نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

النزاع فيه ؛ وإيراد القول بالموجب على وجه يلزم منه تغيير كلام المستدلّ عن ظاهره ، لا يكون قولا بموجبه ، بل بغيره فلا يكون مقبولا.

والجواب عن القول بالموجب بالاعتبار الثاني من وجوه (١) :

الأوّل : أن يكون المستدلّ قد أفتى بما يقع مدلولا لدليله وفرض المعترض الكلام معه فيه ، وطالبه بالدليل عليه ، فإذا قال بالموجب بعد ذلك فقد سلّم ما وقع النزاع فيه ؛ وأفسد عليه القول بالموجب ، بالمطالبة بالدليل عليه أوّلا.

وبمثل هذا يمكن أن يجاب عن القول بالموجب بالقول بالاعتبار الأوّل.

الثاني : أن يبيّن أنّ المسح الماخذ ويبين اشتهاره بين النّظائر. (٢)

الثالث : أن يبيّن أنّ محل النزاع لازم من مدلول دليله إن أمكن بأن يكون المعترض قد ساعد على وجود المقتضي لوجوب القصاص ، وكانت الموانع الّتي يوافق المستدلّ عليها مرتفعة ، والشروط متحقّقة ، فإذا أبطل كون المانع المذكور مانعا لزم منه الحكم المتنازع فيه.

وعن الثالث بأنّ الحذف لإحدى المقدّمتين شائع ودليلي (٣) عبارة عن مجموعهما.

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٤ / ١١٩.

(٢) كذا في النسخ الّتي بأيدينا ، وفي الإحكام : ٤ / ١٢٠ العبارة كما يلي : الثاني : أن يبيّن أنّ لقب المسألة مشهور بذلك بين النظّار.

(٣) في «ج» و «د» : ودليل.

٢٢١

المطلب السادس : في الفرق

والكلام فيه مبني على جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين وعدمه.

واختلف في ماهيته فقال بعضهم : إنّه لا يخرج عن المعارضة في الأصل أو الفرع.

وعند بعض القدماء : انّه عبارة عن مجموع الأمرين ، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا.

ولهذا اختلفوا فمنهم من قال : إنّه غير مقبول لما فيه من الجمع بين أسئلة مختلفة. وهي المعارضة في الأصل والمعارضة في الفرع.

ومنهم من قال بقبوله ، واختلفوا مع ذلك في كونه سؤالين أو سؤالا واحدا.

فقال ابن سريج : إنّه سؤالان ، وجوّز الجمع بينهما لكونه أدلّ على الفرق.

وقال غيره : بل سؤال واحد لاتّحاد مقصوده ، وهو الفرق وإن اختلفت صيغته.

وقال بعض القدماء : ليس هذا سؤال الفرق ، وإنّما هو عبارة عن بيان معنى في الأصل له مدخل في التأثير ، ولا وجود له في الفرع فيرجع حاصله إلى بيان انتفاء علّة الأصل في الفرع ، وبه ينقطع الجمع.

وجوابه على كلّ التقادير لا يخرج عمّا ذكرناه في جواب المعارضة في الأصل والفرع. وسيأتي باقي الاعتراضات إن شاء الله تعالى.

٢٢٢

الفصل الخامس :

فيما يصحّ التعليل به وما يمتنع

وفيه مباحث :

الأوّل : في التعليل بعلّتين

وفيه مطلبان :

الأوّل : في جواز ذلك في المنصوصة

لا خلاف في جواز تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلل متعددة في كلّ صورة بعلّة ، وإنّما الخلاف فيما إذا اتّحد المحل.

أمّا في المنصوصة فقد جوّزه الأكثر (١) ، ومنع منه القاضي أبو بكر والجويني.

احتجّ الأوّلون (٢) بأنّ القتل والردة والزنا كلّ واحد لو انفرد كان

__________________

(١) وأيّده الغزّالي في المستصفى : ٢ / ٣٦٤ ، الباب الرابع : في أركان القياس ، قائلا : اختلفوا في تعليل الحكم بعلّتين ، والصحيح عندنا جوازه ، لأنّ العلّة الشرعية علامة ، ولا يمتنع نصب علامتين على شيء واحد ، وإنّما يمتنع هذا في العلل العقلية. ودليل جوازه وقوعه ، فإنّ من لمس ومس وبال في وقت واحد ينتقض وضوؤه ولا يحال على واحد من هذه الأسباب.

(٢) وهو قول الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٠.

٢٢٣

مستقلّا بحلّ القتل ، وهي غير متضادة ، فيصحّ اجتماعها. وحينئذ إذا وجدت دفعة كان حل الدّم مستندا إليها كلّها لعدم الأولوية. فإمّا أن لا يصدر عن شيء منها الإباحة وهو خلاف الإجماع ، أو عن الكلّ وهو المطلوب. وكذا من أحدث أمرين دفعة وجب الوضوء بهما ، وثبوت الولاية على الصغير المجنون ، وتحريم الوالدة المرضعة ، وتحريم وطء الحائض المعتدة المحرمة ، ونظائره كثيرة.

والاعتراض من وجوه (١) : الأوّل. لا نسلّم وحدة الحكم ، فإن حلّ القتل بسبب الردّة غير حلّه بسبب القتل. فإنّ الأوّل يسقط بالتوبة دون الثاني ، والثاني يسقط بعفو الولي دون الأوّل. وإذا تغايرت علّة العدم تغايرت علّة الوجود بالضرورة ، لأنّها هي هي لا أنّها إذا حضرت اثرت الوجود وإن عدمت اثرت العدم. ولأنّ القتل المستحق بسبب الجناية يجوز لولي الدم العفو عنه والمستحق بسبب الردة لا يتمكّن الولي من إسقاطه وهو يدلّ على تغاير الحكمين.

الثاني : سلّمنا وحدة الحكم لكن نمنع اقتران العلل دفعة ، بل لا بد وأن يتقدّم أحدها فيحال الحكم عليه.

الثالث : سلمنا الاقتران لكن يجوز اشتراكها بأسرها في أمر واحد هو العلّة ، فتكون العلّة واحدة.

الرابع : سلّمنا عدم الاشتراك لكن يجوز أن يكون شرط كون كلّ

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٠ ـ ٣٨١.

٢٢٤

واحد علّة مستقلّة انتفاء الغير ، فإذا وجد الغير زال شرط الاستقلال بالعلّيّة ، فلا يكون كلّ واحد منها علّة تامّة عند الاجتماع ، بل يصير كلّ واحد عند الاجتماع جزء العلّة ، والمجموع العلّة التامّة.

الخامس : سلّمنا ، لكن يجوز أن يكون البعض أولى كجهة الجناية فإنّ التعليل بها أولى من التعليل بالردّة ، لأنّ حق الآدمي مقدّم ، لأنّه مبني على الشح والمضايقة ، وحقّ الله تعالى مبني على المسامحة والمساهلة من حيث تضرر الآدمي بفوات حقّه دون الله تعالى.

والطهارة عن الاحداث متعدّدة ، ولهذا لو نوى رفع أحدها ارتفع خاصة عند بعض الفقهاء.

وثبوت الولاية على الصغير المجنون مستندا إلى الصغر لسبقه على الجنون لعدم العلم به إلّا بعد حين.

وتحريم نكاح الوالدة المرضعة مستندا إلى الولادة دون الرضاع لسبقها عليه.

والوطء في حقّ الحائض المعتدة المحرمة غير محرم على التحقيق ، وإنّما المحرم في حق الحائض ملابسة الأذى ، وفي حق المعتدة تطويل العدة ، وفي حق المحرمة إفساد العبادة ، وهي أحكام متعدّدة لا حكم واحد.

والجواب عن الأوّل (١). انّ إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد ،

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٢.

٢٢٥

وهو إمّا ممنوع عنه شرعا بوجه ما ، أو لا. والأوّل حرمة ، والثاني حل ؛ فإذا كانت الحياة واحدة فالإزالة أيضا واحدة ، والإذن فيها أيضا واحد.

لا يقال : يجوز أن يكون الفعل الواحد حراما من وجه وحلالا من وجه ، فجاز أن يتعدّد الحل لتعدّد جهاته ، فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث إنّه مرتدّ ، ومن حيث إنّه زان ، ومن حيث إنّه قاتل.

لأنّا نقول : القول بأنّ الفعل حلال من وجه حرام من آخر غير معقول ، لأنّ معنى الحل قول الشرع : مكّنتك من هذا الفعل ولا تبعة عليك في فعله أصلا ، وهذا المعنى إنّما يتحقّق إذا لم يكن وجه يقتضي المنع أصلا ، بل ليس من شرط الحرمة أن يكون حراما من جميع جهاته ؛ لأنّ الظلم حرام مع أنّ حدوثه وعرضيته وكونه حركة لا يقتضي الحرمة. وإذا ثبت هذا فنقول حلّ الدم على هذا الوجه يستحيل أن يتعدّد ، لأنّ هذا الإطلاق يستحيل أن يتعدّد ، والعلم به ضروري.

وفيه نظر ، لأنّا لو سلّمنا وحدة بطلان الحياة إلّا أنّ إيقاعها متعدّد الجهات متكثّر الاعتبارات ، فجاز أن يكون إيقاعها على وجه حراما ، كما لو أوقعه على وجه الظلم ؛ وأن يكون إيقاعها على وجه آخر مباحا ، كما لو أوقعه على وجه الزجر أو الاستيفاء. ولا ينافي هذا قول الشارع : مكنتك من هذا الفعل ولا تبعة عليك ، لجواز أن يقول : أبحتك القتل على وجه الاستيفاء.

قوله : لو أسلم زال أحد الحلّين وهو يعطي التغاير.

٢٢٦

قلنا : لا نسلّم زوال أحد الحلّين ، بل يزول كون ذلك الحلّ معلّلا بالردّة فالزائل ليس الحل ، بل وصف كونه معللا بالردّة.

لا يقال : إذا كان ذلك الحل باقيا ، سواء وجدت الردّة أو لا كان مستغنيا عن الردّة ، والغني عن شيء لا يعلّل به.

لأنّا نقول : العلّة هنا بمعنى المعرّف ، فيزول الإشكال.

قوله : ولي الدم مستقل بإسقاط أحد الحلين.

قلنا : ممنوع ، بل هو متمكّن من إزالة أحد الأسباب ، فإذا زال ذلك السبب زال انتساب الحكم إليه ، فأمّا زوال الحكم نفسه ، فممنوع.

وفيه نظر ، لأنّ الردة حينئذ لا تكون علّة في الإباحة ، بل في وصف العلّة ، لأنّ الزائل الثاني دون الأوّل ، وهو غير محلّ النزاع لتعدّد المعلولات حينئذ.

وعن الثاني (١) : بأنّه مكابرة لعدم المنافاة بين هذه الأمور فيصحّ اجتماعها ، ونحن نبني الكلام على تقدير وقوع ذلك الجائز.

وفيه نظر ، لأنّ المانع من تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة نمنع عدم المنافاة بينها ، ولا يكون مكابرا في عدم الاجتماع لاستلزامه أمرا محالا.

وعن الثالث (٢) : بالإجماع على أنّ الحيض من حيث إنّه حيض مانع

__________________

(١ و ٢) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٣.

٢٢٧

من الوطء ، وكذا العدة والإحرام ؛ فالقول بأنّ العلّة هي [القدر] المشترك خلاف الإجماع. ولأنّ الحيض وصف حقيقي ، والعدّة أمر شرعي ، والأمر الحقيقي لا يشارك الشرعي إلّا في عموم كونه أمرا ، فلو كان هذا القدر هو العلّة لمنع الوطء لا ينتقض بما لا يتناهى من الأمور.

وفيه نظر ، لمنع الإجماع على التعليل بالخصوصيات ، فإنّ المانع لا يقول به ، وكذا الثاني لأنّ العدّة وإن كانت أمرا شرعيا لكن ذلك لا يستلزم نفي الشركة بينهما وبين الحيض إلّا في مطلق الأمر به ، فجاز أن يكون بينهما قدر مشترك علم الشارع بصلاحيته للتأثير ، فاسند الحكم إليه وعدم العلم بالوجدان ليس علما بالعدم.

وعن الرابع (١) : بالإجماع على أنّ الحيض يمنع من الوطء شرعا ، وهو يقتضي كونه علّة ، سواء وجد القيد العدميّ الّذي هو عدم الإجزاء ، أو لا.

وفيه نظر ، لأنّ الاسناد إلى خصوصية الحيض إنّما كان لأصالة عدم غيره فتكون العلّة ثابتة مع حصول شرطها فيثبت التحريم.

واحتجّ الآخرون بوجوه (٢) :

الأوّل : جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين يفضي إلى نقض العلّة ، لأنّ الحكم إذا اجتمعت عليه علل متعدّدة فإذا وجد واحدة منها تعيّن حصول

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٣.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨١.

٢٢٨

الحكم ، فإذا وجدت الثانية بعد ذلك فإن أوجبت حكما مثل الأوّل اجتمع المثلان ، وإن أوجبت خلافه أو لم يوجب شيئا لزم النقض ، لوجود العلّة من دون ذلك الحكم.

الثاني : العلل الشرعية مؤثّرة بجعل الشرع إيّاها مؤثّرة ، فإذا اجتمع على المعلول الواحد علّتان فإن أثّر كلّ واحدة منهما في بعض ذلك الحكم لزم ببعض الحكم ، ولأنّه إخراج لكلّ منهما عن علّيّة ذلك الحكم ، ولأنّ معلول كلّ منهما حينئذ غير معلول الأخرى. وإن أثر في جميع الحكم لزم استغناؤه عن إحداهما ، لأنّه لما وقع بإحداهما استحال وقوعه بالأخرى لاستحالة إيقاع الواقع.

الثالث : العلّة لا بد وأن تناسب الحكم ، فلو تعدّدت علة الحكم الواحد لزم مناسبته لشيئين مختلفين ، فيكون الواحد مساويا لمختلفين ، والمساوي للمختلفين مختلف ، فالشيء الواحد يكون مخالفا لنفسه ، وهو محال.

وأجيب عن الأوّل (١). بأنّ الحكم الحاصل بالعلّة السابقة إنّما يمتنع حصوله باللاحقة إذا فسّرنا العلّة بالمؤثّر.

أمّا إذا فسّرناها بالمعرّف فلا.

وعن الثاني. بأنّه مبني على أنّ ما لا يكون مؤثّرا في الحكم لذاته يجعله الشارع مؤثرا فيه ، وقد سبق بطلانه.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٣ ـ ٣٨٤.

٢٢٩

وعن الثالث. لا نسلم أنّ المناسبة شرط العلّية.

سلّمنا لكن يجوز أن يشترك الحكمان في جهة واحدة ، ثمّ إنّ العلّة تناسبهما بحسب ذلك الوجه الواحد.

وأيضا فيه نظر ، فإنّا لا نعني بالمناسبة المساواة في الماهية ، بل إضافة الفعل الصالح لحصول المطلوب إلى حصول المطلوب.

وقد فرض الغزالي (١) الكلام في صورة واحدة تسقط عنها كثير من الأسئلة ، وهي ما إذا جمعت بين لبن زوجة أخيك وأختك وجعلته في حلق المرتضع دفعة واحدة فإنّها تحرم عليك ، لأنّك خالها وعمها ، ولا يتوجه في هذه أكثر الأسئلة.

المطلب الثاني : في أنّ المستنبطة هل يجوز تعدّدها؟

اختلف الناس في ذلك فجوّزه قوم ، ومنع منه آخرون وهو المعتمد (٢) لوجوه :

الأوّل : من أعطى فقيها فقيرا قريبا احتمل أن يكون الداعي الفقه خاصة ، أو الفقر خاصّة ، أو القرابة خاصّة ، أو مجموعها ، أو اثنين منها ، وهذه الاحتمالات الخمسة متنافية ، لأنّ جعل الداعي الفقر لا غير ينافي كون غيره داعيا ، أو جزءا منه. وإذا تنافت الاحتمالات ، فإن

__________________

(١) وهو قول الغزّالي في المستصفى : ٢ / ٣٦٥.

(٢) وهو مختار الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٤.

٢٣٠

بقيت متساوية ، امتنع حصول ظن واحد منها على التعيين ، فلا يجوز الحكم بكونها علّة. وإن ترجّح بعضها ، فذلك الترجيح يحصل بأمر وراء المناسبة والاقتران ، لاشتراكه بين الخمسة. فإذن الراجح هو العلّة دون المرجوح.

الثاني : الصحابة أجمعوا على قبول الفرق ؛ لأنّ عمر لمّا شاور عبد الرحمن في قضية المجهضة قال : إنّك مؤدّب ولا أرى عليك بأسا. فقال علي عليه‌السلام : «إن لم يجتهد فقد غشّك ، وإن اجتهد فقد أخطأ ، أرى عليك الغرّة». (١)

وجه الاستدلال : أنّ عبد الرحمن شبّهه بالتأديب المباح ، وأنّ عليا عليه‌السلام فرّق بينه وبين سائر التأديبات بأنّ التأديب الّذي يكون من جنس التعزيرات لا يجوز فيه المبالغة المنتهية إلى حد الإتلاف ، وهو يدلّ على إجماعهم على قبول الفرق. وهو يقدح في جواز تعليل الحكم الواحد بعلّتين مستنبطتين.

الثالث : لو كان معلّلا بعلّتين ، فإن استقلت كلّ واحدة بالتعليل ومعنى استقلاله التعليل به دون غيره ، فهو خلاف الفرض ، وإن استقلت إحداهما خاصة ، أو لم تستقل إحداهما ، فالعلّة ليست إلّا واحدة.

الرابع : لو جاز لما تعلّق الفقهاء في علّة الزنا بالترجيح ، إذ من ضرورته صحّة الاستقلال.

__________________

(١) أصول السرخسي : ١ / ٣٠٤ ؛ المحصول : ٢ / ٣٨٤. ولم نعثر عليه في المصادر الحديثية.

٢٣١

اعترض بأنّهم تعرضوا للإبطال لا للترجيح ، ولو سلّم فللإجماع على اتحاد العلّة هنا.

وأعلم أنّ القاضي أبا بكر جوّز في المنصوصة دون المستنبطة ، وهو قول الغزالي (١) ، لأنّ المستنبطة تستلزم الحرمة (٢) لدفع التحكم (٣) ، فإن عيّنت بالنص رجعت منصوصة.

واعترض : بأنّه يثبت الحكم في أفرادها فيستنبط القائس (٤).

وقال آخرون : يجوز في المستنبطة دون المنصوصة ، لأنّ المنصوصة قطعية والمستنبطة وهمية ، فلا يجوز التعدّد في الأولى كالعقلية ، ويجوز في الثانية لتساوي إمكان التعليل بالنسبة إليهما ، لأنّه لا يمكن أن لا يجعل شيء منهما علّة لبقاء الحكم بلا علة ولا أن يجعل الكلّ علّة واحدة لثبوت الاستقلال في محال افرادها ، فتعيّن أن يجعل كلّ منهما علّة.

والجواب كما تقدم من أنّه لا يعد في المنصوصة ، لأنّ كون المنصوصة قطعية لا ينافي اجتماعها ، لأنّها أمارات.

وقال الجويني : إنّه جائز لكنّه لم يقع ، لأنّه لو لم يكن تعليل الحكمين بعلّتين ممتنعا شرعا لوقع عادة ولو نادرا ، لأنّه ممكن ولو وقع لعلم ، ولكنّه لم يعلم فلا يكون واقعا. وزعم أنّ هذا برهان قاطع واضح لكلّ أحد ، وهو ممنوع بكثير من الوقائع الّتي وقعت ولم يعلم ، وبعدم استلزام الإمكان الوقوع.

__________________

(١) نقله عنه الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥٨.

(٢) في «ب» : الجزئية.

(٣) في «أ» : الحكم.

(٤) في «ب» : العكس ، وفي «ج» : العاكس.

٢٣٢

واعلم أنّ القائلين بالوقوع اختلفوا فيما إذا اجتمعت ، فقال قوم : إنّ كلّ واحد علّة مستقلة حالة الاجتماع كما لو انفردت ، وقال آخرون : إنّها جزء العلّة ، وقال قوم : إنّ العلّة واحدة لا بعينها.

احتجّ الأوّلون بأنّه لو لم يكن كلّ واحدة علّة فإمّا أن تكون العلّة هي المجموع أو واحدة منها لا بعينها ، أو واحدة معيّنة.

والكلّ باطل ؛ أمّا الأوّل فلأنّ التقدير أنّ كلّ واحدة علّة مستقلّة فكيف يكون جزءا؟!

وأمّا الثاني والثالث فلأنّه تحكّم محض.

واحتجّ الآخرون بأنّه لو كان كلّ واحد علّة لزم اجتماع المثلين ، لاستلزام كلّ منهما حكما مساويا لما تستلزمه الأخرى ، ولأنّ الحكم إن ثبت بالجميع فالمطلوب ، وإلّا لزم التحكّم.

واحتجّ الفريق الثالث بأنّه لو لم تكن العلّة واحدة لا بعينها لزم إمّا أن تكون العلّة واحدة معيّنة وهو تحكم ، أو كون العلّة المجموع وهو باطل ، لأنّه يلزم كون كلّ واحد جزءا ، فيتعيّن المطلوب.

قال أبو الحسين (١) : إذا علّل حكم الأصل بعلّتين ، فإمّا أن تكون إحداهما هي الدليل على حكم الأصل أو لا ، بل يكون الدليل نصا أو إجماعا. والثاني يجوز أن يصحا معا ، لأنّ العلّة إمّا أمارة ويجوز أن يدلّ على

__________________

(١) المعتمد في أصول الفقه : ٢ / ٢٦٧.

٢٣٣

الحكم أمارات ، أو وجه مصلحة فجائز أن يكون الشيء صلاحا من وجهين.

وإن كان إحداهما دليلا على حكم الأصل فإمّا أن تكون دليل حكمه من غير أن يقاس بها على أصل آخر ، أو بأن يقاس.

مثال الأوّل : ردّنا التطاول في الشهادة على السرقة إلى التطاول في الشهادة على الزنا في أنّ الحاكم لا يحكم بهما بعلّة أنّ كلّ واحد منهما حق من حقوق الله تعالى ، وليست هذه العلّة هي الّتي لها لم يحكم الحاكم بالشهادة على الزنا إذا تطاول عهدها ، لكن العلّة في ذلك أنّ الشهود على الزنا مخيّرون بين إقامة الشهادة بحق الله تعالى وبين الستر على المشهود عليه ، فإذا أخّروا الشهادة علمنا أنّهم آثروا الستر على المشهود عليه فإذا شهدوا من بعد ، تبيّنا أنّ عداوة تجددت لهم. والعداوة تتهم الشهود. وقد منع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبول شهادة العدو. فيظهر لنا أنّهم من ذوي العداوة ، لا أنّا نقيسهم على ذوي العداوة. وهذه العلّة لا يمكن ذكرها في السرقة ، لأنّه يجوز أن يكون الشهود إنّما أخّروا الشهادة ، لأنّ المسروق منه أخّر المطالبة ، فقد بان أنّ علّة حكم الأصل هو طريق الحكم. فجرت مجرى النصّ الدالّ على حكم الأصل ، وكما يجوز أن تدلّ دلالة على أنّ لبعض أوصاف الأصل المنصوص على حكمه تأثيرا في ذلك الحكم ، فيجعل علّته ، ويقاس بها فرع من الفروع ، جاز أيضا في بعض ما ثبت حكمه لعلّة من العلل أن تدل دلالة على أنّ لبعض أوصافه تأثيرا في ذلك الحكم ، فتجعل علّة فيه ، ويقاس بها على الفروع.

٢٣٤

وأمّا الثاني وهو إذا كانت العلّة الّتي هي دليل حكم الأصل يقاس بها على ذلك الأصل على أصل آخر ، فإن لم يمكن أن يقاس الفرع الآخر بتلك العلّة على الأصل الأوّل ، فالخلاف فيه كالخلاف فيما تقدّم. وإن أمكن كرد الذرة إلى الارز بعلّة الكيل وردّ الارز إلى البر بهذه العلّة ، تطويل لا فائدة فيه ، لإمكان ردّ الذرة إلى البر بهذه العلّة.

البحث الثاني : في جواز تعدّد معلول العلّة الواحدة

العلّة قد يكون لها حكم واحد وهو ظاهر ، وقد يكون لها أكثر من حكم واحد فإمّا أن تكون متماثلة ، أو متضادّة ، أو مختلفة غير متضادّة.

والأوّل إن كانت في ذات واحدة فهو محال ، لاستحالة اجتماع المثلين ، ومن سوّغه سوّغ ذلك وإن تعدّد جاز ، كالقتل الحاصل بفعل زيد وعمرو فإنّه يوجب القصاص على كلّ واحد منهما.

والثاني لا يخلو إمّا أن يتوقّف إيجابها لها على شرط أو لا. فإن توقّف فالشرطان إن لم يجتمعا جاز ذلك ، فتكون العلّة موجبة لحكمين متضادّين عند حصول شرطين لا يجتمعان ، كاقتضاء الجسمية الحركة عند الخروج عن المكان الملائم والسكون عند الحصول فيه.

وإن أمكن اجتماعهما ، فهو محال ، لأنّهما إذا اجتمعا فلم تكن العلّة باقتضاء أحدهما أولى من اقتضاء الآخر ، فوجب أن تقتضيهما جميعا ، وهو محال ، أو أن لا تقتضي واحدا منهما ، فتخرج العلّة عن العلية ، وبهذا يظهر بطلان عدم توقفها في اقتضائها المتضادين على شرط.

٢٣٥

وأمّا الثالث فإنّه جائز ، كتحريم الصوم والصلاة ومسّ المصحف بالحيض ، لأنّ العلّة إمّا بمعنى الباعث ولا امتناع في أن يكون الوصف الواحد باعثا للشرع على حكمين مختلفين ، أي مناسبا لهما ، كمناسبة شرب الخمر للتحريم ووجوب الحد ، وكذا التصرف بالبيع من أهله في محلّه ، فإنّه مناسب لصحّة البيع ولزومه.

أو بمعنى الإمارة ويمكن عقلا وشرعا نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين ، كالحد والضمان في السرقة.

لا يقال (١) : إذا كان الوصف مناسبا لأحد الحكمين ، فمعناه أنّه لو رتب ذلك الحكم عليه لحصل مقصوده ، فحينئذ يمتنع أن يكون مناسبا للحكم الآخر ، لأنّه لو ناسبه لكان بمعنى أن ترتيبه عليه يحصل المقصود منه ، وفي ذلك تحصيل الحاصل لكونه حاصلا بالحكم الآخر.

وأيضا إذا كان الوصف الواحد مناسبا لحكمين مختلفين امتنع أن يناسبهما من جهة واحدة ، فإنّ الشيء لا يكون مناسبا لشيء من جهة ما يناسب مخالفه ، وإن ناسبهما من جهتين مختلفتين كانت علة الحكمين مختلفة لا أنّها متّحدة.

لأنّا نقول : إنّ معنى المناسب أعم ممّا ذكروه ، لأنّ المناسب ينقسم إلى ما يترتب الحكم الواحد عليه ، ويستقل بتحصيل مقصوده ، وذلك ممّا يمنع كونه مناسبا للحكمين بهذا التفسير.

__________________

(١) ذكره مع الجواب عنه في الإحكام : ٣ / ٢٦١.

٢٣٦

وإلى ما يتوقّف حصول مقصوده على ترتيب الحكم عليه. وإن لم يكن ذلك الحكم وافيا بتحصيل المقصود دون الحكم الآخر.

وعلى هذا فامتناع مناسبة الوصف الواحد للحكمين بالتفسير الأوّل وإن كان لازما فلا يمتنع أن يكون مناسبا للحكمين بالتفسير الثاني.

وإذا عرف أنّ معنى مناسبة الوصف للحكمين توقف حصول المقصود منه على شرع الحكمين لم يمنع أن يكون الوصف مناسبا لهما من جهة واحدة. (١)

البحث الثالث : في أقسام التعليل

اعلم أنّ كلّ حكم ثبت في محلّ فإمّا أن يكون علّة ذلك الحكم نفس المحلّ ، أو جزءا منه ، أو خارجا عنه.

والخارج إمّا أن يكون عقليا ، أو عرفيا ، أو شرعيا ، أو لغويا.

والعقلي إمّا وصف حقيقي ، أو إضافي ، أو سلبي ، أو ما يتركّب من هذه الأقسام ، أعني الحقيقية مع الإضافية أو مع السلبية ، أو الإضافية مع السلبية ، أو الحقيقية مع السلبية ، أو الحقيقية مع الإضافية والسلبية.

فالحقيقية مطعوم فيكون ربويا.

والإضافية مكيل فيكون ربويا.

__________________

(١) في نسخة «أ» : تمّ المجلد الثالث ويتلوه الرابع.

٢٣٧

والسلبية في طلاق المكره لم يرض به ، فلا يقع.

والحقيقية مع الإضافية بيع صادر من أهله في محلّه.

والحقيقية مع السلبية قتل بغير حق.

والحقيقية والإضافية والسلبية قتل عمد عدوان.

والوصف الشرعي كقولنا في المشاع يجوز بيعه فيجوز رهنه.

والعرفي كقولنا في بيع الغائب مشتمل على جهالة مجتنبة في العرف.

والاسم كقولنا في النبيذ يسمّى خمرا فيحرم ، كالمعتصر من العنب.

وأمّا التعليل بالجزء فإن كانت العلّة قاصرة ، فالجزء هو الفصل المميّز ، إذ لو كان بالمشترك لكانت القاصرة متعدية. وإن كانت متعدية فالجزء هو المشترك وإلّا كانت قاصرة.

واعلم أنّ العلّة إذا كانت خارجة عن الماهية فإمّا أن تكون وصفا لازما ، كالطعم في البر ، أو لا فتكون متجددا. فإمّا أن يكون التجدّد ضروريا بحسب العادة ، كانقلاب العصير خمرا ، أو بالعكس ؛ أو لا يكون ، فإمّا أن يتعلّق باختيار أهل العرف مثل كون البر مكيلا ، أو باختيار الشخص الواحد كالردة والقتل.

وأيضا الوصف الّذي جعل علّة إمّا أن يعلم وجوده بالضرورة كالإسكار بالخمر ، أو بالنظر ؛ فإمّا أن يعلم كونه من الدين ضرورة مثل كون

٢٣٨

الجماع في نهار رمضان مفسدا للصوم ، وقد لا يكون وهو ظاهر.

وأيضا العلّة إمّا من فعل المكلّف كالقتل الموجب للقصاص ، أو لا كالبكارة في ولاية الإجبار.

وأيضا العلّة والحكم إمّا ثبوتيان أو عدميان ، فلا نزاع فيهما. أو الحكم ثبوتي والعلّة عدمية ، وفيه خلاف. أو الحكم عدمي والعلّة ثبوتية ، وهو الّذي يسمّى في عرف الفقهاء التعليل بالمانع. واختلفوا في أنّه هل هو مشروط بوجود المقتضي؟

وأيضا العلّة إمّا ذوات أوصاف كقولنا قتل عمد عدوان ، أو لا كالطعم.

وأيضا العلّة قد تكون وجه المصلحة ، مثل كون الصلاة ناهية عن الفحشاء ، وكون الخمر موقعة للبغضاء. وقد تكون إمارة المصلحة ، كجعلنا جهالة أحد البدلين في فساد البيع ، مع أنّا نعلم أنّ فساد البيع في الحقيقة معلّل بما يتبع الجهالة من تعذّر التسليم ، ولهذا جاز البيع عند بعضهم إذا لم يمنع الجهالة من صحّة التسليم ، كالصبرة المشار إليها.

وأيضا اقتضاء العلّة الحكم قد يقف على شرط ، كالزنا المتوقّف اقتضاء العلّة تعذّر اقتضاؤه للرجم على شرط الإحصان ، وقد لا يكون.

وأيضا العلّة قد تكون علّة لإثبات الحكم في الابتداء فقط ، كالعدّة في منع النكاح ؛ وقد تكون العلّة في الابتداء والانتهاء ، كالرضاع في إبطال النكاح ؛ وقد تكون العلّة قوته على الدفع لا على الرفع ، كالعدّة والردّة

٢٣٩

فإنّهما يدفعان النكاح ولا يرفعانه وقد يكون قوته عليهما.

واعلم أنّ من شرط العلّة اختصاصها بمن له الحكم ، وإلّا لم يكن باقتضاء (١) حصول الحكم بشيء أولى من اقتضائه لغيره. (٢)

البحث الرابع : في التعليل بمحل الحكم

اختلف الناس في جواز التعليل بمحلّ الحكم أو جزئه ، فذهب الأكثر إلى المنع ، وآخرون إلى الجواز.

والوجه التفصيل بناء على صحّة التعليل وهو الجواز إن كانت العلّة قاصرة.

أمّا في المتعدّية فلا يجوز بالمحل ويجوز بجزئه ، سواء كانت العلّة منصوصة ، أو مستنبطة ؛ فإنّه لا استبعاد في أن يقول الشارع : حرمت الخمر لكونه خمرا ، ولا في استلزام محلّ الحكم حكم باعثه إلى ذلك الحكم كاستلزام الأوصاف العامة لمحلّ الأصل والفرع.

وأمّا في المتعدية فلا يجوز قطعا لامتناع وجود خصوصية المحل في الفرع.

لا يقال (٣) : لو كان محل الحكم علّة للحكم لكان الشيء الواحد قابلا فاعلا ، وهو محال :

__________________

(١) في «د» : ناقضا.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٣٨٥ ـ ٣٨٧.

(٣) ذكر الإشكال والجواب عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٣٨٧ ـ ٣٨٨.

٢٤٠