نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

وعن ابن عليّة (١) ان كان يعتبر الشبه في الصورة كردّ الجلسة الثانية في الصلاة إلى الجلسة الأولى في عدم الوجوب.

والوجه أنّه متى حصلت المشابهة فيما يظن كونه علّة الحكم ، أو مستلزما لما هو علّة له صحّ القياس سواء كان ذلك في الصورة أو في الأحكام.

ومنهم من فسّره (٢) بما يوهم المناسبة من غير اطّلاع عليها ، لأنّ الوصف المعلّل به إمّا أن تظهر فيه المناسبة بوقوف من هو أهل معرفة المناسبة عليها ، وذلك أن يكون ترتيب الحكم على وفقه ممّا يفضي إلى تحصيل مقصود من المقاصد المبيّنة أوّلا ، فهو المناسب.

وإن لم تظهر فيه المناسبة بعد البحث التام ممّن هو أهله ، فإمّا أن يكون مع ذلك لم يؤلف من الشرع الالتفات إليه في شيء من الأحكام ، أو قد ألف.

والأوّل الطردي الذي لا التفات إليه ، كما لو قال الشافعي في إزالة النجاسة بالخل مانع (٣) لا تبني القنطرة على جنسه فلا تجوز إزالة النجاسة به كالدهن ، وكما لو علّل في مسألة من المسائل بالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه.

وإن كان الثاني فهو الشبهي ، وذلك لأنّه بالنظر إلى عدم الوقوف على

__________________

(١) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٥.

(٢) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٣٢٦.

(٣) في الإحكام : ٣ / ٣٢٧ : في إزالة النجاسة بمائع.

١٤١

المناسبة فيه بعد البحث يجزم المجتهد بانتفاء مناسبته ، وبالنظر إلى اعتباره في بعض الأحكام يوجب إيقاف المجتهد عن الجزم بانتفاء المناسبة ، فهو مشابه للمناسب في عدم الجزم بنفي المناسبة عنه ، ومشابه للطردي في عدم الجزم بظهور المناسبة فيه فهو متوسط بين المناسب والطردي بحيث ينحط عن الأوّل ويرتفع عن الثاني.

مثاله قول الشافعي في إزالة النجاسة طهارة تراد لأجل الصلاة ، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث ، فإنّ الجامع هو الطهارة ، ومناسبتها لتعيين الماء فيها بعد البحث التام غير ظاهرة. وبالنظر إلى كون الشارع اعتبرها في بعض الأحكام كمسّ المصحف والصلاة والطواف يوهم اشتمالها على المناسبة.

وأقرب الاصطلاحات الأخير ، وهو الّذي ذهب أكثر القائسين إليه ، ثمّ يتلوه في القرب قول القاضي.

المطلب الثاني : في أنّ الشبه ليس بحجّة

هذا مذهب القاضي أبي بكر (١) لوجهين :

الأوّل : الوصف الذي سمّي بالشبه إن لم يكن مناسبا فهو طردي مردود بالاتّفاق ، وإن كان مناسبا خرج عن كونه شبها إلى كونه مناسبا ، وهو مقبول عند القائسين إجماعا.

__________________

(١) نقله عنه الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٥ ـ ٣٤٦.

١٤٢

الثاني : المعوّل في العمل بالقياس وإثباته على عمل الصحابة ، ولم يثبت عنهم التمسّك بالشبه.

واعلم انّا لمّا بيّنّا أنّ المناسبة لا تصلح دليلا على العلّيّة ، فالشبه أولى بالمنع.

وذهب جماعة (١) إلى أنّه يفيد العلّيّة ، لأنّه يفيد ظنّ العلّيّة ، لأنّه لمّا استلزم العلّة كان الاشتراك فيه يفيد الاشتراك في العلّة.

وعلى التفسير الآخر لمّا ثبت احتياج الحكم إلى علّة ، فهي إمّا هذا الوصف ، أو غيره. ثمّ رأينا جنس هذا الوصف أثر في جنس ذلك الحكم ، ولم يوجد هذا المعنى في باقي الأوصاف حصل ميل القلب إلى اسناد الحكم إلى ذلك الوصف أقوى من مثله إلى اسناده إلى غير ذلك الوصف ؛ وإذا ثبت الظنّ وجب أن يكون حجّة ، لوجوب العمل بالظنّ.

واعترض (٢) على الأوّل : بمنع ردّ الوصف لو لم يكن مناسبا ، بل إذا كان مستلزما للمناسب ، أو عرف بالنصّ تأثير الجنس القريب لذلك الحكم لم يكن مردودا فإنّه المتنازع.

وعلى الثاني : بالتعويل في إثبات هذا النوع من القياس على عموم [قوله تعالى:] (فَاعْتَبِرُوا)(٣) أو على أنّه يجب العمل بالظن.

__________________

(١) منهم : الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٥.

(٢) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٦.

(٣) الحشر : ٢.

١٤٣

وفيه نظر ، فإنّا قد بيّنّا أنّ المناسب ليس بعلّة ، فملزومه لا يكون ملزوما للعلّة ، ونمنع احتياج كلّ حكم إلى علّة وإلّا تسلسل.

سلّمنا ، لكن نمنع الحصر لإمكان أن يكون العلّة ما عداهما.

سلّمنا ، لكن جاز أن تكون العلّة مجموعهما.

سلّمنا ، لكن جاز أن تكون العلّة أحد جزئيات أحدهما.

سلّمنا ، لكن جاز وجود مانع في الفرع أو عدم شرط في الأصل.

البحث السابع : في الدوران

وهو ثبوت الحكم عند ثبوت وصف ، وعدمه عند عدمه : إمّا في صورة واحدة ، كالعصير لمّا انتفى الإسكار عنه أولى انتفى التحريم ، ولمّا حدث وصف الإسكار فيه حدثت الحرمة فلمّا زال السّكر وصار خلّا زال التحريم.

أو في صور متغايرة ، وهو غير دالّ على العلّيّة عند الأكثر.

وقال بعض المعتزلة : إنّه يفيد يقين العلّيّة. وقال آخرون : إنّه يفيد ظنّ العلّيّة. (١) والحقّ الأوّل لوجهين :

الأوّل : أنّ بعض الدورانات لا يفيد ظنّ العلّيّة ، فلا يفيد شيء منها ذلك.

وبيان الأوّل من وجوه : (٢)

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٧.

(٢) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٩.

١٤٤

أحدها : أنّ العلّة والمعلول متلازمان ، فالدوران مشترك بينهما ، والعلّيّة غير مشتركة.

ثانيها : الفصل مساو للنوع ، فالنوع إذا أوجب حكما ، فالدّوران كما حصل مع النوع حصل مع الفصل الّذي هو جزء العلّة مع أنّه ليس علّة.

ثالثها : العلّة كما يدور الحكم معها فقد يدور مع شرطها المساوي وجودا وعدما ، مع أنّه ليس بعلّة إجماعا.

رابعها : المعلولات المتساوية وكلّ منها دائر مع الآخر وجودا وعدما ولا علّية بينها.

خامسها : الجوهر والعرض متلازمان ولا علّية ، وكذا ذاته تعالى وصفاته ، وكذا صفاته بعضها مع بعض.

سادسها : المضافان متلازمان وجودا وعدما مع انتفاء العلّة ، لاستلزامها تقدّم العلّة.

سابعها : المكان والمتمكّن والحركة والزمان متلازمان مع عدم العلّيّة.

ثامنها : الجهات الستّ لا ينفك بعضها عن البعض مع انتفاء العلّيّة.

تاسعها : علمه تعالى دائر مع كلّ معلوم وجودا وعدما ، فإذا كان المعلوم جوهرا علمه جوهرا ، وكذا إذا لم يكن جوهرا يعلمه أنّه غير جوهر مع انتفاء العلّيّة ، لأنّ شرط كون العلم علما تعلّقه بالشيء على ما هو به ، فما لم يكن المعلوم في نفسه واقعا على ذلك الوجه استحال تعلّق العلم به

١٤٥

على ذلك الوجه ، فتعلّق العلم به على ذلك الوجه مشروط بوقوعه على ذلك الوجه ، فلو كان وقوعه على ذلك الوجه مشروطا بعلمه به دار.

ويستحيل أن يكون المعلوم علّة للعلم ، لأنّ علم الله تعالى صفة واجبة ، فلا علّة لها. ثمّ إنّ علمه تعالى واقع بما لا يتناهى من المعلومات فهنا دورانات لا نهاية لها بدون العلّيّة.

عاشرها : الاعراض عند الأشاعرة غير باقية ، والألوان والأشكال تحدث شيئا فشيئا ، فحين عدم اللون والشكل فنيت الألوان والأشكال وغيرهما من جميع الأعراض عن جميع الأجسام ، وحين حدث فيه لون وشكل حدثت سائر الأعراض في جميع الأجسام ، فقد حصل دورانات كثيرة من دون علّيّة.

حادي عشرها : الفلك بل كلّ جسم إذا تحرك تحرّكت جميع أجزائه ، فحركة كلّ جزء إنّما حدثت عند حدوث حركة جميع الأجزاء ، وحين كانت حركة ذلك الجزء معدومة كانت حركات سائر الأجزاء معدومة ، فقد حصلت دورانات كثيرة بدون العلّيّة.

ثاني عشرها : كلّ حيوان يتنفّس ، ومعلوم أنّ تنفّس كلّ واحد مقارن لتنفّس الآخر ، أو متأخّر بشيء لا يعتدّ به ، فقد وجدت هذه الدورانات بدون العلّيّة.

ثالث عشرها : الحكم كما دار مع الوصف المفروض علة كذا دار مع تعيّنه وجودا وعدما ، وخصوص المحل ، وخصوص وقوعه في الزمان

١٤٦

المعيّن والمكان ، وكلّ ذلك لا يصلح للعلّية ، لأنّها عدميّات.

رابع عشرها : الحد والمحدود كلّ منهما دائر مع الآخر وجودا وعدما ، وكذا لوازم المعلول ولوازم العلّيّة كالرائحة المخصوصة المقترنة بالشدة المطربة في الخمر الموجودة عند وجودها المعدومة عند عدمها مع انتفاء العلّيّة في جميع ذلك. وبالجملة فالكلام في ذلك غير منحصر وإذا انفك بعض الدورانات عن العلّيّة انتفى ظنها ؛ لأنّه إذا انفك بعضها عن العلّيّة فإن استلزم البعض الآخر العلّيّة ، فإمّا لذاته وهو محال ، وإلّا لزم الترجيح من غير مرجّح لوجود الذات في الموضعين ؛ وإمّا لغيره فلا يكون المدار نفسها يقتضي العلية ، بل هي مع شيء آخر والمجموع المركب من شيئين مغاير لإفراده.

[الوجه] الثاني : وهو الّذي عوّل عليه المتقدّمون في القدح ان الاطّراد وحده ليس طريقا إلى علّيّة الوصف إجماعا. والانعكاس غير معتبر في العلل الشرعية ، فإذا كان كلّ منهما ليس طريقا ، فالمجموع كذلك.

واعترض (١) على الأوّل : بأنّا لا نوجب ظنّ العلّيّة من مطلق الدوران ، بل يشترط عدم دليل قادح في كونه علّة.

وعلى الثاني : لا يلزم من عدم إفادة كلّ واحد ظن العلّيّة عدم إفادته في المجموع ، لأنّ المجموع قد يخالف الآحاد.

وفيه نظر ، لأنّ مطلق الدوران لا يفيد العلّة ، وعدم دليل القدح لا

__________________

(١) المعترض هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٢.

١٤٧

يستلزم دليل الإثبات ، والمجموع وإن خالف الآحاد لكن العلّة هنا ليست مسندة إلى مطلق الدوران ، لما تقدّم ولا خصوصية يشار إليها بالعلّيّة.

واحتجّوا بوجهين (١) :

الأوّل : هذا الحكم لا بدّ له من علّة ، فإمّا هذا الوصف ، وهو المطلوب.

أو غيره ، فإن كان موجودا قبل حدوث هذا الحكم ، لزم تخلّف الحكم عن علّته ، وهو خلاف الأصل. أو لم يكن والأصل البقاء على ما كان فيحصل ظنّ أنّه بقى كما كان علّة ؛ وإذا حصل ظنّ أنّ غيره ليس علّة ، حصل ظنّ أنّه العلّة.

لا يقال (٢) : الحكم كما دار مع حدوث ذلك الوصف وجودا وعدما ، فكذا دار مع حدوث تعينه بعينه وخصوصيته المحل ، فيكون تعيّنه بعينه وحدوثه في ذلك المحل معتبرا في العلّية وهو يمنع التعدية.

لأنّا نقول : معنى التعيّن أنّه ليس غيره ، وهو أمر عدمي ، وإلّا لساوى التعيّنات القائمة بسائر الذوات في كونها تعيّنا ، ويمتاز عنها بالخصوصية ، فيكون للتعيين تعيّن آخر ، ويتسلسل وحصول الوصف في المحل لو كان وجوديا لكان وصفا لذلك الوصف ، فكونه وصفا للوصف زائد عليه ويتسلسل. وإذا كان التعيّن والحصول في المحل المعيّن عدميين ، استحال كونه علّة ، لأنّ قولنا إن كذا علّة نقيض قولنا ليس بعلّة ، وهو عدمي لصحّة

__________________

(١) منهم الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٧.

(٢) ذكره مع الجواب عنه : الرازي في المحصول : ٢ / ٣٤٨.

١٤٨

اتّصاف المعدوم به في الجملة ، ووصف المعدوم لا يكون موجودا ونقيض العدمي ثبوتي ، فالعلّة ثبوتية فلا يصحّ وصف المعدوم بها ، لامتناع قيام الموجود بالمعدوم. ويستحيل أن يكون جزء علة ، لأنّ مع حصول غيره من الأجزاء إن حصلت العلّية فسائر الأجزاء من دون العدمي علّة تامة ، فلا يكون العدمي جزءا ؛ وإن لم يحصل وحصلت بحصوله فالعليّة إنّما حدثت لأجل هذا الجزء فجزء العلّة علّة تامّة لعلية العلّة ، وقد تقدم بطلان كون العدم علّة.

الثاني : بعض الدورانات يفيد ظنّ العلّيّة ؛ لأنّ من دعي باسم فغضب ، ثم تكرّر الغضب مع الدعاء بذلك الاسم ، حصل هناك ظن استناد الغضب إلى الدعاء بذلك الاسم وذلك الظنّ حصل من الدوران ، لأنّ الناس يعلّلون به فيقولون : رأينا الغضب مع الدعاء بذلك الاسم مرة بعد أخرى ؛ فيكون كلّ دوران كذلك ، لقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ)(١). والعدل : التسوية ، ولا تحصل بين الدورانات إلّا بعد اشتراكها في إفادة الظن.

وفي الأوّل : نظر من وجوه.

أ. نمنع تعليل كلّ حكم على ما سبق ، وإلّا لزم التسلسل.

ب. نمنع الحصر ، لجواز أن تكون العلّة المجموع أو جزئيات أحد القسمين.

__________________

(١) النحل : ٩٠.

١٤٩

ج. التخلّف وإن كان على خلاف الأصل ، إلّا أنّ التعليل بالمدّعى على خلاف الأصل أيضا.

د. التخلّف يلزم لو كان السابق علّة تامّة ، أمّا إذا كان جزءا أو مشروطا بمتجدّد حالة الحكم فلا.

ه. التقسيم وارد في هذا الوصف ، فإنّه إن كان سابقا لزم التخلّف ، وإن كان مقارنا لم يكن ثابتا أو لا فلا تكون علّيّته ثابتة ، والأصل البقاء.

و. والتعيّن جزء من الموجود فلا يكون عدما.

ز. نمنع الاشتراك المعنوي بين التعيّنات.

ح. يجوز اشتراكها في كونها تعيّنات ، وهو اعتباري فلا تسلسل.

ط. لو كان عدميا لم يكن عدما مطلقا ، بل عدما ما فله خصوصية ، فجاز تعليل العلّيّة به ، لأنّها وصف اعتباري أيضا ، وإلّا لزم التسلسل ، وكذا حصول الوصف في المحلّ.

ي. كما أنّ قولنا ليس علة عدميّ الاتصاف العدمي به ، كذا قولنا : إنّه علّة ، ولا يجب في نقيض العدمي الثبوت لجواز الانقسام.

ك. لا يلزم من توقّف العلّيّة على حصول الجزء العدمي كونه علّة تامّة فيها.

وفي الثاني نظر ، إذ لنا بل أن يقول للمستدلّ به : إنّه قد شارك الحمار في الحيوانية ، فيجب اعتقاد مشاركته في جميع صفاته للآية.

١٥٠

البحث الثامن : في السبر والتقسيم

اعلم أنّ التقسيم إن كان منحصرا في طرفي النقيض كان حقّا ، كما يقول : الحكم إمّا معلّلا ، أو لا. فإن كان معلّلا فإمّا بالوصف الفلاني ، أو بغيره ويبطل الاقسام إلّا التعليل بالمدّعى ، وهذا هو المعوّل عليه في معرفة العلل العقلية.

وقد يوجد مثل ذلك في الأمور الشرعية ، كما لو ثبت الإجماع على أنّ حرمة الربا معلّلة ، وعلى انحصار علّتها في المال أو القوت أو الكيل أو الطعم ثمّ تبطل الثلاثة الأول ، فيتعيّن الرابع.

وأمّا التقسيم الّذي لا يدّعى الحصر فيه فإنّه يكون منتشرا كما إذا لم يدّع الإجماع ، بل يقال : الحكم إمّا معلّل أو لا. والتالي باطل ، لأنّه خلاف المتعارف من أنّ الحكم لا يخلو عن علّة إمّا على جهة الوجوب كما يقول المعتزلة ، أو على جهة الإمكان كما يقول الأشاعرة. (١)

وبتقدير جواز خلوّه عن العلّة يكون الخلو على خلاف الغالب المألوف من شرع الأحكام ، وهو يدلّ ظاهرا على تعليل الحكم ، فتلك العلّة ، إمّا ظاهرة أو خفيّة.

والثاني باطل ، وإلّا لكان الحكم تعبّدا ، وهو خلاف الأصل لوجوه (٢) :

__________________

(١) كما ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٨٩ ؛ المسلك الرابع.

(٢) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٨٩.

١٥١

الأوّل : إثبات الحكم بجهة التعقّل أغلب من إثباته بجهة التعبد ، وإدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظنّ.

الثاني : الحكم إذا كان معقول المعنى ، كان على وفق المألوف من تصرّفات العقلاء وأهل العرف ، والأصل تنزيل التصرّفات الشرعية على وزان التصرّفات العرفية.

الثالث : إذا كان معقول المعنى ، كان أقرب إلى الانقياد وأسرع في القبول ، فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى.

وإذا كان لا بدّ من علّة ظاهرة ، فإذا قال الناظر : بحثت فوجدت محلّ الحكم قد اشتمل على وصفين أو ثلاثة مثلا ، ولم اطّلع على ما عداه ، والأصل في الأشياء العدم ، ثمّ إنّ الوصف الفلاني غير صالح للتعليل وكذا الوصف الآخر ، فيتعيّن المدّعى.

والاعتراض من وجوه (١) :

أ. ليس كلّ حكم معلّلا وإلّا لزم التسلسل ، فلم لا يجوز أن يكون هذا الحكم من قبيل ما لا يعلّل.

ب. سلّمنا العلّيّة لكن نمنع الحصر.

لا يقال : لو وجد وصف آخر لعرفه الفقيه الباحث.

__________________

(١) ذكرها الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٣ ـ ٣٥٤ ؛ والآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٩٠.

١٥٢

لأنّا نقول : لعلّه قصّر في البحث والسبر.

سلّمنا ، لكن لعلّه عرف وصفا آخر وستره ترويجا لكلامه.

ج. سلّمنا عدم الاطّلاع ، لكن عدم العلم لا يستلزم العلم بالعدم ، ولئن دلّ على عدمه بالنسبة إلى الباحث فلا يدلّ على عدمه بالنسبة إلى الخصم ، فإنّه ربّما كان عالما بوجود وصف آخر وراء المذكور ، فحينئذ لا ينتهض بحث المستدلّ دليلا في نظر خصمه على العدم.

د. سلّمنا الانحصار ، لكن لا نسلم فسادها.

ه. سلّمنا فساد المفردات ، فلم لا يجوز أن يكون مجموع وصفين أو ثلاثة منها علّة واحدة.

و. سلّمنا فساد جميع الأقسام مفردا ومركبا إلّا المدّعى لكن [لم] لا يجوز انقسامه إلى نوعين ويكون العلّة أحدهما؟ وهذه الأسئلة كلّها ترجع إلى منع الحصر.

واستدلّوا على الحصر بوجهين (١) :

الأوّل : المناظر تلو الناظر ، فلو اجتهد الناظر وبحث عن الأوصاف ، ولم يطّلع إلّا على القدر المذكور ، ووقف على فسادها إلّا الواحد فلا بدّ وأن يحكم قلبه بربط ذلك الحكم بذلك الوصف ، ويكون ظنّه أقوى من ظنّ ربطه بغيره ، والظنّ يجب العمل به. وإذا ثبت ذلك في حق المجتهد وجب

__________________

(١) ذكرهما الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٤.

١٥٣

أن يكون كذلك في حق المناظر ، إذ لا معنى للمناظرة إلّا إظهار مأخذ الحكم.

الثاني : جميع الأوصاف كانت معدومة ، وكانت بحيث يصدق عليها أنّها لا توجب هذا الحكم ، والأصل في كلّ أمر بقاؤه على ما كان. فهذا القدر يفيد ظنّ عدم سائر الأوصاف ، فيحصل ظنّ الحصر ، ومطلوبنا هذا القدر.

قوله : لا نسلم فساد سائر الأقسام.

قلنا : يمكن إفسادها بجميع المبطلات للعلّيّة ، كالنقض وعدم التأثير وغيرهما ، ولا يمكن إفسادها بعدم المناسبة ، لاحتياجه حينئذ إلى أن يبيّن خلوّ ما يدّعيه عن هذا المفسد ، وإنّما يتمّ ذلك ببيان مناسبته ، ولو بيّن ذلك استغنى عن طريقة السبر لدلالة المناسبة والاقتران على كون المعنى علّة.

واعلم أنّ طرق الحذف أربعة (١) :

الأوّل : أن يبيّن المستدلّ أنّ الوصف المدّعى كونه علّة قد ثبت به الحكم في صورة بدون الوصف المحذوف ، ويسمّى الإلغاء ، وهو شديد الشبه بنفي العكس الّذي ليس بمقبول. ولا بدّ من بيان ثبوت الحكم مع الوصف المدّعى كونه علّة ، فإنّه لو ثبت دون المحذوف كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضا ، فحينئذ يظهر استقلال المستبقي بالتعليل ، ومع ظهور ذلك يمتنع إدخال الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل ، لأنّه يلزم منه

__________________

(١) ذكرها الآمدي في الإحكام : ٣ / ٢٩١ ـ ٢٩٣.

١٥٤

إلغاء وصف المستدلّ في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا ، وهو ممتنع.

ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير ، لأنّه إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله ، وهو باطل.

واعترض (١) بأنّ دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الإلغاء بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف غير صحيح ، فإنّه لو كان مجرّد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافيا في التعليل بدون ضميمة ما يدلّ على استقلاله بطريق من طرق إثبات العلّة لكان ذلك كافيا في أصل القياس ، ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة ، وكذا غيره من الطرق فلا بدّ من بيان الاستقلال ونفي كون الباقي جزء علة بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلّة ، وعند ذلك إن شرع المستدل في بيان الاستقلال ببعض الطرق إثبات العلّة ، فإنّ بين الاستقلال في صورة الإلغاء بالبحث والسبر ، كما أثبت ذلك في الأصل الأوّل فقد استقلت صورة الإلغاء بالاعتبار وأمكن أن تكون أصلا لعلّته ، وعرفنا انّ الأصل الأوّل لا حاجة إليه ، فإنّ المصير إلى أصل لا يمكن التمسّك به في الاعتبار ، إلّا بذكر صورة أخرى مستقلة بالاعتبار ، يكون تطويلا بغير فائدة.

وإن بيّن الاستقلال بطريق آخر لزمه مع هذا المحذور محذور آخر ،

__________________

(١) الإحكام : ٣ / ٢٩٢.

١٥٥

وهو الانتقال في إثبات كون الوصف علّة من طريق إلى طريق آخر ، وهو تشنيع في مقام النظر ويعني بنفي العكس بيان إثبات الحكم بعد انتفاء العلّة.

الثاني : طرد المحذوف إمّا مطلقا ، وهو أن يكون ما يحذفه من جنس ما عهد من الشارع عدم الالتفات إليه في الأحكام ، كالطول والقصر.

الثالث : وأمّا بالنسبة إلى ذلك الحكم ، وهو أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألف من الشارع عدم الالتفات إليه في جنس ذلك الحكم ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من أعتق شريكا له من عبد قوم عليه نصيب شريكه». (١) فإنّه وإن أمكن تقرير مناسبة بين وصف الذكورة وسراية العتق ، غير أنّا لمّا عهدنا من الشرع عدم الفرق بين الذكورة والأنوثة في أحكام العتق ألغينا صورة الذكورة فيه دون بقية الأحكام.

الرابع : عدم ظهور المناسبة في الوصف المحذوف للحكم المعلل ، ويكفي المناظر أن يقول : بحثت فلم أجد فيه مناسبة ، وعدم الوجدان مع البحث التام ممّا يوجب الظن بعدمه.

فإن عارض المعترض وقال : بحثت في الوصف المستبقي فلم أجد فيه مناسبة فيلزم إلغاؤه.

فعند ذلك إن بيّن المستدل المناسبة فيه ، فقد انتقل في إثبات العلّة من طريق السبر إلى طريقة المناسبة ، وهو قبيح عند أهل النظر. وإن لم يبيّن

__________________

(١) الإحكام : ٣ / ٢٩٢. ولم نجده في المصادر الحديثية.

١٥٦

ذلك لم يكن الوصف المعترض بالحذف أولى من وصف المستدل.

فنقول : إن كان قد سبق من المعترض تسليم مناسبة كلّ من الوصفين لم يسمع منه بعد بيان المستدلّ نفي المناسبة في الوصف المحذوف ، منع المناسبة في المستبقي ، لكونه مانعا لما سلمه ؛ ولا يجب على المستدلّ بيان المناسبة في الوصف المستبقي. وإن لم يسبق من المعترض تسليم ذلك ، فللمستدل ترجيح سبره على سبر المعترض بموافقته للتعدية. وموافقته سبر المعترض للقصور ، والتعدية أولى من القصور.

البحث التاسع : في الطردي

وهو عبارة عن الوصف الّذي لا يعلم مناسبته ، ولا استلزامه للمناسب إذا جامع الحكم الوصف في جميع الصور المغايرة للمتنازع. وهذا هو معنى الاطّراد.

وبالغ بعضهم فيه فقال : إذا وجد الحكم مقارنا لوصف في صورة واحدة ، حصل ظنّ العلّيّة.

والحق أنّه لا يدلّ وإن كان ملازما لما تقدّم من أنّ الشيئين قد يتلازمان ولا علّيّة بينهما ، كالجوهر والعرض ، وكالحد والمحدود ، وكالمضافين.

ولأنّ الاطّراد كون الوصف بحيث لا يوجد إلّا وقد وجد معه الحكم ، وهذا لا يثبت إلّا إذا ثبت أنّ الحكم حاصل معه في الفرع ، فلو توقّف معرفة

١٥٧

ثبوت الحكم في الفرع على كون الوصف علّة ، وبيّنتم علّيّته بكونه مطّردا ، لزم الدور.

وأمّا التفسير الثاني فإنّه أولى بعدم الدلالة مع أنّ تجويزه يفتح باب الهذيان كما يقال في إزالة النجاسة بالخل مانع لا تبنى القنطرة على جنسه ، فلا تجوز إزالة النجاسة به ، كالدهن. وكقول بعضهم في مسألة اللمس : طويل مشقوق ، فلا ينقض الوضوء بمسه كالبوق.

وأيضا تعيين الوصف للعلّيّة من دون باقي الأوصاف بحكم محض وشبه في الدين ، وهو باطل ، لقوله تعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ)(١).

احتجّ القائلون (٢) بالعلّيّة على التفسير الأوّل بأنّ عادة الشرع إجراء النادر في كلّ باب بالغالب ، فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لمحلّ النزاع مقارنا للحكم ثمّ رأينا الوصف حاصلا في الفرع وجب أن يستدلّ به على ثبوت الحكم. وبأنّا نحكم بجلوس القاضي في الدار التي يشاهد فرسه على بابها لإفادة اقترانهما في بيان سائر الصور اقترانهما هنا.

وفيه نظر ، للمنع من إجراء النادر مجرى الغالب في مثل التلازم ، بل مطلقا فإنّ أكثر العمومات مخصوصة والاستدلال بفرس القاضي استدلال بالعلّة الموصلة للقاضي على المعلول وهو وصوله.

__________________

(١) مريم : ٥٩.

(٢) راجع المحصول : ٢ / ٣٥٥ ـ ٣٥٦.

١٥٨

قالوا : (١) لا دور ، لأنّا لا نستدلّ بالمصاحبة في كلّ الصور على العلّيّة ، بل فيما عدا الفرع.

وفيه نظر ، لأنّ المصاحبة لو دلّت على العلّيّة لدلّت في صور المصاحبة ، والشرع لم يثبت المصاحبة فيه.

واعتذروا (٢) عن انفكاك العلّيّة عن الاطّراد في بعض الصور بعدم قدحه في التعليل ، كالغيم الرطب الدالّ على العلّيّة ظاهرا.

وفيه نظر ، فإنّ دلالة الغيم على ظهور العلّيّة لا باعتبار المقارنة ، بل باعتقاد أنّ الغيم الرطب له صلاحية التأثير ولم يوجد غيره فيظن أنّه سبب ، فإذا وجد ظنّ وجود معلوله.

وأمّا التفسير الثاني فاعتذروا عن النقض بأنّ مجرّد المقارنة يفيد ظنّ العلّيّة بشرط عدم خطور وصف آخر هو أولى بالرعاية ، لكن هذا الشرط ساقط عن المعلّل ، لأنّ نفي المعارض ليس من وظيفته ، والتمثيل بالدهن إنّما بطل بحصول العلم الضروري بوجود وصف آخر هو أولى بالاعتبار من الوصف المذكور ، فإنّا متى علمنا أنّ لزوجة الدهن غير مزيلة للنجاسة ، علمنا أنّ هذا الوصف أولى بالاعتبار من كونه بحيث لا تبنى القنطرة على جنسه.

ولا يكفي في القدح في مثل هذا التعليل خطور وصف آخر بالبال ؛

__________________

(١) القائل هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٦.

(٢) المعتذر هو الرازي في المحصول : ٢ / ٣٥٦.

١٥٩

لأنّ ذلك الوصف الآخر إن لم يكن متعدّيا إلى الفرع كان ما اعتبرناه أولى للأمر بالقياس ومن ضروراته تعليل حكم الأصل بعلّة متعدّية ، إلّا أن يذكر الخصم وصفا آخر متعديا إلى فرع آخر ، فهناك يحتاج المعلّل إلى الترجيح. وإن كان متعديا إلى الفرع لم يضرّ ، لأنّ المراد من العلّة هنا المعرّف ، وقيام معرف آخر لهذا الحكم لا يمنع من كون ما ذكرته معرّفا له.

وفيه نظر ، لأنّ مجرّد المقارنة لو دلّ على العلّيّة لزم الدور ، أو الترجيح من غير مرجّح ، أو تخلّف المدلول عن الدليل وهو على خلاف الأصل.

وأيضا ظنّ العلّيّة إنّما يحصل لو ظن انتفاء غيره من الأوصاف إمّا مع تجويزه فلا ، والمعلّل انتهض (١) لإثبات المدلول ولا يتمّ إلّا بنفي المعارض وإبطال مثال الدهن لا يقتضي إزالة الشياع لإمكان غيره.

قال : والأمر بالقياس لو سلم فإنّما يتمّ مع وجود الشرائط الّتي من جملتها التعليل بالوصف المتعدّي ، فلا يجوز جعله مقدّمة في المطلوب.

قال الغزالي (٢) ونعم ما قال : معنى الطرد سلامته عن المفسد واحد وهو النقض ، وذلك لا يقتضي صحّة التعليل ، وهو كقول القائل : زيد عالم ، لأنّه لا دليل يفسد دعوى علمه. ويعارضه أنّه جاهل ، لأنّه لا دليل يفسد دعوى جهله. والحقّ أنّه لا يعلم كونه عالما بانتفاء دليل الجهل ، ولا كونه جاهلا بانتفاء دليل العلم ، بل يتوقف فيه إلى ظهور الدليل ، وكذا الصحّة والفساد.

__________________

(١) في «أ» و «ب» : انتقض.

(٢) المستصفى من علم الأصول : ٢ / ٣١٤ ـ ٣١٥ ، المسلك الثاني.

١٦٠