نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

والجواب : ليس في الآيات دليل على أنّ الاستحسان حجّة.

سلّمنا ، لكن المراد به ما هو دليل ، والدليل منحصر في النصّ والإجماع وغيرهما من الأدلّة المشهورة لا المتنازع.

وقوله : «ما رآه المسلمون حسنا» يريد ما أجمعوا عليه ، والإجماع لا بدّ له من دليل.

ودخول الحمام شائع لجريانه في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا من حيث الاستحسان.

٤٠١

الفصل الرابع :

في المصالح المرسلة

قد عرفت فيما تقدّم حقيقة المصلحة وأقسامها في ذاتها ، وانقسامها باعتبار شهادة الشارع لها بالاعتبار وعدمه إلى أقسام ثلاثة (١) :

الأوّل : المعتبر وهو ما شهد الشرع باعتباره ، وهو المناسب الّذي تقدّم بيانه.

الثاني : ما شهد الشرع ببطلانه وإلغائه كقول العالم للملك لمّا جامع في نهار رمضان : عليك صوم شهرين متتابعين ، فلمّا أنكر عليه حيث لم يأمره بالإعتاق قال : لو أمرته بذلك يسهل عليه.

وهو باطل ، لأنّه حكم على خلاف حكم الله تعالى لمصلحة تخيّلها الإنسان بحسب رأيه. ثم إذا عرف ذلك من العلماء ارتفعت ثقة الملوك بفتاويهم ، وارتفع غرضهم من الانقياد إلى قولهم وامتثال الشرائع الحقّة.

الثالث : ما لم يشهد له نصّ بالاعتبار ، ولا الإلغاء وهو المناسب المرسل ، وقد سبق أنّ المناسبة إمّا أن تكون في محلّ الضرورة أو الحاجة

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٥٧٨.

٤٠٢

أو التتمّة ، فقال الغزالي : الواقع في محل الحاجة والتتمّة لا يجوز الحكم فيها بمجرّد المصلحة ، لأنّه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي. وأمّا الواقع في رتبة الضرورة فلا يبعد أداء اجتهاد مجتهد إليه. كالكفّار إذا تترّسوا بجماعة من المسلمين ، فلو كففنا عنهم استولوا على دار الإسلام وقتلوا المسلمين كافّة. والترس أيضا. ولو رمينا الترس قتلنا مسلما لم يذنب ، ولا عهد مثله في الشرع.

فيجوز أن يقول قائل : هذا الأسير مقتول بكلّ حال ، فحفظ كلّ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ المسلم الواحد واعتبرنا هذه المصلحة لاشتمالها على كونها ضرورية قطعية كلية. (١)

إذا عرفت هذا فنقول : اختلف الناس في الاستدلال بالمصالح المرسلة ، فالإمامية والشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع ذلك ، ونقل عن مالك القول به وأنكر أصحابه ذلك عنه ، ولعلّ النقل مختصّ بما ذكره الغزالي. (٢)

لنا : إنّ المصالح منها ما ثبت اعتباره وعهد من الشارع الالتفات إليه ، ومنها ما ثبت إلغاؤه وعهد من الشرع إبطاله ، وهذا القسم متردّد بين الأمرين ، وليس إلحاقه بأحد القسمين أولى من الآخر ، فامتنع الاحتجاج به دون شاهد بالاعتبار يعرف أنّه من قبيل المعتبر دون الملغى.

__________________

(١) المحصول : ٢ / ٥٧٨ بتصرف ، نقلا عن المستصفى : ١ / ٢٩٣ ـ ٢٩٥.

(٢) المستصفى : ١ / ٢٩٧.

٤٠٣

لا يقال : ما ذكرتموه فرع تصوّر وجود المناسب المرسل ، وهو غير متصور. لأنّا أجمعنا على أنّ هناك مصالح معتبرة في نظر الشرع في بعض الأحكام ، وأي وصف قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر فكان من قبيل الملائم الّذي أثر جنسه في جنس الحكم ، وقد قلتم به.

لأنّا نقول (١) : كما أنّه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة ، فإن لزم من كونه من جنس المعتبر اعتباره لزم من كونه من جنس الملغى بالنظر إلى حكم واحد ، وهو محال.

فإذن لا بدّ من كونه معتبرا بالجنس القريب منه لنأمن إلغاءه ، فيما إذا لم يكن كذلك.

واحتجّ مالك (٢) بأنّ كلّ حكم يعرض فإمّا أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة ، أو مفسدة خالية عن المصلحة ، أو يكون خاليا عن المصلحة والمفسدة بالكلّية ، أو يكون مشتملا عليهما معا ، وهذا على ثلاثة أقسام :

أن يكونا متساويين ، أو تكون المصلحة راجحة ، أو المفسدة. فالأقسام ستة :

الأوّل : أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة ؛ وهذا يجب في الحكمة أن يكون مشروعا ، لأنّ المقصود من الشرائع رعاية المصالح.

الثاني : أن يستلزم مصلحة راجحة ؛ وهذا لا بدّ وأن يكون أيضا

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٤ / ١٦٨.

(٢) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٥٧٩ ـ ٥٨٠.

٤٠٤

مشروعا ، لأنّ ترك الخير الكثير ، لأجل الشرّ القليل شر كثير.

الثالث : أن يتساويا ؛ وهذا يكون عبثا فوجب أن لا يشرع.

الرابع : أن يخلو عن الأمرين ؛ وهو أيضا عبث ، فلا يكون مشروعا.

الخامس : أن يكون مفسدة خالصة ، ويمتنع أن يكون مشروعا قطعا.

السادس : أن يكون المفسدة راجحة وهو أيضا غير مشروع ، لأنّ المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة.

وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام الستة كالمعلومة بالضرورة أنّها من دين الأنبياء ، وهي المقصود من وضع الشرائع.

والكتاب والسنّة دالّان على أنّ الأمر كذلك ، تارة بالتصريح ، وتارة بموافقة الأحكام لما قلناه. غاية ما في الباب : أنّا نجد بعض الوقائع داخلا تحت قسم من هذه الأقسام ، ولا يوجد له في الشرع ما يشهد له بحسب جنسه القريب ، لكن لا بدّ وأن يشهد الشرع بحسب جنسه البعيد وهو كونه خالص مصلحة أو مفسدة ، أو غالب مصلحة أو مفسدة.

فظهر أنّه لا توجد مناسبة إلّا ولها في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار ، إمّا بحسب جنسها القريب أو البعيد.

فيجب القطع بكونه حجّة ، لأنّا إذا علمنا اعتبار المصلحة الغالبة على المفسدة شرعا ، ثم ظننا غلبة مصلحة هذا الحكم على مفسدته حصل ظن اعتبار هذه المصلحة شرعا. والعمل بالظن واجب لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا أقضي

٤٠٥

بالظاهر». (١) ولأنّ ترجيح الراجح من مقتضيات العقول ، ولقوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا)(٢) وهو يتناول المتنازع ، لأنّ الاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعا مجاوزة. ولأنّ الصحابة لم يعتبروا الشرائط الّتي اعتبرها المتأخّرون في الأصل والفرع والعلّة ، بل كانوا يعتبرون المصالح لعلمهم بأنّ القصد من الشرائع رعاية مطلق المصلحة.

__________________

(١) ورد نحوه في سنن النسائي : ٨ / ٢٣٤.

(٢) الحشر : ٢.

٤٠٦

الفصل الخامس :

في شرع من قبلنا

وفيه مباحث :

الأوّل : في أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل كان متعبدا قبل النبوة بشرع من قبله أم لا؟

اختلف الناس في ذلك. فمنهم من نفى ذلك وقال : إنّه لم يكن قبل النبوة متعبّدا بشرع من تقدّمه من الأنبياء. وهو اختيار أبي الحسين البصري (١) وجماعة.

ومنهم من جزم بأنّه كان متعبّدا بشرع من تقدّمه. وهؤلاء اختلفوا فقال بعضهم : إنّه كان متعبّدا بشرع نوح ، وقال آخرون : بشرع إبراهيم ، وقال بعضهم : بشرع موسى ، وقال آخرون : بشرع عيسى ، وقال آخرون : بما ثبت أنّه شرع.

وأمّا الباقون من الأصوليّين كالسيد المرتضى (٢) والقاضي عبد الجبار والغزالي (٣) وغيرهم فإنّهم توقّفوا في ذلك وجوّزوا كلا الأمرين. وهو

__________________

(١) المعتمد في أصول الفقه : ٢ / ٣٣٧.

(٢) الذريعة إلى أصول الشريعة : ٢ / ٥٩٥.

(٣) المستصفى : ١ / ٣٩١.

٤٠٧

الأقوى ، لأنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه الله تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي ، ولا يمتنع أن يعلم الله تعالى أنّه لا مصلحة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل نبوته في العبادة بشيء من الشرائع ، كما أنّه غير ممتنع أن يعلم أنّ له في ذلك مصلحة وإذا جاز كلّ منهما ولا دلالة توجب القطع على أحدهما وجب الوقف. (١)

احتجّ المنكرون بوجهين (٢) :

الأوّل : لو كان متعبّدا بشرع أحد لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة والاستفتاء منهم ، والأخذ بقولهم ، ولو كان كذلك لاشتهر ولنقل بالتواتر قياسا على سائر احواله ؛ وحيث لم ينقل ، علمنا أنّه لم يكن متعبّدا بشرعهم.

الثاني : لو كان على ملّة قوم ، لافتخر به أولئك ولنسبوه إلى أنفسهم ، ولو كان كذلك لاشتهر.

لا يقال : لو لم يكن متعبّدا بشرع أحد لاشتهر.

لأنّا نقول : الفرق أنّ قومه ما كانوا على شرع أحد ، فبقاؤه لا على شرع البتّة لا يكون مخالفا للعادة ، فلا تتوفّر الدواعي على نقله. أمّا كونه على شرع أحد لمّا كان بخلاف عادة قومه ، وجب أن ينقل.

والاعتراض : لا نسلم وجوب الرجوع ، لأنّ المتواتر معلوم وغيره لا

__________________

(١) راجع الإحكام : ٤ / ١٤٥.

(٢) ذكرهما الرازي في المحصول : ١ / ٥١٨.

٤٠٨

يفيد ونمنع وجوب الاشتهار ، فإنّ كثيرا من الأحكام الّتي كلّفنا بمعرفتها وجدت في زمانه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتعبّدنا بها لم تشتهر ، كفصول الأذان ، فكيف حال الأخفى؟

واحتج الآخرون بوجهين (١) :

الأوّل : دعوة من تقدّمه عامّة فيكون داخلا فيها لعدم النسخ قبل نبوته.

الثاني : انّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل البعثة كان يصلّي ويحج ويعتمر ، ويطوف بالبيت ويعظّمه ، ويذكّي اللحم ويأكله ، ويركب البهيمة ويتجنب الميتة ، والعقل غير دالّ على ذلك.

والاعتراض : لا نسلّم عموم دعوة من تقدّمه ، فإنّه لم ينقل في ذلك لفظ يدل على التعميم.

سلّمنا ، لكن تلك الدعوة لم تنقل إليه بالتواتر ولا بالاشتهار الموجب للظن الغالب ، بل تكون الشرائع قد اندرست وتعذّر التكليف بها لعدم نقلها وتفصيلها ، ولذلك بعث صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك الزمان ، وهو المراد من زمان الفترة.

وركوب البهائم حسن في العقل ، لأنّه طريق إلى حفظها ونفعها بالعلف وغيره.

وأكل اللحم المذكّى حسن ، إذ لا مضرة فيه على حيوان وفيه نفع للآكل.

__________________

(١) ذكرهما الرازي في المحصول : ١ / ٥١٩.

٤٠٩

والصلاة والحج والعمرة والطواف لا يدلّ على أنّه كان متعبّدا به شرعا ، لاحتمال أن يكون ذلك بطريق التبرّك بفعل مثل ما نقل إجمالا عن الأنبياء ، واندرس تفصيله. ولو فعله من غير شرع لم يكن حراما ، على أنّ بعض علماء الإمامية ذهب إلى أنّه كان متعبّدا بما يلهمه الله تعالى إيّاه ، فجاز أن يكون من هذا القبيل.

إذا ثبت هذا ، فإنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل البعثة لم يكن على ما كان قومه عليه ، بل كان متجنّبا لأصنامهم ، معرضا عن أزلامهم ، ولا يأكل من ذبائحهم على النصب. هذا هو مذهب الإمامية ، لما تقدّم من وجوب العصمة قبل النبوة وبعدها.

البحث الثاني : في جواز تعبّد نبي بمثل شريعة نبي تقدّمه

اعلم أنّ البحث في ذلك متعلّق بعلم الكلام ، لكنّا ذكرناه هنا مختصرا لتوقّف البحث الآتي عليه ، وهو أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد البعث هل كان متعبّدا بشرع من تقدّمه أم لا؟ لابتنائه عليه ، إذ لو لم يجز تعبّد نبي بشرع من تقدّمه ، سقط هذا البحث.

وقد قيل : إنّ ذلك يجوز بأحد الشرطين : إمّا بأن تندرس الأولى فيجدّدها الثاني ، أو بأن يزيد فيها ما لم يكن منها. ويمنعون من جواز ذلك على غير أحد هذين الشرطين ، وإلّا كان عبثا ، فلا يجب النظر في معجزته مع أنّ النظر في المعجزات واجب.

٤١٠

وهذا ليس بشيء ، لأنّ بعثة النبي الثاني لا تكون عبثا إذا علم الله تعالى أنّه يؤمن عندها ، وينتفع من لم ينتفع بالأولى.

ولو لم يكن الأمر أيضا كذلك ، كانت البعثة الثانية على سبيل ترادف الأدلّة على أمر واحد ، ولا يمكن نسبة نصب الأدلّة على شيء واحد إلى العبث.

ولا نسلّم وجوب النظر في معجزة كلّ نبي ، لأنّ ذلك يختلف ، فإن خاف المكلّف من الضرر لو لم ينظر وجب ، وإلّا فلا.

البحث الثالث : في حاله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد النبوة

اختلف الناس في ذلك فذهب جماهير المعتزلة والأشاعرة ، وكثير من الفقهاء إلى أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن متعبّدا بشرع أحد. وهو مذهب السيّد المرتضى (١) وأكثر الإمامية. (٢)

ونقل عن أصحاب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل في رواية وبعض الشافعية أنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان متعبّدا بشرع من تقدّمه بطريق الوحي إليه ، لا من

__________________

(١) الذريعة إلى أصول الشريعة : ٢ / ٥٩٨.

(٢) قال الشيخ الطوسي في «عدّة الأصول» : ٢ / ٥٩٠ ـ ٥٩١ ؛ عندنا أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن متعبّدا بشريعة من تقدّمه من الأنبياء ، لا قبل النبوّة ولا بعدها ، وأنّ جميع ما تعبّد به كان شرعا له. ويقول أصحابنا : إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل البعثة كان يوحى إليه بأشياء تخصّه ، وكان يعمل بالوحي لا اتباعا لشريعة قبله ... ثم قال : والّذي يدلّ على ما ذهبنا إليه إجماع الفرقة المحقّة ، لأنّه لا اختلاف بينهم في ذلك ، وإجماعها حجّة. وللمزيد من الاطلاع راجع : قوانين الأصول للميرزا القمي : ٤٩٤.

٤١١

جهة كتبهم المبدّلة ونقل أربابها. ثمّ اختلفوا فقال قوم : إنّه كان متعبدا بشرع إبراهيم ، وقيل : بشرع موسى وقيل شرع عيسى عليهم‌السلام. (١)

والأصل في ذلك أنّ القائل بأنّه كان متعبّدا بشرع من قبله ، إن أراد أنّه تعالى كان يوحي إليه بمثل الأحكام الّتي أمر بها من قبله في كلّ الشرع ؛ فهو معلوم البطلان بالضرورة ، لأنّ شرعنا خالف شرع من تقدّمنا في كثير من الأحكام أو في بعضه ، وهو مسلم إجماعا ، لكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنّه متعبّد بشرع غيره ، لأنّ فيه إيهام التبعية لغيره ، وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن متّبعا لغيره ، بل كان أصلا في شرعه.

وإن أراد أنّه تعالى أمره بأخذ الأحكام من كتبهم والرجوع إلى أحكام من تقدّمه ممّا لم ينسخ فهو المتنازع. والحق خلافه لوجوه : (٢)

الأوّل : لو كان متعبّدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث النازلة إلى شرع المتبوع ، ولم يتوقّف فيما لم يسبق إليه الوحي فيه على نزوله عليه ، لكنّه لم يرجع في ذلك إلّا إلى ما يوحى إليه ، وإلّا لاشتهر ؛ ولأنّ عمر طالع ورقة من التوراة فغضب صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : «ألم آت بها بيضاء نقية ، لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلّا اتّباعي» (٣) وهذا يدلّ على أنّه لم يكن متعبّدا بشرع أحد.

__________________

(١) راجع الإحكام : ٤ / ١٤٧ ؛ المحصول : ١ / ٥١٩.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ١ / ٥٢٠ ـ ٥٢٣.

(٣) تفسير الرازي : ٨ / ١٢٣ ؛ المغني : ٦ / ١٩٢. وورد هذا الحديث بتفاوت في المصادر التالية : دعوات الراوندي : ١٧٠ ح ٤٧٥ ؛ عوالي اللآلي : ٤ / ١٢١ ح ١٩٩ ؛ تفسير القرطبي : ١٣ / ٣٥٥ ؛ تفسير البيضاوي : ١ / ٣١١.

٤١٢

لا يقال : نمنع الملازمة ، لاحتمال أن يكون صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير متعبّد في تلك الصورة بشرع من قبله فتوقّف فيها إلى نزول الوحي عليه ، أو أنّه علم خلو شرعهم عن حكم تلك الواقعة فانتظر الوحي ؛ أو لأنّ أحكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر لم يحتج في معرفتها إلى الرجوع إليهم وإلى كتبهم ، وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها ، لأنّ أولئك الرواة كفّار فلا تقبل روايتهم.

سلّمنا الملازمة ، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لمّا احتكم إليه اليهود.

لأنّا نقول : لمّا لم يرجع في شيء من الوقائع إليهم ، علم أنّه غير متعبّد في شيء منها بشرع من قبله.

والعلم بخلو كتبهم عن تلك الوقائع لا يحصل إلّا بالطلب الشديد والبحث الكثير ، فكان يجب أن يقع منه ذلك الطلب والبحث.

وكون الدليل متواترا لا يمنع من النظر فيه لجواز تواتر مثله (١) ، وافتقاره في الدلالة على ما يدلّ عليه إلى بحث وتأمل ونظر دقيق ؛ فلمّا لم يشتغل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنظر في كتبهم والبحث عن كيفية الدلالة على الأحكام ، علم أنّه غير متعبّد بها.

والرجوع إلى التوراة في الرجم لم يكن لإثبات الشرع بها ، لأنّها

__________________

(١) في «أ» : عينه ، وفي «ج» : متنه.

٤١٣

محرّفة عنده فكيف يرجع إليها ويعتمد على ما تشتمل عليه؟ ولأنّه لم يرجع إليها في غير الرجم ، ولأنّ من أخبره بوجوب الرجم في التوراة لم يكن ممّن يقع العلم بخبره. فثبت أنّ رجوعه إليها إنّما كان ليقرر عليهم أنّ ذلك الحكم ثابت في شرعهم كما هو ثابت عنده صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنّهم أنكروه كذبا وعنادا.

الثاني : لو كان متعبّدا بشرع من قبله لوجب على علماء الأمصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله ، ضرورة أنّ التأسي به واجب ، وحيث لم يفعلوا ذلك علمنا بطلانه.

الثالث : لمّا بعث معاذا وقال : «بم تحكم؟ قال : بكتاب الله تعالى ، قال : فإن لم تجد؟ قال : بسنّة رسول الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال : اجتهد رأيي» ولم يذكر شيئا من كتب الأنبياء السابقين ، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقرّه على ذلك ودعا له وقال : «الحمد لله الّذي وفق رسول الله لما يحبّه الله ورسوله». (١) ولو كانت من مدارك الأحكام الشرعية لجرت مجرى الكتاب والسنّة في وجوب الرجوع إليها ، ولم يجز العدول عنها إلى اجتهاد الرأي إلّا بعد البحث عنها واليأس من معرفتها.

لا يقال : إنّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوبه على حكمه بالاجتهاد (إذا علم من الكتاب) (٢) ، والتوراة ، كتاب ولأنّه لم يذكر التوراة ، لأنّ في القرآن آيات تدل

__________________

(١) مسند أحمد : ٥ / ٢٣٠ و ٢٤٢ ؛ سنن أبي داود : ٢ / ١٦٢ برقم ٣٥٩٢ ؛ سنن الترمذي : ٢ / ٣٩٤ برقم ١٣٤٢ ؛ سنن الدارمي : ١ / ٦٠.

(٢) في المحصول : ١ / ٥٢٢ : إلّا إذا عدمه في الكتاب.

٤١٤

على الرجوع إليها ، كما أنّه لم يذكر الإجماع لاشتمال القرآن على الرجوع إليه.

لأنّا نقول : إطلاق الكتاب انما يفهم منه القرآن خاصة ، ولا يحمل على غيره إلّا بدليل. ولأنّ معاذا لم يعرف منه تعلّم التوراة والإنجيل والعناية بتمييز المحرّف منها عن غيره ، كما عهد منه تعلّم القرآن. واشتمال القرآن على آيات تدلّ على الرجوع إليها سيأتي.

سلّمنا ، لكن ذلك لا يكفي في الإسقاط وترك الذكر كالسنّة والقياس.

الرابع : لو كانت كتب الأنبياء حجّة علينا لوجب حفظها على الكفاية كما في القرآن والأخبار ، والرجوع إليها عند اختلافهم في الوقائع الّتي اختلفوا فيها ، كمسألة العول وميراث الجد ، والمفوّضة ، وبيع أم الولد ، وحد الشرب ، والربا في غير النسيئة ، ودية الجنين ، والردّ بالعيب بعد الوطي ، والتقاء الختانين ، وغير ذلك.

ولما لم ينقل عن أحد منهم مع كثرة الوقائع المختلف فيها وطول أعمارهم ، مراجعة التوراة وغيرها من كتب الأنبياء ، خصوصا وقد أسلم من أحبارهم من تقوم الحجّة بقولهم ، كعبد الله بن سلام وكعب ووهب وغيرهم ، ولا يجوز القياس إلّا بعد اليأس من الكتاب ، وكيف يحصل اليأس قبل العلم؟

الخامس : لو كان متعبّدا بشرع من تقدّمه في الكلّ أو في البعض ، لما نسب شيء من شرعنا إليه على التقدير الأوّل ، ولا كلّ الشرع إليه على

٤١٥

التقدير الثاني ، كما لا ينسب شرعه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى من هو متعبّد بشرعه من أمته ، وهو خلاف الاجماع.

لا يقال : ما ينسب إليه ممّا كان متعبّدا به من الشرائع أنّه من شرعه بطريق التجوّز لكونه معلوما لنا بواسطة وإن لم يكن هو الشارع له.

لأنّا نقول : إنّه ترك الظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل فلا يسمع.

السادس : إجماع المسلمين على أنّ شريعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناسخة لشريعة من تقدّم ، فلو كان متعبّدا بها لكان مقررا لها ومخبرا عنها ، لا ناسخا لها ولا مشرعا ، وهو محال.

لا يقال : نحن نقول بذلك وإن كان من شرعه مخالفا لشرع من تقدّم فهو ناسخ له ، وما لم يكن من شرعه بل كان متعبّدا فيه بشرع من تقدّمه فلا ، ولهذا لا يوصف شرعه بأنّه ناسخ لبعض ما كان مشروعا قبله لوجوب الإيمان وتحريم الكفر والزنا والقتل والسرقة وغيرها ممّا اتّفق فيه الكلّ.

لأنّا نقول (١) : إطلاق الأمّة بأنّ شرع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناسخ للشرائع السالفة يفهم منه أمران : رفع أحكامها ، وأنّها غير متعبّد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام بشرعه لا يكون ناسخا له. فيبقى المفهوم الآخر ، وهو عدم تعبّده به ، فلا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى المدلول الآخر.

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٤ / ١٥١.

٤١٦

احتجّ المثبتون بوجوه (١) :

الأوّل : قوله تعالى : (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ)(٢) أمره باقتدائه بالهدى المضاف إليهم ، وشرعهم من هديهم ، فوجب عليه اتّباعه.

الثاني : قوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ)(٣) ، وقوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً)(٤) فدلّ على وجوب اتّباعه لشريعة نوح.

الثالث : قوله تعالى : (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً)(٥) أمره باتّباع ملّة إبراهيم عليه‌السلام ، والأمر للوجوب.

الرابع : قوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ)(٦) والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جملة النبيّين فيجب عليه الحكم بها.

الخامس : روي أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راجع التوراة في رجم اليهودي. (٧)

وروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه طلب منه القصاص في سن كسرت فقال : كتاب الله يقضي بالقصاص ، وليس في الكتب ما يقضي بالقصاص في السنّ

__________________

(١) ذكرها مع الأجوبة عنها : الرازي في المحصول : ١ / ٥٢٣ ـ ٥٢٤ ؛ والآمدي في الإحكام : ٤ / ١٤٩ ـ ١٥٣.

(٢) الأنعام : ٩٠.

(٣) النساء : ١٦٣.

(٤) الشورى : ١٣.

(٥) النحل : ١٢٣.

(٦) المائدة : ٤٤.

(٧) راجع سنن ابن ماجة : ٢ / ٨٥٤ ، باب رجم اليهودي واليهودية.

٤١٧

سوى التوراة ، وهو قوله تعالى : (وَالسِّنَّ بِالسِّنِ)(١). (٢)

وروي عنه أنّه قال : من نام عن صلاة أو نسيها ، فليصلّها إذا ذكرها ، وتلا قوله تعالى : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)(٣) وهو خطاب مع موسى عليه‌السلام. (٤)

والجواب عن الأوّل. أنّه تعالى أمره بأن يقتدي بهدى مضاف إلى الجميع ، والهدى الّذي اتّفقوا عليه هو الأصول دون الأحكام الفرعية الّتي وقع النسخ فيها.

سلّمنا ، لكن الاتّباع إنّما كان يوحى إليه وأمر مجدد ، لا أنّه بطريق عموم خطابهم لهعليه‌السلام.

وعن الثاني. أنّه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه (الموحى به بالموحى به) (٥).

وقوله : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً) المراد بالدين أصل التوحيد لا ما نسخ من شرعه ، ولهذا لم ينقل عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم البحث عن شريعة نوح عليه‌السلام ، وذلك مع التعبّد بها في حقّه ممتنع ، وحيث خصص نوحا بالذكر

__________________

(١) المائدة : ٤٥.

(٢) الإحكام : ٤ / ١٥٠. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

(٣) طه : ١٤.

(٤) سنن الدارمي : ١ / ٢٨٠ ؛ سنن النسائي : ١ / ٢٩٣ ؛ مجمع الزوائد : ١ / ٣٢٢ ؛ المعجم الأوسط : ٦ / ١٨٢ ؛ المعجم الكبير : ٢٢ / ١٠٧ ؛ كنز العمال : ٧ / ٥٤٠ برقم ٢٠١٦٠ ؛ أحكام القرآن : ١ / ٣٧٨ و ٦٥٢ ؛ تفسير القرطبي : ١١ / ١٧٧ ؛ الإحكام : ٤ / ١٥٠.

(٥) في «ب» : الموحى بالموحى به.

٤١٨

مع اشتراك جميع الأنبياء في الوصية بالتوحيد كان تشريفا له وتكريما ، كما خصص روح عيسى بالإضافة إليه ، والمؤمنين بلفظ العباد.

وعن الثالث. الملّة محمول على الأصول دون الفروع ، لأنّه يقال : ملّة الشافعي وأبي حنيفة واحدة وإن اختلفا في الفروع ، ولقوله بعد هذه الآية : (وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(١) ، ولأنّ شريعة إبراهيم عليه‌السلام قد اندرست ، ولقوله تعالى : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)(٢) ولو كان المراد من الدين الأحكام الفرعية لكان من خالفه فيها من الأنبياء سفيها ، وهو محال.

وعن الرابع. ان قوله : (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، فإنّ جميع النبيّين لم يحكموا بجميع ما في التوراة بالضرورة ، فوجب التخصيص إمّا في الأنبياء بأن يكون بعض النبيّين حكم بجميع ما فيها وهو غير نافع لهم ؛ أو فيما اشتملت عليه بأن يكون جميع الأنبياء حكموا ببعض ما فيها ، ونحن نقول بموجبه ، فإنّ نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حكم بما اشتملت عليه من معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وكيفية الخلق ، وغير ذلك من القصص غير الأحكام الفرعية ، على أنّ قوله (يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ) صيغة إخبار لا أمر ، وذلك لا يدلّ على وجوب اتّباعها.

وعن الخامس. رجوعه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الرجم إلى التوراة ليعرفهم مساواة الشرعين على ما تقدّم.

__________________

(١) النحل : ١٢٣.

(٢) البقرة : ١٣٠.

٤١٩

ونمنع خلو كتابنا من وجوب القصاص في السنّ ، ويدلّ عليه قوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ)(١).

ولم يذكر الخطاب مع موسى عليه‌السلام ، لكونه موجبا لقضاء الصلاة عند النوم والنسيان ، بل أوجب ذلك بوحي جديد ، ونبّه على أنّ أمّته مأمورة بذلك كما أنّ موسى عليه‌السلام مأمور.

__________________

(١) البقرة : ١٩٤.

٤٢٠