نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

جوزنا وجوب العلم بالقبح عند العلم بها ، ومع التجويز لا تتم المقدّمة.

سلّمنا عدم لزوم علم القبح من العلم بسائر الصفات فلم قلت : إنّه يدلّ على أنّ سائر الصفات ليست مؤثرة في القبح؟

وهاتان المقدّمتان أحدهما من الفلاسفة : فإنّ العلم بالعلّة علّة علم المعلول ، وكلّ ما هو علّة للقبيح يلزم من العلم به العلم بالقبح.

وزعموا : أنّ اليقين بوجود المعلول إنّما يحصل من العلم بعلّته ، فلمّا لزم علم القبح عند علم كونه أمرا بالتكليف [بالمحال] ، علمنا أنّ علّة القبح ذلك. وهاتان المقدّمتان قد بيّنا ضعفهما في كتاب «النهاية».

المطلب الثاني : في القياس هل يجري في اللغة أم لا؟

قد سبق البحث في ذلك في أوّل الكتاب ، ولمّا تعلّقت هذه المسألة بالقياس وأهملنا بعض الحجج من الجانبين أثبتناها هنا أيضا.

قال ابن جني في «الخصائص» : إنّه قول أكثر علماء العربية ، كالمازني وأبي علي الفارسي.

وهو قول ابن سريج ، وأنكره أكثر الشافعية وجمهور الحنفية. (١)

احتجّ الأوّلون بوجوه (٢) :

الأوّل : عصير العنب لا يسمّى خمرا قبل الشدة ، فإذا حصلت سمّي

__________________

(١) نقله عنهم الرازي في المحصول : ٢ / ٤١٨.

(٢) وهي مذهب الرازي في المحصول : ٢ / ٤١٨ ـ ٤١٩.

٣٠١

به ، فإذا تكرر ذلك حصل ظن انّ علّة ذلك الاسم هو الشدة ؛ فإذا رأيناها حاصلة في النبيذ ، حصل ظن ثبوت الاسم لظن وجود علّته ؛ وإذا حصل ظن أنّه مسمّى بالخمر وعلمنا أو ظننّا تحريم الخمر ، حصل ظن أنّ النبيذ حرام والظن حجّة ، فوجب الحكم بحرمة النبيذ.

اعترض : بأنّ الدّوران يفيد ظن العلّيّة فيما يحتملها ، وهنا لم يوجد الاحتمال لعدم المناسبة بين شيء من الألفاظ وشيء من المعاني ، فاستحال أن يكون المعنى داعيا للواضع إلى التسمية.

سلّمنا ظنّ العلّيّة ، لكن إنّما يلزم من وجودها في الفرع حصول الحكم فيه لو جعلها الشرع علة ، فإنّه لو قال : «أعتقت غانما لسواده» لم يعتق سودان عبيده ، لأنّ ما يجعله الإنسان علّة لحكم لا يجب أن يتفرّع عليه الحكم في صورة وجوده ، فكذا هنا لا يلزم من كون الشدة علّة (للاسم حصوله في صورة وجود الشدّة) (١) ، إلّا إذا عرف أنّ الواضع هو الله تعالى.

وأجيب عن : أ. أنّه لا يمكن جعل المعنى علّة للاسم إذا فسّرت العلّة بالداعي أو المؤثر ، ويمكن لو فسّرت بالمعرف كما جعل [الله] الدلوك علّة لوجوب الصلاة ، لا بمعنى أنّه مؤثر أو داع بل أنّه معرف.

وفيه نظر ، لأنّ المعرّف إنّما يجب وجود المعرف معه لو استند التعريف إلى الله تعالى ، أمّا إلى غيره فلا.

وعن ب. أنّ اللّغات توقيفية ، وهو ممنوع لما تقدّم.

__________________

(١) العبارة في المحصول : ٢ / ٤١٩ كما يلي : لذلك الاسم حصول ذلك الاسم أينما حصلت الشدة.

٣٠٢

الثاني : وهو اعتماد المازني والفارسي أنّ أهل اللغة أجمعوا على رفع كلّ فاعل ونصب كلّ مفعول ، وكذا وجوه الإعرابات ، ولم يثبت إلّا قياسا ، لأنّهم لما وصفوا بعض الفاعلين به واستمروا فيه ، علم أنّه ارتفع لكونه فاعلا ، وانتصب لكونه مفعولا.

ولا يعارضه وجود فاعل غير مرتفع ولا مفعول غير منتصب ، لجواز تخلّف المعلول لمانع ، وهو غير قادح في العلّيّة عند من جوّز تخصيصها ، ومن يمنعه يجعل القيد العدمي جزءا منها.

وفيه نظر ، لأنّ التعميم ليس بالقياس ، بل بالوضع كأسماء الأجناس.

الثالث : إجماع أهل العربية على رفع ما لم يسمّ فاعله لشبهه بالفاعل في إسناد الفعل إليه. ولم تزل النحاة من البصريين والكوفيّين يعلّلون أحكام الإعراب بأنّ هذا يشبه ذاك في كذا ، فيشبهه في الإعراب ، وإجماعهم في اللغة حجّة.

وفيه نظر ، فإنّ النحويّين لم يدّعوا التعليل في الموضع ، بل ذكروا وجه الحكم. (١)

احتجّ الآخرون بوجوه (٢) :

الأوّل : قوله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)(٣) دالّ على أنّ الأسماء بأسرها توقيفية ، فلا يثبت شيء منها بالقياس.

__________________

(١) في «أ» : الحكمة.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٠.

(٣) البقرة : ٣١.

٣٠٣

الثاني : لو صرّح أهل اللغة وقالوا : «قيسوا» لم يجز القياس ، كقوله : «أعتقت غانما لسواده» ثمّ يقول : «قيسوا» فإنّه لا يجوز ، فإذا لم يجز عند التصريح بالأمر بالقياس ، فمنع الجواز مع أنّه لم ينقل عن أهل اللغة نص في ذلك أولى.

الثالث : القياس إنّما يجوز عند تعليل حكم الأصل المتوقّف على المناسبة ، وهي منفية بين اللفظ والمعنى ، وإذا امتنع التعليل امتنع القياس.

الرابع : وضع اللغة ينافي جواز القياس فإنّهم لم يطردوا الأسماء مع الاتّفاق فيما يظن علّة ، فقد سمّوا الفرس الأسود أدهم ولم يسمّوا الحمار الأسود به ، وسمّوا الفرس الأبيض أشهب دون الحمار الأبيض ، و [سمّوا] صوت الفرس : «صهيلا» وصوت الحمار : «نهيقا» وصوت الكلب : «نباحا» ، والقارورة سمّيت به للاستقرار ، وهو (١) موجود في الحياض والأنهار مع انتفاء التسمية ، والخمر سمّي باسمه لمخامرتها العقل ، ثمّ المخامرة حاصلة في الأفيون وغيره مع انتفاء الاسم ، والقطع في الأنف يسمى جدعا دون غيره.

اعترض (٢) على الأوّل. أنّه تعالى لم يبيّن أنّه علّم الكلّ توقيفا فجاز أن يكون البعض توقيفا والبعض الآخر تنبيها بالقياس ، أو أنّ آدم علمها توقيفا وعلمناها نحن قياسا كالقبلة قد تدرك حسا واجتهادا.

__________________

(١) أي ذلك المعنى الحاصل من التسمية.

(٢) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢١.

٣٠٤

وفيه نظر ، لأنّ المفهوم من التعليم التوقيف ، ولهذا يقال : لم تعلّمني الجميع بل البعض واستنبطت منه الباقي ، وعلمنا نحن بالقياس إنّما يصحّ مع ثبوت المناسبة ، وهي غير معقولة هنا ، لأنّا لا نعلم الداعي إلى تخصيص الألفاظ ببعض المعاني ولم يضعوا علامة عليه ليقاس عليه مشاركة.

وعلى الثاني. بادّعاء تواتر النقل عن أهل اللغة بأنّهم جوّزوا القياس ، فإنّ كتب النحو والتصريف والاشتقاق مشحونة بالأقيسة ، وأجمع العلماء على وجوب الأخذ بها ، لعدم إمكان التفسير للقرآن والأخبار إلّا بتلك القوانين.

وعلى الثالث. بأنّ العلّة هي المعرّف لا الداعي ولا المناسب ، فلا يقدح عدم المناسبة فيه. وقد تقدّم ضعفه.

وعلى الرابع. أنّ هذه الصورة لا تقدح في العمل بالقياس كصور النظّام.

والتحقيق أنّ اسم الخمر مثلا إن جعلتموه موضوعا للنبيذ باعتبار أنّه صادق عند تحقّق الإسكار وكاذب عند عدمه ، فيكون الإسكار علّة في الوضع ، لم يجب التعدية لعدم وجوبها في المأخوذ من المعنى ، كالقارورة والدبران وغيرهما ، فهذا أولى.

وإن قلتم : «إنّه موضوع للخمر ، لأنّه وضع للإسكار» فهو باطل ، لانتفاء الاشتراك والمجاز حينئذ.

وإن قلتم : «إنّه علامة» لم يجب الاطراد كما قلناه.

٣٠٥

المطلب الثالث : في منع القياس في الأسباب

اختلف الناس في ذلك. فذهب أكثر الشافعية إلى جواز القياس في الأسباب ، ومنع منه أبو زيد (١) والحنفية ، وهو الحقّ. (٢)

مثاله : إثبات كون اللواط سببا للحد بالقياس على الزنا ؛ لأنّ قياس اللواط على الزنا في كونه موجبا للحد إن كان بقولنا : إنّ كون الزنا موجبا للحدّ ، لأجل وصف مشترك بينه وبين اللواط ، كان الموجب للحدّ هو ذلك المشترك ، فيخرج وصفا الزنا واللواط عن السببية ، لأنّ الحكم لما استند إلى القدر المشترك استحال استناده إلى خصوصية كلّ واحد منهما. فإذن : شرط القياس بقاء حكم الأصل ، والقياس في الأسباب ينافي بقاء حكم الأصل ، بخلاف القياس في الأحكام فإنّ ثبوت الحكم في الأصل لا ينافي التعليل بالمشترك. وإن كان لا بذلك بل قيل : إنّ كون الزنا موجبا للحد ليس لوصف مشترك بينه وبين اللواط ، استحال قياس اللواط عليه ، لانتفاء الجامع.

لا يقال : الجامع بين الوصفين لا يكون له تأثير في الحكم ، بل تأثيره

__________________

(١) هو أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي ، نسبته إلى دبوسية وهي مدينة بين بخاري وسمرقند ؛ له مصنّفات منها : «تأسيس النظر ـ ط» فيما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي ، «الأسرار» في الأصول والفروع ، «تقويم الأدلّة» في الأصول ، وغيرها. توفّي في بخارى سنة ٤٣٠ ه‍ عن عمر يناهز ٦٣ سنة. الأعلام : ٤ / ١٠٩.

(٢) وهو مختار الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢١ ، المسألة الثالثة ، والآمدي في الإحكام : ٤ / ٦٧ ، المسألة الخامسة.

٣٠٦

في علّيّة الوصفين ، والحكم إنّما يحصل من الوصف.

لأنّا نقول (١) : هذا باطل ، لأنّ علّيّة العلّة صالحة لعلّية الحكم ، فلا حاجة إلى الواسطة.

وأيضا الحكمة الّتي يكون الوصف سببا بها في الحكمة الّتي لأجلها يكون الحكم المرتّب على الوصف ثابتا ، وحينئذ فقياس أحد الوصفين على الآخر في حكم السببية لا بد وأن يكون لاشتراكهما في حكمة الحكم بالسببية.

وتلك الحكمة إمّا أن تكون منضبطة بنفسها غير مضطربة ، أو خفية غير منضبطة.

فإن كان الأوّل ، فإمّا أن يقال : بأنّ الحكمة إذا كانت منضبطة صحّ التعليل بها ، فتكون مستقلة بإثبات الحكم المرتّب على الوصف ، ولا حاجة إلى الوصف المحكوم عليه بكونه سببا للاستغناء عنه ؛ وإمّا أن لا يصحّ ، فيمتنع التعليل والجمع بين الأصل والفرع بها.

وإن كانت خفية مضطربة ؛ فإن كانت منضبطة بضابط لها ، فهو السبب ، وهو القدر المشترك بين الأصل والفرع ولا حاجة إلى النظر إلى خصوص كلّ من الوصفين المحكوم على أحدهما بالأصالة ، وعلى الآخر بالفرعية.

__________________

(١) ذكر الإشكال وأجاب عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٢.

٣٠٧

وإن لم تكن منضبطة بضابط ، فالجمع بها ممتنع لاحتمال التفاوت فيها بين الأصل والفرع ، لاختلاف الحكم باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال.

لا يقال : يجوز أن يكون الجامع هو الحكمة ، والتفاوت وإن احتمل إلّا أنّ احتمال التساوي أرجح ؛ لأنّ الحكمة يحتمل أن تكون في الفرع مساوية لما في الأصل ، وأن تكون راجحة ، وأن تكون مرجوحة. والمساواة ثابتة على الأوّلين وكونها مرجوحة ثابتة على الثالث ، ووقوع احتمال من اثنين أغلب من احتمال واحد بعينه ؛ ثمّ ينتقض بجعل القتل بالمثقل سببا لوجوب القصاص بالقياس على القتل بالمحدد ، وجعل اللواط سببا للحد بالقياس على الزنا ، والنية في الوضوء شرطا لصحّة الصلاة بالقياس على نية التيمّم.

لأنّا نقول : ما ذكروه من ظهور التساوي في الحكمة إن كان كافيا في الجمع ، فليجمع بين الأصل والفرع في الحكم المرتب على السبب ، ولا حاجة إلى الجمع بالسبب ؛ وإن لم يكن كافيا ، فهو المطلوب.

وما ذكروه من إلزامات ، فلا وجه لها.

أمّا قياس المثقل على المحدد ، فليس في السببية ، بل في إيجاب القصاص بجامع القتل العمد العدوان ، وهو السبب لا غير.

وأمّا قياس اللواط على الزنا ، فإنّما كان ذلك في وجوب الحد بجامع

٣٠٨

إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا ، محرما شرعا وذلك هو السبب مع قطع النظر عن خصوصيتي الزنا واللواط.

وأمّا قياس الوضوء على التيمم ، فإنّما هو في اعتبار النية بجامع الطهارة المقصودة للصلاة ، وذلك هو السبب لا أنّ القياس في الاشتراط.

المطلب الرابع : في القياس هل يجري في الحدود والكفّارات والرخص والتقديرات أم لا؟

اختلف الناس في ذلك. فجوّزه الشافعي ، ومنعه الإمامية والحنفية ، وكذا منع الكرخي من قطع النبّاش بالقياس ومن تعليل الكفّارات وإثبات كفّارة أخرى بقياس وسوى بين الكفّارات الجارية مجرى العقوبات وبين ما لا يجري مجراها وهو الحق لنا بعد ما تقدّم من بطلان القياس انّ القياس انّما يثمر الظن وتجويز خلافه شبهة فيدرأ به الحد لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ادرءوا الحدود بالشبهات».

والتقديرات كنصب الزكاة وأعداد الركعات ومواقيت الصلاة غير معقولة المعنى ، والعقل قاصر عن إدراكها ولا يهتدي إليها ، فلا يجري فيها القياس.

والرخص منحة من الله تعالى فلا يعدى بها مواضعها.

والكفّارات على خلاف الأصل لكونها منفية بالنّص النافي للضرر.

وأيضا الشرع أوجب القطع في السرقة ولم يوجبه بمكاتبة الكفّار مع

٣٠٩

أولوية القطع فيه ، وأوجب الكفّارة في الظهار لكونه منكرا وزورا ولم يوجبها في الردّة مع أنّها أشد ، فحيث لم يجب ذلك فيما هو أولى علم امتناع القياس فيه.

اعترض (١) على الأوّل. بأنّ الحكم المعدّى من الأصل إلى الفرع هو وجوب الحدّ والكفّارة من حيث هو وجوب ، وهو معقول.

ويمتنع احتمال الخطأ في القياس إذا قلنا : كلّ مجتهد مصيب.

سلّمنا احتمال الخطأ لكن نمنع كون ذلك شبهة مع الظن بجواز إثبات الحدود والكفّارات بخبر الواحد مع احتمال الخطأ لما كان الظنّ فيه غالبا.

وعلى الثاني. بأنّ غايته منع الشرع من إجراء القياس في بعض صور وجوب الحد والكفّارة ، وهو غير دالّ على المنع مطلقا. وبالفرق بين السرقة ومكاتبة الكفّار ، لأنّ داعية السرقة موجودة في الأراذل وهم الأكثر ، فلو لا شرع القطع غلبت مفسدة السرقة بخلاف مكاتبة الكفار.

والحاجة في شرع الكفّارة في الظهار أكثر منها في الردّة ترتّب شرع القتل عليها.

وفي الأوّل نظر ، لأنّا نسلم أنّ الوجوب معقول ، لكن ترتيب ذلك الوجوب على بعض الأفعال أو قدر الواجب غير معقول ، وهو المطلوب بالقياس.

__________________

(١) المعترض هو الآمدي في الإحكام : ٤ / ٦٦.

٣١٠

وفي الثاني نظر ، لأنّا لمّا رأينا الشرع أهمل القياس فيها وخالف بين الصور المتماثلة وماثل بين المختلفة ولم نجد في موضع شرعية القياس فيه ، علمنا عدم جريانه.

احتج الآخرون بوجوه (١) :

الأوّل. عموم قوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا).

الثاني. إطلاق قول معاذ : «أجتهد رأيي» مع أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صوبه على إطلاقه.

الثالث. حصل ظنّ الحكم فيجب العمل به ، لوجوب الاحتراز عن الضرر المظنون.

وقد تقدّم الجواب عن ذلك كلّه. والشافعي ناقض الحنفية في مسائل : أمّا الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتى تعدّوها إلى الاستحسان حيث زعموا في شهود الزنا أنّ المشهود عليه يجب رجمه بالاستحسان مع أنّه خلاف العقل ، فالعمل بما يوافق العقل أولى.

وأمّا الكفّارة فقد قاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع ، وقاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عمدا مع تقييد النص بالعمد.

لا يقال : هذا ليس بقياس ، بل هو الاستدلال على موضع الخلاف بحذف الفوارق الملغاة.

__________________

(١) وهو مختار الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٤.

٣١١

لأنّا نقول (١) : ما لم يبيّنوا تعليل حكم الأصل ، وأنّ العلّة إمّا المشترك أو المميز ، وأنّ الثاني لا يصلح للعلّيّة ، فيجب الأوّل وهو يستلزم حصول الحكم في الفرع ؛ لم يتم الاستدلال ، وهو عين القياس ، واستخراج العلّة بطريق السبر والتقسيم.

وقيل : إن إيجاب الكفّارة بالإفطار بالأكل والشرب ليس بالقياس على الوقاع ، لأنّ العلّة مومى إليها في قصة الأعرابي ، وهي عموم الإفساد ، فالحكم في الأكل والشرب يكون ثابتا بالاستدلال لا بالقياس ، لافتقار القياس إلى النظر إلى حكم الأصل ، إذ هو أحد أركان القياس لضرورة اعتبار العلّة الجامعة ، والعلّة إذا كانت منصوصة أو مومى إليها ، فقد ثبت اعتبارها بالنص لا بحكم الأصل ، ومهما كان الحكم في الأصل غير ملتفت إليه في اعتبار العلّة لاستقلال النص باعتبارها ، فلا يكون حكم الفرع ثابتا بالقياس لافتقار العمل بالقياس إلى النظر إلى حكم الأصل ، ولا نظر إليه هنا ، بل غايته دلالة النص في الوقاع على الحكم وعلى العلّة ، والحكم في الفرع إذا ثبت بعلّة منصوصة لا يكون حكما بالقياس ولا بالنص ، لعدم دلالة النص عليه وإن دلّ على العلّة. ولا إجماع لوقوع الخلاف ، بل ثبوته بما يسمّى استدلالا.

وأمّا المقدرات فقد قاسوا فيها حتى ذهبوا إلى تقديراتهم في الدلو والبئر.

وأمّا الرخص فقد بالغوا في القياس فيها ، فإنّ الاقتصار على الأحجار

__________________

(١) ذكر الإشكال وأجاب عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٥.

٣١٢

من أعظم الرخص ، ثم حكموا بذلك في جميع النجاسات ، سواء كانت نادرة أو معتادة وانتهوا فيها إلى نفي إيجاب استعمال الأحجار.

وقالوا العاصي بسفره يترخّص ، فأثبتوا الرخصة بالقياس مع أنّ القياس ينفيها ، فإنّ الرخصة إعانة ، والمعصية لا تناسبها. (١)

المطلب الخامس : في النفي والحكم القطعي هل يثبت بالقياس أم لا؟

اختلفوا في النفي الأصلي هل يمكن التوصّل إليه بالقياس أم لا؟ بعد اتّفاقهم على اكتفاء حكم العقل فيه بالاستصحاب.

والوجه استعمال قياس الدلالة فيه لا العلّة ، للاستدلال بعدم الأثر والخواص على عدم العلّة وذي الخاصة ، والانتفاء الأصلي حاصل قبل الشرع ، فلا يعلّل بوصف يوجد بعد ذلك.

اعترض : بأنّ علّة الشرع إنّما هي بمعنى المعرّف ، ويجوز تأخير الدليل عن مدلوله.

وهذا إنّما هو في العدم خاصة ، أمّا الأعدام فهو حكم شرعي متجدّد فجاز جريان القياس فيه.

وأمّا ما طريقه العلم فقد اختلفوا في جواز استعمال القياس فيه. والضابط أنّه إن أمكن حصول اليقين بالعلّيّة وحصولها في الفرع حصل

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٢٤ ـ ٤٢٦ المسألة السادسة ؛ والإحكام : ٤ / ٦٤ ـ ٦٧ ، المسألة الرابعة.

٣١٣

العلم القطعي بمساواة حكم الفرع حكم الأصل ، وجاز التكليف الشرعي به ، لكن الإشكال في تحصيل العلم بهما في الأحكام الشرعية. فأمّا ما طريقه الظن ، فالإجماع بين القائسين على جواز استعمال القياس فيه.

المطلب السادس : في أنّه هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس؟

اختلف الناس في أنّه هل يمكن إثبات أصول العبادات بالقياس؟

أمّا الإمامية فالمنع منه عندهم ظاهر ، ووافقهم على ذلك الجبائي والكرخي ، وبنى الكرخي عليه أنّه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس.

ويمكن حمل الخلاف على وجهين (١) :

الأوّل : أن يقال : لو شرعت الصلاة بإيماء الحاجب لبيّنه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيانا ظاهرا ، وينقله أهل التواتر إلينا حتى يصير معلوما لنا قطعا ، فلمّا لم يكن كذلك علمنا بطلان القول بها.

ويبطل بالوتر عند الحنفية فإنّه واجب عندهم مع عدم القطع بوجوبه.

لا يقال : لو جوّزنا في ذلك عدم بلوغ التواتر فلعله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوجب صوم شوال ، وإن لم ينقل ذلك بالتواتر.

__________________

(١) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٣.

٣١٤

لأنّا نقول : المعتمد في هذه الإجماع.

الثاني : أن يقال : لا ندّعي العلم قطعا على تقدير المشروعية ، لكن نمنع من استعمال القياس فيه.

وهو تحكّم محض ، لأنّه إذا جاز الاكتفاء بالظن كفى القياس ، مع الاستدلال بعموم (فَاعْتَبِرُوا ،) وهذا لا يلزم الإمامية بل الحنفية خاصة.

تتمة : تشتمل على مسائل :

الأولى : قال أبو إسحاق الشيرازي : لا يجري القياس فيما طريقه العادة والخلقة ، كأقل الحيض والنفاس والحمل وأكثرها ، لعدم العلم بأسبابها وعدم ظنّها ، فيجب الرجوع فيها إلى قول الشارع.

الثانية : لا يجوز إثبات القياس بما لا يتعلّق به عمل كدخول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكة بقتال أو صلح ، أو قرانه وإفراده ، فإنّ أمثال هذه تطلب لتعرف لا ليعمل بها ، فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظنّ.

الثالثة : القياس الوارد بخلاف النصّ المتواتر مردود إن نسخه إجماعا ، (١) وإن خصّصه بخلاف سبق في العموم (٢) ، وبخلاف الآحاد (٣) تقدّم حكمه.

__________________

(١) ذكر الرازي العبارة في المحصول : ٢ / ٤٢٦ كما يلي : القياس إذا ورد بخلاف النصّ ، فالنصّ إمّا أن يكون متواترا أو آحادا. فإن كان متواترا فالقياس إن نسخه كان مردودا.

(٢) أي ذكرنا الخلاف فيه في باب العموم والخصوص.

(٣) أي إذا ورد القياس بخلاف الخبر الواحد.

٣١٥

الرابعة : يجوز التعبّد بالنص في جميع الأحكام ، وهو ظاهر ، بل هو الواجب عند الإمامية ، فإنّه تعالى نصّ على جميع الأحكام إجمالا ودخلت تفاصيلها فيها ، كالنصّ على البيع فيندرج فيه كلّ بيع ، وكذا النصّ على تحريم الربا فيندرج فيه كلّ ما صدق عليه اسم الربا ولا يجوز التعبّد بالقياس في كلّ الأحكام عند الأشاعرة ، (١) لتوقّفه على ثبوت الحكم في الأصل ، وأحكام الأصول شرعية عندهم إذ العقل إنّما يدلّ على البراءة الأصلية فما عداها لا يثبت إلّا بالشرع ، فلو كانت تلك الأحكام مثبتة بالقياس ، دار.

وأمّا المعتزلة فلمّا كان العقل لا يفي بإدراك جميع الأحكام وأنّه لا بدّ له من كاشف شرعي لا جرم امتنع ذلك عندهم أيضا.

الخامسة : ذهب شاذ إلى جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية ، لأنّها من جنس واحد ، ولهذا تدخل جميعها تحت حدّ واحد ، وهو حدّ الحكم الشرعي ويشترك فيه ، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتا بالقياس ، والجائز على بعض المتماثلات جائز على الجميع ؛ وهو باطل ، لأنّ جميع الأحكام الشرعية وإن دخلت تحت حدّ الحكم الشرعي ، وكان الحكم الشرعي من حيث هو حكم شرعي جنسا لها غير أنّها متنوّعة مختلفة بأمور موجبة لتمايزها واختلافها ؛ فجاز استناد ما جاز عليها إلى ما به التعيين والامتياز لا إلى المشترك.

__________________

(١) المحصول : ٢ / ٤٢٦ ، المسألة العاشرة.

٣١٦

وقد بيّنّا عدم جواز إجرائه في الأسباب والشروط مع أنّ وصف السببية والشرطية عند الأشاعرة شرعي. (١) ولأنّ من المعاني ما ليس بمعقول المعنى ، كضرب الدية على العاقلة ونحوه ، وما كان كذلك فإجراء القياس فيه متعذّر لتوقّفه على تعقّل علّة حكم الأصل وتعديتها إلى الفرع.

__________________

(١) راجع الإحكام : ٤ / ٦٩ ـ ٧٠.

٣١٧

الفصل السابع :

في الاعتراضات

وهي مع كثرتها ترجع إلى قسمين : المنع في المقدّمات ، والمعارضة في الحكم بذكر دليل يدلّ على نقيض دعوى المستدل.

أمّا المناقشات الجدلية والمؤاخذات اللفظية فهي عن التحقيق بمعزل ، وإنّما الّذي يبحث عنه في هذا الكتاب ما يكثر نظر المحقّقين فيه ، وهو خمسة وعشرون اعتراضا (١) :

[الاعتراض] الأوّل : الاستفسار

وهو السؤال عن معنى اللفظ وطلب شرح دلالته ، وإنّما يحسن هذا النوع من الاعتراض إذا كان اللفظ مشتملا على إجمال بحيث يتردّد بين مجملين أو أزيد ترددا على السواء ، أو على غرابة يحتاج السامع معها إلى الاستفسار ليحصل له الوقوف على المعنى وعلى السّائل بيان ذلك لصحّة سؤاله ، لأنّ شرط قبول الاستفسار الإجمال أو الغرابة.

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٤ / ٧٣ ـ ١٢٢ ، الباب الخامس : في الاعتراضات الواردة على القياس.

٣١٨

لا يقال : ظهور الدليل شرط في صحّته ، وإنّما يتمّ الظهور لو لم يكن اللفظ مجملا ، فنفي الإجمال إذن شرط في الدليل ، وبيان شرط الدليل على المستدلّ لا المعترض.

لأنّا نقول (١) : ظهور الدليل وإن كان متوقّفا على نفي الإجمال غير أنّ الأصل عدم الإجمال. وسؤال الاستفسار يستدعي الإجمال المخالف للأصل ، فكان بيانه على المستفهم ، ولو قال : إنّي لا أفهم منه شيئا فيكون مجملا أو غريبا ؛ فإن كان اللفظ ظاهرا مشهورا عند أهل اللغة والشرع ، لم يسمع منه لانتسابه إلى العناد إذ الغالب عدم خفائه عليه. أمّا لو بين الإجمال أو الاشتراك صحّ السؤال ويكفي السائل بيان تردّد اللفظ بين احتمالين من غير احتياج إلى بيان التسوية بينهما ، لأنّ الأصل عدم الترجيح ، ولعسر قدرته على بيان التسوية وقدرة المستدلّ على الترجيح.

ولو قال المعترض : «اللفظ مستعمل في كلا المعنيين والتفاوت يستدعي ترجيحا بأمر ، والأصل عدمه» كفاه.

وجواب هذا السؤال في دفع الإجمال بجهة الغرابة ، التفسيران عجز عن إبطال غرابته.

وفي دفع الإجمال بجهة الاشتراك منع تعدّد محامل اللفظ ان أمكن. أو بيان الظهور في مقصوده إمّا بالنقل عن أهل اللغة ، أو الشرع ، أو بيان أنّه مشهور فيه والشهرة دليل الظهور ، أو بقرائن معه ، أو بتفسيره. ولو قال : يلزم

__________________

(١) ذكر الإشكال وأجاب عنه الآمدي في الإحكام : ٤ / ٧٤.

٣١٩

ظهوره في أحدهما دفعا للإجمال ، أو قال : يلزم ظهوره فيما قصدت لعدم ظهوره في الآخر اتّفاقا ، فقد اختلف فيه فصوّبه بعض أهل النظر دون بعض ، بناء على أنّ المجاز هل هو أولى من الاشتراك أو لا؟

الاعتراض الثاني : فساد الاعتبار

ويشبه أن يكون حاصله راجعا إلى المنازعة في الاحتجاج بجنس الدليل المذكور كما لو استدلّ المعلّل بالقياس على مانعة فيقول الخصم : ما ذكرته فاسد الاعتبار ، أي انّك اعتبرت ما لا يصلح أن يكون دليلا وجعلته دليلا.

وحاصله : منع اعتبار ما ذكره من القياس في بناء الحكم عليه ، لا لفساد في وضع القياس وتركيب مقدّماته. كما لو خالف القياس النص فإنّه فاسد الاعتبار لعدم صحّة الاحتجاج به مع النص المخالف له ، وهذا أقرب في التمثيل من قياس الكافر على المسلم في صحّة الظهار ، وقياس الصّبي على البالغ في إيجاب الزكاة من جهة ظهور الفرق بين الأصل والفرع ؛ وكذا كلّ قياس ظهر فيه الفارق ، لأنّ كلّ قياس ثبت النص على خلافه كان باطلا.

وهذه الأمثلة ترجع إلى إبداء الفارق بين الأصل والفرع ، وهو سؤال مغاير لسؤال فساد الاعتبار ، وسيأتي.

وجواب هذا السؤال من وجوه (١) :

أ. الطعن في سند النص إن أمكن.

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٤ / ٧٦.

٣٢٠