة كالإمامة وخطبة الجمعة وتعليم القرآن والعلم لا يجوز أخذ الأجرة عليه في أصل المذهب بل على المقتدر أن يقوم بذلك مجانا لأنّه واجب ديني.

غير أنّ المتأخّرين من فقهاء المذهب لحظوا قعود الهمم عن هذه الواجبات ، وانقطاع الجرايات من بيت المال عن العلماء ممّا اضطرهم إلى التماس الكسب ، حتى أصبح القيام بهذه الواجبات غير مضمون إلّا بالأجر ، ولذلك أفتى المتأخّرون بجواز أخذ الأجور عليها حرصا على تعليم القرآن ونشر العلم وإقامة الشعائر الدينية بين الناس. (١)

أمّا الفقه الإمامي ، فالمشكلة فيه مرتفعة بوجهين :

الأوّل : إذا كان هناك بيت مال معدّا لهذه الأغراض لا تبذل الأجرة في مقابل العمل ، بل الحاكم يؤمّن له وسائل الحياة حتى يتفرّغ للواجب.

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٣٠ ، برقم ٥٤٧.

١٤٤

الثاني : امّا إذا لم يكن هناك بيت مال فإذا كان أخذ الأجرة حراما منصوصا عليه وكان من صلب الشريعة فلا يمسّه عنصر الزمان ولكن يمكن الجمع بين الأمرين وتحليله عن طريق آخر ، وهو أن يجتمع أولياء الصبيان أو غيرهم ممّن لهم حاجة إلى إقامة القضاء والأذان والإفتاء فيشاركون في سد حاجة المفتي والقاضي والمؤذن والمعلم حتى يتفرّغوا لأعمالهم العبادية بلا هوادة وتقاعس ، على أنّ ما يبذلون لا يعد أجرة لهم وإنّما هو لتحسين وضعهم المعاشي.

وبعبارة أخرى : القاضي والمفتي والمؤذّن والمعلم يمارس كلّ أعماله لله سبحانه ، ولكن بما انّ الاشتغال بهذه المهام يتوقّف على سد عيلتهم ورفع حاجتهم فالمعنيّون من المؤمنين يسدّون عيلتهم حتى يقوموا بواجبهم وإلّا فكما أنّ الإفتاء واجب ، فكذلك تحصيل الضروريات لهم ولعيالهم أيضا واجب. وعند التزاحم يقدّم الثاني على الأوّل إذ في خلافه ، خوف هلاك النفوس وانحلال الأسرة ، ولكن يمكن الجمع بين الحكمين على الطريق الذي أشرنا إليه.

٦. انّ الشهود الذين يقضى بشهادتهم في الحوادث يجب أن يكونوا عدولا ، أي ثقات ، وهم المحافظون على الواجبات الدينية المعروفون بالسرّ والأمانة ، وأنّ عدالة الشهود شريطة اشترطها القرآن الكريم لقبول شهادتهم ، وأيّدتها السنّة وأجمع عليها فقهاء الإسلام.

غير أنّ المتأخّرين من فقهائنا لحظوا ندرة العدالة الكاملة التي فسّرت

١٤٥

بها النصوص لفساد الزمن وضعف الذمم وفتور الحس الديني الوازع ، فإذا تطلب القضاة دائما نصاب العدالة الشرعية في الشهود ضاعت الحقوق لامتناع الإثبات ، فلذا أفتوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل من القوم حيث تقلّ العدالة الكاملة.

ومعنى الأمثل فالأمثل : الأحسن فالأحسن حالا بين الموجودين ، ولو كان في ذاته غير كامل العدالة بحدها الشرعي ، أي أنّهم تنازلوا عن اشتراط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية. (١)

أقول : إنّ القرآن ـ كما تفضّل به الكاتب ـ صريح في اشتراط العدالة في تنفيذ الشهادة ، يقول سبحانه : (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ)(٢) وقال سبحانه : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)(٣).

مضافا إلى الروايات الواردة في هذا المضمار ، فتنفيذ شهادة غير العدل تنفيذ بلا دليل أو مخالف لصريح الكتاب ، ولكن يمكن للقاضي تحصيل القرائن والشواهد التي منها شهادة الأمثل فالأمثل التي تثبت أحد الطرفين على وجه يفيد العلم للقاضي ، ويكون علمه قابلا للانتقال إلى الآخرين من دون حاجة إلى العمل بقول الأمثل فالأمثل.

ثمّ إنّ ترك العمل بشهادة غير العدول كما هو مظنّة إضاعة الحقوق ،

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٣٣ ـ ٩٣٤ برقم ٥٥١.

(٢) البقرة : ٢٨٢.

(٣) الطلاق : ٢.

١٤٦

فكذلك هو مظنّة الإضرار بالمحكوم عليه لعدم وجود العدالة في الشاهد حتّى تصونه عن الكذب عليه ، فالأمر يدور بين المحذورين.

لو فسّر القائل العدالة بالتحرّز عن الكذب وإن كان فاسقا في سائر الجوارح لكان أحسن من تفسيره بالعدالة المطلقة ثمّ العدول عنها لأجل فساد الزمان.

٧. أفتى المتأخّرون في إثبات الأهلّة لصيام رمضان وللعيدين بقبول رؤية شخصين ، ولو لم يكن في السماء علّة تمنع الرؤية من غيم أو ضباب أو غبار بعد أن كان في أصل المذهب الحنفي ، لا يثبت إهلال الهلال عند صفاء السماء إلّا برؤية جمع عظيم ، لأنّ معظم الناس يلتمسون الرؤية ، فانفراد اثنين بادّعاء الرؤية مظنّة الغلط أو الشبهة.

وقد علّل المتأخّرون قبول رؤية الاثنين بقعود الناس عن التماس رؤية الهلال ، فلم تبق رؤية اثنين منهم مظنّة الغلط إذا لم يكن في شهادتهما شبهة أو تهمة تدعو إلى الشك والريبة. (١)

وأمّا في الفقه الإمامي ، فلا يعتبر قول العدلين عند الصحو وعدم العلّة في السماء إذا اجتمع الناس للرؤية وحصل الخلاف والتكاذب بينهم بحيث يقوى احتمال اشتباه العدلين.

وأمّا إذا لم يكن هناك اجتماع للرؤية ـ كما هو مورد نظر الكاتب حيث

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٣٤ برقم ٥٤٩.

١٤٧

قال : لقعود الناس عن التماس رؤية الهلال ـ فقبول قول العدلين على أساس القاعدة لا على خلافها ، فليس للزمان هنا تأثير في الحكم الشرعي.

وبعبارة أخرى : ليس في المقام دليل شرعي على وجه الإطلاق يدل على عدم قول العدلين في الصحو وعدم العلّة في السماء حتّى يؤخذ بإطلاقه في كلتا الصورتين : كان هناك اجتماع للرؤية أم لم يكن ، بل حجّية دليل البيّنة منصرف عن بعض الصور ، وهو ما إذا كان هناك اجتماع للرؤية وحصل الخلاف والتكاذب بحيث قوى احتمال الاشتباه في العدلين ، وأمّا في غير هذه الصورة فإطلاق حجّية أدلّة البيّنة باق بحالها ، ومنها ما إذا ادّعى العدلان ولم يكن اجتماع ولا تكاذب ولا مظنّة اشتباه.

هذه هي المسائل التي طرحها الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا مثالا لتغيّر الآراء الفقهية والفتاوى لأجل فساد الزمان ، وقد عرفت أنّه لا حاجة لنا إلى العدول عن الحكم الشرعي ، وذلك لأحد الأمرين التاليين :

أ. إمّا لعدم ثبوت الحكم الأوّلي كما في عدم ضمان الغاصب للمنافع المستوفاة.

ب. أو لعدم الحاجة إلى العدول عن الحكم الشرعي ، بل يمكن حل المشكل عن طريق آخر مع صيانة الحكم الأوّلي ، كما في الأمثلة الباقية.

* * *

١٤٨

ب. تغيير الأحكام الاجتهادية لتطوّر الوسائل والأوضاع

قد سبق من هذا الكاتب انّ عوامل التغيير على قسمين :

أحدهما : ما يكون ناشئا عن فساد الأخلاق ، وفقدان الورع ، وضعف الوازع ، وأسماه بفساد الزمان ، وقد مرّت عليك أمثلته كما مرّت مناقشاتنا.

والآخر : ما يكون ناشئا عن أوضاع تنظيمية ، ووسائل زمنية جديدة من أوامر قانونية مصلحية وترتيبات إدارية ، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك ، وهذا النوع ـ عند الكاتب ـ كالأوّل موجب لتغيير الأحكام الفقهية الاجتهادية المقرّرة قبله إذا أصبحت لا تتلاءم معه ، لأنّها تصبح عندئذ عبثا أو ضررا ، والشريعة منزّهة عن ذلك ، وقد قال الإمام الشاطبي (المتوفّى ٧٩٠ ه‍) في «الموافقات» : لا عبث في الشريعة.

ثمّ طرح لها أمثلة وإليك بيانها :

١. ثبت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه نهى عن كتابة أحاديثه ، وقال لأصحابه : «من كتب عني غير القرآن فليمحه» واستمر الصحابة والتابعون يتناقلون السنّة النبوية حفظا وشفاها لا يكتبونها حتى آخر القرن الهجري الأوّل ، عملا بهذا النهي.

ثمّ انصرف العلماء في مطلع القرن الثاني بأمر من (الخليفة العادل) عمر بن عبد العزيز ، إلى تدوين السنّة النبوية ، لأنّهم خافوا ضياعها بموت حفظتها ورأوا أنّ سبب نهي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن كتابتها إنّما هو خشية أن تختلط

١٤٩

بالقرآن ، إذ كان الصحابة يكتبون ما ينزل منه على رقاع ، فلمّا عمّ القرآن وشاع حفظا وكتابة ، ولم تبق هناك خشية من اختلاطه بالحديث النبوي ، لم يبق موجب لعدم كتابة السنّة ، بل أصبحت كتابتها واجبة لأنّها الطريقة الوحيدة لصيانتها من الضياع. (١)

أقول : إنّ ما ذكره من أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن كتابة حديثه غير صحيح من وجوه :

أوّلا : روى البخاري أنّ رجلا من أهل اليمن طلب من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكتب له خطبته فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال : اكتبوا لأبي فلان إلى أن قال : كتبت له هذه الخطبة. (٢)

أضف إلى ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر في غير واحد من الموارد بكتابة حديثه ، يجدها المتفحص في مصادرها. (٣)

ومع هذه الموارد الكثيرة التي أذن فيها النبيّ بكتابة الحديث ، والعمل به ، يثار الشك في صحة ما روي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من كتب عنّي غير القرآن فليمحه».

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٣٣ ، ويوجد تصحيف في الطبعة العاشرة في ترقيم الصفحات في المقام.

(٢) صحيح البخاري : ١ / ٢٩ ، باب كتابة العلم.

(٣) سنن الترمذي : ٥ / ٣٩ ، باب كتابة العلم ، الحديث ٢٦٦٦ ؛ سنن الدارمي : ١ / ١٢٥ ، باب من رخص في كتابة العلم ؛ سنن أبي داود : ٢ / ٣١٨ ، باب في كتابة العلم ، ومسند أحمد : ٢ / ٢١٥ و ٣ / ١٦٢.

١٥٠

ثانيا : هل يصحّ أن يأمر الله سبحانه بكتابة الدّين حفظا له ، واحتياطا عليه ، وفي الوقت نفسه ينهى نبيّه عن كتابة الحديث الذي يعادل القرآن في الحجّية؟!

ثالثا : العجب من الأستاذ أنّه سلّم بوجه المنع ، وهو أن لا يختلط الحديث بالقرآن ، وكان قد نحته الخطيب البغدادي (١) في كتاب «تقييد العلم» (٢) مع أنّه غير تام ، لأنّ القرآن الكريم في أسلوبه وبلاغته يغاير أسلوب الحديث وبلاغته ، فلا يخشى على القرآن أن يختلط به غيره مهما بلغ من الفصاحة والبلاغة ، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم ، وهدم أصوله.

والكلمة الفصل أنّ المنع من كتابة الحديث كان منعا سياسيّا صدر عن الخلفاء لغايات وأهداف خاصّة ، والخسارة التي مني الإسلام والمسلمون بها من جرّاء هذا المنع لا تجبر أبدا ، وقد فصلنا الكلام في فصل خاص من كتابنا «بحوث في الملل والنحل». (٣)

٢. قبل إنشاء السجلات العقارية الرسميّة التي تحدد العقارات ، وتعطي كلا منها رقما خاصّا ، كان التعاقد على العقار الغائب عن مجلس العقد لا بدّ لصحّته من ذكر حدود العقار ، أي ما يلاصقه من الجهات الأربع ليتميّز العقار

__________________

(١) أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (٣٩٢ ـ ٤٦٣ ه‍) مؤلّف تاريخ بغداد.

(٢) تقييد العلم : ٥٧.

(٣) لاحظ : الجزء الأوّل من الكتاب المذكور : ٨٧ ـ ١٠٨ ، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، قم ـ ١٤٢٧ ه‍.

١٥١

المعقود عليه عن غيره ، وفقا لما تقضي به القواعد العامة من معلومية محل العقد.

ولكن بعد إنشاء السجلات العقارية في كثير من الممالك والبلدان أصبح يكتفى قانونا في العقود بذكر رقم محضر العقار ، دون ذكر حدوده ، وهذا ما يوجبه فقه الشريعة ، لأنّ الأوضاع والتنظيمات الزمنية أوجدت وسيلة جديدة أسهل وأتم تعيينا وتمييزا للعقار من ذكر الحدود في العقود العقارية ، فأصبح اشتراط ذكر الحدود عبثا ، وقد قدّمنا أنّه لا عبث في الشريعة.

أقول : إنّ الحكم الشرعي الأوّلي هو معلومية المبيع ، وهذا هو لبّ الشريعة ، وأمّا الباقي فهو بمثابة ثوب يتغير بتغير الأزمان ، فلا تحديد العقارات من الجهات الأربع حكم أصلي ، ولا ذكر رقم محضر العقار ، فالجميع طريق إلى الحكم الشرعي وهو معلومية المبيع وخروجه عن كونه مجهولا ، والشرط يحصل بكلا الوجهين ، وتغيير الثوب ليس له صلة بتغيير الحكم.

٣. كذلك كان تسليم العقار المبيع إلى المشتري لا يتم إلّا بتفريغ العقار وتسليمه فعلا إلى المشتري ، أو تمكينه منه بتسليم مفتاحه ونحو ذلك ، فإذا لم يتمّ هذا التسليم يبقى العقار معتبرا في يد البائع ، فيكون هلاكه على ضمانه هو ومسئوليته ، وفقا للأحكام الفقهية العامّة في ضمان المبيع قبل التسليم.

ولكن بعد وجود الأحكام القانونية التي تخضع العقود العقارية للتسجيل في السجل العقاري ، استقر الاجتهاد القضائي أخيرا لدينا على

١٥٢

اعتبار التسليم حاصلا بمجرد تسجيل العقد في السجلّ العقاري ، ومن تاريخ التسجيل ينتقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري ، لأنّ تسجيل المبيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا في التسليم الفعلي ، إذ العبرة في الملكية العقارية قانونا ، لقيود السجلّ العقاري ، لا للأيدي والتصرفات ، وبتسجيل المبيع لم يبق البائع متمكنا أن يتصرف في العقار المبيع بعقد آخر استنادا إلى وجوده في يده ، وجميع الحقوق والدعاوي المتفرعة عن الملكية ، كطلب نزع اليد ، وطلب الأجرة وغير ذلك ، تنتقل إلى المشتري بمجرّد التسجيل.

فبناء على ذلك يصبح من الضروري في فقه الشريعة أن يعتبر لتسجيل العقد العقاري حكم التسليم الفعلي للعقار في ظل هذه الأوضاع القانونية التنظيمية الجديدة. (١)

أقول : اتّفق الفقهاء على أنّه إذا تلف المبيع الشخصي قبل قبضه بآفة سماوية فهو من مال بائعه ، والدليل عليه من طرقنا هو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه». (٢)

وروى عقبة بن خالد عن الإمام الصادق عليه‌السلام في رجل اشترى متاعا من رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده ولم يقبضه ، قال : آتيك غدا إن شاء الله فسرق المتاع ، من مال من يكون؟ قال : «من مال صاحب المتاع الذي هو

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٣١.

(٢) مستدرك الوسائل : ١٣ ، الباب ١ من أبواب الخيار ، الحديث ١.

١٥٣

في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته ، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه حتى يرد ماله إليه». (١)

وأمّا من طرق أهل السنّة ، روى البيهقي عن محمد بن عبيد الله الثقفي أنّه اشترى من رجل سلعة فنقده بعض الثمن وبقي بعض ، فقال : ادفعها إليّ فأبى البائع ، فانطلق المشتري وتعجّل له بقية الثمن فدفعه إليه ، فقال : ادخل واقبض سلعتك ، فوجدها ميتة ، فقال له : رد عليّ مالي ، فأبى ، فاختصما إلى شريح ، فقال شريح : رد على الرجل ماله وارجع إلى جيفتك فادفنها. (٢)

وعلى هذا فالميزان في رفع الضمان على البائع هو تسليم المبيع وتسليم كلّ شيء بحسبه ، والجامع هو رفع المانع من تسليط المشتري على المبيع وإن كان مشغولا بأموال البائع أيضا إذ لم يكن هنا أي مانع من الاستيلاء والاستغلال.

وعلى ضوء ذلك فتسليم البيت والحانوت مثلا بإعطاء مفتاحهما ، وأمّا جعل مجرّد تسجيل العقد في السجل العقاري رافعا للضمان بحجة انّ تسجيل البيع فيه تمكين للمشتري أكثر ممّا للتسليم الفعلي اجتهاد في مقابل النص بلا ضرورة ما لم يكن تسجيل العقد في السجل العقاري متزامنا مع رفع الموانع من تسلّط المشتري على المبيع ، إذ في وسع المتبايعين تأخير التسجيل إلى رفع الموانع.

__________________

(١) الوسائل : ١٢ ، الباب ١٠ من أبواب الخيار ، الحديث ١.

(٢) سنن البيهقي : ٥ / ٣٣٤ ، باب المبيع يتلف في يد البائع قبل القبض.

١٥٤

وبعبارة أخرى : الميزان في رفع الضمان هو تحقّق التسليم بالمعنى العرفي ، وهو قد يزامن التسجيل في السجل العقاري وقد لا يزامن ، كما لو سجّل العقد في السجل ولكن البائع أوجد موانع عاقت المشتري عن التسلّط على المبيع ، فما لم يكن هناك إمكان التسلّط فلا يصدق التسليم.

على أنّ المشتري بالتسجيل وإن كان يستطيع أن يبيع العقار ولكنّه يعجز عن الانتفاع بالمبيع الذي هو المهم له ما لم يكن هناك تسليم فعلي.

٤. أوجب الشرع الإسلامي على كلّ زوجة تطلّق من زوجها عدّة تعتدها ، وهي أن تمكث مدة معيّنة يمنع فيها زواجها برجل آخر ، وذلك لمقاصد شرعية تعتبر من النظام العام في الإسلام ، أهمها ، تحقّق فراغ رحمها من الحمل منعا لاختلاط الأنساب.

وكان في الحالات التي يقضي فيها القاضي بالتطليق أو بفسخ النكاح ، تعتبر المرأة داخلة في العدّة ، ويبدأ حساب عدّتها من فور قضاء القاضي بالفرقة ، لأنّ حكم القاضي في الماضي كان يصدر مبرما واجب التنفيذ فورا ، لأنّ القضاء كان مؤسسا شرعا على درجة واحدة ، وليس فوق القاضي أحد له حق النظر في قضائه.

لكن اليوم قد أصبح النظام القضائي لدينا يجعل قضاء القاضي خاضعا للطعن بطريق الاستئناف ، أو بطريق النقض ، أو بكليهما. وهذا التنظيم القضائي الجديد لا ينافي الشرع ، لأنّه من الأمور الاستصلاحية الخاضعة لقاعدة المصالح المرسلة ، فإذا قضى القاضي اليوم بالفرقة بين الزوجين

١٥٥

وجب أن لا تدخل المرأة في العدّة إلّا بعد أن يصبح قضاؤه مبرما غير خاضع لطريق من طرق الطعن القضائي. وذلك إمّا بانقضاء المهل القانونية دون طعن من الخصم ، أو بإبرام الحكم المطعون فيه لدى المحكمة المطعون لديها ورفضها للطعن حين ترى الحكم موافقا للأصول.

فمن هذا الوقت يجب اليوم أن تدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها لا من وقت صدور الحكم الابتدائي ، لأنّها لو اعتدّت منذ صدور الحكم الابتدائي لربما تنقضي عدتها وتتحرّر من آثار الزوجية قبل الفصل في الطعن المرفوع على حكم القاضي الأوّل بانحلال الزوجية ثمّ ينقض هذا الحكم لخلل تراه المحكمة العليا فيه ، وهذا النقض يرفع الحكم السابق ويوجب عودة الزوجية. (١)

أقول : إنّ الحكم الأوّلي في الإسلام هو انّ الطلاق بيد من أخذ بالساق (٢) ، فللزوج أن يطلّق على الشروط المقرّرة قال سبحانه : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ).(٣)

نعم لو اشترط الزوجان في سجل العقد أن يكون الطلاق بيد المحكمة بمعنى انّه إذا أدركت انّ الطلاق لصالح الزوجين فله أن يحكم بالفرقة والانفصال ، والمراد من الحكم بالفرقة أمران :

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٣٢.

(٢) مجمع الزوائد : ٤ / ٣٣٤ ، باب لا طلاق قبل النكاح.

(٣) الطلاق : ١.

١٥٦

أوّلا : انّ الطلاق لصالح الزوجين.

ثانيا : تولّي إجراء صيغة الطلاق.

فلو كان قضاء القاضي بالفرقة على درجة واحدة ، وليس فوقه أحد ، له حقّ النظر في قضائه فيقوم بكلا الأمرين : حق الانفصال وتنفيذه بإجراء صيغة الطلاق ويكون الحكم بالفرقة مبدأ للاعتداد.

ولو كان النظام القضائي يجعل قضاء القاضي خاضعا للطعن بطريق الاستئناف ، أو بطريق النقض أو بكليهما ، فلأجل الاجتناب عن بعض المضاعفات التي أشير إليها تقتصر المحكمة الأولى على الأمر الأوّل ـ إنّ الطلاق لصالح الزوجين ـ ويؤخر الأمر الثاني إلى إبرامه ، فعند ذلك تجري صيغة الطلاق من قبل المحكمة الثانية وتدخل المرأة في العدة ويبدأ حسابها.

وبذلك يعلم أنّ ما ضرب من الأمثلة لتأثير الزمان والمكان بعيد عمّا يروم إليه ، سواء كان العامل للتأثير هو فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع ، أو حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل زمنية ، فليس لنا في هذه الأمثلة أيّ حافز للعدول عمّا عليه الشرع.

وحصيلة الكلام : أنّ الأستاذ قد صرّح بأنّ العاملين ـ الانحلال الأخلاقي والاختلاف في وسائل التنظيم ـ يجعلان من الأحكام التي أسّسها الاجتهاد في ظروف مختلفة خاضعة للتغيير ، لأنّها صدرت في ظروف تختلف عن الظروف الجديدة.

١٥٧

ولكنّه في أثناء التطبيق عمد تارة إلى التصرّف في الأحكام الأساسية المؤبدة التي لا يصحّ للفقيه الاجتهاد فيها ، ولا أن يحدث بها أيّ خدش ، وأخرى إلى ضرب أمثلة لم يكن فيها للزمان أيّ تأثير في تغيير الحكم المستنبط.

١٥٨

٦

دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأولية

ربّما يحصل تزاحم بين الأحكام الأولية ولا يمكن الجمع بينهما فللحاكم هنا دور في تقديم أحدهما على الآخر ، فنقول : إنّ تقدّم العناوين الثانوية على الأوّلية يحلّ العقد في مقامين :

الأوّل : إذا كان هناك تزاحم بين الحكم الواقعيّ الأوليّ وأحكام العناوين الثانوية ، فتقدم الثانية على الأولى ، إمّا من باب الحكومة أو من باب التوفيق العرفيّ.

الثاني : إذا كان هناك تزاحم بين الأحكام الواقعيّة بعضها مع بعض بحيث لو لا القضاء والحكومة لفك العقد وحفظ الحقوق لحصلت مفاسد ، وهنا يأتي دور الحاكم والفقيه الجامع للشرائط الشاغل منصبه الولاء لا الإفتاء ، أي : بتقديم بعض الأحكام الواقعيّة على بعض في المقام.

بل بمعنى تعيين أنّ المورد من صغريات أيّ واحد من الحكمين

١٥٩

الواقعيين ، ولا يحكم الحاكم في المقام إلّا بعد دقة وإمعان ودراسة للظروف الزمانية والمكانية ومشاورة العقلاء والخبراء.

وبعبارة أخرى : إذا وقع التزاحم بين الأحكام الأوّليّة بعضها مع بعض ، فيقدّم بعضها على بعض في ظلّ هذه العناوين الثانويّة ، (١) ويقوم به الحاكم الإسلاميّ بفضل الولاية المعطاة له ، فتصير هذه العناوين مفاتيح بيد الحاكم ، يرتفع بها التزاحم والتنافي ، فمعنى مدخليّة الزّمان والمكان في حكم الحاكم عبارة عن لزوم رعاية المصالح العامّة الإسلامية في زمانه ومكانه ، حتّى يتّضح أنّ المقام صغرى لأي كبرى من الكبريات ، وأيّ حكم من الأحكام الواقعية ، فيكون حكمه بتقديم إحدى الكبريين شكلا إجرائيّا لجريان الأحكام الواقعية ومراعاة لحفظ الأهمّ وتخطيطا لحفظ النّظام وعدم اختلاله.

وبذلك يظهر أنّ حكم الحاكم الإسلاميّ يتمتّع بميزتين :

الأولى : إنّ حكمه بتقديم إحدى الكبريين وحكمه على وفقها ، ليس حكما مستنبطا من الكتاب والسنّة مباشرة وإن كان أساس الولاية وأصلها مستنبطا ومستخرجا منهما ، إلّا أنّ الحاكم لمّا اعتلى منصّة الحكم ووقف على أنّ المقام من صغريات ذلك الحكم الواقعيّ دون الآخر للمقاييس التي عرفتها ، يصير حكمه حكوميّا وولائيا في طول الأحكام الأوّليّة والثّانويّة

__________________

(١) العناوين الثانوية عبارة عن : ١ ، الضرورة والاضطرار. ٢. الضرر والضرار. ٣. العسر والحرج. ٤. الأهم فالأهم. ٥. التقيّة. ٦. الذرائع للواجبات والمحرمات. ٧. المصالح العامّة للمسلمين. وهذه العناوين أدوات بيد الحاكم ، يحل بها مشكلة التزاحم بين الأحكام الواقعية والأزمات الاجتماعية.

١٦٠