نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

وقولكم : ثبوت حكمها معها دليل كونها علّة ؛ غلط ، لأنّ قولكم : «ثبوت حكمها» إضافة للحكم لا تثبت إلّا بعد قيام الدليل على كونها علّة ، فإذا لم تثبت لم يكن حكمها ، بل كان حكمه علّته ، واقترن بها. والاقتران لا يدلّ على الإضافة ، فقد يلازم الخمر لون وطعم يقترن به التحريم ، ويطرد وينعكس ، والعلّة الشدّة. واقترانه بما ليس بعلّة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب وهبوب ريح.

وبالجملة فنصب العلّة مذهب يفتقر إلى دليل ، كوضع الحكم ، وكما لا يكفي في إثبات الحكم أنّه لا نقض عليه ، ولا مفسدة ، بل لا بدّ من دليل ، فكذلك العلّة.

البحث العاشر : في تنقيح المناط

قال الغزالي (١) : إلحاق المسكوت بالمنصوص قد يكون باستخراج الجامع ، وقد يكون بإلغاء الفارق فيقال : لا فرق بين الأصل والفرع إلّا كذا ، أو لا تأثير له في الحكم ، فيشتركان في الحكم ، وتسمّيه الحنفية بالاستدلال ، ويفرّقون بينه وبين القياس.

وهذا يمكن إيراده على وجهين (٢) :

الأوّل : أن يقال : هذا الحكم لا بدّ له من مؤثّر ، فإمّا المشترك أو المميّز. (٣)

__________________

(١) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٨ ـ ٣٥٩.

(٢) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٩.

(٣) يعني به : القدر المشترك بين الأصل والفرع ، أو القدر الّذي امتاز به ، الأصل عن الفرع.

١٦١

والثاني باطل ، لأنّ الفارق ملغى ، فيثبت علّيّة المشترك ، فيلزم من حصوله في الفرع ثبوت الحكم ، وهذا وإن كان جيدا ، إلّا أنّه استخراج العلّة بالسبر والتقسيم من غير تفاوت البتة.

الثاني : أن يقال : الحكم لا بدّ له من محلّ ، وليس المميز جزءا من المحل ، فهو المشترك فإذا حصل في الفرع ثبت الحكم فيه ، مثل ما به امتياز الإفطار بالأكل عن الإفطار بالوقاع ملغى ، فالمحلّ هو المفطر ، فأين حصل مسمّى المفطر وجب حصول الحكم. وهو ضعيف ، إذ لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كلّ مفطر ، فإنّه إذا صدق هذا الرّجل طويل صدق الرّجل طويل ، لأنّ الرّجل جزء من هذا الرّجل ؛ ولا يلزم من صدق قولنا : الرّجل طويل صدق كلّ رجل طويل ، فكذا هنا.

وفيه نظر ، فإنّ صدق الرجل طويل لا يعني به أنّ المحل هو مطلق الرجولية ، بل الرّجل المخصوص ، وكون الرجل من حيث هو جزءا من هذا الرجل لا يقتضي اتّصافه بما يتّصف به الرجل الخاص إذا استند الوصف إلى الخصوصية.

البحث الحادي عشر : في بقايا مسائل من هذا الباب

الأوّل : قال بعضهم : الدليل على أنّ هذا الوصف علّة عجز الخصم عن فساده. وهو باطل ، إذ ليس جعل العجز عن الإفساد دليلا على الصحّة أولى من جعل العجز عن التصحيح دليلا على الفساد ، بل هذا أولى ، لأنّا لو أثبتنا كلّ ما لا يعرف دليل فساده لزم إثبات ما لا نهاية له ، وهو باطل. أمّا لو لم

١٦٢

نثبت كلّ ما لا نعرف دليلا على صحّته لزمنا أن لا نثبت ما لا نهاية له ، وهو حقّ.

الثاني : قال بعضهم : هذا القياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فيدخل تحت الأمر بالاعتبار. أو يقال : هذا تسوية بين الأصل والفرع فيدخل تحت الأمر بالعدل. وهو ضعيف ، لأنّ أقصى ما في الباب عموم اللفظ في هاتين الآيتين ، وتخصيص العموم جائز بالإجماع.

وأجمع السّلف على أنّه لا بدّ من دلالة على تعيين الوصف للعلّيّة.

الثالث : قال أبو حنيفة : مسح الرأس لا يتكرر ، تشبيها له بمسح الخف ، والتيمّم ، والجامع أنّه مسح ، وللمانع أن يمنع أنّ الحكم في الأصل معلّل بكونه مسحا ، بل لعلّه تعبّد ولا علّة له ، أو معلّل بمعنى آخر مناسب لم يظهر لنا. والنزاع وقع في علّة الأصل ، وهو أنّ مسح الخفّ لم لا يستحب تكراره؟ أيقال : إنّه تعبّد لا يعلل ، أو لأن تكراره يؤدي إلى تمزيق الخف. والشافعي يقول : يستحب التكرار ، لأنّه أصل يؤدّى بالماء فيتكرر ، كالأعضاء الثلاثة. (١)

الرابع : تحقيق المناط وهو النظر في معرفة وجود العلّة في آحاد الصور بعد معرفتها في نفسها إمّا بنص أو اجماع أو استنباط ، كما في القبلة فانّها مناط وجوب استقبالها ، وهي معروفة بإيماء قوله تعالى : (وَحَيْثُ ما

__________________

(١) راجع المستصفى من علم الأصول : ٢ / ٣٢٠.

١٦٣

كُنْتُمْ فَوَلُّوا)(١) ، وكون هذه الجهة هي جهة القبلة حالة الاشتباه ، مظنون بالاجتهاد والنظر في الأمارات.

أمّا إذا كانت معلومة بالإجماع ، فكالعدالة الّتي هي مناط وجوب قبول الشهادة وهي معلومة بالإجماع.

وكون هذا عدلا فمظنون بالاجتهاد.

وأمّا إذا كانت مظنونة بالاستنباط ، فكما في الشدة المطربة الّتي هي مناط تحريم الشرب في الخمر والنظر في معرفتها في النبيذ هو تحقيق المناط ، وقد وقع الإجماع على صحّة الاحتجاج بتحقيق المناط إذا علمت العلّة بنص أو إجماع ، وإنّما الخلاف فيما إذا علمت بالاستنباط.

وأمّا تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيين ما دلّ النص على كونه علّة من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار ممّا اقترن به من الأوصاف ، كلّ واحد بطريقة كالتعليل بالوقاع في قضية الأعرابي ، فإنّه وإن كان مومى إليه بالنص ، غير أنّه يفتقر في معرفته عينا إلى حذف كلّ ما اقترن به من الأوصاف عن درجة الاعتبار بالرأي والاجتهاد ، بأن يبيّن أن كونه أعرابيا ، و [كونه] شخصا معينا ، أو ذلك الزمان ، أو غير ذلك من كون الموطوءة زوجة أو امرأة معينة وشبهه ، لا مدخل له في التأثير بما يساعد من الأدلّة ، حتّى يتعدّى إلى كلّ من وطئ في نهار رمضان عامدا ، وهو مكلّف صائم ، وهذا دون الأوّل وإن اعترف به بعض منكرى القياس. وأمّا

__________________

(١) البقرة : ١٤٤.

١٦٤

تخريج المناط فهو النظر والاجتهاد في إثبات علّة الحكم الّذي دلّ عليه النصّ أو الإجماع دون علّته. كالاجتهاد في كون الشدة علّة لتحريم الخمر حتى يقاس عليه ، وهذا دون النوعين السابقين ، ولذلك أنكره الشيعة والظاهرية وبعض معتزلة بغداد. (١)

__________________

(١) راجع الإحكام : ٣ / ٣٣٥ ـ ٣٣٦.

١٦٥

الفصل الرابع :

في مبطلات العلّة

وفيه مباحث :

الأوّل : النقض

وفيه مطالب :

الأوّل : اختلف الناس في تخصيص العلّة فذهب أكثر الشافعية إلى أنّ وجود الوصف مع عدم الحكم يقدح في كونه علّة.

وذهب الأكثر إلى أنّ علّيّة الوصف إذا ثبتت بالنصّ لم يقدح التخصيص في علّيّته ؛ وإن ثبتت بالاستنباط ، قال أكثر الحنفية ومالك وأحمد : يجوز تخصيصها ، ومنع منه آخرون.

وقال آخرون : إنّ علّيّة الوصف وإن ثبتت بالمناسبة أو الدوران ، لكن إذا كان تخلّف الحكم عنه لمانع لم يقدح في علّيّته. أمّا إذا كان التخلّف لا لمانع فالأكثر على أنّه يقدح في العلّيّة. ومنهم من قال : لا يقدح أيضا.

وقيل : العلّة إن كانت قطعية لم يتخلّف الحكم عنها بغير دليل ؛

١٦٦

ولا بدليل قطعي ، لاستحالة تعارض القطعيين ؛ ولا بظنّي فلا تعارض القطعي.

وإن كانت ظنّية فإن كان التخلّف في معرض الاستثناء ، كتخلّف إيجاب المثل في لبن المصراة عن العلّة الموجبة له ، وهي تماثل الأجزاء بالعدول إلى إيجاب صاع من التمر.

وتخلّف وجوب الغرامة على مباشر الجناية في باب ضرب الدية على العاقلة.

وتخلّف حرمة الربا مع وجود الطعم في العرايا لم يقتض بطلان العلّة ، وهي حجّة فيما عدا المستثنى ، سواء كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة ، لأنّ الدليل من النصّ والاستنباط قد دلّ على العلّة. وتخلّف الحكم حيث ورد بطريق الاستثناء عن قاعدة القياس مقرر لصحّة العلّة لا مانع لها.

وإن كان التخلّف لا في معرض الاستثناء ، فالعلّة إن كانت منصوصة وأمكن حمل النصّ على أنّ المنصوص عليه جزء العلّة ، كتعليل انتقاض الوضوء بالخارج من غير السبيلين المأخوذ من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الوضوء مما خرج» (١) ، فإنّه إذا تخلّف عنه الوضوء في الحجامة أمكن أخذ قيد الخارج من السبيلين في العلّة ، وتأويل النصّ بصرفه عن عموم الخارج النجس إلى

__________________

(١) السنن الكبرى : ١ / ١١٦ و ١٥٩ ؛ الجامع الصغير : ٢ / ٧٢٢ ؛ كنز العمال : ٩ / ٣٣١ برقم ٢٦٢٨٣ وص ٤٨٦ برقم ٢٧٠٨٧ وص ٤٩٣ برقم ٢٧١٢١.

١٦٧

الخارج من أحدهما ، أو حمله على تعليل حكم آخر غير الحكم المصرّح به في النص ، كقوله تعالى : (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ)(١) معلّلا ، بقوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ)(٢) ، فإنّ الحكم المعلّل المصرّح به إنّما هو خراب البيت ، وليس كلّ من شاقّ الله ورسوله يخرب بيته ، فأمكن حمل الخراب على استحقاق الخراب ، وجد الخراب أو لم يوجد ، وجب التأويل لما فيه من الجمع بين التعليل بتأويله ودليل إبطال العلّة المذكورة.

وإن لم يمكن تأويله بغير الوصف المذكور والحكم المرتب عليه ، فغايته امتناع إثبات حكم العلّيّة لما عارضها من النص النافي لحكمها ، والعلّة المنصوصة في معنى النص وتخلف حكم النص عنه في صورة لما عارضه لا يوجب إبطال العمل به في غير صورة المعارضة ، فكذا المنصوصة.

وإن كانت [العلّة] مستنبطة ، فتخلف الحكم إن كان لمانع أو فوات شرط ، كما في تعليل إيجاب القصاص على القاتل بالقتل العمد العدوان ، وتخلف الحكم عنه في الأب والسيد بمانع السيادة والأبوة لم يكن مبطلا للعلّيّة فيما عدا صورة المخالفة ، لأنّ دليل الاستنباط يدلّ على العلّيّة بالمناسبة والاعتبار ، وقد أمكن إحالة نفي الحكم على ما ظهر من المانع لا على إلغاء العلّة ، فيجب الحمل عليه جمعا بين دليل العلّيّة

__________________

(١) الحشر : ٢.

(٢) الأنفال : ١٣.

١٦٨

ودليل مانعية الوصف النافي للحكم ، والجمع أولى من الإبطال.

احتج المانعون بوجوه (١) :

الأوّل : قال أبو الحسين البصري : إنّ تخصيص العلّة ممّا يمنع من كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع ، سواء ظنّ أنّها جهة المصلحة أو لا. لأنّا إذا علمنا أنّ علّة تحريم بيع الذهب بمثله متفاضلا هو كونه موزونا ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بمثله متفاضلا مع أنّه موزون ، فإن علمنا إباحته بعلة أخرى يقاس بها الرصاص على أصل مباح ككونه أبيض مثلا ، فإنّا حينئذ لا نعلم تحريم بيع الحديد بمثله متفاضلا بمجرّد الوزن ، بل بكونه موزونا غير أبيض ، فإنّا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا ، كما لو شككنا في كونه موزونا فظهر أنّا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شيء لكونه موزونا فقط ، فبطل أن يكون الموزون وحده علة ، بل هو مع كونه غير أبيض. وعلى هذا يكون الكلام فيما إذا دلّ على إباحة بيع الرصاص نصّ ، سواء علمت علّة الإباحة أو لم تعلم.

اعترض (٢) بتسليم أنّ علّة القياس أمارة على حكم الفرع معرفة له ، وانّ التخلّف في صورة أخرى للمعارض لا يمكن معه إثبات الحكم في فرع من الفروع دون العلم بانتفاء ذلك المعارض ، لكن لا يلزم أن يكون انتفاء المعارض من جملة المعرف للحكم ، إنّما هو ما كان باعثا عليه في الأصل ، وانتفاء المعارض إنّما توقّف إثبات حكم الأمارة عليه ضرورة أنّ

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٢) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٤٩.

١٦٩

الحكم لا يثبت مع تحقّق المعارض النافي له ، فكان نفيه شرطا في إثبات حكم الأمارة (لا انّه) (١) داخل في مفهوم الأمارة.

وفيه نظر ، فإنّ الأمارة هي ما يعرف منها ثبوت ما جعلت أمارة عليه ، فإذا لم يحصل بمجرد الوصف بل يشترط عدم المانع كانت الأمارة المجموع ، ولا تضرّ التسمية بكونه شرطا أو جزءا.

الثاني : اقتضاء العلّة للحكم إمّا أن يعتبر فيه انتفاء المعارض فلا تكون علة إلّا عند انتفاء المعارض ، فالحاصل قبل انتفاء المعارض بعض العلّة لا تمامها ، أو لا يعتبر ، فيحصل الحكم وإن حصل المعارض فلا يكون معارضا.

اعترض بجواز توقّف الاقتضاء على الانتفاء ولا يلزم كون العلّة جزءا ، لجواز كون انتفاء المعارض شرطا لتأثير العلّة في الحكم ، فإنّ العلّة إن فسّرت بالمؤثّر ، فإن كان قادرا جاز توقّف صحّة تأثيره على انتفاء المعارض لوجوه (٢) :

أ. الفعل حال في الأزل لأنّه ما لا أوّل له ، وهو ينافي الفعل الّذي له أوّل ، فإذن تتوقّف صحّة تأثيره تعالى في الفعل على نفي الأزل ، والقيد العدمي لا يجوز أن يكون جزءا من المؤثّر الحقيقي ، فهو إذن شرط صحّة التأثير.

__________________

(١) في الإحكام : ٣ / ٢٤٩ : لأنّه.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٢.

١٧٠

ب. تحريك القادر الجسم إلى جهة مشروط بعدم معارضة حر قادر آخر إلى ضدها ، والقيد العدمي لا يكون جزءا من المؤثّر الحقيقي.

ج. القدرة لا يصحّ منها إيجاد سواد في محلّ إلّا بشرط عدم البياض فيه ، والعدم لا يكون جزءا.

وإن كان موجبا أمكن اشتراطه بالعدمي كالهويّ الصادر عن الثقيل بشرط عدم المانع ، وسلامة الحاسّة توجب الإدراك بشرط عدم الحجاب.

وإن فسّرت بالداعي لم يكن العدم جزءا منه ، كمن أعطى فقيرا ، إذا جاءه آخر فقال : لا أعطيه لأنّه يهودي ؛ فعدم كون الأوّل يهوديا لم يكن جزءا من المقتضي في إعطاء الأوّل ، لأنّه حين أعطى الفقير الأوّل لم تكن اليهودية خاطرة بباله فضلا عن عدمها ، وما لا يكون خاطرا بالبال لم يكن جزءا من الداعي.

وإن فسّرت بالمعرّف فكذلك ، فإنّ العام المخصوص دليل على الحكم ، وعدم التخصيص ليس جزءا من المعرّف ، وإلّا لوجب ذكره في الاستدلال. فقد ثبت أنّ عدم المعارض وإن كان معتبرا ، لكنّه ليس جزءا من العلّة.

سلّمنا كونه جزءا ، لكن يرجع النزاع إلى اللفظ للاتّفاق بين مجوّز تخصيص العلّة ومانعة على افتقار التعليل إلى ذلك العدم ، وأنتم سلّمتم أنّ المعلّل لو ذكر ذلك القيد في ابتداء التعليل استقامت العلّة ، فلم يبق النزاع إلّا في كون القيد العدمي هل يسمّى جزء من العلّة أم لا؟ وهو لفظي.

١٧١

وأجيب (١) بسبق بيان : أنّه لو توقّف اقتضاء العلّة على نفي المعارض لم يكن الحاصل عند وجود المعارض تمام العلّة ، بل جزءها.

قوله : يلزم جعل القيد العدمي جزءا.

قلنا : إن فسّرنا العلّة بالموجب أو الداعي امتنع جعل القيد العدمي جزءا من علّة الوجود ، فحينئذ لا يجعل عدم المعارض جزء العلّة ، بل انّه يدلّ على حدوث أمر وجودي انضم إلى ما كان موجودا قبل. وصار المجموع علّة تامّة ، فلم يلزم من قولنا : العلّة التامّة إنّما وجدت حال عدم المعارض أن يجعل عدم المعارض جزء العلّة.

وإن فسّرنا العلّة بالمعرّف لم يمتنع جعل القيد العدمي جزءا بهذا التفسير ، كما نجعل انتفاء المعارضة جزءا من دلالة المعجز على الصدق.

قوله : لو كان عدم التخصيص جزءا من المعرّف لوجب على المتمسّك بالعام المخصوص ذكر عدم المخصّصات.

قلنا : معلوم عدم جواز التمسّك بالعام قبل ظنّ عدم المخصّصات ، وعدم وجوب ذكره من أوضاع الجدليين ، والتمسّك بها ممتنع في الأمور الحقيقية.

قوله : يصير الخلاف لفظيا.

__________________

(١) ذكر الإشكال والجواب عنه : الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٣.

١٧٢

قلنا : ممنوع ، فإنّا إذا فسّرنا العلّة بالداعي أو الموجب لم نجعل العدم جزءا من العلّة ، بل كان كاشفا عن حدوث جزء العلّة. ومن يجوّز التخصيص لا يقول بذلك. وإن فسّرنا بالمعرف ظهر الخلاف في المعنى أيضا ، لأنّ من أثبت العلّة بالمناسبة بحث عن ذلك القيد العدمي ، فإن وجد فيه مناسبة صحّح العلّة ، وإلّا أبطلها. ومن يجوّز التخصيص لا يطلب المناسبة البتة من هذا القيد العدمي.

وفيه نظر ، لأنّ من يجوّز تخصيص العلّة يمنع من كون الحاصل عند وجود المعارض جزء العلّة ، بل العلّة نفسها. والأصل فيه أنّ العلّة [إن] عنى بها جميع ما يوجد به الشيء فهو جزء ، وإن عنى مبدأ التأثير فهو تمام العلّة ، فيرجع النزاع إلى اللفظ.

واعترض على أصل الدليل بتسليم عدم توقّف اقتضاء علّة الحكم على عدم المعارض.

قوله : يلزم حصول الحكم وإن حصل المعارض.

قلنا : ممنوع ، فإنّ العلّة وإن كانت مقتضية للحكم فإنّما يلزم وجود الحكم لو انتفى المعارض الراجح أو المساوي ، ولا يلزم منه القدح في المعارض ولا في العلّة.

الثالث : بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا بالفعل وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة ذاتية ، وشرط حدوث الضد انتفاء السابق فلا يعلّل انتفاء الأوّل بطريان الحادث ، وإلّا دار ، فلمّا كان شرط كون المانع

١٧٣

مانعا خروج المقتضي عن الاقتضاء لم يجز أن يكون خروجه عن الاقتضاء بالفعل لتحقّق المانع بالفعل ، وإلّا دار ، فإذن خرج المقتضي عن الاقتضاء بذاته لا بالمانع ، والإجماع على أنّ ما يكون كذلك لا يصلح للعلّيّة.

وفيه نظر ، فإنّ المانع أن يقول بل شرط انتفاء السابق حدوث الطارئ ، ولأنّه مانع من تعاقب الأضداد إذ الإيراد متّجه على كلّ ضد حدث على محلّ ضده ، فإنّ طرده مشروط بعدم الأوّل ، فلو علّل عدم الأوّل بطرده دار ، بل يعدم لذاته فلا يكون ممكنا.

واعترض أيضا بأنّه إن عنى بالشرط معنى يقتضي تقدّمه على المشروط فليس شرط أحد المتباينين انتفاء الآخر ، وإلّا كان كلّ واحد من النقيضين مشروطا بنفسه ضرورة أنّ انتفاء كلّ واحد منهما عين ثبوت الآخر ، وإن عنى بالشرط ما يتقدّم المشروط عند عدمه لم يلزم الدور.

واعترض (١) أيضا بمنع المنافاة بين اقتضاء المقتضي واقتضاء المانع ، لاستحالة الجمع بينهما ، وإن استحال الجمع بين حكمهما. وحينئذ فلا يلزم من تحقّق المانع خروج المقتضي من جهة اقتضائه لا بذاته ، ولا بغيره بخلاف المتنافيات بالذات.

الرابع : الوصف وجد في الأصل مع وجود الحكم ، وفي التخصيص مع عدمه ، ووجوده مع الحكم لا يقتضي قطع العلّيّة ، ووجوده في صورة التخصيص مع عدم الحكم يقتضي قطع عدم العلّيّة هناك. ثمّ الحاصل في

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥٠.

١٧٤

الفرع كما أنّه مثل وصف الأصل ، فكذا هو مثل صورة النقض فليس إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر ، فلمّا تعارضا لم يجز إلحاقه بواحد منهما فلا يكون علّة.

اعترض المجوزون (١) بأنّ الأصل في الوصف المناسب مع الاقتران العلّيّة ، فإذا تخلّف الحكم عنه في صورة النقض ووجدنا فيها وصفا يصلح للمانعية أسندنا التخلّف إليه عملا بذلك الأصل.

أجاب المانعون (٢) بأنّ الأصل ترتيب الحكم على المقتضي ، وحيث لا ترتيب ، فلا علّيّة عملا بهذا الأصل ، فيعارض هذا الأصل أصلكم فيتساقطا ويرجع إلى الأصل ، وهو عدم العلّيّة.

اعترض المجوّزون (٣) بأنّ كلامهم أرجح :

أمّا أوّلا ، فلأنّا لو اعتقدنا عدم تأثير هذا الوصف ، لزم ترك العمل بالمناسبة مع الاقتران من كلّ وجه. ولو اعتقدنا أنّه مؤثّر علمنا بما ذكرتم من الدليل من بعض الوجوه ، لإفادة الوصف الأثر في بعض الصور ، والعمل بالدليل من وجه أولى من تركه بالكلية.

وأمّا ثانيا ، فلأنّ الوصف المدّعى مانعيّته في صورة التخصيص يناسب انتفاء الحكم ، والانتفاء حاصل معه ، فيحصل ظنّ استناد الانتفاء إلى المانع ، فيمتنع استناده إلى عدم المقتضي.

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٤.

(٢ و ٣) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٥.

١٧٥

وحينئذ نقول : معكم أصل واحد هو أنّ الأصل ترتّب الحكم على العلّة ومعنا أصلان ؛ دلالة المناسبة مع الاقتران على علّيّة المانع لانتفاء الحكم ، والعمل بالأصلين أولى من الواحد. (١)

أجاب المانعون (٢) عن الأوّل بمنع دلالة المناسبة مع الاقتران على العلّيّة ، بل المناسبة مع الاقتران والاطّراد دليل العلّيّة ، فإن حذفتم الاطّراد فهو المتنازع.

وعن الثاني. نمنع جواز تعليل انتفاء الحكم في محل التخصيص بالمانع ، لأنّه كان حاصلا قبل المانع ، والحاصل يستحيل تحصيله ثانيا.

أجاب المثبتون (٣) عن هذا بوجهين :

أ. العلل الشرعيّة معرّفات ، فجاز تعليل المتقدّم بالمتأخّر.

ب. المانع علّة نفي الحكم لا لانتفائه ، والنفي : المنع من الدخول في الوجود ، بعد كونه بعرضية الدخول.

أجاب المانعون عن أ. بأنّه لو كان المراد المعرّف ، لم يلزم من تعليل ذلك الانتفاء بعدم المقتضي امتناع تعليله بالمانع أيضا ، لجواز اجتماع الأدلّة على مدلول واحد ، وبعضها وجودي وبعضها عدمي.

__________________

(١) العبارة في المحصول كما يلي : ومعنا أصلان : أحدهما : أنّ المناسبة مع الاقتران دليل على كون الوصف في الأصل علّة لثبوت الحكم فيه. الثاني : أنّ المناسبة مع الاقتران في صورة التخصيص دليل على كون المانع علّة لانتفاء الحكم فيها ، ومعلوم أن العمل بالأصلين أو من العمل بالأصل الواحد.

(٢) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٥ ـ ٣٦٦.

(٣) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٦.

١٧٦

وعن ب. بأنّ المانع لا يؤثر في إعدام شيء ، لاستدعائه سابقية الوجود ، وهنا لم يوجد الحكم فيمتنع إعدامه ، فإذن المستند إلى المانع نفس العدم السابق.

واعترض (١) على أصل الدليل بأنّه وإن كان وجود الوصف مع الحكم فى الأصل لا يوجب القطع بكونه علّة ، لإفادته ظنّ العلّيّة ، فوجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يمنع أنّه يقتضي القطع بأنّه ليس بعلّة ، بل ظنّ العلّيّة باق بحاله ، وانتفاء الحكم إنّما كان لوجود المعارض النافي للحكم على ما هو معلوم من قاعدة القائل بتخصيص العلّة.

الخامس : لا طريق إلى صحّة العلّة الشرعية سوى جريانها مع معلولها ، فإذا لم تجر معه لم يكن إلى صحّتها طريق.

واعترض (٢) بمنع أن اطّراد العلّة طريق إلى صحّتها فضلا عن كونه لا طريق سواه.

وفيه نظر ، لأنّ الطرد وإن لم يدلّ على العلّيّة لكن عدمه يشعر بنفي العلّيّة.

السادس : الشرعية كالعقلية ، وكما امتنع تخصيص العقلية فكذا الشرعية.

واعترض (٣) بمنع التخلّف في العقلية ، بل يجوز عند فوات القابل لحكمها.

__________________

(١ ، ٢ ، ٣). ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥٠.

١٧٧

سلّمنا : امتناع التخلّف ، فليس ذلك لدلالة الدليل على تعلّق الحكم بها ، ولا لكونها علة ، بل لكونها مقتضية للحكم لذاتها ، وهو غير متحقّق في الشرعية ، لأنها لا تقتضي لذاتها ، بل لوضع الشرع لها أمارة على الحكم في الفرع.

وفيه نظر ، لأنّ القابل جزء من العلّة ، والشرعية عند المعتزلة مقتضية لذاتها والشارع كاشف.

سلّمنا ، لكن معنى جعل الشرع الحكم بوجود الحكم عند وجود الوصف ، فالتخلّف مناف.

السابع : العلّة في القياس طريق إلى إثبات الحكم في الفرع ، فإذا وجدت في فرعين امتنع أن تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر ، كما في الإدراكات والأدلّة العقليّة.

اعترض (١) بأنّه ليس العلّة في امتناع الافتراق في الدليل المتعلّق بمدلولين ، وامتناع الافتراق في الإدراك المتعلّق بمدركين ، كونه طريقا لا دليلا ، بل لكون الدليل العقلي موجبا لذاته ، ولكون الإدراك ممّا يجب العلم عنده عادة بخلاف العلل الشرعية ، على ما تقدّم.

وفيه نظر ، لأنّ معنى كونه طريقا ليس التأثير عندكم ، بل ترتّب الحكم عليه ، وإذا تخلّف انتفى كونه طريقا.

الثامن : لو جاز وجود العلّة الشرعية في فرع دون آخر لم

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٥١.

١٧٨

يكن البعض بالإثبات أولى من البعض الآخر.

اعترض (١) بأنّ علّة اختصاص التخلّف في البعض اختصاصه بالمانع.

وفيه نظر ، لأنّ انتفاء المانع حينئذ يكون جزءا من العلّة ، لأنّها عندكم بمعنى الأمارة.

احتجّ من جوز تخصيص العلّة بوجوه (٢) :

الأوّل : دلالة العلّة على الحكم في محالّها كدلالة العام على جميع الأفراد ، وكما أنّ التخصيص العام لا يقدح في عمومه ، فكذا تخصيص العلّة.

اعترض (٣) بالمطالبة بالجامع ثمّ بالفرق ، فإنّ دلالة العام المخصوص على الحكم وإن كانت موقوفة على عدم المخصص ، إلّا أنّ عدم المخصّص إذا ضم إلى العام صار المجموع دليلا على الحكم.

أمّا العلّة فإنّ دلالتها متوقفة على عدم المخصّص ، وذلك العدم لا يجوز ضمّه إلى العلّة على جميع التقديرات ؛ لأنّ منهم من منع كون القيد العدمي جزءا من علّة الحكم الوجودي. ومن جوّزه شرط فيه المناسبة فوجب ذكره في أول الأمر ليعرف أنّه هل يصحّ لأن يكون جزءا لعلّة الحكم أم لا؟

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٦ ـ ٣٦٧.

(٣) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٨.

١٧٩

الثاني : اقتضاء الوصف لذلك الحكم في ذلك المحلّ إن توقّف على اقتضائه الحكم في محل آخر ، فإن لم ينعكس لزم الترجيح من غير مرجّح ، وإن انعكس دار. وإن لم يفتقر أحدهما إلى الآخر لم يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر ، فلا يلزم من انتفاء كون الوصف مقتضيا لذلك الحكم في هذا المحل انتفاء كونه مقتضيا لذلك الحكم في المحلّ الآخر.

اعترض (١) بأنّ العلّة إن فسّرت بالموجب أو الداعي كان شرط كونه علّة للحكم في محلّ أن يكون علّة له في جميع المحال ؛ لأنّ العلّة إنّما توجب الحكم لماهيتها ، ومقتضى الماهية الواحدة واحد ، فإن كانت الماهية موجبة لذلك الحكم في موضع ، وجب كونها كذلك في كلّ المواضع ، وإلّا فلا.

وأيضا لا نسلّم لزوم الدور لو توقف كلّ منهما على الآخر ، لأنّه توقّف معية لا توقّف تقدّم.

وفيه نظر ، فإنّ التوقّف إنّما يتحقق في الشرط أو العلّة لا في المصاحبة ، لأنّ معنى كونه متوقّفا ترتّبه عليه.

الثالث : أجمعوا على جواز ترك العمل بالدليل في بعض الصور لوجود أقوى ، مع جواز التمسّك بالأوّل عند عدم المعارض ، فإنّ الإنسان قد يلبس الثوب لدفع الحرّ والبرد ، فإذا توعّده ظالم بالقتل لو لبسه ، ترك [العمل] بمقتضى الدليل الأوّل ، وإن عمل به في غير هذه الصورة. وإذا كان

__________________

(١) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٦٩.

١٨٠