نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

المنع من إثبات الأحكام في الفروع بالعلل ، فهو قول بإبطال القياس في أكثر المسائل عندهم ، لأنّها إنّما تعلّل فيها أحكامها دون أسمائها ، والامارة إنّما تدلّ على أنّ الوصف له تأثير في الحكم لا في الاسم ، فإنّ علّة تحريم البرّ كونه مكيلا مثلا لا مسمّى بأنّه برّ ، والأمارة إنّما تدلّ على أنّ للكيل أو للطعم تأثيرا في تحريم التفاضل لا في كونه مسمّى بأنّه بر ثم يرد الأرز إليه ليثبت فيه حكمه ابتداء لا تبعا للاسم ، لأنّا نطلب بالقياس التسمية.

وان أراد أنّ العلل قد يتوصّل بها إلى الأسماء في بعض المواضع ولم يمنع من أن يتوصّل بها إلى الأحكام ؛ فإن أراد بالعلل العلل الشرعية وبالأسماء الأسماء اللغوية ، فهو باطل ، لسبق اللغة على الشرع ، فلا يجوز إثبات أسمائها بأمور طارئة عليها ؛ ولأنّ جميع أمارات الشرع يتعلّق بالأحكام لا باللغات.

وإن أراد أنّ الأسماء قد ثبتت في اللغة بقياس غير شرعي نحو (١) أن يعلم أنّهم سمّوا الجسم الأبيض الذي حضرهم لوجود البياض فيه ، لعلمنا أنّه إذا انتفى عنه البياض لم يسمّوه بذلك ، فإذا وجد فيه سمّوه بذلك ، ثمّ يقيس عليه ما غاب عنه من الأجسام البيض ، فغير بعيد.

وإن أراد أنّ من الأسماء الشرعية ما ثبت بالعلل ، فغير بعيد أيضا ، لأنّا نعلم أنّ الشريعة سمّت الصلاة صلاة لصفة من الصفات متى انتفت عنها لم تسمّ في الشريعة صلاة ، فيعلم أنّ ما يشاركها في تلك الصفة يسمّى صلاة.

__________________

(١) في «ب» : بجواز ، وفي «ج» : يجوز.

٢٨١

الفصل السادس :

في باقي أركان القياس

وفيه مباحث :

الأوّل : في أصل الحكم

في الأصل المقيس عليه قسمان :

الأوّل : أن يكون على وفق قياس الأصول

وشرائط الأصل فيه ستة (١) :

الأوّل : ثبوت حكم الأصل ، لأنّ القياس تشبيه الفرع بالأصل في ذلك الحكم ، وإنّما يمكن بعد ثبوت الحكم في الأصل ، فلا يجوز القياس على أصل نسخ حكمه ، لأنّ الحكم إنّما تعدّى من الأصل إلى الفرع بناء على الوصف الجامع ، وذلك يتوقّف على اعتبار الشارع ، فإذا لم يكن الحكم المترتّب على وفقه ثابتا شرعا لم يكن معتبرا.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٧ ، الباب الثاني : في شرائط الأصل.

٢٨٢

الثاني : أن يكون طريق معرفة حكم الأصل سمعيا إن كان القياس شرعيا ، أمّا عند الأشاعرة فظاهر ، (١) لأنّ جميع الأحكام عندهم إنّما تعرف بالسّمع.

وأمّا عند المعتزلة ، فلأنّه لو كان الطريق عقليا لكانت معرفة ثبوت الحكم في الفرع عقلية ، وكان القياس عقليا لا سمعيا.

اعترض (٢) بأنّ ثبوت الحكم في الفرع يتوقّف على ثبوته في الأصل ، وعلى تعليله بالوصف المعين. وعلى حصوله في الفرع فلو قدرت المعرفة الأولى عقلية جاز أن يكون الباقيان سمعيين ، فتكون معرفة حكم الفرع بمقدّمات سمعية ، والمبني على السّمعي سمعي ، فيكون ثبوت حكم الفرع سمعيا.

الثالث : أن لا يتناول دليل الأصل الفرع ، وإلّا كان اتّصاف أحدهما بالأصالة والآخر بالفرعية ترجيحا من غير مرجّح.

وفيه نظر ، لأنّ المراد إن كان عدم التناول ولو بوجه ما ، خرج عنه القياس المنصوص على علّته ، مثل حرمت الخمر للإسكار ، لتناوله النبيذ بنوع نظر واجتهاد ؛ وإن كان عدم (٣) التناول من بعض الوجه جاز أن يكون أحدها أصلا لقوة الدلالة فيه والآخر فرعا بضعفها فيه.

__________________

(١) وهو قول الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٧.

(٢) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٧.

(٣) ليس في «د».

٢٨٣

الرابع : وجوب ظهور كون ذلك [الأصل] معلّلا بوصف معين ، لافتقار ردّ الفرع إليه إلى هذه الواسطة.

الخامس : عدم تأخّر حكم الأصل عند بعضهم ، كقياس الوضوء على التيمّم المتأخّر عن الهجرة في وجوب النية ، وقد سبق الخلاف فيه. والوجه أن يقال : إن لم يوجد دليل على حكم الفرع سوى ذلك القياس امتنع تقديم حكم الفرع ، وإلّا لزم حصول الحكم من غير دليل ، وهو تكليف ما لا يطاق ، أو أنّه لم يكن حاصلا فيكون كالنسخ ، وإن وجد دليل غيره جاز لجواز تعدّد الأدلّة دفعة ومترتّبة.

السادس : أن لا يكون حكم الأصل ثابتا بالقياس ولا متفرعا عن أصل آخر. وهو مذهب أكثر الشافعية والكرخي ، خلافا للحنابلة وأبي عبد الله البصري ، (١) لأنّ المشترك بين الأصلين إن كان هو المشترك بين الفرع والأصل القريب أمكن رد الفرع إلى البعيد فبلغوا ذكر القريب. مثاله قول الشافعي في السفرجل : «مطعوم» فيجري فيه الربا قياسا على التفاح ، ثم يقيس التفاح في تحريم الربا على البر بواسطة الطعم وإن تغايرا ؛ فإن كانت العلّة في القريب مؤثرة ـ أي ثابتة بنص أو إجماع ـ أمكن إثبات الحكم في الفرع بالعلّة المؤثّرة ، ولا حاجة إلى القياس على القريب ثم قياس القريب على البعيد ؛ وإن كانت مستنبطة كقول الشافعي في فسخ النكاح بالجذام : عيب ثبت به الفسخ في البيع فيثبت به الفسخ في النكاح قياسا على الرتق

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢١٥ ، القسم الأوّل : في شرائط حكم الأصل.

٢٨٤

والقرن ، ثم يقيس الرتق والقرن على الجب والعنة بواسطة فوات الاستمتاع لم يصح القياس ، لأنّ الحكم في الفرع المتنازع فيه أوّلا إنّما يثبت بما يثبت به حكم أصله ، فإذا كان حكم أصله ثابتا بعلّة أخرى وهي ما استنبطت من الأصل الأخير ، امتنع تعدية الحكم بغيرها ؛ لأنّ غيرها لم يثبت اعتبار الشرع له ضرورة أنّ الحكم الثابت معه [ثابت] بغيره اتّفاقا ؛ فلو ثبت الحكم به في الفرع الأوّل مع عدم اعتباره ، كان ذلك إثباتا للحكم بالمعنى المرسل الخالي عن الاعتبار ، وهو محال.

ولو قلنا بجواز تعليل الحكم بعلّتين امتنع هنا ، لأنّه لا يمكننا إثبات الحكم في الأصل القريب إلّا بأن يتوصّل إليه بالعلّة الثابتة في البعيد ، ومتى توصّلنا إلى ثبوت تلك العلّة امتنع تعليله بالعلّة الثابتة في الفرع ، لأنّ تلك العلّة إنّما عرفت بعد أن عرف تعليل الحكم بعلّة أخرى ، ومتى عرف ذلك كلّه كانت العلّة الثابتة (١) عديمة الأثر فيمتنع التعليل بها.

هذا كلّه إذا كان حكم الأصل مقبولا من جهة المستدلّ ممنوعا من جهة المعترض ؛ وأمّا إن كان بالعكس ، كقول الحنفي في مسألة تعيين النية : إذا نوى النفل أتى بالمأمور به ، فصحّ ؛ كما لو نوى النفل في الحج الواجب ، فإنّ حكم الأصل لا يقول به الحنفي بل الشافعي ، فلا يصحّ من المستدلّ بناء الفرع عليه ، لأنّه يتضمن اعترافه بالخطإ في الأصل لوجود العلّة فيه من دون الحكم.

__________________

(١) في «أ» و «ب» : التامّة.

٢٨٥

أمّا لو قال المستدلّ : هذا هو عندك علّة الحكم في الأصل ، وهو موجود في محلّ النزاع ، فيلزمك الاعتراف بحكمه ، وإلّا فيلزم إبطال المعنى وانتقاضه لتخلف المعنى عنه من غير مانع ، ويلزم من إبطال التعليل به امتناع إثبات الحكم به في الأصل ؛ فهو أيضا كالأوّل في الفساد ، فإنّ الخصم يقول : الحكم في الأصل ليس عندي ثابتا بناء على هذا الوصف ؛ ولأنّ حاصل ما ذكر يرجع إلى إلزام المعترض بالتخطئة في الفرع ضرورة تصويبه في اعتقاده كون الوصف الجامع علّة للحكم في الأصل المقيس عليه وهو غير لازم ، إذ ليس تخطئته في الفرع وتصويبه في التعليل بأولى من العكس ، وحينئذ لا يتم الإلزام.

القسم الثاني : أن يكون الحكم في المقيس عليه بخلاف قياس الأصول

وقد اختلفوا فقال بعض الشافعية والحنفية : يجوز القياس عليه مطلقا. (١)

وقال الكرخي (٢) : لا يجوز إلّا باعتبارات ثلاثة :

الأوّل : أن يكون قد نصّ على علّة الحكم ، فإنّ النصّ عليه كالتصريح بوجوب القياس عليه.

الثاني : أن يجمع الأمّة على تعليله وإن اختلفوا في تعيين العلّة.

__________________

(١) ذكره عنهم الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٩.

(٢) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٩.

٢٨٦

الثالث : أن يكون القياس عليه موافقا للقياس على أصول أخر.

والوجه أنّ الوارد بخلاف قياس الأصول إن كان مقطوعا به كان أصلا بنفسه ، لأنّه المراد بالأصل في هذا الموضع ، فساوى القياس عليه القياس على غيره ، فوجب أن يرجّح المجتهد بين القياسين.

وتوضيحه : أنّ العموم إذا لم يمنع من قياس يخصّه فأولى أن لا يكون القياس على العموم مانعا من قياس يخالفه ، لأنّ العموم أقوى من القياس.

احتجّ المخالف : بأنّ الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه ، وما عداه باق على قياس الأصول.

واعترض (١) : بأنّه إذا خرج ما ورد فيه ودلّت أمارة على علّيّته اقتضى إخراج ما شاركه في تلك العلّة. ثمّ ليس بأن لا يخرج لشبهه بالأصول بأولى من أن يخرج لشبهه بالمنصوص عليه. أمّا إذا كان غير مقطوع به فإن لم يكن علّة حكمه منصوصة ، وإلّا كان القياس عليه أقوى من القياس على الأصول ، فالقياس على الأصول أولى من القياس عليه ، لأولوية القياس على ما طريق حكمه معلوم على ما لا يكون الطريق معلوما. وإن كانت منصوصة استوى القياسان ، لاختصاص القياس على الأصول بعلم طريق حكمه ، وإن كان طريق علّته غير معلوم بل مظنون وهذا بالعكس فقد حصل لكلّ منهما مزية قوة.

وإذا عرفت أنّ شرط حكم الأصل أن لا يكون معدولا به عن سنن

__________________

(١) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٤٢٩ ـ ٤٣٠.

٢٨٧

القياس ، فاعلم أنّ المعدول به عن سنن القياس :

إمّا أن لا يعقل معناه ، فإمّا أن يكون مستثنى عن قاعدة كلّية عامّة ، كقبول شهادة خزيمة وحده. فإنّه مع كونه غير معقول المعنى مستثنى عن قاعدة الشهادة ؛ أو غير مستثنى ، كأعداد الركعات وقدر نصب الزكاة ومقادير الحدود والكفّارات فإنّه مع كونه غير معقول المعنى غير مستثنى من قاعدة سابقة عامّة. وعلى كلا التقديرين يمتنع فيه القياس.

وإمّا أن يكون قد شرع ابتداء ولا نظير له ، فلا يجري فيه القياس لعدم النظير ، سواء عقل معناه كرخص السفر لدفع المشقة ، أو لا كاليمين في القسامة وضرب (١) الدية على العاقلة ونحوه.

تتمة

يشتمل على ما جعل شرطا عند بعضهم دون بعض وهو ثلاثة (٢) :

الأوّل : زعم عثمان البتّيّ (٣) أنّه لا يقاس على الأصل إلّا بعد أن تقوم دلالة على جواز القياس عليه.

__________________

(١) في «ب» و «د» : وجوب.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٣٠ ـ ٤٣١.

(٣) هو أبو عمرو عثمان بن مسلم بن جرموز البتّي البصري ، كان يبيع البتوت ـ ثيابا بالبصرة ـ فنسب إليها. روى عن : أنس بن مالك ، والحسن البصري ، وأبي الخليل صالح بن أبي مريم ، وعامر الشعبي. وروى عنه : إسماعيل بن علية ، وأشعث بن عبد الملك ، وحماد بن سلمة ، وسفيان الثوري ، وغيرهم. تهذيب الكمال : ١٩ / ٤٩٣ برقم ٣٨٦٢.

٢٨٨

وخالف الباقون لعموم : (فَاعْتَبِرُوا)(١) ، ولأنّ ظن التعليل وحصوله في الفرع يقتضي ظن مساواة حكم الفرع حكم الأصل والعمل بالظن واجب ، ولعدم اشتراط الصحابة ذلك في قياساتهم كمسألة الحرام والجدّ وغيرهما.

الثاني : زعم بشر المريسي (٢) أنّ شرط الأصل انعقاد الإجماع على تعليل حكمه وثبوت النص على عين تلك العلّة.

وخالف فيه الباقون لما تقدّم ، ولمّا شرطنا نحن التنصيص على العلّة كان قول بشر هو الوجه.

الثالث : قال قوم : الأصل المحصور بالعدد ولا يجوز القياس عليه. كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «خمس يقتلن في الحرم». (٣) قالوا : لا يجوز القياس عليه ، لأنّ التخصيص بالذكر يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه ، ولأنّ جواز القياس عليه يبطل الحصر.

وجوّزه الباقون للعموم ، وقد ورد القياس عندهم على الأشياء الستة في الربا.

__________________

(١) الحشر : ٢.

(٢) هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي البغدادي المريسي ، كان عين الجهمية في عصره ، له تصانيف منها : كتاب الإرجاء ، كتاب الرد على الخوارج ، وكتاب الاستطاعة ، والرد على الرافضة في الإمامة وغيرها. توفّي في آخر سنة ثماني عشرة ومائتين وقد قارب الثمانين. سير أعلام النبلاء : ١٠ / ١٩٩ برقم ٤٥.

(٣) بداية المجتهد : ٢٩٢. وفي صحيح البخاري : ٤ / ٩٩ ، كتاب بدء الخلق ؛ وصحيح مسلم : ٤ / ١٨ ، باب ما يندب للمحرم : خمس فواسق يقتلن في الحرم.

٢٨٩

البحث الثاني : في القياس المركّب (١)

ونعني به أن يكون حكم الأصل متّفقا عليه بين المناظرين ويكون مختلفا فيه بين الأمّة ولا يكون حكم الأصل منصوصا عليه ولا مجمعا عليه.

أمّا مركب الأصل أو الوصف فالأوّل ما اتّفق فيه الخصمان على حكم الأصل واختلفا في العلّة ؛ كقول الشافعي في مسألة قتل الحر بالعبد : عبد فلا يقتل به الحر كالمكاتب ، فإنّ الأصل وهو المكاتب غير منصوص عليه ولا مجمعا عليه بين الأمّة ، لوقوع الخلاف في وجوب القصاص على قاتله ، وإنّما هو متّفق عليه بين الشافعي وأبي حنيفة.

فللحنفي أن يقول : العلّة في المكاتب المتّفق عليه جهالة المستحقّ للقصاص من السيد أو الورثة لا العبودية. فإن سلمت العلّة بطل إلحاق العبدية ، وإن بطلت منعت الحكم في الأصل ، لأنّ الحكم فيه إنّما ثبت بناء على هذه العلّة. وقلت بوجوب القصاص في المكاتب فيمتنع القياس لعدم انفكاكه عن عدم العلّة في الفرع أو منع الحكم في الأصل ولا محذور في نفي الحكم لانتفاء مدركه ، إذ لم يلزم منه مخالفة نص ولا إجماع.

وسمّي هذا النوع قياسا مركبا لاختلاف الخصمين في علّة الأصل.

واعترض (٢) : بأنّه لو كان علّة التسمية ذلك اطّرد (٣) في كلّ قياس

__________________

(١) راجع الإحكام : ٣ / ٢١٨ ـ ٢٢١ ، الشرط السادس.

(٢) المعترض هو الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢١٩.

(٣) في «أ» و «ج» : لطرد ، وفي «ب» : اطراد.

٢٩٠

اختلف في علّة أصله وإن كان منصوصا عليه أو متّفقا عليه بين الأمّة.

وفيه نظر ، لعدم وجوب اطّراد الاسم باطّراد علّته.

وقيل : العلّة في التسمية اختلاف الخصمين في تركيب الحكم على العلّة في الأصل ، فإنّ المستدلّ يزعم أنّ العلّة مستنبطة من حكم الأصل وهي فرع له. والمعترض يزعم أنّ الحكم في الأصل فرع على العلّة وهي مثبتة له ؛ وأنّه لا طريق إلى إثباته غيرها ، وأنّها غير مستنبطة منه ولا هي فرع عليه ، ولذلك منع ثبوت الحكم عند إبطالها. وسمّي مركب الأصل ، لأنّه نظر في علّة حكم الأصل.

والثاني وهو مركب الوصف ما وقع الاختلاف فيه في وصف المستدلّ هل له وجود في الأصل أم لا؟ كقول المستدلّ في تعليق الطلاق بالنكاح تعليق فلا يقع قبل النكاح ، كما لو قال : زينب الّتي أتزوّجها طالق. فللخصم أن يقول : لا نسلّم وجود التعليق في الأصل ، بل هو تنجيز فإن ثبت أنّه تعليق منعت الحكم وقلت بصحّته ، كما في الفرع ، ولا محذور في المنع لعدم النص والإجماع. وسمّي مركّب الوصف ، لأنّه خلاف في نفس الوصف الجامع.

إذا عرفت أقسامه (١) فنقول : المجتهد إن كان له مدرك في ثبوت حكم الأصل غير النص أو الاجماع فالقياس صحيح عند القائلين به ، لأنّه غلب في ظنّه صحّة القياس فلا يكابر نفسه فيما أوجب ظنّه ؛ وإن لم يكن

__________________

(١) أي أقسام القياس المركّب.

٢٩١

له مدرك غيرهما تعذّر القياس لتعذّر إثبات حكم الأصل.

وأمّا المناظر فإمّا أن يكون الخصم مجتهدا أو مقلّدا.

فإن كان مجتهدا وظهر في نظره إبطال المدرك الّذي بني عليه حكم الأصل ، فله منع حكم الأصل ، وحينئذ لا ينتفع بالقياس بالنسبة إلى الخصم.

وإن كان مقلّدا فليس له منع حكم الأصل وتخطئة إمامه فيه ، لعجزه عن تقرير (١) كلامه مع المستدلّ لاحتمال أن يكون المأخذ لإمامه غير ما عنيه المعترض ، ولو كان فلا يلزم من عجز المقلّد عجز إمامه ، لأنّه أعرف بوجه ما ذهب إليه.

وقيل : إنّه وإن كان لا بدّ من تخطئة إمام المعترض إمّا في أصل القياس أو فرعه ، فليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع ، وهو خطأ ؛ لأنّه كما ليس للخصم تخطئة إمامه في حكم الأصل دون الفرع ، فليس للمستدل تخطئة إمام المعترض في الفرع دون الأصل ولا أولوية.

لا يقال : التخطئة في الفرع أولى لوقوع الخلاف بين إمام المستدلّ وإمام المعترض ، بخلاف حكم الأصل.

لأنّا نقول (٢) : كما وقع الخلاف في الفرع بين الإمامين فكذا وقع في الأصل بين الأئمة ، لعدم الإجماع فيه ، وليس موافقة إمام المستدل في الفرع أولى من موافقة المخالف في الأصل.

__________________

(١) في «ب» و «د» : تقدير.

(٢) ذكر الإشكال والجواب عنه الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٢١.

٢٩٢

البحث الثالث : في الفرع

ويشترط فيه أمور (١) :

الأوّل : أن يوجد فيه مثل علّة حكم الأصل من غير تفاوت لا في الماهية ولا في الزيادة ولا النقصان ؛ لأنّ القياس التعدية من محلّ إلى آخر ، وإنّما تحصل إذا كان الحكم المثبت في الفرع مثل المثبت في الأصل.

ولا ينتقض بقياس العكس لما بيّنّا : أنّ قياس العكس عبارة عن التمسّك بنظم التلازم ابتداء ، ثمّ إنّا نثبت مقدّمته الشرطية بقياس الطرد.

وفيه نظر ، لأنّ العلّة لو كانت موجودة في الفرع أزيد كان ثبوت الحكم فيه أولى.

الثاني : أن يكون خاليا عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علّة القياس إن جوّزنا تخصيص العلّة ، وإلّا فلا حاجة إلى اشتراطه.

الثالث : أن تكون علّة الفرع مشاركة لعلة الأصل ، إمّا في عينها كتعليل تحريم شرب النبيذ بالشدة المطربة المشتركة بينه وبين الخمر ، أو في جنسها كتعليل وجوب القصاص في الأطراف بجامع الجناية المشتركة بين القتل والقطع ، لأنّ التعدية إنّما تثبت لو شارك الفرع الأصل في عموم علّته أو خصوصها.

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٣١ ـ ٤٣٣ ، الباب الثالث في الفرع ؛ الإحكام : ٣ / ٢٧٣ ـ ٢٧٦ ، القسم الثالث في شروط الفرع.

٢٩٣

الرابع : إنّما يماثل حكم الفرع حكم الأصل في عينه ، كوجوب القصاص في النفس المشترك بين المثقل والمحدّد ، أو جنسه كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها قياسا على إثباتها في مالها ، فإنّ المشترك جنس الولاية لا عينها ، ولولاه بطل القياس ، لأنّ شرع الأحكام ليس مطلوبا لذاته ، بل لاقتضائه إلى مقاصد العباد ، سواء ظهر المقصود أو لا ، فإذا ماثل حكم الفرع الأصل علمت المماثلة بين ما يحصل به من المقصود وبين ما يحصل من حكم الأصل لاتّحاد الوسيلة.

أمّا لو خالف حكم الفرع حكم الأصل مع أنّه الوسيلة إلى تحصيل المقصود فإفضاؤه إلى الحكمة المطلوبة يجب أن يكون مخالفا لإفضاء حكم الأصل إليها.

والمخالفة بينهما في الإفضاء إمّا أن يكون لزيادة في إفضاء حكم الأصل إليها ، فلا يلزم من شرع الحكم في الأصل رعاية الأصل المقصود وزيادة الإفضاء إليه بشرع حكم الفرع تحصيلا لأصل المقصود دون زيادة الإفضاء إليه ، لأنّ زيادة الإفضاء إلى المقصود مقصودة للعقلاء أو في إفضاء حكم الفرع ، وهو ممتنع للاتّفاق على امتناع ثبوت مثل حكم الفرع في الأصل.

وعند ذلك فتنصيص الشارع على حكم الأصل دون حكم الفرع يدلّ على أنّ حكم الأصل أفضى إلى المقصود من حكم الفرع ، إذ لو كان حكم الفرع أفضى لكان أولى بأن ينص عليه.

٢٩٤

اعترض : بأنّ هذا فرع الاختلاف في الأحكام الشرعية. وهو باطل عند الأشاعرة (١) ، لأنّ حكم الله تعالى كلامه ، وذلك لا اختلاف فيه ، بل في تعلّقاته ومتعلّقاته ، وحكمه تعالى بالوجوب والتحريم من حيث هو كلام الله تعالى واحد لا تخالف بينهما ؛ وإن اختلفا فلخارج ، كالذمّ على الترك أو على الفعل بسبب اختلاف محل الخطاب ؛ وذلك لا يوجب اختلاف ماهية الحكم ، كاشتراك الصّلاة والصوم في الوجوب ، والقتل والزنا في التحريم.

سلّمنا الاختلاف لكن يجوز أن يكون إفضاء حكم الفرع إلى المقصود أتمّ من إفضاء حكم الأصل إليه. ولا يلزم التنصيص عليه بجواز قصد التنبيه بالأدنى على الأعلى ، أو يحتمل وجود مانع من التنصيص عليه لا وجود له في حكم الأصل.

وأجيب بأنّ حكم الشرع ليس مطلق الخطاب ، بل المقيد بتعلّق خاص ، فإذا اختلفت المتعلّقات اختلفت الأحكام لدخولها في حقيقتها.

ولو كانت فائدة تخصيص حكم الأصل بالتنصيص عليه للتنبيه به على حكم الفرع لكان حكم الفرع ثابتا بحكم الموافقة لا بالقياس ، ولجاز إثباته في الأصل ، وهو ممتنع.

والمانع من التنصيص منتف ؛ لأنّه إمّا أن يكون من لوازم صورة الأصل ، أو من لوازم مثل حكم الفرع ، أو من لوازم اجتماع الأمرين.

__________________

(١) وهو قول الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٧٤.

٢٩٥

فإن كان الأوّل ، لزم منه امتناع إثبات حكم الأصل في الأصل بطريق الأولى ضرورة كون مقصوده أدنى من مقصود حكم الفرع على ما وقع به الفرض.

وإن كان الثاني ، لزم منه امتناع ثبوته في الفرع أيضا ضرورة انّ ما هو المانع من إثباته في الأصل من لوازم نفس ذلك الحكم.

وإن كان الثالث ، فالأصل عدمه.

وفيه نظر ، لما تقدّم من أنّ التعلّق حادث ، لأنّه إضافة متأخّرة عن المتعلّق الحادث ، فلا يكون جزءا من حكمه تعالى لقدمه عندهم.

الخامس : قال بعضهم : يجب أن يكون حصول العلّة في الفرع معلوما لا مظنونا.

والباقون على خلافه ، (١) لعموم (فَاعْتَبِرُوا)(٢) ؛ ولأنّ القاضي يحدّ الزاني والسّارق عند الظهور له ويقضي بوجوبه مع عدم علمه بوجود الزنا ، لأنّ الشهادة تثمر الظن لا العلم ؛ ولأنّه قد حصل ظنّ التعليل بذلك الوصف وظنّ وجوده في الفرع ، فيحصل ظنّ أنّ الحكم في الفرع مثل الحكم في الأصل ، فيجب العمل عليه.

السادس : قال أبو هاشم (٣) : حكم الفرع يجب أن يكون منصوصا

__________________

(١) وهو مذهب الرازي في المحصول : ٢ / ٤٣١ ـ ٤٣٢.

(٢) الحشر : ٢.

(٣) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤٣٢.

٢٩٦

عليه إجمالا حتى يدلّ القياس على تفصيله ، والجدّ لو لا ورود الشرع بتوريثه جملة وإلّا لم يستعمل الصحابة القياس فيه مع الإخوة. وخالفه الباقون ، لأنّ الأدلّة لا تقتضي ذلك.

السابع : يشترط أن لا يكون الفرع منصوصا عليه ، وإلّا لثبت حكمه بالنصّ لا بالقياس ، فإن وجد فيه نص جاز أن يستدلّ عليه بالقياس عند من جوّزه ، لجواز ترادف الأدلّة على مدلول واحد. ومنعه بعضهم ، لأنّ معاذا إنّما عدل إلى الاجتهاد بعد فقد النص فلا يجوز استعماله مع وجوده. ولدلالة الدليل على بطلان العمل بالقياس ، لإفادته الظنّ المنهي عن اتباعه ترك العمل به في غير المنصوص لحاجة ، فيبقى المنصوص على الأصل.

وأجيب بدلالة قصة معاذ على جواز التمسّك بالقياس عند فقد النصّ ، فأمّا عند وجود النصّ فلا دليل فيه على جوازه ، ولا بطلانه.

واعترض : بأنّ جواز القياس فيها معلّق بعدم وجدان النص بكلمة «ان» ، والمعلّق بالشرط بكلمة «انّ» عدم عند عدمه.

وفيه نظر ، لأنّ المعلّق ليس جواز القياس ، بل فعل الاجتهاد ، لأنّه قال : فإن لم تجد قال : اجتهد رأيي ، وهو يدلّ على أنّه إذا وجد لا يجتهد ، أمّا بأنّه لا يجوز فلا.

٢٩٧

البحث الرابع : في الأحكام المتعلّقة بالحكم

وفيه مطالب :

الأول : في القياس في العقليّات

ذهب أكثر المتكلّمين إلى صحّة القياس في العقليّات ، ومنه نوع يسمّى إلحاق الغائب بالشاهد. ولا بدّ فيه من جامع عقلي. (١)

أمّا العلّة ، كقول الأشاعرة (٢) : العالمية شاهدا معلّلة بالعلم ، فوجب في الغائب ذلك.

وأمّا الحدّ كما يقال : حد العالم شاهدا من له العلم ، فيجب طرد الحد في الغائب.

وأمّا الشرط كما يقال : العلم مشروط بالحياة شاهدا ، فكذا الغائب.

وأمّا الدليل كما يقال : التخصيص والأحكام يدلّان شاهدا على الإرادة والعلم ، فكذا في الغائب.

وأقواها العلّة ، ويتوقّف القياس بها على مقدّمتين : التعليل بالعلّة ، ووجودها في الفرع.

فإن حصل العلم بالمقدّمتين ، حصل بثبوت الحكم في الفرع. وإن

__________________

(١) في المحصول : ٢ / ٤١٤ بزيادة العبارة التالية : والجامع اربعة : العلّة ، والحدّ ، والشرط ، والدليل.

(٢) وهو مذهب الرازي في المحصول : ٢ / ٤١٤.

٢٩٨

كانت إحداهما ظنية ، كان الحكم فيه ظنيا. وإنّما قلنا بحصول العلم عند حصوله بالمقدّمتين ؛ لأنّه إذا ثبت تأثير ذلك المعنى فإمّا أن يعتبر في المؤثر به حصوله في صورة الأصل ، فيلزم إدخال قيد كون المعنى هناك في تمام العلّة ، إذ مرادنا به كلّ ما لا بد منه في المؤثرية ، وإمّا أن لا يعتبر فيلزم التعليل في الفرع وإلّا لكان في الأصل تمام العلّة ومستلزما للحكم وهو في الفرع تمام العلّة وليس مستلزما فيكون ترجيحا من غير مرجّح ، لعدم اختلافه في الصورتين لا باعتبار زوال شيء كان ، ولا باعتبار تحدد ما لم يكن ، ولا فرق في العقليات وغيرها.

لا يقال : حاصله الاستدلال بحصول العلّة على حصول المعلول ، وليس ذلك بقياس.

لأنّا نقول (١) : بل هو القياس ، فإنّا إذا رأينا الحكم في صورة ثمّ دلّ الدليل على أنّ المؤثر هو كذا وعلى حصوله في الفرع حصل علم ثبوته فيه. نعم تعيّن المقدّمتين مشكل ، لأنّ الحاصل في الفرع وإن كان مثل الحاصل في الأصل لكن لا بدّ من مغايرة تمايز وهوية وإلّا اتّحدا شخصا ، فجاز أن يكون للتعيين مدخل في العلّية في الأصل أو في المانعية في الفرع.

وقد استدلّ المتكلّمون على تعيين العلّة بوجوه (٢) :

الأوّل : التقسيم غير الحاصر تعويلا على أنّهم بحثوا فلم يجدوا قسما آخر ، وهو دليل العدم ، كالمبصر إذا لم يشاهد في الدار مطلوبه بعد النظر

__________________

(١) ذكر الإشكال والجواب عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤١٥.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤١٦.

٢٩٩

إلى جوانبها نهارا ، فإنّه يقطع بعدمه. وهو ضعيف ، إذ كثير من الموجودات غير معلوم لنا بعد الطلب والبحث ، والقياس على البصر خال عن الجامع ، ومعه فهو إثبات القياس بنفسه.

الثاني : الدوران الخارجي. وقد تقدّم ضعفه.

الثالث : الدوران غير الخارجي ، كقولهم : متى عرفنا كون التكليف أمرا بالمحال ، عرفنا قبحه وإن جهلنا غيره. ومتى لم نعرف كونه أمرا بالمحال لم يعرف قبحه وإن عرفنا جميع الصفات فقد دار العلم بقبحه مع العلم بكونه أمرا بالمحال في الذهن. وهذا الدّوران الذهني يفيد الجزم باستناد القبح إلى الأمر بالتكليف وهو يشتمل [على] أمرين :

أ. لمّا لزم من علم الأمر بالتكليف العلم بقبحه ، لزم تعليل قبحه بكونه أمرا بالتكليف.

ب. لمّا لم يلزم من علم باقي صفاته العلم بقبحه لم يؤثر باقيها في القبح ولا بدّ من الدلالة عليهما ، لأنّهما نظريان.

وينتقض الأوّل بالمضافين (١) ، فإن علم أبوّة شخص يستلزم بنوة آخر ، وبالعكس مع استحالة تعليل أحدهما بالآخر لوجوب مقارنتهما وتقدّم العلّة.

وأمّا الثاني. فلا يمكن القطع بأنّ معرفة سائر الصفات لا يحصل معها علم القبح إلّا بعد معرفة جميع الصفات ، إذ لو جوّزنا وجود صفة لا نعرفها

__________________

(١) في «د» : بالمضاف.

٣٠٠