نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

حسنا في العادة فكذا في الشرع ، لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن». (١)

واعترض (٢) بتسليم ما قالوه ، لكنّه ينعطف من الفرق بين الأصل والفرع ، وصورة التخصيص قيد على العلّة ، ولم يدلّوا على فساده.

الرابع : العلّة الشرعيّة أمارة فوجودها في بعض الصور دون حكمها لا يخرجها عن كونها أمارة ، لأنّه ليس من شرط الأمارة الاستلزام دائما ، كالغيم الرطب في الشتاء مع المطر المتخلّف عنه أحيانا.

واعترض (٣) بأنّ النظر في الأمارة إنّما يفيد ظنّ الحكم إذا ظنّ بانتفاء ما يلازمه انتفاء الحكم ، فإنّ من رأى الغيم الرطب في الشتاء بدون المطر في وقت ثمّ رآه أخرى ، لم يظن نزول المطر إلّا مع ظن انتفاء الأمر الّذي لازمه عدم المطر في الأولى ، وهو غير قادح في قولنا.

الخامس : الوصف المناسب بعد التخصيص يقتضي ظنّ ثبوت الحكم. فإنّا إذا عرفنا من الإنسان كونه مشرّفا مكرّما مطلوب البقاء ، ظننّا حرمة قتله ، وإن لم يخطر ببالنا في ذلك الوقت ماهية الجناية فضلا عن عدمها فعلمنا أنّ مجرّد النظر إلى الإنسانية مع ما لها من الشرف يفيد ظن حرمة القتل ، وأنّ عدم كونه جانيا ليس جزءا من المقتضي لهذا الظن ؛ وإذا

__________________

(١) شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٨٦ ؛ تفسير الرازي : ١ / ٢٠٠ و ٢٠٤ وج ٢ / ٢٢٦ وج ٣ / ١٩٨ وج ٤ / ١٥١ وج ١١ / ١٧٦ ؛ تفسير الآلوسي : ٢٩ / ١١٣.

(٢ و ٣) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٩.

١٨١

كان كذلك فأينما حصلت الإنسانية حصل ظن حرمة القتل. وإذا ثبت أنّه يفيد ظنّ الحكم وجب العمل به ، لوجوب العمل بالظنّ.

اعترض (١) بتسليمه ، لكن ندّعي أنّه ينعطف من الفرق بين الأصل وصورة التخصيص قيد زائد على العلّة.

السادس : أنّ بعض الصحابة قال بتخصيص العلّة. روي عن ابن مسعود أنّه كان يقول : هذا حكم معدول به عن القياس ، وكذا مثله عن ابن عباس ، ولم ينكر عليهما أحد ، فكان إجماعا.

اعترض (٢) بتسليم أنّهم قالوا بذلك ، لكنّهم لم يقولوا إنّ ذلك القياس جائز أم لا.

السابع : وجد في الأصل المناسبة مع الاقتران في ثبوت الحكم وفي البعض المناسبة مع الاقتران في انتفاء الحكم ، فلو أضفنا في صورة التخصيص انتفاء الحكم إلى انتفاء حكم المقتضي لزم ترك العمل بالأصلين والعمل بأصل واحد ، وهو أنّ الأصل استناد عدم الحكم إلى عدم المقتضي. ومعلوم أولوية مخالفة أصل واحد لإبقاء أصلين من عكسه ، فإحالة انتفاء الحكم على المانع أولى من إحالته على عدم المقتضي.

واعلم أنّ بعضهم منع تعليل انتفاء الحكم بالمانع لوجهين (٣) :

الأوّل : تعليل انتفاء الحكم بالمانع أو فوات الشرط في صورة

__________________

(١ و ٢) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٩.

(٣) الإحكام : ٣ / ٢٤٤.

١٨٢

التخلّف يتوقّف على وجود المقتضي للحكم فيها ، إذ لو لم يكن موجودا كان انتفاء الحكم لانتفاء المقتضي لا للمانع ولا لفوات الشرط. والقول بكون الوصف المذكور علّة يتوقّف في صورة التخلّف على وجود المانع أو فوات الشرط ، فإنّا إذا لم نتبين وجود المانع ولا فوات الشرط وجب أن يكون انتفاء الحكم لانتفاء علّته ، وعند ذلك يظهر عدم علية الوصف فإذا توقّف كل من المقتضي والمانع على الآخر دار ، وهو ممتنع نشأ من التعليل بالمانع أو فوات الشرط في صورة التخلّف.

اعترض (١) بأنّا لا نسلّم أنّ تعليل انتفاء الحكم بالمانع يستدعي وجود المقتضي ، لصحّة انتفائه بالمانع مع وجود المقتضي المعارض له فمع عدمه أولى.

سلّمنا توقّف التعليل بالمانع على وجود المقتضي لكن يمنع توقّف وجود المقتضي على وجود المانع ، فإنّ كون المقتضي مقتضيا إنّما يعرف بدليله من المناسبة والاعتبار ، أو غير ذلك من الطرق. وهو متحقّق فيما نحن فيه ، فيجب القضاء بكونه مقتضيا. والمانع معارض إن وجد انتفى حكم المقتضي مع بقاء المقتضي بحاله مقتضيا ، وإن لم يوجد عمل المقتضي عمله.

سلّمنا توقّف كلّ منهما على الآخر ، لكن توقّف معية لا توقّف تقدّم.

__________________

(١) المعترض هو الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٤٤.

١٨٣

وفيه نظر ، لأنّ عدم العلّة ذاتية لعدم المعلول ، والمانع إنّما كان علّة للعدم لاقتضائه على عدم شيء باعتباره كان المقتضي علّة ، فالتعليل بعدم المقتضي أولى من التعليل بوجود المانع. وإذا فرضت العلّتان ثابتتان في فرع كان العدم مستندا إلى علّته الذاتية ، فشرط التعليل وجود المقتضي. ولو سلّمنا صحّة انتفائه بالمانع مع وجود المقتضي فإنّه لعدم العلّة الأخرى. والمناسبة وإن دلّت مع الاقتران على العلّيّة لكن المتخلّف يقتضي ظن عدمها. فإذن لا يصحّ الحكم بكونها علّة في صورة التخلّف.

الثاني : انتفاء الحكم في صورة التخلّف كان متحقّقا قبل وجود المانع ، وفي تعليله بالمانع تعليل المتقدّم بالمتأخّر ، وهو محال ، سواء كان المانع بمعنى الأمارة أو الباعث.

اعترض (١) بأنّ الّذي تعلّل نفيه بالمانع إنّما هو انتفاء الحكم الّذي صار بسبب وجود المقتضي بعرضية الثبوت عرضية لازمة لا مطلق الحكم ، وذلك ممّا لا يسلّم تقدّمه على المانع المفروض.

وفيه نظر ، فإنّ المعلّل هنا ليس الانتفاء لسبقه ، فليس إلّا وصف عرضية الثبوت ، وذلك غير انتفاء الحكم.

__________________

(١) المعترض هو الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٤٥.

١٨٤

المطلب الثاني : في جوابه

وإنّما يكون بأمرين (١) :

الأوّل : منع وجود تمام الأوصاف في صورة النقض.

وفيه مباحث (٢) :

أوّلها : إذا منع المستدل من وجود العلّة في صورة النقض كان جوابا يندفع به السؤال.

مثاله لو قال : لا زكاة في الحلي لأنّه مال غير نام ، فلا تجب فيه الزكاة كثياب البذلة.

فيقول المعترض : ينتقض بالحلي المحظور ، فإنّه غير نام مع وجود الزكاة فيه.

فيقول المستدلّ : لا نسلم أنّ الحلي المحظور غير نام ، وإنّما كان منع وجود العلّة في صورة النقض دافعا له ، لأنّ النقض هو وجود العلّة ولا حكم ، فإذا لم توجد العلّة في صورة النقض انتفى النقض.

واختلفوا فقال قوم : لا يمكن المعترض من الاستدلال على وجود العلّة في صورة ، لأنّه انتقال من مسألة إلى أخرى قبل تكميل الاستدلال على الأولى وهو قبيح ، ولأنّه مشتمل على قلب القاعدة في

__________________

(١) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٩ ـ ٣٧١.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٣٧٠ ـ ٣٧١ ؛ الإحكام : ٤ / ٩٣.

١٨٥

المناظرة بانقلاب المستدل معترضا والمعترض مستدلا.

نعم لو قال المعترض : ما دللت به على وجود المعنى في الفرع يقتضي وجوده في صورة النقض ، فهذا إن صحّ كان نقضا على دليل وجود العلّة في الفرع لا على كون ذلك الوصف علّة للحكم ، فيكون انتقالا من السؤال الّذي بدأ به إلى غيره.

وقال آخرون : له ذلك ، لأنّ به يتحقّق انتقاض العلّة وهو قد انتصب لبيان ذلك ولا يتم الدعوى إلّا باستيفاء الدليل وذكر مقدّماته.

وفصّل آخرون فقالوا : إن تعيّن ذلك طريقا للمعترض في هدم كلام المستدلّ وجب قبوله منه تحقيقا لفائدة المناظرة ، وإن أمكنه القدح بطريق آخر أفضى إلى المقصود فلا.

وفيه نظر ، لأنّه إن كان مسموعا لم يخرج عن ذلك بتعدّد الطرق الأخرى ، وإن لم يكن لم يصر طريقا بانتفاء غيره.

نعم لو كان المستدلّ قد دلّ على وجود العلّة في محلّ التعليل بدليل هو موجود في صورة النقض ، فإذا منع وجود العلّة ، فإن قال المعترض : فقد انتقض الدليل الّذي دللت به على وجود العلّة ، لا يكون مسموعا لكونه انتقالا من النقض على نفس العلّة إلى النقض على دليلها.

كما قلنا مثاله : لو قال في مسألة تبييت النية وتعيينها ، أي بمسمّى الصوم ، فوجب أن يصحّ كما في محلّ الوفاق ، ودلّ على وجود الصوم بقوله : الصوم عبارة عن الإمساك مع النيّة ، وهو موجود فيما نحن فيه.

١٨٦

فيقول المعترض : بما لو نوى بعد الزوال.

وإن قال المعترض للمستدل : ابتداء أمرك لا يخلو من حالين :

إمّا أن تعتقد وجود الصوم في صورة النقض ، أو لا.

فإن كان الأوّل ، انتقضت عليك.

وإن كان الثاني انتقض دليلك على وجود العلّة ، كان متجها.

وإن أورد ذلك لا في معرض نقض دليل وجود العلّة ، بل في معرض الدلالة به على وجود العلّة في صورة النقض ، فالحكم فيه على ما سبق في الدلالة على نفي الحكم في صورة النقض.

ثانيها : المنع من وجود الوصف في النقض إنّما يمكن لوجود قيد في العلّة يندفع به النقض ، وذلك القيد قد يكون له معنى واحد ويكون وقوع الاحتراز به ظاهرا ؛ كقولنا : طهارة عن حدث ، فتفتقر إلى النية كالتيمّم فنقضه بإزالة النجاسة غير وارد. لأنّا قلنا : عن حدث ، وإزالة النجاسة ليست عن حدث.

وقد يكون خفيّا كقولنا في السلم في الحال : عقد معاوضة ، فلا يكون الأجل من شرطه ، فلا ينتقض بالكتابة ، لأنّها ليست معاوضة ، بل عقد إرفاق.

وقد تتعدد المعاني فيقال اللفظ عليها إمّا بالتواطؤ أو بالاشتراك.

فالأوّل ، كقولنا : عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيّن النية كالصلاة.

فلو قيل : ينتقض بالحج ، فإنّه متكرّر على زيد وعمرو.

١٨٧

فقولنا المتكرر مقول على المتكرر في الأزمان ، وعلى المتكرر في الأشخاص ، والأظهر الأوّل ، وهو مرادنا.

ومثال الثاني قولنا : جمع الطلاق في قرء واحد فلا يكون مبتدعا ، كما لو طلّقها ثلاثا في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين.

فلو قيل : ينتقض بما لو طلقها في الحيض.

قلنا : أردنا بالقرء الطّهر.

ثالثها : هل يجوز دفع النقض بوصف طردي؟

جوّزه القائلون بالطرد وبعض المانعين. والوجه المنع ، لأنّ أحد أجزاء العلّة إذا لم يكن مؤثّرا لم يكن المجمع مؤثّرا. ولأنّه لو جاز تقييده بالقيد الطردي لجاز تقييده بصرير الباب ونعيق الغراب ، ولا نزاع في بطلانه.

الأمر الثاني : في الجواب كذا منع تخلّف الحكم ، وفيه أبحاث (١) :

أحدها : إذا منع المعلل تخلّف الحكم في صورة النقض اندفع السؤال لما ذكرنا في منع وجود العلّة.

كما لو قال الشافعي في مسألة الثيب الصغيرة يثبت (٢) فلا يجوز إجبارها كالثيب البالغ.

فيقول المعترض : ينتقض بالثيب المجنونة ، فإنّه يجوز إجبارها.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٧١ ـ ٣٧٢.

(٢) في الإحكام : ٤ / ٩٤ ؛ (ثيب).

١٨٨

فيقول المستدلّ : بمنع صحّة إجبار الثيب المجنونة. وهل يمكن المعترض من الاستدلال على تخلّف الحكم في صورة النقض؟ البحث فيه كما تقدّم في دلالته على وجود العلّة.

ثانيها : انتفاء الحكم إن كان مذهبا للمستدلّ والمعترض معا كان متوجها ، وكذا إن كان مذهبا للمعلّل ، لأنّ المعلّل إذا لم يف بمقتضى علّته في الاطّراد فلئن لا يجب على غيره كان أولى.

كما لو قال في مسألة الرطب بالتمر ، باع مال الربا بجنسه متفاضلا ، فلا يصحّ كما لو باع صاعا بصاعين.

فيقول الحنفي ينتقض على أصلك بالعرايا ، فإنّه يصحّ ، وإن باع مال الربا بجنسه متفاضلا.

وجوابه بوجوه (١) :

أ. أن يبين في صورة النقض مناسبا يقتضي النفي من مانع أو فوات شرط مع اقتران الحكم به على أصله.

ب. أن يقول : النقض إنّما هو من قبيل المعارض لدليل العلّة. فتخلف الحكم عن العلّة إنّما هو على مذهب أحد الفريقين ، وثبوت الحكم على وفق العلّة المعلّل بها بالاتّفاق. ولا يتساوى المتّفق عليه والمختلف فيه ، فلا يقع في معارضة دليل العلّة.

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٤ / ٩٥.

١٨٩

ج. أن يبيّن أنّ تخلّف الحكم عن العلّة في معرض الاستثناء ، والمستثنى لا يقاس عليه ولا يناقض به كالعرايا.

وإن كان مذهبا للمعترض فقط لم يتوجه ، لأنّ خلاف المعترض في تلك المسألة كخلافه في الأولى ، وهو محجوج بذلك في المسألتين معا.

كما لو قال المعترض : هذا الوصف لا يطرد على أصل ، فلا يلزمني الانقياد إليه.

وجوابه أن يقول المستدل : ما ذكرته حجّة عليك في الصورتين ، إذ هي محل النزاع ، ومذهبك في صورة النقض لا يكون حجّة في دفع الاحتجاج ، وإلّا كان حجّة في محل النزاع ، وهو محال.

ثالثها : المنع من عدم الحكم قد يكون ظاهرا وهو ظاهر ، وقد يكون خفيّا وهو على وجهين :

أ. كقولنا في السلم الحال : عقد معاوضة ، فلا يكون الأجل من شرطه.

فإذا قيل : ينتقض بالإجارة. قلنا : الأجل ليس بشرط فيها ، بل تقدير المعقود عليه.

ب. كقولنا : عقد معاوضة فلا ينفسخ بالموت كالبيع.

فإذا قيل : ينتقض بالنكاح. قلنا : هناك لا يبطل بالموت ، لكن انتهى العقد.

رابعها : أقسام الحكم أربعة :

١٩٠

أ. أن يكون مجملا في طرف الثبوت ، ويعني به أن يدّعي ثبوته ، ولو في صورة ما ؛ وهذا لا ينتقض بالنفي المفصل ، وهو النفي عن صورة معينة ، لأنّ الثابت مجملا يكفي ثبوته في صورة ما فجاز التغاير وإنّما يناقضه تعميم النفي.

ب. أن يكون مجملا في طرف النفي وهو أن لا يثبت البتّة ولا في صورة واحدة ، وهو ينتقض بالثبوت المفصّل ، لأنّ ادّعاء عموم النفي يناقضه الثبوت في صورة معيّنة ، كقوله تعالى : (قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى)(١).

ج. أن يكون مفصّلا في طرف الثبوت ولا يناقضه النفي المفصّل إلّا مع اتّحاد المحل بل النفي المجمل ، فإنّ نقيض الموجبة الجزئية سالبة كلية.

د. أن يكون مفصّلا في طرف النفي ، فلا يناقضه الإثبات المفصّل إلّا مع اتّحاد المحل ، ولا الإثبات المجمل ، لأنّه في قوة الإثبات المفصّل ، بل الإثبات العام ، لأنّ نقيض السالبة الجزئية موجبة كلّية.

خامسها : الحكم الّذي لا يكون ثابتا تحقيقا بل تقديرا هل يدفع النقض؟ كقول الشافعي : علّة رق الولد ملك الأم ، فإذا نقض بالمغرور بحرية الجارية فإنّ ولده ينعقد حرا ، فقد وجد رقّ الأمّ وانتفى رق الولد تحقيقا لكنّه موجود تقديرا ، فإنّ الغرم يجب على المغرور ، ولو لا أنّ الرق في حكم الحاصل المندفع وإلّا لما وجبت قيمة الولد ، فيه خلاف.

__________________

(١) الأنعام : ٩١.

١٩١

سادسها : هل يجب على المستدلّ بالعلّة المخصوصة ذكر نفي المانع في ابتداء دليله والاحتراز عن النقض؟ اختلفوا.

فقال قوم : يجب ، لأنّه مطالب بذكر ما يعرّف الحكم ، والمعرّف ليس تلك الأمارة فقط ، بل مع عدم المخصّص فيجب ذكرهما معا.

ولأنّه أقرب إلى الضبط وأبعد من النشر.

ولأنّ ما أشار إليه المعلّل من الوصف إذا كان منتقضا فإمّا أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لا لمعارض ، فلا يكون الوصف علّة.

وإمّا لمعارض فقد ثبت أنّ للعلّة معارضا متّفقا عليه ، فلا بدّ من نفيه في الدليل ، لأنّ المناظر تلو الناظر ، وليس للناظر الحكم جزما عند ظهور سببه دون ظهور انتفاء معارضه ، فكذلك المناظر. ومقتضى هذا الدليل بيان نفي كلّ الموانع ابتداء ، إلّا أنّ إيجاب ذلك يفضي إلى العسر والمشقّة. فأسقطنا عنه كلفة نفي المعارض المختلف فيه لعسر نفيه ، فتبقى الموانع المتفق عليها على حكم الأصل فيجب أن يذكر.

وقال آخرون : لا يجب ، لأنّ المستدل مطالب بذكر ما هو الموجب للحكم والمؤثر فيه ، وذلك هو الوصف. أمّا نفي المانع فلا مدخل له في التأثير ، فلا يجوز ذكره في الابتداء.

وأيضا ما يقع به الاحتراز عن النقض إن كان من أجزاء العلّة لم تكن العلّة علّة بدونه ، ومثل هذا لا خلاف في وجوب ذكره في العلّة لعدم تمام

١٩٢

العلّة دونه ، ومن نازع فيه فقد نازع في أنّه هل يجب على المستدلّ ذكر العلّة أم لا؟ وهو معلوم البطلان.

وإن لم يكن فإن كان إشارة إلى نفي المعارض ، فقد تعرض لما لا يسأل عنه لكونه مسئولا بعد الفتوى عن الدليل المقتضي للحكم ، وانتفاء المعارض ليس من الدليل ، ولو قيل إنّه من الدليل كان خلاف الغرض في هذا القسم ، وإن لم يكن إشارة إليه فالنقض غير مندفع به ، لأنّ النقض عبارة عن وجود العلّة ولا حكم ، فإذا كان المذكور خارجا عن العلّة ولا إشارة فيه إلى نفي المعارض ، فالعلّة ما دونه ، وقد وجدت في صورة النقض ولا معارض فكان النقض متجها.

المطلب الثالث : في بقايا مباحث النقض

الأوّل : تخلّف الحكم عن العلّة لا لمانع يقدح في العلّيّة ، لأنّها إن لم تكن مستلزمة للحكم لم تكن علة ، وإن كانت مستلزمة وجب كونها كذلك أبدا ، ولو كانت كذلك أبدا لم يزل هذا الحكم إلّا لمزيل ، وهذا المزيل هو المانع فحيث زالت تلك المستلزمية لا لمزيل ، علمنا عدم اتّصاف تلك الذات بالمستلزمية ، فلا يكون علّة.

وفيه نظر ، لأنّ نفي العلّيّة على تقدير عدم الاستلزام ووجوب دوامه نفس المتنازع.

وقيل : لا يقدح ، لأنّا لم ندّع في هذه العلّة كونها مستلزمة للحكم

١٩٣

قطعا ، بل ظاهرا ، فتخلّف الحكم في بعض الصور لا يقدح في غالبية الاستلزام ، فلا يكون مفسدا للعلّيّة.

الثاني : تخلّف الحكم عن العلّة على أقسام ثلاثة (١) :

أ. أن يعرض في صوب جريان العلّة ما يمنع اطّرادها ، وهو النقض. وينقسم إلى ما يعلم أنّه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس ، وقد اختلف في أنّه هل يقدح في العلّة أم لا؟

قال قوم : لا يقدح ، سواء ورد على علّة مقطوعة ، كإيجاب صاع من التمر في لبن المصراة ، فإنّ علّة إيجاب المثل في المثليّات تماثل الأجزاء ؛ والشرع لم ينقض هذه العلّة ، إذ عليها التعويل في الضمانات ، لكن استثنى هذه الصورة ، وكما يعلم أنّ من لم يقدم على الجناية لا يؤاخذ بضمانها ثم ينتقض بضرب الدية على العاقلة أو على علّة مظنونة كالتعليل بالطعم فإنّه لا ينتقض بمسألة العرايا ، لأنّها وردت على سبيل الاستثناء وانّه رخصة للحاجة ، ولم يرد ورود النسخ للربا. ودليل كونه مستثنى وروده على علّة الكيل ، وكلّ علة (٢) وردت على كلّ المذاهب.

وكذا إذا قلنا : عبادة مفروضة ، فتفتقر إلى تعيين النية ، لم ينتقض بالحج ، فإنّه ورد على خلاف قياس العبادات ، لأنّه لو أهلّ بإهلال زيد صحّ ، ولم يعهد مثله في العبادات. وإنّما قلنا بعدم قدحه ، لأنّ الإجماع لمّا انعقد على تعليل حرمة الربا بأحد الأمور الأربعة ، ومسألة العرايا واردة على

__________________

(١) ذكرها الغزالي في المستصفى : ٢ / ٣٥٤.

(٢) في المستصفى : وعلى كلّ علّة.

١٩٤

الجميع ، وهذه المسألة ، واردة قطعنا بصحّتها ، والنقض لا يقدح في مثل هذه العلّة.

وقيل : إنّه يقدح ، وهل يجب الاحتراز عنه في اللفظ؟ منهم من أوجبه ، ومنهم من منعه.

وإلى ما لا يرد مورد الاستثناء فإن ورد على المنصوصة لم يتصور إلّا بأن ينعطف قيد على العلّة ، ويظهر أنّ المذكور ليس تمام العلّة.

وإن ورد على المستنبط لا في معرض الاستثناء ، وانقدح جواب من محل النقض من طريق الإخالة إن كانت العلّة مخيلة ، أو من طريق الشبه إن كانت شبها ، فهذا يبيّن أنّ المذكور لم يكن تمام العلّة ، وانعطف قيد على العلّة من مسألة النقض ، يندفع به النقض.

أمّا إذا كانت العلّة مخيلة ولم ينقدح جواب مناسب ، وأمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلّة ، وأمكن أن يكون معرفا اختصاص العلّة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية وتفصيلها عن غير مجراها ، فهذا الاحتراز عنه مهم في الجدل للمناظر. وهل يعتقد المجتهد في هذه العلّة : الانتقاض والفساد ، أم التخصيص؟

الأقوى أنّه في محل الاجتهاد ، ويتبع كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه.

كقولنا : صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النيّة ، لأنّ النية لا تنعطف على ما مضى ، وصوم جميع النهار واحد ، وأنّه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع فإنّه لا يصحّ إلّا بنية ولا يتجزأ على المذهب الحق ، فيحتمل أن ينقدح عند

١٩٥

المجتهد فساد هذه العلّة بسبب التطوع ، وأن ينقدح له أنّ التطوع ورد مستثنى رخصة لتكثير النوافل ، فإنّ الشرع قد سامح في النفل بما لا يسامح به في الفرض. والمخيل الّذي ذكرناه يستعمل في الفرض ، ويكون وصف الفرضية فاصلا بين مجرى العلّة وموقعها ، ويكون ذلك وصفا شبهيا اعتبر في استعمال المخيل ، وتميّز بمجراه عن موقعه. ومن أنكر قياس الشبه جوّز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهي ، فأكثر العلل المخيلة خصّص الشرع اعتبارها بمواضع لا ينقدح في تعيين المحل معنى مناسب على قانون أصل العلّة. وهذا التردّد إنّما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل ، فإنّ مقدّمات هذا القياس مؤثّرة بالاتّفاق من قولنا : إنّ كلّ صوم واجب ، وإنّ النيّة عزم لا ينعطف على الماضي ، وإنّ الصوم لا يصحّ إلّا بالنيّة.

ب. أن ينتفي حكم العلّة لا لخلل في نفس العلّة ، بل لمعارضة علّة أخرى ، كعلّيّة ملك الأم في رق الولد ، ولا ينتقض بالمغرور بحرية الجارية كما تقدّم.

ج. أن يكون النقض مائلا عن صوب جريان العلّة ، ويكون تخلّف الحكم لا لخلل في ركن العلّة ، لكن لعدم مصادفتها محلّها ، أو شرطها ، أو أهلها ؛ كقولنا : السرقة علّة القطع ، وقد وجدت في النبّاش فيجب القطع. فقيل يبطل بسرقة ما دون النصاب ، وبسرقة الصبي ، ومن غير حرز.

١٩٦

وكقولنا : البيع علّة الملك. وقد جرى ، فليثبت الملك في زمن الخيار.

فقيل : يبطل ببيع المستولدة ، والموقوف ، والمرهون. لهذا لا يلتفت المجتهد إليه ، لأنّ نظره في تحقيق العلّة دون شرطها ومحلّها ، فهو مائل عن صوب نظره.

الثالث : هل يجوز أن يقال في مثل مسألة المصراة أنّ العلّة ، وهي تماثل الأجزاء موجودة ، لكن اندفع إيجاب المثل إلى إيجاب الصاع بمانع البصريّة كما قلتم في مسألة المغرور بحرية الجارية (١)؟

قلنا : لا يجوز ، لأنّ التماثل ليس علّة لذاته ، بل بجعل الشرع إيّاه علامة على الحكم ، فحيث لم يثبت الحكم ، لم يجعله علامة ، فلم يكن علّة ؛ كما لا نقول : الشدة الموجودة قبل تحريم الخمر كانت علة ، لكن لم يرتّب الشارع عليها الحكم ، وإنّما صارت علّة حيث جعلها الشارع علّة ، وما جعلها علّة إلّا بعد نسخ إباحة الشرب. فكذلك التماثل ليس علّة في مسألة المصراة بخلاف مسألة المغرور ، فإنّ الحكم فيه ثابت تقديرا ، وكأنّه ثبت ثمّ اندفع ، فهو في حكم المنقطع لا الممتنع.

ولو نصب شبكة ثم مات فحصل فيها صيد ، كان في حكم مال الميت تقضى منه ديونه ، ويستحقّه ورثته ؛ لأن نصب الشبكة سبب ملك الناصب ، لكن الموت حالة حصول الصيد دفع الملك فتلقّاه الوارث ، وهو في حكم الثابت للميت والمنتقل إلى الوارث.

__________________

(١) في المستصفى : ٢ / ٣٦٠ : «الولد».

١٩٧

المطلب الرابع : في الكسر

وهو تخلف الحكم المعلّل عن معنى العلّة ، وهو نقض يرد على المعنى دون اللفظ ، وهو الحكمة المقصودة من الحكم ، كما يقول في صلاة الخوف : صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها قياسا على صلاة الأمن ، فيظنّ المعترض أنّه لا تأثير لكون العبادة صلاة في هذا الحكم ، وأنّ المؤثّر هو وجوب القضاء ، فينقضه بصوم الحائض ، فإنّه يجب قضاؤه ولا يجب أداؤه.

وفيه نظر ، فإنّ هذا مثال النقض المكسور ، وسيأتي.

وكقول الحنفي في مسألة العاصي بسفره فسافر ، فوجب أن يترخّص في سفره كغير العاصي ويبين مناسبة السفر بما فيه من المشقّة.

فيقول المعترض : ما ذكرته من الحكمة وهي المشقة ، منتقضة ، فإنّها موجودة في حقّ الحمال وأرباب الصنائع الشاقة في الحضر ، مع أنّه لا رخصة.

واختلفوا في أنّه هل هو مبطل للعلّة؟

والوجه أنّ الكلام إنّما هو مفروض في الحكمة التي ليست منضبطة بنفسها بل بضابطها ، ولا يخفى أنّ مقدارها لا ينضبط ، بل يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال. وعادة الشرع في مثل هذا الرد إلى المظان الظاهرة الجليّة دفعا لعسر التميز والتخبط في الأحكام. فحينئذ يمتنع التعليل بها دون ضابطها ، وإذا لم يكن علّة فلا معنى لإيراد النقض عليها.

١٩٨

اعترض (١) بأنّ المقصود من شرع الحكم هو الحكمة دون ضابطها ، وحينئذ يحتمل أن يكون مقدار الحكمة في صورة النقض مساويا لمقدارها في صورة التعليل ، وأن يكون أزيد ، وأن يكون أنقص وعلى تقديري المساواة والزيادة ، فقد وجد في صورة النقض ما كان موجودا في صورة التعليل ، وعلى تقدير النقصان لا يكون موجودا.

وما يتم على تقديرين أغلب على الظن ممّا لا يتم إلّا على تقدير واحد ، وحينئذ يظهر إلغاء ما ظنه المعلّل علّة.

وأجيب بأنّ الحكمة وإن كانت هي المقصودة ، لكن على وجه تكون مضبوطة إمّا بنفسها ، أو بضابطها ، وما فرض من الحكمة في صورة النقض مجردة عن ضابطها ، فامتنع كونها مقصودة ؛ وبتقدير القصد فالنقض من قبيل المعارض لدليل كونها معلّلا بها. وعلى هذا فانتفاء الحكم مع وجود الحكمة في دلالته على إبطال علّيّة الحكمة مرجوح بالنظر إلى دليل التعليل بها. وذلك لأنّه من المحتمل ان يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض ، ومع هذا الاحتمال فتخلف الحكم عنها لا يدلّ على إبطالها.

فإن قلت (٢) : بحثت وسبرت فلم أطّلع على ما يصلح معارضا في صورة النقص ، فيظهر استناد الانتفاء إلى انتفاء العلّة. عورض بقول المعلّل :

__________________

(١) ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥٣.

(٢) ذكره مع الجواب عنه الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥٣.

١٩٩

بحثت في محلّ التعليل ، فلم أظفر بما يصلح للتعليل سوى ما ذكرته ، فهو العلّة.

فإن رجّح المعترض بحثه باشتماله على موافقة انتفاء الحكم لانتفاء علّته ، إذ هو الأصل ، نفيا للتعارض. عورض بما في بحث المستدل من موافقة ما ظهر من دليل العلّة من المناسبة والاعتبار ، فيتعارضان. ويترجّح كلام المستدلّ بأنّ مقدار الحكمة في محل التعليل ، وإن كان مظنون الوجود في صورة النقض ، فيحتمل عدمه فيها وإلّا كان مقطوعا به لا مظنونا. وهو موجود في صورة التعليل قطعا مع اقتران الحكم به قطعا ، وهو دليل العلّيّة ، وما هو دليل البطلان فوجوده في صورة النقض ظنّا مع انتفاء الحكم قطعا ، والمقطوع به من وجهين راجح على ما هو مقطوع به من وجه ومظنون من آخر.

وهذا الترجيح غير آت في النقض على المظنّة ، فلهذا كان النقض لازما على المظنّة دون الحكمة.

فإن قلت : لو فرض وجود الحكمة في صورة النقض قطعا فما حكمه؟ [قلنا :] منعنا وقوعه ، وبتقديره قال بعضهم : لا التفات إليه لعسر معرفته في آحاد الصور مع خفائه وندوره ، بخلاف التوسّل إلى معرفة الضوابط الجلية فكان حط هذه الكلفة عن المجتهد وردّ الناس إلى الضوابط الجلية المشتملة على احتمال الحكم غالبا مناسبا.

اعترض (١) بأنّ المشقّة وإن وجدت على تقدير البحث عن وجود

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥٤.

٢٠٠