نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٥

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٥٠٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

الأفعال الصادرة عن المكلّفين بالإقدام أو بالإحجام إلّا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل. (١)

٣. العلّامة محمد أمين أفندي الشهير ب «ابن عابدين» مؤلف كتاب «مجموعة رسائل» قال ما هذا نصّه :

اعلم أنّ المسائل الفقهية إمّا أن تكون ثابتة بصريح النص ، وإمّا أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي ، وكثيرا منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلا ، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انّه لا بدّ فيه من معرفة عادات الناس ، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغيّر عرف أهله ، أو لحدوث ضرورة ، أو فساد أهل الزمان بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أوّلا للزم منه المشقة والضرر بالناس ، ولخالف قواعد الشريعة المبنيّة على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم مقام وأحسن أحكام ، ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه لعلمهم بأنّه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا في قواعد مذهبه. (٢)

٤. الفقيه الأستاذ أحمد مصطفى الزرقا ، قال في كتابه «المدخل الفقهي العام» :

__________________

(١) الموافقات : ٤ / ١٤٠ ، ط دار الكتب العلمية ، والعبارة الأولى أصرح في المقصود.

(٢) رسائل ابن عابدين : ٢ / ١٢٣.

١٠١

الحقيقة أنّ الأحكام الشرعية التي تتبدّل بتبدّل الموضوعات مهما تغيرت باختلاف الزمان ، فإنّ المبدأ الشرعي فيها واحد وليس تبدّل الأحكام إلّا تبدّل الوسائل والأساليب الموصلة إلى غاية الشارع ، فإنّ تلك الوسائل والأساليب في الغالب لم تحدّد في الشريعة الإسلامية بل تركتها مطلقة لكي يختار منها في كلّ زمان ما هو أصلح في التنظيم نتاجا وأنجح في التقويم علاجا.

ثمّ إنّ الأستاذ جعل المنشأ لتغيير الأحكام أحد أمرين :

أ : فساد الأخلاق وفقدان الورع وضعف الوازع ، وأسماه بفساد الزمان.

ب : حدوث أوضاع تنظيمية ووسائل فرضية وأساليب اقتصادية.

ثمّ إنّه مثّل لكلّ من النوعين بأمثلة مختلفة اقتبس بعضها من رسالة «نشر العرف» للشيخ ابن عابدين ، ولكنّه صاغ الأمثلة في ثوب جديد. (١)

٥. الدكتور وهبة الزحيلي ، لخّص في كتابه «أصول الفقه الإسلامي» ما ذكره الأستاذ السابق وقال في صدر البحث : تغير الأحكام بتغير الأزمان.

إنّ الأحكام قد تتغير بسبب تغير العرف أو تغير مصالح الناس أو لمراعاة الضرورة أو لفساد الأخلاق وضعف الوازع الديني أو لتطور الزمن وتنظيماته المستحدثة ، فيجب تغير الحكم الشرعي لتحقيق المصلحة ودفع المفسدة وإحقاق الحق والخير ، وهذا يجعل مبدأ تغير الأحكام أقرب إلى

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٢٤.

١٠٢

نظرية المصالح المرسلة منها إلى نظرية العرف. (١)

وقبل إيراد تطبيقات هذا الأصل ، نود أن نشير إلى أمور يتبين بها حدّ هذا الأصل :

الامر الأوّل : حصر التشريع في الله سبحانه

دلّت الآيات القرآنية على حصر التشريع بالله سبحانه وانّه ليس مشرّع سواه ، قال سبحانه : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٢).

والمراد من الحكم هو الحكم التشريعي بقرينة قوله : (أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وقد أوضحنا ذلك في موسوعتنا «مفاهيم القرآن».

وينبغي التأكيد على نكتة وهي انّ تغير الحكم وفق الزمان والمكان يجب أن لا يتنافى مع حصر التشريع بالله سبحانه.

الثاني : خلود الشريعة

دلّ القرآن والسنّة على خلود الشريعة الإسلامية وانّ الرسول خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب ، وشريعته خاتمة الشرائع ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة وبذلك تضافرت الآيات والروايات ، كما تقدم.

__________________

(١) أصول الفقه الإسلامي : ٢ / ١١١٦.

(٢) يوسف : ٤٠.

١٠٣

فاللازم أيضا أن لا يكون أيّ تناف بين خلود الشريعة وتأثير الزمان والمكان على الاستنباط.

ومن حسن الحظ انّ الأستاذ أحمد مصطفى الزرقا قد صرح بهذا الشرط ، وهو انّ عنصري الزمان والمكان لا يمسان كرامة الأحكام المنصوصة في الشريعة ، وإنّما يؤثران في الأحكام المستنبطة عن طريق القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وقال ما هذا نصّه :

قد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أنّ الأحكام التي تتبدّل بتبدّل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية ، أي التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة ، وهي المقصودة من القاعدة المقررة «تغيير الأحكام بتغير الزمان».

أمّا الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة ، الناهية كحرمة المحرمات المطلقة وكوجوب التراضي في العقود ، والتزام الإنسان بعقده ، وضمان الضرر الذي يلحقه بغيره وسريان إقراره على نفسه دون غيره ، ووجوب منع الأذى وقمع الإجرام ، وسد الذرائع إلى الفساد وحماية الحقوق المكتسبة ، ومسئولية كلّ مكلّف عن عمله وتقصيره ، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره ، إلى غير ذلك من الأحكام والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة لتأسيسها ومقاومة خلافها ، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان ، بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال ، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها

١٠٤

قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة. (١)

وكلامه صريح في أنّ المتغير عندهم هو الأحكام الاجتهادية لا الأحكام المنصوصة ، ويريد من الأحكام الاجتهادية ما استنبطه المجتهد من القواعد الخاصّة ، كالقياس والمصالح المرسلة ، وقد صرّح بذلك الدكتور وهبة الزحيلي حيث قال : وذلك كائن بالنسبة للأحكام الاجتهادية ـ القياسية أو المصلحية ـ المتعلقة بالمعاملات أو الأحوال المدنية من كلّ ما له صلة بشئون الدنيا وحاجات التجارة والاقتصاد وتغير الأحكام فيها في حدود المبدأ الشرعي ، وهو إحقاق الحق وجلب المصالح ودرء المفاسد.

أمّا الأحكام التعبدية والمقدرات الشرعية وأصول الشريعة الدائمة ، فلا تقبل التبديل مطلقا ، مهما تبدل المكان وتغير الزمان ، كحرمة المحارم ، ووجوب التراضي في العقود ، وضمان الضرر الذي يلحقه الإنسان بغيره ، وسريان إقراره على نفسه ، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره. (٢)

نعم ، نقل تقديم بعض الأحكام الاجتهادية على النص عن أحمد بن إدريس المالكي ، ونجم الدين أبو ربيع المعروف بالطوفي ، وبما انّا لم نقف على نصوص كلامهم نتوقف عن القضاء في حقّهم.

وعلى أي تقدير يجب على من يقول بتأثير العاملين على استنباط الحكم الشرعي أن يحددهما بشكل لا يمس الأصلين المتقدمين أي نحترز

__________________

(١) المدخل الفقهي العام : ٢ / ٩٢٤ ـ ٩٢٥.

(٢) أصول الفقه : ٢ / ١١١٦.

١٠٥

أولا عن تشريع الحكم ، وثانيا عن مس كرامة تأبيد الأحكام ، وعلى ذلك فلا فرق بين الأحكام الاجتهادية والمنصوصة إذا كان الأصلان محفوظين.

الثالث : انّ المراد من تأثير الزمان والمكان على الاستنباط ، هو أن يكون تغير الوضع موجبا لتبدل الحكم من دون أن يكون في النص إشارة إلى هذا النوع من التغيير ، وإلّا فلو كان التشريع الأوّل متضمنا لتغير الحكم في الزمان الثاني فهو خارج عن موضوع بحثنا وإن كان يمكن الاستئناس به ، وعلى ذلك تخرج الموارد التالية عن موضوع البحث.

أ : اختلاف الحكم الشرعي في دار الحرب مع غيرها ، مثلا لو ارتكب المسلم فعلا يستتبع الحد فلا يقام عليه في دار الحرب ، بخلاف ما لو كان في دار الإسلام.

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : «لا يقام على أحد حدّ بدار العدو». (١)

ب : من زنى في شهر رمضان نهارا كان أو ليلا عوقب على الحد لانتهاكه الحرمة ، وكذا لو كان في مكان شريف أو زمان شريف. (٢)

ج : اختلاف المجاهدين والمنفقين قبل الفتح وبعده ، يقول سبحانه : (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ

__________________

(١) الوسائل : ١٨ ، الباب ١٠ من أبواب مقدمات الحدود ، الحديث ١. ولاحظ الخلاف : ٥ / ٥٢٢. قال ابن قدامة في المغني : ١٠ / ٥٣٨. قال أبو حنيفة : لا حدّ ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع.

(٢) الشرائع : ٤ / ٩٤١ ، كتاب الحدود ، المسألة العاشرة.

١٠٦

الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).(١)

د : نسخ الحكم في الزمان الثاني ، كما في قوله سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً)(٢) فقد نسخ بقوله سبحانه : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ...)(٣).

ه : تغير الأحكام بطروء العناوين الثانوية كالضرر والحرج وتقديم الأهم على المهم ، والنذر والعهد واليمين وما أشبه ذلك.

وحصيلة الكلام : أنّ محور البحث هو انّ الظروف المختلفة هي العامل الوحيد لتغير الأحكام بعد التشريع الأوّل ، وهذه هي التي تبعث الفقيه على الإمعان في بقاء التشريع الأوّل أو زواله ، وأمّا إذا قام الشارع بنفسه ببيان اختلاف الحكمين في الظرفين فهو خارج عن محل البحث وإن كان ربما يقرّب فكرة التأثير ، ويستأنس بها المجتهد. أو كان التغيير لأجل طروء عناوين ثانوية كالاضطرار والحرج فهو خارج عن مجال البحث وبذلك يعلم انّ استناد بعض من نقلنا نصوصهم من أعلام السنّة إلى تلك العناوين ، خروج عن مصب البحث.

__________________

(١) الحديد : ١٠.

(٢) المجادلة : ١٢.

(٣) المجادلة : ١٣.

١٠٧

الرابع : إذا قلنا بتأثير الزمان والمكان على الاستنباط ، فالحكم المستنبط عندئذ حكم واقعي وليس حكما ظاهريا كما هو معلوم ، لعدم أخذ عنوان الشكّ في موضوعه ولا حكما واقعيّا ثانويا أي ما يعتمد على عنواني الضرر والحرج أو غير ذلك من العناوين الثانوية ، فالمجتهد يبذل جهده في فهم الكتاب والسنّة لاستنباط الحكم الشرعي الواقعي في هذه الظروف ، ويكون حكمه كسائر الأحكام التي يستنبطها المجتهد في غير هذا المقام ، فالحكم بجواز بيع الدم أو المني أو سائر الأعيان النجسة التي ينتفع بها في هذه الأيام ليس حكما ظاهريا ولا مستخرجا من باب الضرر والحرج ، وإنّما هو حكم واقعي كسابقه (أي التحريم) غير أنّ الحكم السابق كان مبنيا على عدم الانتفاع بالأعيان النجسة انتفاعا معتدا به ، وهذا الحكم مبني على تبدل الموضوع.

وإن شئت قلت بتبدل مصداق الموضوع إلى مصداق موضوع آخر ، تكون الحرمة والجواز كلاهما حكمين شرعيين واقعيين.

١٠٨

البحث الثالث

تطبيقات عملية

إذا وقفت على الروايات الواردة حول تأثير الزمان والمكان ، وعلى كلمات المحقّقين من الفريقين في هذا المضمار فقد آن الأوان للبحث عن التطبيقات والفروع المستنبطة على ضوء ذلك الأصل ، وبما أنّ تأثير الزمان والمكان على الاستنباط ليس تأثيرا عشوائيا بل هو خاضع لمنهاج خاص يسير على ضوئه ، فلنضع بين يديك هذه الأمثلة التي تحكمها ضوابط معينة ، بغية درء المحاولات التي تستهدف إنكار ثبات الأحكام ودوامها :

الأوّل : تأثيرهما في تطبيق الموضوعات على مواردها

لا شكّ انّ هناك أمورا وقعت موضوعا لأحكام شرعية نظير :

١. الاستطاعة : قال سبحانه : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). (١)

٢. الفقر : قال سبحانه : (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ ... وَابْنِ السَّبِيلِ).(٢)

__________________

(١) آل عمران : ٩٧.

(٢) التوبة : ٦٠.

١٠٩

٣. الغنى : قال سبحانه : (وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ).(١)

٤. بذل النفقة للزوجة : قال سبحانه : (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ).(٢)

٥. إمساك الزوجة بالمعروف : قال سبحانه : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ).(٣)

ومن الواضح انّ مصاديق هذه الموضوعات تتغير حسب تغير أساليب الحياة ، فالإنسان المستطيع بالأمس للحجّ ، لا يعد مستطيعا اليوم ، لكثرة حاجات الإنسان في الزمان الثاني دون الأوّل ، وبذلك يتضح حال الفقر والغنى ، فربّ غني بالأمس فقير اليوم.

ـ كما أنّ نفقة الزوجة في السابق كانت منحصرة في الملبس والمأكل والمسكن ، وأمّا اليوم فقد ازدادت حاجاتها على نحو لو لم يقم الرجل ببعض تلك الحاجات يعد عمله بخسا لحقها ، وامتناعا من بذل نفقتها.

ـ إنّ المثلي والقيمي والمكيل والموزون موضوعات للأحكام الشرعية ، مثلا : لا تجوز معاوضة المتماثلين إذا كان مكيلا أو موزونا إلّا بمثله قدرا ووزنا ، دون المعدود والموزون ، فيجوز تبديلهما بأكثر منهما فالمثلي

__________________

(١) النساء : ٦.

(٢) الطلاق : ٦.

(٣) البقرة : ٢٣١.

١١٠

يضمن بالمثلي ، والقيمي بالقيمي ، وقد عرّف المثلي بكثرة المماثل ، والقيمي بقلّته ، ولذلك عدت الثياب والأواني من القيميات ، لكن صارا اليوم بفضل الصناعة الحديثة ، مثليين.

ثمّ إنّ المتبع في كون شيء مكيلا أو موزونا أو معدودا هو عرف البلد الذي يتعامل فيه وهو يختلف حسب اختلاف الزمان والمكان.

وبذلك اتضح انّ عنصري الزمان والمكان يؤثران في صدق المفاهيم في زمان دون زمان.

الثاني : تأثيرهما في تغير الحكم بتغيّر مناطه

لا شكّ انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات والمصالح والمفاسد ، فربما يكون مناط الحكم مجهولا ومبهما ، وأخرى يكون معلوما بتصريح من قبل الشارع ، والقسم الأوّل خارج عن محلّ البحث ، وأمّا القسم الثاني فالحكم دائر مدار مناطه وملاكه.

فلو كان المناط باقيا فالحكم ثابت ، وأمّا إذا تغيّر المناط حسب تغير الظروف فيتغير الحكم قطعا ، مثلا :

١. لا خلاف في حرمة بيع الدم بملاك عدم وجود منفعة محلّلة فيه ، ولم يزل حكم الدم كذلك حتى اكتشف العلم له منفعة محلّلة تقوم عليها رحى الحياة ، وأصبح التبرع بالدم إلى المرضى كإهداء الحياة لهم ، وبذلك

١١١

حاز الدم على ملاك آخر فحلّ بيعه وشراؤه. (١)

قال السيد الإمام الخميني : الأقوى جواز الانتفاع بالدم في غير الأكل وجواز بيعه لذلك. (٢) وعلى ذلك تعارف من بيع الدم من المرضى وغيرهم لا مانع منه فضلا عمّا إذا صالح عليه أو نقل حق الاختصاص ويجوز نقل الدم من بدن إنسان إلى آخر ، وأخذ ثمنه بعد تعيين وزنه بالآلات الحديثة ، ومع الجهل لا مانع من الصلح عليه ، والأحوط أخذ المبلغ للتمكين على أخذ دمه مطلقا ، لا مقابل الدم ولا يترك الاحتياط ما أمكن.

٢. انّ قطع أعضاء الميت أمر محرّم في الإسلام ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور» (٣) ومن الواضح انّ ملاك التحريم هو قطع الأعضاء لغاية الانتقام والتشفّي ، ولم تكن يومذاك أية فائدة تترتّب على قطع أعضاء الميت سوى تلبية رغبة نفسية ذميمة ـ الانتقام ـ ولكن ظهرت اليوم فوائد جمّة من وراء قطع أعضاء الميت ، حيث صارت عملية زرع الأعضاء أمرا ضروريا يستفاد منها لنجاة حياة المشرفين على الموت. ويمكن أن يكون من هذه المقولة المثال التالي :

٣. لا شكّ انّ التوالد والتناسل أمر مرغوب في الشرع. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «تزوّجوا فإنّي

__________________

(١) المكاسب المحرّمة : ١ / ٥٧.

(٢) المكاسب المحرّمة : ١ / ٥٧.

(٣) لاحظ نهج البلاغة : قسم الرسائل ، برقم ٤٧.

١١٢

مكاثر بكم الأمم غدا يوم القيامة». (١)

وروى جابر عن أبي جعفر عليه‌السلام ، قال : «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلا ، لعلّ الله يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلّا الله». (٢)

حتّى أنّه سبحانه يمن على عباده بكثرة المال والبنين ، ويقول : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ)(٣).

إلى غير ذلك من الآيات والروايات الحاثّة على تكثير النسل ، لكن ربما تعتري البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة لا تتمكن فيها من توفير الخدمات اللازمة لمواطنيها ، وتأمين حياة كريمة لهم ، فعند ذلك ينقلب ملاك الحكم الاستحبابي إلى غيره ، لأنّ هدف الشارع من تكثير النسل هو توفير العزّة والمنعة ، فإذا تعسّر فحينها يكون تحديد النسل هو الحل المطلوب.

وهناك أمثلة أخرى لم نستعرضها لعدم ثبوت تغيير الملاك عندنا ، كصناعة التماثيل فربما يتصور انّ الملاك في التحريم هو كون صناعة التماثيل ذريعة لعبادة أصحابها ، وأمّا اليوم فقد انتفى ذلك الملاك وعادت من الفنون الجميلة.

__________________

(١) الوسائل : ١٤ ، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح ، الحديث ٢.

(٢) الوسائل : ١٤ ، الباب الأوّل من أبواب مقدمات النكاح ، الحديث ٣.

(٣) نوح : ١٠ ـ ١٢.

١١٣

هذا بالنظر إلى البلاد الإسلامية ، وأمّا بالنظر إلى دول جنوب آسيا فالتجسيم هناك رمز العبادة والشرك وذريعة إليه فهل يكفي في الحلّية خلوّ العمل من الملاك في بلد خاص ، أو يجب أن يكون كذلك في كافة البلدان أو أغلبها؟ والثاني هو المتعيّن.

الثالث : تأثيرهما في كشف مصاديق جديدة للموضوع

إنّ الزمان والمكان كما يؤثران في تغيّر الملاك وتبدّله ، كذلك يؤثران في إسراء الحكم إلى موضوع لم يكن موجودا في عصر التشريع وذلك بفضل الملاك المعلوم ، ولنذكر هنا أمثلة:

١. انّ السبق والرماية من التمارين العسكرية التي تكتسب بها المهارة اللازمة للدفاع عن النفس وللقتال والظاهر من بعض الروايات حصرها في أمور ثلاثة.

روى حفص بن غياث ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام قال : «لا سبق إلّا في خف أو حافر أو نصل ـ يعني : النضال ـ». (١)

وروى عبد الله بن سنان عنه عليه‌السلام قال : سمعته يقول : «لا سبق إلّا في خف أو حافر أو نصل ـ يعني النضال ـ». (٢)

وروى الإمام الصادق عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يقول : «إنّ

__________________

(١) الوسائل ١٣ ، الباب ٣ من أبواب السبق والرماية ، الحديث ١ ، ٢.

(٢) الوسائل ١٣ ، الباب ٣ من أبواب السبق والرماية ، الحديث ٣.

١١٤

الملائكة تحضر الرهان في الخف والحافر والريش وما سوى ذلك فهو قمار حرام» (١).

ومن المعلوم أنّ المناط للسبق بهذه الأمور هو تقوية البنية الدفاعية ، فتحصيل هذا الملاك في هذه الأعصار لا يقتصر على السبق بهذه الأمور الثلاثة ، بل يتطلب وسائل أخرى أكثر تطورا.

قال الشهيد الثاني في «المسالك» : لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد ، بل أمر به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة ، وهي من أهمّ الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لأعداء الله تعالى ، الذي هو أعظم أركان الإسلام وبهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهي عن المعاملة عليهما. (٢)

فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال والتدرب للجهاد ، فلا يفرق عندئذ بين الدارج في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغيره أخذا بالملاك المتيقن.

وعلى ذلك فالحصر ناظر إلى السبق فيما يعد لهوا كاللعب بالحمام كما في رواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : «كلّ لهو المؤمن باطل إلّا في ثلاث : في تأديبه الفرس ، ورميه عن قوسه ، وملاعبته امرأته فانّهن حقّ». (٣)

٢. الدفاع عن بيضة الإسلام قانون ثابت لا يتغير ، وإليه يرشد قوله

__________________

(١) الوسائل ١٣ ، الباب ٣ من أبواب السبق والرماية ، الحديث ٥.

(٢) المسالك : ٦ / ٦٩.

(٣) الوسائل : ١٣ ، الباب ١ من أحكام السبق والرماية ، الحديث ٥.

١١٥

سبحانه : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ)(١) ، فكان الدفاع في الصور السابقة بالسهم والنصل والسيف وما أشبه ذلك.

وأمّا اليوم وفي ظل التقدم العلمي الهائل ، فقد أصبحت المعدّات الحربية تدور حول الدبابات والمدرعات والصواريخ والطائرات المقاتلة والبوارج البحريّة.

٣. أمر الإسلام بنشر الثقافة والتعليم والتربية وكانت الوسائل المستخدمة في هذا الصدد يوم ذاك لا تتعدى أمورا بسيطة كالمداد والدواة ، ولكن اليوم وفي ظل التقدم العلمي أصبحت وسائل التعليم متطورة للغاية حتى شملت الكامبيوتر والتلفاز والمذياع وشبكة المعلومات «الانترنت».

٤. لقد ذهب المشهور إلى تخصيص الاحتكار بأجناس معدودة.

روى السكوني ، عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم‌السلام عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «الحكرة في ستة أشياء : في الحنطة والشعير والتمر والزيت والسمن والزبيب». (٢)

وروى غياث ، عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، قال : «ليس الحكرة إلّا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن». (٣)

__________________

(١) الأنفال : ٦٠.

(٢) الوسائل ١٢ ، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة ، الحديث ١٠.

(٣) الوسائل ١٢ ، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٤.

١١٦

وقد ذهب الشيخ الطوسي في النهاية بعد عدّها إلى أنّه لا يكون الاحتكار في سوى هذه الأجناس ، وتبعه لفيف من الفقهاء. (١)

وثمة احتمال آخر وهو انّ الأجناس الضرورية يومذاك كانت منحصرة بما ورد في الروايات على نحو ينجم عن احتكارها أزمة في المجتمع الإسلامي ، دون سائر الأجناس ، وأمّا اليوم فلا شكّ انّه اتسعت الحاجات وتغيرت فعاد ما لم يكن ضروريا في الماضي أمرا ضروريا في عصرنا هذا ، فلو أوجدت الحكرة في غير هذه الأجناس نفس الأزمة ، يكون الجميع على حد سواء ، خصوصا وانّ الحلبي روى عن الإمام الصادق عليه‌السلام انّه قال : سألته عن الرجل يحتكر الطعام ويتربص به ، هل يصلح ذلك ، ثمّ قال : «إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس به وإن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فانّه يكره أن يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام». (٢)

فإذا كان الميزان هو وجود ما يسع الناس وعدمه ، فلا فرق بين الطعام وغيره ، فلا يبعد أن تعمّ حرمة الحكرة إلى غيره.

إذ من المعلوم انّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات فانّها شرعت على أساس المصالح والمفاسد ، وهذا يقتضي استيعاب الحكرة لغير ما نصّ عليه ، وقد عرفت أنّ الروايات الحاصرة ناظرة إلى عمدة ما يحتاج إليه الناس في العصور الماضية.

__________________

(١) الحدائق الناضرة : ١٨ / ٦٢.

(٢) وسائل الشيعة : ١٢ ، الباب ٢٧ من أبواب آداب التجارة ، الحديث ٢.

١١٧

وهذا هو خيرة صاحب الجواهر فانّه قال : بل هو كذلك في كلّ حبس لكلّ ما تحتاجه النفوس المحترمة ويضطرون إليه ولا مندوحة لهم عنه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو غيرها ، من غير تقييد بزمان دون زمان ، ولا أعيان دون أعيان ، ولا انتقال بعقد ، ولا تحديد بحدّ ، بعد فرض حصول الاضطرار ... بل لا يبعد حرمة قصد الاضطرار بحصول الغلاء ولو مع عدم حاجة الناس ووفور الأشياء ، بل قد يقال بالتحريم بمجرد قصد الغلاء وحبه وإن لم يقصد الإضرار ، ويمكن تنزيل القول بالتحريم على بعض ذلك. (١)

وقال أيضا : لو اعتاد الناس طعاما في أيّام القحط مبتدعا جرى فيه الحكم لو بني فيه على العلة وفي الأخبار ما ينادي بأنّ المدار على الاحتياج وهو مؤيد للتنزيل على المثال ، وإن كان فيه ما لا يخفى. (٢)

وإلى ذلك ذهب فقيه عصره السيد أبو الحسن الاصفهاني ، قال : الاحتكار وهو حبس الطعام وجمعه يتربص به الغلاء حرام مع ضرورة المسلمين وحاجتهم وعدم وجود من يبذلهم قدر كفايتهم ... وإنّما يتحقّق الاحتكار بحبس الحنطة والشعير والتمر والزبيب والدهن ، وكذا الزيت والملح على الأحوط لو لم يكن الأقوى ، بل لا يبعد تحققه في كلّ ما يحتاج إليه عامة أهالي البلد من الأطعمة كالارز والذرة بالنسبة إلى بعض البلاد. (٣)

__________________

(١) جواهر الكلام : ٢٢ / ٤٨١.

(٢) جواهر الكلام : ٢٢ / ٤٨٣.

(٣) وسيلة النجاة : ٢ / ٨.

١١٨

وقال المحقّق الحائري : إذا فرض الاحتياج إلى غير الطعام من الأمور الضرورية للمسلمين كالدواء والوقود في الشتاء بحيث استلزم من احتكارها الحرج والضرر على المسلمين فمقتضى أدلة الحرج والضرر حرمته وإن لم يصدق عليه لغة الاحتكار.

ويمكن التمسّك بالتذييل الذي هو في مقام التعليل بحسب الظاهر المتقدم في معتبر الحلبي ، بناء على أنّه إذا كان الظاهر أنّ التعليل بأمر ارتكازي فيحكم بإلغاء قيد الطعام ، لأنّه ليس بحسب الارتكاز إلّا من جهة توقّف حفظ النفس عليه ، فإذا وجد الملاك المذكور في الدواء مثلا فلا ريب انّه بحكمه عرفا ، وهذا يوجب إلغاء الخصوصية المأخوذة في التعليل. (١)

أقول : إنّ صاحب الجواهر والمحقّق الحائري حكما بتحريم الاحتكار لأجل الاضطرار ، فصارت الحرمة حكما ثانويا.

ولكن الحقّ انّ الحرمة حكم أوّلي لما عرفت من أنّ الملاك هو كون الناس في السعة والضيق فيجوز في الأوّل ، ويحرم في الثاني ، ولا أظن انّ الضيق الناجم عن احتكار الدواء للمرضى والجرحى أقل وطأة من حكر الملح والسمن والزيت. (٢)

__________________

(١) ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة : ١ / ١٩٧.

(٢) راجع في حكم الاحتكار ، مفتاح الكرامة : ٤ / ١٠٧ ؛ مصباح الفقاهة : ٥ / ٤٩٨.

١١٩

الرابع : تأثيرهما في تغير أساليب تنفيذ الحكم

١. تضافرت النصوص على حلّية الأنفال للناس ، ومن الأنفال : الآجام والأراضي الموات ، وقد كان انتفاع الناس بها في الأزمنة الماضية لا يورث مشكلة في المجتمع ، وذلك لبساطة الأدوات المستخدمة وقتذاك ، ومحدودية الاستفادة منها ، ولذا لم يكن هناك أيّ ملزم للحد من انتفاع الناس من الأنفال ، وأمّا اليوم فقد تطورت أساليب الانتفاع بها وازداد جشع الإنسان حيالها ، فدعت الضرورة إلى وقف الاستغلال الجشع لهذه الأنفال من خلال وضع قوانين كفيلة بتحديد هذا الانتفاع.

٢. اتّفق الفقهاء على أنّ الغنائم الحربية تقسم بين المقاتلين على نسق خاص بعد إخراج خمسها لأصحابها ، لكن الغنائم الحربية في عصر صدور الروايات كانت تدور حول السيف والرمح والسهم والفرس وغير ذلك ، ومن المعلوم انّ تقسيمها بين المقاتلين كان أمرا ميسرا آنذاك ، وأمّا اليوم وفي ظل التقدم العلمي الهائل فقد أصبحت الغنائم الحربية تشمل الدبابات والمدرّعات والحافلات والطائرات المقاتلة والبوارج البحريّة ، ومن الواضح عدم إمكان تقسيمها بين المقاتلين بل هو أمر متعسّر ، فعلى الفقيه أن يتخذ أسلوبا في كيفية تطبيق الحكم على صعيد العمل ليجمع فيه بين العمل بأصل الحكم والابتعاد عن المضاعفات الناجمة عنه.

٣. انّ الناظر في فتاوى الفقهاء السابقين فيما يرجع إلى الحج من

١٢٠