نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

أمّا أوّلا : فلأنّ المفهوم من كونه قابلا مغاير للمفهوم من كونه فاعلا ، لصحّة تعقّل أحدهما دون الآخر ؛ فإن كانا داخلين لزم التركيب في ذلك المحلّ ، وكان الجزء الّذي هو موصوف بالقابلية غير الجزء الّذي هو موصوف بالفاعلية ، فلا يكون القابل هو الفاعل.

وإن كانا خارجين عاد البحث في أنّ المفهوم من كون تلك الماهية علّة لأحد اللّاحقين غير المفهوم من كونه علة للّاحق الآخر ، ويكون الكلام فيهما كالكلام في الأوّل ويتسلسل.

وإن كان أحدهما داخلا والآخر خارجا ، لزم تركيب الماهية ، فإنّ كلّ ما له جزء فهو مركب ، ويلزم إمّا كون الفاعلية جزءا أو القابلية ؛ وكلاهما محال ، لأنّهما نسبتان بين الماهية وغيرها ، والنسبة خارجة عن المنتسبين ، والخارج لا يكون داخلا ، فلا يمكن دخول شيء منهما في الماهية.

وأمّا ثانيا : فلأنّ نسبة القابل إلى المقبول نسبة الإمكان ، ونسبة الأثر إلى المؤثر نسبة الوجوب ؛ فلو كان الشيء الواحد موصوفا بهما بالنسبة إلى شيء واحد ، لزم اتصاف تلك النسبة الواحدة بالوجوب والإمكان معا ، وهو محال.

لأنّا نقول : القابلية والفاعلية من الصفات الاعتبارية لا تحقّق لهما في الخارج ، فلا يصحّ القسمة بأنّهما إمّا داخلان أو خارجان أو بالتفريق ، ولا امتناع في اتّصاف الماهية بالنسبة بالوجوب والإمكان باعتبارين.

٢٤١

البحث الخامس : في العلّة القاصرة

اختلف الناس في جواز التعليل بالعلّة القاصرة ، وهي الوصف المختص بالأصل بعد اتّفاقهم على جوازه إن كانت منصوصة أو مجمعا عليها ، وعلى اشتراط التعليل بالمتعدّية في صحّة القياس ، كتعليل الشافعي تحريم الربا في النقدين بجوهر الثمنية.

فذهب أكثر المتكلّمين والشافعي وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري وأكثر الفقهاء إلى الجواز.

وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد الله البصري وأبو الحسن الكرخي إلى المنع.

والوجه الأوّل لوجوه (١) :

الأوّل (٢) : صحّة تعدية العلّة إلى الفرع موقوفة على صحّتها في نفسها ، فلو توقّف (٣) صحّتها في نفسها على صحّة التعدية إلى الفرع ، دار. وإذا لم تتوقّف صحّة العلّة في نفسها وإن لم تكن متعدية.

وفيه نظر ، فإنّ التعدية والتعليل وصفان عارضان للماهية ، فجاز أن يكون صحّة الثانية موقوفة على ثبوت الأولى ، ولا دور.

واعترض (٤) بجواز أن يقال : صحّتها في نفسها لا تتوقّف على صحّة

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٣٩ ـ ٢٤٠.

(٢) هذا الوجه يمثّل قول الرازي في المحصول : ٢ / ٤٠٣.

(٣) في المحصول : ٢ / ٤٠٣ : توقفت.

(٤) ذكر الاعتراض وأجاب عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

٢٤٢

تعديتها ، بل على صحّة وجودها في غير الأصل ، فلا دور.

أجيب بأنّ الحاصل في محل آخر لا يكون هو بعينه ، لاستحالة حلول الشيء في محلّين ، بل مثله ، فكلّ ما يحصل له من الصفات عند حلول مثله في محلّ آخر يكون ممكن الحصول له عند عدم حلول مثله في محلّ آخر ، لأنّ حكم الشيء حكم مثله ، وإذا أمكن حصول تلك الأمور فبتقدير تحقّق ذلك ، وجب أن تكون علّة ، لأنّ تلك العلّيّة ما حصلت إلّا بسبب تلك الأمور.

واعترض (١) أيضا بأنّ المراد بالتعدية الموقوفة على صحّة العلّة إن كان ثبوت الحكم بها في الفرع ، فهو مسلم ؛ وإن أردتم بالتعدية وجودها في الفرع لا غير ، فهو ممنوع.

فنقول : التعدية بالاعتبار الأوّل ليست شرطا في صحة العلّة ، فلا دور ؛ وإنّما نقول بأنّ شرط صحّة العلّة التعدية بالاعتبار الثاني ، وهو غير مستلزم للدّور ، فإنّ صحّة التعدية وإن كانت مشروطة بوجودها في غير محلّ النص ، فوجودها فيه غير متوقّف على صحّتها في نفسها ، فلا دور.

سلّمنا توقّف التعدية على الصحّة وتوقّف الصحّة على التعدية ، فإنّما يلزم الدور لو كان ذلك التوقّف توقّف المشروط أو المعلول ، أمّا إذا كان توقّف المعية كالمضافين ، فلا.

الثاني : دار الحكم مع الوصف القاصر وجودا وعدما فكان علّة

__________________

(١) ذكر الاعتراض وأجاب عنه الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٣٩.

٢٤٣

كالمتعدي ، وهو يتوقّف على كون الدوران دليلا.

الثالث : جاز أن يكون علّة عند دلالة النص عليها إجماعا ، فكذا عند الاستنباط.

واعترض بالفرق لأنّ علّيتها عند دلالة النص عليها مستفادة من النص ، ودلالة النصّ عليها غير متحقّقة حال استنباطها ، فلا يلزم أن يكون علّة.

أجيب بأنّ النصّ إذا دلّ على علّية الوصف القاصر ، وجب الحكم بعلّته المستنبطة لما بينهما من الاشتراك في الحكمة.

اعترض بأنّه قياس في الأسباب ، وسيأتي بطلانه.

الرابع : الوصف القاصر إذا كان مناسبا للحكم والحكم ثابت على وفقه ، غلب على الظن كونه علّة للحكم بمعنى كونه باعثا عليه ، ولا معنى لصحّة العلّة سوى هذا.

احتجّ المانعون بوجوه (١) :

الأوّل : العلّة القاصرة غير مفيدة فلا تصلح للتعليل وإلّا كان عبثا. وبيان الأوّل انّ الفائدة من ذلك ان يتوسل به إلى معرفة الحكم ، وهي مفقودة هنا ، لأنّه لا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في الأصل لاستفادته من النص أو الإجماع ؛ ولأنّها مستنبطة منه فتكون فرعا عليه ، فلا تكون مثبتة له ، وإلّا لكان فرعا عليها ، وهو دور. ولا في غيره لعرائه عنها وشرط التعليل الوجود.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٤٠٤.

٢٤٤

الثاني : الدليل ينفي القول بالعلّة المظنونة ، لأنّه اتّباع الظن المنهي عنه ترك العمل به في التعدية لفائدة التوسّل بها إلى معرفة الحكم في غير محلّ النص ، وهي منفية في القاصرة فتبقى على الأصل.

الثالث : العلّة الشرعية أمارة ، فلا بد وأن تكون كاشفة عن شيء ، والقاصرة لا تكشف عن شيء من الأحكام فلا تكون أمارة ، فلا تكون علّة.

الجواب : والجواب عن الأوّل. نمنع حصر الفائدة في تعريف الحكم وهنا فوائد أخرى : (١)

الأولى : معرفة مطابقة الحكم الشرعي لوجه الحكمة والمصلحة ، وهو أمر معتبر ، لأنّ النفوس أقبل للأحكام المطابقة للحكم والمصالح ، وأدعى إلى الانقياد بخلاف الحكم المحض والتعبّد الصرف. فيكون أفضى إلى تحصيل مقصود الشرع من شرع الحكم فكان مفيدا.

الثانية : لا فائدة أكثر من العلم بالشيء ، فإنّا إذا علمنا الحكم ثمّ اطلعنا على علّته ، علمنا أو ظننّا ما كنّا غافلين عنه جاهلين به ، وهو أمر مطلوب للعقلاء وفائدة كلية.

الثالثة : إذا كانت العلّة قاصرة ، فبتقدير ظهور وصف آخر متعد في محلها يمتنع (تعدية) (٢) الحكم به دون ترجيحه على العلّة القاصرة ، وهو فائدة جليلة.

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٠٥ ؛ الإحكام : ٣ / ٢٤٠.

(٢) الإحكام : ٣ / ٢٤٠.

٢٤٥

سلّمنا أنّه لا بدّ وأن يتوسّل بالعلّة إلى حكم ، لكن في جانب الثبوت ، أو العدم.

الأوّل ممنوع ، والثاني مسلّم. وهنا أمكن التوسّل به إلى عدم الحكم ، فإنّه إذا غلب على الظن كون حكم الأصل معلّلا بعلّة قاصرة ، امتنعنا من القياس عليه ، فلا يثبت الحكم في الفرع.

لا يقال : يكفي في الامتناع من القياس عدم وجدان التعدية فلا حاجة إلى العلّة القاصرة.

لأنّا نقول : يجوز وجود وصف متعدّ مناسب ، فلو لم يجز التعليل بالقاصرة بقي المتعدّي خاليا عن المعارض ، فيثبت الحكم في الفرع ؛ ومع جواز التعليل بالقاصرة صار معارضا ، فلا يثبت الحكم في الفرع.

سلّمنا عدم الفائدة ونمنع البطلان ، لإمكان أن يكون علّة مؤثرة في الحكم ، مع أنّ الطالب لها يكون طالبا لما لا ينتفع به.

سلّمنا أنّ ما لا فائدة له لا يجوز إثباته ، لكن لا يجوز ذلك قبل أن يعلم انتفاء الفائدة أو بعده. الأوّل ممنوع ، والثاني مسلّم. وهنا المستنبط للعلّة حال طلبه لا يعلم أنّها متعدّية أو قاصرة ، فلا يمكنه منعه عن ذلك الطلب. وبعد وقوفه على القاصرة لا يمكنه منعه عن معرفتها ، لأنّ ذلك خارج عن وسعه.

وفيه نظر ، لأنّ معرفته لا تستلزم التعليل بها ، فإنّا نسلّم أنّه بحث ووجد العلّة القاصرة ، لكنّا نقول : إذا عرف أنّها قاصرة منع من التعليل بها.

٢٤٦

سلّمنا ، لكن ينتقض ما ذكرته بالعلّة المنصوصة.

وعن الثاني (١). نمنع عدم التمسك بالمظنون. وقد سبق الجواب عن الآيات.

وعن الثالث (٢). انّ المتعدّية كما أنّها وسيلة إلى إثبات الحكم ، فالقاصرة وسيلة إلى نفيه ، لكن القاصرة أولى لأنّها على وفق الأصل ، والمتعدية على خلافه.

قوله : إنّها لا تكشف عن حكم.

قلنا : يكشف عن المنع من استعمال القياس.

البحث السادس : في مدرك حكم الأصل

اختلف الشافعية والحنفية في حكم أصل القياس المنصوص عليه هل هو ثابت بالعلّة أو النصّ؟

فقالت الشافعية بالأوّل ، لأنّ الحكم إنّما يستند إلى علّته.

وقالت الحنفية بالثاني لوجوه (٣) :

الأوّل : الحكم في الأصل مقطوع به ، والعلّة المستنبطة منه مظنونة فلا يستند المقطوع إليها.

__________________

(١) راجع المحصول : ٢ / ٤٠٦.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٤٠٦.

(٣) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٧٠ ، المسألة العشرون.

٢٤٧

الثاني : العلّة مستنبطة من حكم الأصل ومتفرّعة عليه وتابعة له في الوجود ، فلو ثبت الحكم بها دار.

الثالث : قد ثبت الحكم تعبّدا من غير علّة ، فلو كان ثابتا بالعلّة لم يثبت مع عدمها.

والخلاف هنا لفظي ، لأنّ الشافعية عنوا بالعلّة الباعث للشارع على الحكم في الأصل لا أنّها معرفة لنا إثباته فيه ، بل انّها أمر مناسب يغلب على الظن أنّ الشرع أثبت الحكم لأجله. والحنفية وافقوا عليه وإذا قالوا : «العلّة غير مثبتة للحكم» لم يريدوا نفي أنّها باعثة ، بل أنّها غير معرفة للحكم في الأصل بالنسبة إلينا ، والشافعية يسلّمونه (١).

البحث السابع : في التعليل بالحكم هل هو جائز أم لا؟

اعلم أنّ الوصف الحقيقي إذا كان ظاهرا منضبطا جاز التعليل به بالنصّ عندنا ومطلقا عند القائلين بالقياس ؛ وأمّا الّذي لا يكون كذلك ، كالحاجة إلى تحصيل المصلحة ودفع المفسدة وهي الّتي يسمّيها الفقهاء بالحكمة فقد اختلفوا ، فالأكثر على منعه ، وجوّزه الأقل ، وفصّل آخرون بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنصها والحكمة المضطربة الخفية فجوّز التعليل بالأولى دون الثانية.

__________________

(١) جاء في نسخة «أ» : وإلى هنا آخر الجزء الثالث من النسخة الّتي هي بخط المصنّف ـ أدام الله ظلاله ـ.

٢٤٨

احتجّ الأوّلون بوجوه (١) :

الأوّل : الحكم إن كان معلّلا بمطلق الحاجة ، كان كلّ حاجة معتبرة ؛ وإن كان لحاجة مخصوصة مع أنّها من الأمور الباطنة فلا يمكن الوقوف على مقاديرها ، وامتياز كلّ مرتبة من المراتب الّتي لا تتناهى عن الأخرى ، فيمتنع التعليل بالمعين الّذي لا يعلم.

الثاني : لو صحّ التعليل بالحكمة لما صحّ تعليله بالوصف ، والتالي باطل فكذا المقدّم.

بيان الشرطية : أنّ الحكم لا بدّ له من فائدة تعود إلى العبد ، للإجماع على أنّ الشرائع مصالح إمّا وجوبا على رأي المعتزلة ، أو تفضّلا على رأي الأشاعرة ؛ فالمؤثّر في الحكم في الحقيقة هو الحكمة ، والوصف إنّما جعل مؤثرا لاشتماله عليها ، فإذا أمكن استناد الحكم إلى الحكمة لم يجز استناده إلى الوصف ، فإنّ كلّ ما قدح في استناده إلى الحكمة قدح في استناده إلى الوصف ، لأنّ القادح في الأصل قادح في الفرع ، ولا ينعكس ، فاستناده إلى الوصف تكثير لإمكان الغلط من غير حاجة ، وهو غير جائز ، ولمّا جاز علمنا تعذّر التعليل بالحكمة.

الثالث : لو جاز التعليل بالحكمة لوجب طلبها ، لأنّه مأمور بالقياس ولا يمكن إلّا عند وجود العلّة ولا يمكن إلّا عند الطلب ، وما يتوقّف عليه الواجب واجب ، والتالي باطل ؛ لأنّ الحكمة لا تعرف إلّا بواسطة معرفة

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٩.

٢٤٩

الحاجة ، والحاجة خفية لا يعرف مقدارها إلّا بمشقة عظيمة فلا تكون واجبة ، لقوله تعالى : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(١).

الرابع : استقراء الشريعة يدلّ على أنّ الحكم معلّل بالأوصاف لا بالحكم ؛ لأنّا لو فرضنا حصول الأوصاف كالنكاح والبيع والهبة والعارية عارية عن المصالح ، استندت الأحكام إليها ؛ ولو فرضنا حصول المصالح دون هذه الأوصاف لم تثبت بها الأحكام الملاءمة لها ، وهو يدلّ على امتناع التعليل بالحكم.

الخامس : الدليل ينفي التمسّك بالعلّة المظنونة ، لقوله (وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)(٢) خالفناه في الوصف الجلي لظهوره ، والحاجة ليست كذلك فتبقى على الأصل.

السادس : الحكمة تابعة للحكم ، لأنّ حصول الزجر تابع لحصول القصاص ، وعلّة الشيء يستحيل تأخّرها عن الشيء فالحكمة ليست علة.

والجواب عن الأوّل (٣). لا نزاع في أنّ المناسبة طريق إلى علّة الوصف بمعنى أنّا نستدلّ باشتمال الوصف على المصلحة على كونه علّة ؛ فإن كان دليل العلّية اشتماله على كلّ مصلحة ، وجب كون كلّ وصف

__________________

(١) الحج : ٧٨.

(٢) النجم : ٢٨.

(٣) ذكر الرازي الأجوبة في المحصول : ٢ / ٣٩١ ـ ٣٩٢.

٢٥٠

اشتمل على أي مصلحة كانت علة لذلك الحكم ؛ أو اشتماله على مصلحة معينة ، فإن امتنع الاطّلاع عليها امتنع الاستدلال باشتمال الوصف عليها على كونه علّة ، لتوقّف العلم باشتمال الوصف عليها على العلم بها ، وإن أمكن اندفع الإشكال.

وعن الثاني. أنّ التعليل بالحكمة وإن كان راجحا على التعليل بالوصف باعتبار ما قلت ، لكن التعليل بالوصف راجح باعتبار سهولة الاطّلاع على الوصف وضبطه وعسر ذلك في الحكمة ؛ فلمّا ترجّح كلّ منهما من وجه حصل التساوي.

وعن الثالث. إنّا وإن اختلفنا في جواز التعليل بالحكمة ، لكنّا أجمعنا على أنّ الوصف إنّما هو علّة لاشتماله على الحكمة ؛ فإن لم يقتض ذلك وجوب طلب الحكمة مع ثبوت العلّية بطل قولك ، وإن اقتضى بطل قولك أيضا.

وعن الرابع. نمنع دلالة الاستقراء على التعليل بالوصف لوجود التعليل بالحكم في صور كثيرة ، كالتوسط في إقامة الحد بين المهلك وغير الزاجر ، وكذا الفرق بين العمل اليسير والكثير.

وعن الخامس. أنّ الحكمة علّة لعلّيّة الوصف ، فهي أولى بالجواز أن تكون علّة للحكم من الوصف ، فإن اقتضى منع العمل بالظن بطلان التعليل بالحكمة اقتضى في الوصف.

وعن السادس. أنّ الحكمة ثمرة الحكم في الخارج لا الذهن.

٢٥١

واحتجّ المجوّزون بأنّ ظن استناد الحكم في مورد النص إلى الحكمة وحصول تلك الحكمة في صورة أخرى توجب ظن حصول الحكم في تلك الصورة والعمل بالظن واجب.

والحكمة أيضا علّة لعلّيّة العلّة فأولى أن تكون علّة.

بيان الأولى أنّ الوصف إنّما يؤثر في الحكم إذا اشتمل على جلب نفع ، أو دفع ضرر ، وكونه علة معلل بهذه الحكمة ؛ فإن لم يمكن العلم بتلك الحكمة المخصوصة ، استحال معرفة كون الوصف علّة باعتباره. وإن أمكن وهو مؤثر في الحكم والوصف غير مؤثر كان إسناد الحكم إلى الحكمة المعلومة المؤثرة أولى من إسناده إلى الوصف الّذي ليس بمؤثر.

البحث الثامن : في التعليل بالعدم

الحكم إن كان عدميا جاز تعليله بالعدمي ؛ وإن كان ثبوتيا قيل لا يجوز تعليله بالوصف العدمي ، وقيل بالجواز.

احتج الأوّلون بوجوه (١) :

الأوّل : العلّية صفة ثبوتية لأنّها نقيض اللّاعلّية المحمولة على العدم فتكون عدمية ؛ وإذا كان اللاعلّية عدمية فالعلية ثبوتية ، لاستحالة اتّصاف النقيضين بالعدم ؛ وإذا كانت العلّية ثبوتية استحال وصف العدم بها ، لامتناع قيام الصفة الوجودية بالمحل المعدوم وإلّا لزم الشك في وجود الأجسام ،

__________________

(١) ذكرها الرازي مع الأجوبة عنها في المحصول : ٢ / ٣٩٣ ـ ٣٩٦.

٢٥٢

لأنّا إنّما نشاهد من الجسم لونه وحصوله في مكان معين ومقداره ، فلو جوّزنا قيام الموجود بالمعدوم جوّزنا قيام هذه الصفات بجسم معدوم ، وهو سفسطة.

الثاني : العلّة يجب أن تتميّز عمّا ليس بعلّة سواء أريد بها المعرّف أو الداعي أو المؤثر. والتمييز عبارة عن تخصيص كلّ من المتميّزين عن صاحبه بحيث لا يكون تعيّن هذا حاصلا لذلك ، وبالعكس. وهذا إنّما يعقل في الأمور الثبوتية ، فإنّ العدمات نفي محض وعدم صرف لا يعقل فيها الامتياز والتخصيص.

الثالث : العدم إن عرى عن جميع النسب من كلّ وجه لم يكن مختصا بذات دون أخرى ولا بوقت دون آخر ، فلا يكون علّة لحكم معيّن ، ولا في شخص معين. وإن كان له انتساب بوجه ما كان ذلك الانتساب ثبوتيا لكونه نقيض اللّاانتساب ، فيكون العدم موصوفا بالثبوت وهو محال.

الرابع : المجتهد إذا بحث عن العلّة لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية لعدم تناهيها ، ويجب عليه سبر كلّ وصف يمكن أن يكون علّة ، فإذن الوصف العدمي لا يصلح للعلّيّة.

الخامس : قوله تعالى : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى)(١) والعدم نفي محض ، فلا يكون من سعيه فلا يترتب الحكم عليه ، لأنّ كلّ حكم فإنّه يحصل للإنسان بسببه جلب نفع أو دفع ضرر ، فالعدمي لا يكون علّة.

__________________

(١) النجم : ٣٩.

٢٥٣

لا يقال : الامتناع عن الفعل عدم مع صحّة الأمر به وكونه منشأ لمصلحة أو مفسدة.

لأنّا نقول : الامتناع عبارة عن فعل أمر يترتّب عليه عدم ذلك الشيء ، فلا يكون الامتناع عدما محضا.

السادس : يصحّ قول القائل : «أي شيء وجد حتى حدث هذا الأمر؟» ولو لم يكن الحدوث متوقّفا على وجود شيء لما صحّ هذا الكلام ، كما لو قال : «أي رجل مات حتى حدث لفلان هذا المال؟» حيث لم يكن حدوث المال متوقّفا على ما قيل.

السابع : لو كان عدما لكان مناسبا أو مظنة والعدم المطلق باطل والمخصص إن كان وجوده منشأ مصلحة فباطل إن يكون عدمه مناسبا أو مظنة ، لاستلزام عدمه فوات تلك المصلحة وإن كان منشأ مفسدة كان مانعا فعدمه عدم المانع ، فلا يكون مناسبا ولا مظنة. وإن كان وجوده ينافي وجود المناسب لم يصلح عدم ذلك الأمر مظنّة لها ، بل ذلك الأمر وهو ما ينافيه ، أعني : المناسب ؛ لأنّ المناسب إن كان ظاهرا تعيّن للعلّيّة بنفسه فلا يحتاج إلى مظنّة ، وإن كان خفيا فنقيضه خفي والخفي لا يعرف الخفي. وإن لم يكن وجود ذلك الأمر ينافي المناسب كان وجوده كعدمه بالنسبة إلى ذلك الحكم ، إذ وجوده ليس منشأ مصلحة ولا مفسدة.

الثامن : لم يسمع أحد يقول العلّة كذا أو عدم كذا.

والجواب عن الأوّل. المعارضة بأنّ العلّيّة لو كانت ثبوتية لكانت من

٢٥٤

عوارض ذات العلّة ، فكانت مفتقرة إلى تلك الذات ، وكانت ممكنة ، فكانت علّيّة العلّة لتلك العلّة زائدة عليها ويتسلسل.

وعن الثاني. أنّ العلّة وإن كانت متميّزة عمّا ليس بعلّة ، لكن التميّز لا يستدعي كون التميّز ثبوتيا ، فإنّ عدم أحد الضدين يصحّح حلول الضد الآخر فيه ، وعدم ما ليس بضد ليس كذلك. وعدم اللازم يقتضي عدم الملزوم ، وعدم غيره لا يقتضيه فقد وقع الامتياز في العدمات.

وعن الثالث. أنّ العلّة عدم مخصوص ، ولا نسلم أنّ الخصوصية ثبوتية ، وإلّا لكانت في نفسها أمرا مخصوصا ، ويتسلسل.

وعن الرابع. لا نسلم أنّ المجتهد لا يبحث في السبر والتقسيم عن الأوصاف العدمية. سلّمنا لكن سقط التكليف لتعذّره لعدم تناهي العدمات.

وعن الخامس. انّا نعلم بالضرورة كوننا مكلّفين بالامتناع فالعدم ينتفي ، ولا يجوز أن يكون الامتناع فعلا ترتب عليه ذلك العدم ، وإلّا لكان الممتنع عن الفعل فاعلا ، وهو محال.

وفيه نظر ، لمنع استحالته ، فإنّ الامتناع عن فعل لو كان فعلا خاصا مغايرا لذلك الفعل لم يلزم منه محال.

وفي السادس. نظر ، إذ لا عبرة في أمثال هذه المباحث العقلية بالألفاظ الصادرة عن العامة.

سلّمنا ، لكنّهم قد يقولون أي شيء حدث أو أي سلطان عدم حتى حصل الأمر الفلاني.

٢٥٥

واحتجّ المجوّزون بأنّه يحصل دوران الحكم مع بعض العدمات ، والدوران (١) يفيد ظنّ العلّية.

تذنيب : الإضافات عدمية ، لأنّ جزءها وهو مطلق الإضافة عدمي ، إذ لو كان وجوديا لكان أينما حصل هذا المسمّى كان وجوديا. فإذا فرضنا في إضافة انّها وجودية كانت صفة حالّة في المحل ، وحلولها إضافة بينها وبين ذلك المحل ، فكان مسمّى الإضافة حاصلا في حلول تلك الإضافة في ذلك المحل.

وإذا كان ذلك المسمّى وجوديا كانت إضافة الإضافة أمرا وجوديا زائدا على الإضافة الأولى إلى غير النهاية ، وهو محال ، فثبت أنّ مسمّى الإضافة يمتنع أن يكون وجوديا. فلا يكون شيء من الإضافات المخصوصة وجوديا ، لأنّ الإضافة المخصوصة ماهيّة مركّبة من الإضافة ومن قيد الخصوصية ، فلو كانت وجودية لكان الوجودي إمّا قيد الإضافة ، أو قيد الخصوصيّة.

والأوّل باطل ، لما قلنا. والثاني أيضا باطل ، لأنّ خصوصية الإضافة صفة للإضافة ، فلو كانت الخصوصية أمرا ثبوتيا لزم حلول الوجودي في النفي المحض ، وهو محال. فثبت أنّ شيئا من الإضافات يمتنع أن يكون وجوديا. إذا ثبت هذا فمن منع التعليل بالأمور العدمية منع من التعليل بالأمور الإضافية ، ومن سوّغ هناك سوّغه هنا.

__________________

(١) في «أ» : الاقتران.

٢٥٦

وفيه نظر ، فإنّه لا يلزم من كون المطلق وجوديا كون أنواعه كذلك ، لجواز أن تكون المخصّصات عدمية.

البحث التاسع : في تعليل الحكم الشرعي بمثله

اختلف الناس في جواز تعليل الحكم الشرعي بحكم آخر شرعي فجوّزه الأكثر ، ونفاه الأقل.

احتجّ الأوّلون بأنّ الدّوران يفيد ظن العلّيّة ، فإذا حصل في الحكم الشرعي حصل ظن العلّيّة ، ولأنّا نعلّل تحريم البيع بالنجاسة.

واحتجّ الآخرون بوجوه (١) :

الأوّل : ما جعل علّة يحتمل أن يكون متقدّما على ما جعل معلولا ، فلا يصلح للعلّيّة حينئذ ، وإلّا لزم تخلّف الحكم عن العلّة وهو نقض للعلّة ، والأصل عدمه.

وأن يكون متأخّرا فلا يصلح للعلّيّة أيضا ، لأنّ المتأخّر لا يكون علّة للمتقدّم.

وأن يكون مقارنا فليس جعله علّة أولى من العكس ، ولأنّه حينئذ يحتمل أن يكون هو العلّة وأن يكون غيره. فهو على ثلاثة تقادير ليس علّة وعلى تقدير واحد يكون علّة ، والعبرة في الشرع إنّما هو بالغالب ، فعدم

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٩٧.

٢٥٧

العلّيّة أغلب على الظن من ثبوتها ، وكلّ حكم غلب على الظن عدم التعليل به ، امتنع أن يكون علّة.

الثاني : العلّة إمّا أن تفسّر بالدّاعي أو بالمؤثر أو بالمعرّف. والأوّلان باطلان هنا ، لأنّ القائل بهما يقول المؤثر والداعي جهات المصالح والمفاسد ، فالقول بأنّ الحكم الشرعي مؤثرا أو داع خلاف الإجماع ، وهو باطل وكذا الثالث ، لأنّ المعرف بحكم الأصل هو النص لا غير.

الثالث : شرط العلّة تقدّمها على المعلول ، وتقدّم أحد الحكمين على الآخر غير معلوم ، فلا يجوز الحكم بالعلّية.

الرابع : إذا أثبت الشرع حكمين في صورة واحدة فليس لأحدهما مزيّة في الوجود والافتقار والمعلومية ، فليس جعل أحدهما علّة أولى من العكس ، فإمّا أن يحكم بالعلّيّة بينهما من كلا الطرفين وهو دور ، أو نفيها من كليهما وهو المطلوب.

وأجيب عن الأوّل. بجواز التأخير ، لأنّ المراد من العلّة المعرّف ، والمتأخّر قد يعرف المتقدّم.

وبجواز التقدّم ولا يلزم النقض ، فإنّ الحكم ليس علّة لذاته ، بل باعتبار الشرع له بقران الحكم الآخر به ، كما في تعليل تحريم شرب الخمر بالشدة المطربة ، فإنّ الشدة وإن كانت متقدّمة على التحريم فلا يقال أنّها علّة قبل اعتبارها في الشرع بقران الحكم بها ، وليس تخلف الحكم مقتضيا بعضها قبل ورود الشرع.

٢٥٨

وبجواز التقارن وأولوية العلّيّة لأحدهما ، لأنّا نفرض الكلام فيما إذا كان أحد الحكمين مناسبا للحكم الآخر من غير عكس.

وعن الثاني. أنّ المراد من العلّة المعرّف ، والنص وإن كان علّة لثبوت الحكم في الأصل لكن في الفرع عرف الحكم بالعلّة.

وعن الثالث : نمنع اشتراط التقدّم في العلّيّة.

وعن الرابع. بجواز أن يكون كلّ منهما علّة لصاحبه ، بمعنى كون كلّ منهما معرّفا لصاحبه.

تذنيب

إذا جعلنا العلّة بمعنى المعرّف جاز أن يكون الحكم الشرعي علّة في الحكم الحقيقي ، كما يعلّل إثبات الحياة في الشّعر بأنّه يحرم بالطلاق ، ويحلّ بالنكاح ، فيكون حيّا كاليد ، لإمكان جعل الحكم الشرعي معرفا للأمر الحقيقي.

فائدة

يجوز التعليل بالأوصاف العرفية عند مجوّزي القياس ، كالشرف والخسّة والكمال والنقصان ، بشرط الضبط والاطّراد حتى يكون متميّزا عن غيره ولا يختلف باختلاف الأوقات ، إذ لو اختلف باختلافهما جاز تجدّده بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يجوز التعليل به.

٢٥٩

البحث العاشر : في الوصف المركّب

اختلف الناس في جواز التعليل بالعلّة المركّبة ، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان ، فجوّزه الأكثر ، ومنعه الأقل. ونحن لمّا اشترطنا في العلّة التنصيص وجاز أن ينص الشارع على التعليل بمجموع أمرين أو أمور بحيث لا يكون الحكم مسندا إلى بعض تلك الأوصاف جاز أن تكون مركبة ، ومن لم يشترط النص اختلفوا على ما قلناه.

واحتجّ المجوّزون (١) بإمكان قيام الدليل على أن تكون الهيئة الاجتماعية من الأوصاف المتعدّدة علّة إمّا لمناسبة أو شبه ، أو سبر أو تقسيم ، أو غير ذلك من طرق الاستنباطات والتخريج مع اقتران الحكم أو الدوران وبالجملة دليل علّيّة الوصف الواحد يمكن ثبوته هنا.

احتجّ المانعون بوجوه (٢) :

الأوّل : لو كانت العلّة مركّبة لزم النقض في العلّة العقلية ، والتالي باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطية : أنّ عدم كلّ جزء من أجزاء المركب علّة تامة لعدم علّيّة تلك الماهية ، لأنّ كون الماهية علّة صفة من صفات الماهية ، وتحقّق الصفة موقوف على تحقّق الموصوف ، فعدم كلّ جزء علّة تامة لعدم علّيّة تلك

__________________

(١) الإحكام : ٣ / ٢٣٤ ، المسألة السادسة.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٩٩.

٢٦٠