نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

الطواف حول البيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار والذبح في منى يحس بحرج شديد في تطبيق أعمال الحج على هذه الفتاوى ، ولكن تزايد وفود حجاج بيت الله عبر الزمان يوما بعد يوم أعطى للفقهاء رؤى وسيعة في تنفيذ تلك الأحكام على موضوعاتها ، فأفتوا بجواز التوسع في الموضوع لا من باب الضرورة والحرج ، بل لانفتاح آفاق جديدة أمامهم في الاستنباط.

كانت الفتاوى في الأعصار السابقة على تحديد المطاف ب ٢٦ ذراعا ، ومن المعلوم انّ هذا التحديد كان يرجع فيما إذا كان عدد الحجاج لا يزيد على ١٠٠ ألف حاج ، وأمّا اليوم فعدد الطائفين تجاوز هذا الحد بكثير حتى بلغ عددهم في هذه الأعصار إلى مليوني حاج بل أزيد ، فإذا خوطب هؤلاء بالطواف على البيت فهل يفهم منه انّه يجب عليهم الطواف بين الحدين؟ إذ معنى ذلك أن يحرم الكثير من هذه الفريضة ، أو يفهم منه إيجاد التناوب بين الطائفين حتى لا يطوف حاج طوافا ندبيا إلى أن يفرغ الحجاج من الفريضة ، أو يفهم منه ما فهمه الآخرون من أنّهم يطوفون بالبيت الأقرب فالأقرب؟ وإلى تينك الحالتين تشير الروايتان التاليتان (١) :

١. فقد روى محمد بن مسلم مضمرا ، قال : سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي من خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت؟ قال : «كان النّاس على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطوفون بالبيت والمقام وأنتم اليوم تطوفون ما بين المقام

__________________

(١) الوسائل : ٩ ، الباب ٢٨ من أبواب الطواف ، الحديث ١ و ٢.

١٢١

وبين البيت ، فكان الحدّ موضع المقام اليوم ، فمن جازه فليس بطائف ، والحدّ قبل اليوم واليوم واحد قدر ما بين المقام وبين البيت من نواحي البيت كلّها ، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد لأنّه طاف في غير حدّ ولا طواف له».

٢. محمّد بن علي الحلبيّ قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الطواف خلف المقام؟ قال : «ما أحبّ ذلك وما أرى به بأسا ، فلا تفعله إلّا أن لا تجد منه بدا».

فالأولى ناظرة إلى الحالة التي يتمكن الحاج من الطواف بين الحدين بلا مشقة كثيرة ، ولعلّ الإمام المروي عنه هو أبو جعفر الباقر عليه‌السلام ، ولم يكن يوم ذاك زحام كثير ؛ والثانية منهما ناظرة إلى عصر الزحام بحيث يعسر للحاج أن يراعي ذلك الحدّ.

٣. أفتى القدماء بأنّ الإنسان يملك المعادن المركوزة في أرضه تبعا لها دون أي قيد أو شرط ، وكان الداعي من وراء تلك الفتوى هو بساطة الوسائل المستخدمة لذلك ، فلم يكن بمقدور الإنسان الانتفاع إلّا بمقدار ما يعد تبعا لأرضه ، ولكن مع تطور الوسائل المتاحة للاستخراج ، استطاع أن يتسلط على أوسع مما يعدّ تبعا لأرضه ، وانطلاقا من ذلك لا يبقى مجال للإفتاء بأنّ صاحب الأرض يملك المعدن المركوز تبعا لأرضه بلا قيد أو شرط ، بل يحدد بما يعد تبعا لها عرفا ، وأمّا الخارج عنها فهو إمّا من الأنفال أو من المباحات التي يتوقف تملّكها على إجازة الإمام.

١٢٢

نعم لا ينبغي التأمل في قيام السيرة العقلائية بل وكذا الشرعية ـ وإن انتهت إليها ـ على دخولها في ملك صاحب الأرض بتبع ملكه للأرض ، فتلحق الطبقة السافلة بالعالية والباطنة بمحتوياتها بالظاهرة أخذا بقانون التبعية وإن لم يتم هذا الإلحاق من ناحية الإحياء حسبما عرفت ، ومن ثمّ لو باع ملكه فاستخرج المشتري منه معدنا ملكه وليس للبائع مطالبته بذلك ، لأنّه باعه الأرض بتوابعها.

ولكن السيرة لا إطلاق لها والمتيقن من موردها ما يعد عرفا من توابع الأرض وملحقاتها كالسرداب والبئر وما يكون عمقه بهذه المقادير التي لا تتجاوز عن حدود الصدق العرفي فما يوجد أو يتكون ويستخرج من خلال ذلك فهو ملك لصاحب الأرض بالتبعية كما ذكر.

وأمّا الخارج عن نطاق هذا الصدق غير المعدود من التوابع كآبار النفط العميقة جدا التي ربما تبلغ الفرسخ أو الفرسخين ، أو الآبار العميقة المستحدثة أخيرا لاستخراج المياه من عروق الأرض البالغة في العمق والبعد نحو ما ذكر أو أكثر ، فلا سيرة في مثله ولا تبعية ، ومعه لا دليل على إلحاق نفس الأرض السافلة بالعالية في الملكية فضلا عن محتوياتها من المعادن ونحوها.

نعم في خصوص المسجد الحرام ورد أنّ الكعبة من تخوم الأرض إلى عنان السماء. ولكن الرواية ضعيفة السند. ومن ثمّ ذكرنا في محله لزوم استقبال عين الكعبة لجميع الأقطار لا ما يسامتها من شيء من الجانبين.

١٢٣

٤. انّ روح القضاء الإسلامي هو حماية الحقوق وصيانتها ، وكان الأسلوب المتبع في العصور السابقة هو أسلوب القاضي الفرد ، وقضاؤه على درجة واحدة قطعية ، وكان هذا النوع من القضاء مؤمّنا لهدف القضاء ، ولكن اليوم لما دبّ الفساد في المحاكم ، وقلّ الورع اقتضى الزمان أن يتبدل أسلوب القضاء إلى أسلوب محكمة القضاة الجمع ، وتعدّد درجات المحاكم حسب المصلحة الزمانية التي أصبحت تقتضي زيادة الاحتياط.

الخامس : تأثيرهما في بلورة موضوعات جديدة

إنّ التطور الصناعي والعلمي أسفر عن موضوعات جديدة لم يكن لها وجود من ذي قبل ، فعلى الفقيه دراسة هذه الموضوعات بدقة وإمعان ولو بالاستعانة بأهل الخبرة والتخصص في ذلك المجال ، وها نحن نشير إلى بعض العناوين المستجدة.

١. التأمين بكافة أقسامه ، فهناك من يريد دراسة هذا الموضوع تحت أحد العناوين المعروفة في الفقه كالصلح والضمان وغيره ، مع أنّه عقد مستقل بين العقلاء ، فعلى الفقيه دراسة ذلك العنوان كالموجود بين العقلاء.

٢. لقد ظهرت حقوق عقلائية مستجدّة لم تكن مطروحة بين العقلاء ، كحقّ التأليف ، وحقّ براءة الاختراع ، وحق الطبع ، وحق النشر ، وغيرها من الآثار الخلّاقة ، وهذا ما يعبر عنه بالمالكية الفكرية وقد أقرّ بها الغرب واعترف بها رسميا ، ويعدّ المتجاوز على هذه الحقوق متعديا.

١٢٤

٣. المسائل المستجدّة في عالم الطب كثيرة مثل التلقيح الصناعي ، وزرع الأعضاء وبيعها ، والاستنساخ البشري ، والتشريح ، وتغيير الجنس ، إلى غير ذلك من المسائل.

٤. الشركات التجارية ، التي تقوم بدور أساسي في الحياة الاقتصادية ، وهي على قسمين : شركات الأشخاص ، وشركات الأموال.

أمّا الأولى ، فمثل التضامن ، وشركات التوصية ، والشركات الخاصة.

وأمّا الثانية فأهم أقسامها : شركات المساهمة ، فعلى الفقيه استنباط حكم هذه الشركات على ضوء النصوص والقواعد.

* * *

إلى هنا تبيّن أنّ تغيير الأحكام من خلال تبدّل الظروف خاضع لأصول صحيحة لا تتنافى مع سائر الأصول وليس التغيير في ضوئها مصادما لحصر التشريع أو لتأبيد الأحكام أو سائر الأصول.

السادس : تأثيرهما في تفسير القرآن الكريم

لا ينحصر تأثير الزمان والمكان على الاستنباط بل يشمل حقل التفسير أيضا ، فإنّ للقرآن الكريم آفاقا لا متناهية ، تتجلّى أمام الفكر النيّر العميق ، وهو كما وصفه الإمام علي بن موسى الرضا عليهما‌السلام عند ما سأله سائل : ما بال القرآن لا يزداد عند النشر والدرس إلّا غضاضة؟

١٢٥

فأجاب عليه‌السلام : «إنّ الله تعالى لم يجعله لزمان دون زمان ، ولا لناس دون ناس ، فهو في كلّ زمان جديد وعند كلّ قوم غضّ إلى يوم القيامة». (١)

فالإمام الرضا عليه‌السلام لا يشير في هذا الحديث إلى موضوع خلود القرآن فقط ، بل يشير أيضا إلى سرّ خلوده وبقائه غضا جديدا لا يتطرق إليه البلى والذبول.

فكأنّ القرآن هو النسخة الثانية لعالم الطبيعة الواسع الأطراف الذي لا يزيد الباحث عن حقائقه وأسراره إلّا معرفة بأنّه لا يزال في الخطوات الأولى على طريق الوصول إلى مكامنه الخفية وأغواره السحيقة ، وكتاب الله تعالى مثل عالمنا هذا ، حافل بالحقائق والأسرار والعجائب التي لا تنقضي ، لأنّه منزل من عند الله الذي لا تتصور له نهاية ، ولا يمكن تحديده بحدود وأبعاد ، فيجب أن تكون في كتابه لمعة من لمعاته ، ويثبت بنفسه أنّه من عنده ، ويضمّ بين دفتيه مثل عالمنا هذا ، حافل بما يدلّ على أنّه كتاب سماوي ، وليس من صنع البشر ، وهو خالد إلى ما شاء الله تعالى.

إنّ نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أوّل من لفت الأنظار إلى تلكم المزية التي تعدّ من أهم مزاياه ، حيث يقول في وصفه للقرآن : «له ظهر وبطن ، وظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم ، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة». (٢)

__________________

(١) البرهان في تفسير القرآن : ١ / ٢٨.

(٢) الكافي : ٢ / ٥٩٩ ، كتاب القرآن.

١٢٦

فلنستعرض مثالا يتبيّن فيه دور الزمان في كشف اللثام عن مفهوم الآية.

إنّه سبحانه يصف عامة الموجودات بالزوجية من دون فرق بين ذي حياة وغيره ، يقول : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(١).

وقد شغلت الآية بال المفسرين وفسّروها بما وصلت إليه علومهم ، قال الراغب في تفسير الآية : وفي الآية تنبيه على أنّ الأشياء كلّها مركبة من جوهر وعرض ، ومادة وصورة ، وان لا شيء يتعرّى من تركيب يقتضي كونه مصنوعا وأنّه لا بدّ له من صانع ، تنبيها على أنّه تعالى هو الفرد ، فبيّن أنّ كلّ ما في العالم زوج ، حيث إنّ له ضدا أو مثلا ما ، أو تركيبا ما ، بل لا ينفك بوجه من تركيب وإنّما ذكر هاهنا زوجين ، تنبيها على أنّ الشيء وإن لم يكن له ضد ولا مثل ، فإنّه لا ينفك من تركيب جوهر وعرض ، وذلك زوجان. (٢)

غير أنّ الزمان فسّر حقيقة هذه الزوجية العامة ، بتركيب الذرّة (Atom) من جزءين معروفين.

وقد عبّر القرآن عن هذين الجزءين الحاملين للشحنتين المختلفتين ، بالزوجية ، حتى لا يقع موقع التكذيب والردّ ، إلى أن يكشف الزمان مغزى الآية ومفادها.

__________________

(١) الذاريات : ٤٩.

(٢) مفردات الراغب : ٢١٦ ، مادة «زوج».

١٢٧

وبذلك يعلم سرّ ما روي عن ابن عباس انّه قال : إنّ القرآن يفسره الزمان. (١)

فكما أنّ الزمان يفسر الحقائق الكونية الواردة في القرآن الكريم فكذلك يفسر إتقان تشريعه في مجال الفرد والمجتمع ، كما هو أيضا يفسر أخباره الغيبية الواردة فيه ، وعلى ذلك فللزمان دور في الإفصاح عن معاني الآيات كدوره في استنباط الأحكام.

السابع : تأثيرهما في تفسير السنّة

ربما يرى الباحث اختلافا في السنة المروية عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرين ، فيعمد إلى رفع الاختلاف بوجوه عديدة مذكورة في الكتب الأصولية ، ولكن ثمة حل لطائفة من هذه السنن المتخالفة ، وهو أنّ لكلّ من الحكمين ظرفا زمانيا خاصا يستدعي الحكم على وفقه ، فإذا كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد حارب قريشا في بدر وأحد فلمصلحة ملزمة في ذلك الزمان ، وإذا أظهر المرونة وتصالح معهم في الحديبية فلمصلحة ملزمة أيضا ، ولذا لم يصغ إلى مقالة من قال : «أنعطي الدنيّة في ديننا» وتصور أنّ في الصلح تنازلا عن الرسالة الإلهية والأهداف السامية وغفل عن آثاره البنّاءة التي كشف عنها سير الزمان كما هو مذكور في تاريخ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

__________________

(١) راجع النبات في حقل الحياة ، تأليف نقي الموصلي ، الشيخ العبيدين.

١٢٨

التفسير الخاطئ لتأثير الزمان والمكان

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد في متعلقاتها فلا واجب إلّا لمصلحة في فعله ، ولا حرام إلّا لمفسدة في اقترافه ، إذ انّ للتشريع الإسلامي نظاما لا تعتريه الفوضى ، وهذا الأصل وإن خالف فيه بعض المتكلّمين ، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب الله وسنّة نبيّه ونصوص خلفائه عليهم‌السلام.

ترى أنّه سبحانه يعلل حرمة الخمر والميسر بقوله :

(إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)(١).

ويستدل على وجوب الصلاة بقوله سبحانه : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ)(٢) إلى غير ذلك من الفرائض والمناهي التي أشير إلى ملاكات تشريعهما في الذكر الحكيم.

وقد قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليهما‌السلام : «إنّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلا ولا شربا إلّا لما فيه المنفعة والصلاح ، ولم يحرّم إلّا ما فيه الضرر والتلف والفساد» (٣).

والآيات القرآنية تشهد بجلاء على ما قاله الإمام الطاهر حيث إنّها تعلّل

__________________

(١) المائدة : ٩١.

(٢) العنكبوت : ٤٥.

(٣) مستدرك الوسائل : ٣ / ٧١.

١٢٩

تشريع الجهاد بقوله : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا)(١) كما تعلّل القصاص بقوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(٢).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على ذلك بوضوح ، ومع أنّ المعروف عن الإمام الأشعري هو عدم تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد بزعم انّ القول بذلك يستلزم تضييقا للإرادة الإلهية ، ولكن المحقّقين من أهل السنة على خلاف ذلك ، منهم الشاطبي ، قال في موافقاته :

وقد ثبت أنّ الشريعة موضوعة لتحقيق مصالح الناس عاجلا أم آجلا ، إمّا بجلب النفع لهم ، أو لدفع الضرر والفساد عنهم ، كما دلّ عليه الاستقراء وتتبع مراد الأحكام. (٣)

وعلى ضوء ذلك فالمصالح المستكشفة عبر الزمان إذا كانت مصالح عامة أو مفاسد كذلك ولم يرد في موردها أمر ولا نهي ، فللفقيه أن يستكشف من المصلحة الملزمة أو المفسدة كون الشيء واجبا أم حراما وذلك ، كتعاطي المخدرات في مورد المفاسد ، وتزريق الأمصال فيما إذا انتشر الداء في المجتمع الذي لا ينقذه إلّا التزريق ، ففي هذه الموارد التي ليس للإسلام فيها حكم إلزامي يمكن أن يستكشف الوجوب أو الحرمة ببركة إدراك العقل للمصلحة النوعية أو المفسدة كذلك.

__________________

(١) الحج : ٣٩.

(٢) البقرة : ١٧٩.

(٣) الموافقات : ٢ / ٦.

١٣٠

إنّ استكشاف العقل للمصالح والمفاسد إنّما يقع ذريعة للتشريع إذا كان المورد من موارد «منطقة الفراغ» أي لم يكن للشارع هناك حكم بالإلزام بالفعل أو الترك ، وأمّا إذا كان هناك حكم شرعي قطعي فلا يصح للمستنبط تغيير الحكم بالمصالح والمفاسد المزعومة ، فإنّه يكون من قبيل تقديم المصلحة على النص ، وهو أمر غير جائز ، وقد عرفت في صدر البحث انّ تأثير الزمان والمكان إنّما هو في الأحكام الاجتهادية دون الأحكام المنصوصة.

والحاصل انّه إذا كان هناك نص من الشارع ولم يكن الموضوع ضمن (منطقة الفراغ) فلا معنى لتقديم المصلحة على النص ، فانّه تشريع محرّم يتّخذ ذريعة للتخلص من الالتزام بالأحكام الشرعية.

وبذلك يعلم أنّ ما صدر من بعض السلف في بعض الموارد من تقديم المصالح على النصوص قد جانب الصواب بلا شكّ كالمثال التالي :

دلّ الكتاب والسنّة على بطلان الطلاق ثلاثا ، من دون أن يتخلّل بينها رجوع أو نكاح ، فلو طلّق ثلاثا مرّة واحدة أو كرّر الصيغة فلا يحتسب إلّا طلاقا واحدا. وقد جرى عليه رسول الله والخليفة الأوّل وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يمضي من الطلقات الثلاث إلّا واحدة منها ، وكان الأمر على هذا المنوال إلى سنتين من خلافة الخليفة الثاني ، وسرعان ما عدل عن ذلك قائلا : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم. (١)

__________________

(١) صحيح مسلم : ٤ / ١٨٣ ، باب الطلاق الثلاث ، الحديث ١.

١٣١

جدير بالذكر أنّ إعمال الرأي فيما فيه نصّ من كتاب أو سنّة ، أمر خاطئ ، ولو صحّ إعماله فإنّما هو فيما لا نصّ فيه ، ومع ذلك حاول بعضهم تبريره بتغيّر الأحكام بالمصالح والمفاسد ، لا سيما ابن قيم الجوزية ، الذي قال : لمّا رأى الخليفة الثاني انّ مفسدة تتابع النصّ في إيقاع الطلاق لا تندفع إلّا بإمضائها على الناس ، ورأى مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الإيقاع ، أمضى عمل الناس ، وجعل الطلاق ثلاثا ، ثلاثا. (١)

يلاحظ عليه : أنّ إبطال الشريعة أمر محرّم لا يستباح بأي عنوان ، فلا يصحّ لنا تغيير الشريعة بالمعايير الاجتماعية من الصلاح والفساد ، وأمّا مفسدة تتابع النص في إيقاع الطلاق الثلاث فيجب أن تدفع عن طريق آخر ، لا عن طريق إمضاء ما ليس بمشروع ، وجعله مشروعا.

والعجب انّ ابن القيم التفت إلى ذلك ، وقال : كان أسهل من ذلك (تصويب الطلقات ثلاثا) أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث ، ويحرّمه عليهم ، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلّا يقع المحذور الذي يترتّب عليه ، ثمّ نقل عن عمر بن الخطاب ندامته على التصويب ، قائلا : قال الخليفة الثاني : ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث. (٢)

وهنا كلمة للشيخ محمد شلتوت شيخ الأزهر حول عدّ الاجتهاد من مصادر التشريع حيث قال فيها :

__________________

(١) أعلام الموقعين : ٣ / ٤٨.

(٢) أعلام الموقعين : ٣ / ٣٦ ، وأشار إليه في كتابه الآخر إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان : ١ / ٣٣٦.

١٣٢

ويشمل الاجتهاد أيضا ، النظر في تعرف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع ، التي عرفت من جزئيات الكتاب وتعرفات الرسول ، وأخذت في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة.

وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح. وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن أن يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير الله ، ومنحهم حق التفكير والنظر والترجيح واختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأصول التشريعية ، فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات ، ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شئون الحياة ، كما لم يلزم أهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا. (١)

ما ذكره حقّ ليس وراءه شيء إلّا أنّي لا أوافقه في قوله : «ولم يقيده في كلّ شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجدّ من شئون الحياة» فإنّه هفوة من الأستاذ ، إذ أي أصل وحكم شرعي منصوص لا يتفق مع ما يجدّ من شئون الحياة؟ وليس ما ذكره إلّا من قبيل تقديم المصلحة على النص ، وهو تشريع محرم ، وتقدّم على الله ورسوله ، قال سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)(٢).

ومن هنا يفترض بكلّ مسلم أن يتجنّب هذا النوع من الاستصلاح.

__________________

(١) رسالة الإسلام ، السنة الرابعة ، العدد الأوّل ، ص ٥.

(٢) الحجرات : ١.

١٣٣

البحث الرابع

دراسة في تأثير الزمان والمكان

في الفقه السنّي

طرحت هذه المسألة من قبل بعض فقهاء السنّة قديما وحديثا ، وإليك التنويه بأسمائهم وببعض كلماتهم :

١. ابن القيم الحنبلي (المتوفّى ٧٥١ ه‍) يقول في فصل «تغيّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد» :

هذا فصل عظيم النفع ، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقّة ، وتكليف ما لا سبيل إليه ، ما يعلم انّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به ، فإنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلّها ، ورحمة كلّها ، ومصالح كلّها ، وحكمة كلّها ، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة. (١)

__________________

(١) اعلام الموقعين : ٣ / ١٤ ط دار الفكر وقد استغرق بحثه ٥٦ صفحة. فلاحظ.

١٣٤

٢. السيد محمد أمين أفندي الشهير ب «ابن عابدين» (١) ، قال ما نصّه :

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص ، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي ، وكثيرا منها ما يبيّنه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلا ، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لا بدّ فيه من معرفة عادات الناس ، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله ، أو لحدوث ضرورة ، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلا ، للزم منه المشقة والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام ، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نصّ عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا في قواعد مذهبه.

ثمّ إنّ ابن عابدين ذكر أمثلة كثيرة لما ذكره من الكبرى تستغرق عدّة صحائف. (٢) ولنذكر بعض الأمثلة :

أ. افتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلّمين التي كانت في الصدر الأوّل ، ولو اشتغل المعلّمون بالتعليم بلا أجرة يلزم ضياعهم وضياع عيالهم ، ولو اشتغلوا بالاكتساب في حرفة وصناعة ،

__________________

(١) هو محمد أمين الدمشقي ، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره ، ولد عام ١١٩٨ ه‍ وتوفي عام ١٢٥٢ ه‍ ، له من الآثار «مجموعة رسائل» مطبوعة.

(٢) انظر رسائل ابن عابدين : ٢ / ١٢٣ ـ ١٤٥.

١٣٥

يلزم ضياع القرآن والدين ، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم وكذا على الإمامة والأذان كذلك ، مع أنّ ذلك مخالف لما اتّفق عليه أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من عدم جواز الاستئجار وأخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك.

ب. قول الإمامين بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة مع مخالفته لما نصّ عليه أبو حنيفة بناء على ما كان في زمنه من غلبة العدالة ، لأنّه كان في الزمن الذي شهد له رسول الله بالخيريّة ، وهما أدركا الزمن الذي فشا فيه الكذب ، وقد نصّ العلماء على أنّ هذا الاختلاف اختلاف عصر وأوان ، لا اختلاف حجّة وبرهان. (١)

ج. تحقّق الإكراه من غير السلطان مع مخالفته لقول الإمام «أبي حنيفة» بناء على ما كان في زمنه من أنّ غير السلطان لا يمكنه الإكراه ثمّ كثر الفساد فصار يتحقّق الإكراه من غيره ، فقال محمد (ابن الحسن الشيباني) باعتباره ، وأفتى به المتأخّرون لذلك.

وقد ساق الأمثلة على هذا النمط إلى آخر الرسالة.

__________________

(١) الظاهر انّه يريد بالإمامين تلميذي أبي حنيفة : أبا يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ولم يكن الفارق الزمني بين الإمام أبي حنيفة وبينهما طويلا ، فقد توفّي أبو حنيفة عام ١٥٠ ه‍ وتوفّي أبو يوسف عام ١٨٢ ه‍ وتوفي الشيباني عام ١٨٩ ه‍. وإذا كان كذلك فلما ذا يعدّون القرون الثلاثة الأولى خير القرون ، والحقّ انّ بين السلف والخلف رجالا صالحين وأشخاصا طالحين ، ولم يكن السلف خيرا من الخلف ، ولا الخلف أكثر شرّا من السلف وإنّما هي دعايات فارغة فقد شهد القرن الأوّل وقعة الطفّ والحرّة في المدينة.

١٣٦

٣. وقد طرق هذا البحث أيضا الأستاذ مصطفى أحمد الزرقا في كتابه القيّم «المدخل الفقهي العام» وقال ما نصّه :

الحقيقة انّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمن ، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الأحكام إلّا تبدّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع ، فإنّ تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحدّد من الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجا وأنجح في التقويم علاجا.

ثمّ إنّ الأستاذ جعل المنشأ لتغير الأحكام أحد أمرين :

أ. فساد الأخلاق ، وفقدان الورع وضعف الوازع ، وأسماه بفساد الزمان.

ب. حدوث أوضاع تنظيمية ، ووسائل فرضية ، وأساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكل من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين ، ولكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد ، ولنذكر كلا الأمرين وأمثلتهما.

أ. تغيير الأحكام الاجتهادية لفساد الزمان

١. من المقرر في أصل المذهب الحنفي انّ المدين تنفذ تصرفاته في أمواله بالهبة والوقف وسائر وجوه التبرّع ، ولو كانت ديونه مستغرقة أمواله كلّها ، باعتبار انّ الديون تتعلّق بذمّته فتبقى أعيان أمواله حرة ، فينفذ

١٣٧

فيها تصرّفه ، وهذا مقتضى القواعد القياسية.

ثمّ لما فسدت ذمم الناس وكثر الطمع وقلّ الورع وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها ، أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق ، أفتى المتأخرون من فقهاء المذهبين الحنبلي والحنفي بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين إلّا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله (١).

هذا في الفقه السنّي ، وأمّا في الفقه الإمامي فليس ثمة مشكلة تقتضي التوسل بعنصر الزمان ، والالتزام بتغيّر الأحكام في ظلّه ، لأنّ للمحجور حالتين :

الأولى : إذا حجر عليه الحاكم وحكم بإفلاسه فعند ذاك يتعلّق حقّ الغرماء بأمواله لا بذمّته ، نظير تعلّق حقّ المرتهن بالعين المرهونة فلا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع والإجارة ، وبغير عوض كالوقف والهبة إلّا بإذنهم وإجازتهم.

الثانية : إذا لم يحجر عليه فتصرفاته على قسمين : قسم لا يريد به الفرار من أداء الديون ولا يلازم حرمان الديّان ، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء ، وقسم آخر (كالصلح أو الهبة) يريد به الفرار من أداء الديون ، فالحكم بصحة تصرفاته ـ فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه ـ مشكل. (٢)

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٢٦ ، برقم ٥٤٣.

(٢) لاحظ وسيلة النجاة : ١٣٣ ، كتاب الحجر ، المسألة الأولى ؛ تحرير الوسيلة : ٢ / ١٦.

١٣٨

وجهه : انّ الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بأصحاب الديون فلا يكون نافذا ، أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح والهبة وسائر العقود عن مثل هذه العقود. وعلى ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل الشرع بلا حاجة إلى التوسل بعنصر «فساد الزمان».

٢. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيّبت ، لأنّ المنافع عندهم ليست متقوّمة في ذاتها وإنّما تقوم بعقد الإجارة ولا عقد في الغصب.

ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّؤ الناس على الغصب وضعف الوازع الديني في نفوسهم ، فأفتوا بتضمين الغاصب أجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معدا للاستغلال على خلاف الأصل القياسي في المذهب زجرا للناس عن العدوان لفساد الزمان.

ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الأئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي ، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها ، كالأعيان ، وأوجبوا تضمين الغاصب أجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب ، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال : وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح. (١)

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٢٧ ، برقم ٥٤٤.

١٣٩

أقول : إنّ القول بعدم ضمان الغاصب المنافع المستوفاة مستند إلى ما تفرّد بنقله عروة بن الزبير عن عائشة أنّ رسول الله قضى أنّ الخراج بالضمان. (١)

فزعمت الحنفية انّ ضمان قيمة المغصوب لا يجتمع مع ضمان المنافع ، وذلك لأنّ ضمان العين في مقابل كون الخراج له ، ولكن الاجتهاد غير صحيح جدا ، لأنّ الحديث ناظر إلى البيوع الصحيحة ، مثلا : إذا اشترى عبدا أو غيره فيستغلّه زمانا ثمّ يعثر منه على عيب كان فيه عند البائع ، فله ردّ العين المبيعة وأخذ الثمن ، ويكون للمشتري ما استغله ، لأنّ المبيع لو تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء ، والباء في قوله بالضمان متعلّق بمحذوف تقديره : الخراج مستحق بالضمان ، أي في مقابلة الضمان ، أي منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بطرف المبيع.

هذا هو معنى الحديث ، وعليه شرّاح الحديث (٢) ولا صلة للحديث بغصب الغاصب مال الغير واستغلال منافعه.

والذي يفسّر الحديث وراء فهم الشرّاح انّ عروة بن الزبير نقل عن عائشة أنّ رجلا اشترى عبدا ، فاستغلّه ثمّ وجد به عيبا فردّه ، فقال : يا رسول

__________________

(١) مسند أحمد : ٦ / ٤٩ ؛ سنن الترمذي : ٣ ، كتاب البيوع برقم ١٢٨٦ ؛ سنن النسائي : ٧ / ٢٥٤ ، باب الخراج بالضمان.

(٢) لاحظ شرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الإمام السندي على سنن النسائي وغيره.

١٤٠