نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

نهاية الوصول إلى علم الأصول - ج ٤

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: الشيخ ابراهيم البهادري
الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
المطبعة: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-357-284-6
ISBN الدورة:
978-964-357-238-0

الصفحات: ٤٧٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٤   الجزء ٥
  نسخة غير مصححة

النوع الرابع : (١)

الوصف المناسب إمّا أن يعلم أنّ الشارع اعتبره ، أو يعلم أنّه ألغاه ، أو لا يعلم واحد منهما.

فالأوّل إمّا أن يكون اعتباره بنص ، أو إجماع ، أو ترتيب الحكم على وفقه في صورة بنص أو إجماع.

فإن كان معتبرا بنص أو إجماع يسمّى المؤثر.

وإن كان معتبرا بترتيب الحكم على وفقه في صورة فأقسامه العقلية تسعة.

لأنّه إمّا أن يكون معتبرا بخصوص وصفه ، أو بعموم وصفه ، أو بخصوصه وعمومه.

فإن كان معتبرا بخصوص وصفه دون عموم وصفه فإمّا أن يكون معتبرا في عين الحكم المعلل ، أو في جنسه ، أو في عينه وجنسه.

وإن كان معتبرا بعموم وصفه فإمّا أن يكون معتبرا في عين الحكم ، أو جنسه ، أو في عينه وجنسه.

وأما إنّ لم يكن الوصف معتبرا فإمّا أن يظهر مع ذلك إلغاؤه ، أو لا يظهر ذلك. غير أنّ الواقع منها في الشرع لا يزيد على أربعة.

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٢٣ ؛ والآمدي في الإحكام : ٣ / ٣١١.

١٠١

أ. ما يؤثر نوع الوصف في نوع الحكم ، مثل السكر فإنّ حقيقته اقتضت حقيقة التحريم ، فكان النبيذ ملحقا بالخمر ، لأنّه لا تفاوت بين العلّتين وبين الحكمين إلّا اختلاف المحلّين ، وهو لا يقتضي اختلاف الحال ظاهرا.

ب. تأثير النوع في الجنس كالأخوّة من الأب والأم ، فإنّها تقتضي التقديم في الميراث فيقاس عليه التقديم في النكاح ، فالإخوة من الأبوين نوع واحد في الموضعين غير أنّ ولاية النكاح ليست مثل ولاية الإرث لكن بينهما مجانسة في الحقيقة. وهذا القسم دون الأوّل في الظهور ، لأنّ المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلّين أقلّ من المفارقة بين نوعين مختلفين.

ج. تأثير الجنس في النوع ، كإسقاط قضاء الصلاة عن الحائض تعليلا بالمشقّة ، فإنّه قد ظهر تأثير جنس المشقّة في إسقاط قضاء الصلاة ، وذلك لتأثير المشقّة في السفر في إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين.

د. تأثير الجنس في الجنس ، كتعليل الأحكام بالحكم الّتي لا تشهد لها أصول معيّنة ، كإقامة الشرب مقام القذف إقامة لمظنّة الشيء مقامه قياسا على إقامة الخلوة بالزوجة مقام وطئها في الحرمة.

واعلم أنّ للجنسية مراتب فأعمّ أوصاف الأحكام كونها حكما ، ثمّ ينقسم إلى الخمسة.

والواجب منها ينقسم إلى عبادة وغيرها ، والعبادة إلى صلاة وغيرها ، والصلاة إلى فرض ونفل ، فما ظهر تأثيره في الفرض أخصّ ممّا ظهر تأثيره

١٠٢

في الصلاة ، وما ظهر تأثيره في الصلاة أخصّ ممّا ظهر تأثيره في العبادة.

وكذا في جانب الوصف أعمّ أوصافه كونه وصفا يناط به الاحكام فيدخل فيه الأوصاف المناسبة وغيرها. وأخصّ منه المناسب وأخصّ منه الضروري ، وأخصّ منه ما هو كذلك في حفظ النفس.

وبالجملة فالأوصاف إنّما يلتفت إليها إذا ظنّ التفات الشارع إليها ، وكلّ ما كان التفات الشارع إليه كان ظن اعتباره أقوى ، وكلّ ما كان الوصف والحكم أخصّ كان ظنّ كون ذلك الوصف معتبرا في حقّ ذلك الحكم آكد ، فيكون مقدّما على ما يكون أعمّ منه.

وأمّا المناسب الذي علم أنّ الشرع ألغاه وهو المناسب الّذي لم يشهد له أصل بالاعتبار بوجه من الوجوه وظهر مع ذلك إلغاؤه وإعراض الشرع عنه في صوره ، فهو ممّا اتفق على إبطاله وامتناع التمسّك به وعدم اعتباره أصلا ، كقول بعض العلماء لبعض الملوك لمّا جامع في نهار رمضان وهو صائم : يجب عليك صوم شهرين متتابعين ، فلمّا أنكر عليه حيث لم يأمره بالعتق مع اتّساع ماله قال : لو أمرته بذلك يسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في قضاء وطئه ، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم مبالغة في زجره. فهذا وإن كان مناسبا غير أنّه لم يشهد له شاهد في الشرع بالاعتبار مع ثبوت إلغائه بنص الكتاب.

وأمّا المناسب الذي لا يعلم أنّ الشرع ألغاه ، ولا شهد له أصل من الأصول في الشريعة بالاعتبار بطريق من الطرق ، فذلك إنّما يكون

١٠٣

بحسب أوصاف أخصّ من كونه وصفا مصلحيا ، لأنّ عموم كونه وصفا مصلحيا مشهود له بالاعتبار ، وهذا القسم هو المسمّى بالمصالح المرسلة ، وسيأتي.

واعلم أنّ كلّ واحد من هذه الأقسام الأربعة مع كثرة مراتب العموم والخصوص قد يقع في كلّ واحد من هذه الأقسام الخمسة أعني : الضّرورية والحاجة وغيرهما ، ويحصل هناك أقسام كثيرة ويقع فيما بينها معارضات وترجيحات ، ولا يمكن ضبط القول فيها لكثرتها.

النوع الخامس (١)

الوصف باعتبار الملاءمة ، وشهادة الأصل على أربعة أقسام : مؤثر ، وملائم ، وغريب ، ومرسل. لأنّ الوصف المناسب إمّا أن يكون معتبرا في نظر الشرع أو لا.

والأوّل إن كان اعتباره بنصّ أو إجماع سمّي المؤثر.

وإن كان باعتبار ترتيب الحكم على وفقه في صورة ، فإن ثبت بنصّ أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو بالعكس ، أو كان جنسه معتبرا في جنس الحكم فهو الملائم ، ويراد بالجنس هنا القريب.

وإن لم يثبت بالإجماع ولا النصّ اعتبار عينه في جنس الحكم ولا العكس ولا جنسه في جنس الحكم ولا دلّ على كونه علّة نصّ ولا إجماع ،

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٢٥.

١٠٤

بل ثبت اعتبار خصوص الوصف في خصوص الحكم سمّي المناسب الغريب.

وإن كان المناسب لم يشهد له أصل من الأصول بالاعتبار بطريق من الطرق ولا ظهر إلغاؤه في صورة من الصور فهو المرسل ، وهذا المرسل إن اعتبر جنسه البعيد في جنس ذلك الحكم سمّي ملائما أيضا ، كما يقول : إنّ قليل النبيذ وإن لم يسكر حرام قياسا على قليل الخمر ، ويعلل تحريم قليل الخمر بأنّه يدعو إلى كثيرها ، وهذا مناسب ولم يعتبره الشرع لكن اعتبر جنسه البعيد ، فإن الخلوة لمّا كانت داعية إلى الزنا حرّمها الشارع بتحريم الزنا ، فكان هذا من هذه الجهة ملائما لجنس تصرف الشرع ؛ وإن لم يعتبر جنس ذلك الوصف البعيد في جنس ذلك الحكم سمّي أيضا غريبا ، كالتعليل بالفعل المحرم وهو القتل ، والتطليق بالثلاث في مرض الموت لغرض فاسد وهو استعجال الميراث في القاتل والفرار من توريثها في حمل من يطلق ثلاثا في المرض على القاتل في الحكم بالمعارضة بنقيض مقصود القاتل والزوج حتى صار توريث البينونة كحرمان القاتل ، فيقال : المطلقة ثلاثا في مرض الموت ترث ، لأنّ الزوج قصد الفرار فيعارض بنقيض مقصوده قياسا على القاتل فإنّه لا يرث لأنّه استعجل الميراث ، فعورض بنقيض مقصوده كأنّ تعليل حرمان القاتل بهذا تعليلا بمناسب لا يلائم جنس تصرف الشرع ، لأنّا لا نرى الشرع في موضع آخر التفت إليه.

فالمرسل إذا كان غريبا أو ثبت إلغاؤه كان مردودا بالاتّفاق ؛ وإن كان

١٠٥

ملائما فقد اختلفوا فيه ، فقبله الجويني والغزالي وهو منقول عن الشافعي ومالك ، وذهب آخرون إلى ردّه لأنّ ما لا يكون معتبرا في الشرع بعينه ولا بجنسه القريب لا يكون دليلا شرعيا.

وشرط الغزالي (١) في هذا النوع أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية ، كما لو تترّس الكفّار بجمع من المسلمين ونعلم أنّا لو تركناهم استولوا على المسلمين وقتلوا الترس ، ولو رمينا الترس لخلص أكثر المسلمين ، فخرج بقيد الضرورية ما لو تترّس الكافر في قلعة بمسلم فلا يحلّ رمي الترس لعدم الضرورة ، وبالقطعية ما إذا لم نعلم تسلطهم لو كففنا عن رمي الترس ؛ وبالكلية امتناع طرح واحد من السفينة المشرفة على الهلاك ، لأنّ المصلحة ليست كلية ، إذ يحصل بغرق السفينة هلاك عدد مخصوص بخلاف استئصال كافّة المسلمين.

واعلم أنّ الذي أثر نوع الوصف في نوع الحكم وأثر جنسه في جنسه متّفق على قبوله بين القائسين ، كقياس القتل على الجارح في وجوب القصاص ، فخصوص كونه قتلا معتبر في خصوص كونه قصاصا وعموم جنس الجناية معتبر في عموم جنس العقوبة.

وأمّا المناسب الّذي ليس بملائم ولا شهد له أصل ، فهو مردود بالإجماع ، كحرمان القاتل من الميراث معارضة له بنقيض قصده لو قدرنا عدم النص.

__________________

(١) المستصفى : ١ / ١٧٥.

١٠٦

وأمّا المناسب الملائم الّذي لا يشهد له أصل معين بالاعتبار ، بل اعتبر جنسه في جنسه لكن لم يوجد له أصل يدلّ على اعتبار نوعه في نوعه ، فهو المصالح المرسلة.

وأمّا المناسب الّذي شهد له أصل معيّن لكنّه غير ملائم ، أي شهد نوعه لنوعه لكن لم يشهد جنسه لجنسه كمعنى الإسكار ، فإنّه يناسب تحريم تناول المسكر صيانة للعقل ، وقد شهد لهذا المعنى الخمر بالاعتبار لكن لم يشهد له سائر الأصول ، وهذا هو المسمّى بالمناسب الغريب ، وقد تقدّم.

المطلب الثالث : في أنّ المناسبة هل تبطل بالمعارضة؟ (١)

الأكثر على أنّ المناسبة لا تبطل بالمعارضة ، لأنّ كون الوصف مناسبا إنّما هو لاشتماله على جلب منفعة أو دفع مفسدة ، وذلك لا يبطل بالمعارضة لوجوه :

الأوّل : المناسبتان المعارضتان إن تساويا لم يكن إبطال إحداهما بالأخرى أولى من العكس ، فإمّا أن تبطل كلّ واحدة منهما بالأخرى وهو محال ، لأنّ المقتضي لعدم كلّ منهما وجود الأخرى ، والعلّة حاصلة مع المعلول فيوجدان معا حال عدمهما. وإمّا أن لا تبطل إحداهما بالأخرى حالة التعارض وهو المطلوب. وإن كانت إحداهما أقوى لم يلزم التفاسد

__________________

(١) ذكره الآمدي في الإحكام : ٣ / ٣٠٣ ـ ٣٠٨ ، الفصل الخامس.

١٠٧

أيضا ، لأنّه لو لزم التفاسد لكان باعتبار التنافي بينهما ، لكنّا بيّنّا عدمه ، لأنّهما اجتمعا ، وإذا زالت المنافاة لم يلزم من وجود إحداهما عدم الأخرى.

ولهذا يحسن من العاقل أن يقول : الداعي إلى إثبات الحكم موجود غير أنّه يمنعني عنه مانع ولو اختلت المناسبة لم يحسن ذلك.

الثاني : المفسدة الراجحة إذا صارت معارضة بمصلحة مرجوحة ، فإن لم ينتف من الراجح لأجل المرجوح شيء لزم مساواة المفسدة المعارضة لمصلحة مرجوحة للمفسدة الخالصة عن شوائب المصلحة ، وهو باطل بالضرورة.

وإن انتفى من الراجح شيء لأجل المرجوح ، فهو باطل ، لأنّ القدر الذي يندفع من المفسدة بالمصلحة يكون مساويا لتلك المصلحة ، فيعود التقسيم في القدرين المتساويين بأنّه ليس اندفاع أحدهما بالآخر أولى من العكس ، فإمّا أن يندفعا معا أو لا ، والأوّل محال والثاني المطلوب.

وأيضا ليس اندفاع بعض أجزاء الراجح بالمرجوح وبقاء بعضه أولى من اندفاع الباقي وبقاء المرتفع لتساوي الأجزاء في الماهية.

الثالث : تقرّر في الشرع إثبات الأحكام المختلفة باعتبار الجهات المختلفة ، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنّها سبب الثواب ، من حيث إنّها صلاة ، وسبب العقاب من حيث الغصب ، والجهة المقتضية للثواب مشتملة على المصلحة ، والمقتضية للعقاب مشتملة على المفسدة ، فالمصلحة والمفسدة إن تساويا ارتفع كلّ منهما بالأخرى ، فلا تبقى مصلحة ولا

١٠٨

مفسدة فلا يترتب عليهما مدح ولا ذم ، وقد فرض ترتّبهما عليهما ، هذا خلف.

وإن ترجّحت إحداهما كانت المرجوحة معدومة ، فيكون الحاصل إمّا المدح وحده أو الذم وحده ، وقد فرضنا حصولهما معا. هذا خلف ، وهذا مبني على أنّ الصلاة في الدار المغصوبة عبادة من جهة ومعصية من أخرى.

الرابع : العقلاء يقولون في فعل معين : إنّ الإتيان به مصلحة في حقي لو لا ما فيه من المفسدة ، ولو لا صحّة اجتماع وجهي المصلحة والمفسدة ، وإلّا لما صح هذا الكلام.

الخامس : قد يتعارض في نظر الملك عند الظفر بجاسوس عدوه قتله ، زجرا له ولأمثاله عن الحبس المضرّ به والإحسان إليه وإكرامه إمّا للاستهانة بعدوه ، أو لقصد كشف أسراره ، وأيّهما سلك لم يعد خارجا عن قانون الحكمة ومقتضى المناسبة.

السادس : إذا اجتمع الأخ من الأب مع الأخ من الأبوين في الميراث ، فقد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه بقرابة الأمومة ، والتسوية [بينهما] لاشتراكهما في جهة العصوبة وإلغاء قرابة الأمومة. وتفضيل الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة ، ومع ذلك فالعقل يقتضي بتأذي النظر من غير احتياج إلى ترجيح بأنّ ورود الشرع بالاحتمال الأوّل مناسب غير خارج عن قانون الحكمة ، ولو كان ترجيح

١٠٩

الوصف المصلحي معتبرا في مناسبته لما كان كذلك.

اعترض على الأوّل : بأنّك إن أردت أنّ مناسبة الوصف تبتني على أنّه لا بدّ في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة فمسلم ، لكن لا يلزم من وجود بعض ما لا بدّ منه في المناسبة تحقّق المناسبة. وإن أردت أنّها مستقلة بتحقّق المناسبة ، فممنوع ، لأنّ المصلحة وإن كانت متحقّقة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي ، وأهل العرف لا يعدون المصلحة المعارضة بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة ، ولهذا فإنّ من حصل مصلحة درهم على وجه يفوت عليه عشرة ، يعدّ سفيها خارجا عن تصرفات العقلاء ، ولو كان مناسبا لما كان كذلك ، وعلى هذا لا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقّق المناسبة.

وقول القائل : «الداعي موجود» فالمراد به المصلحة دون المناسبة ، وقوله : «يمنعني عنه مانع» وإن كان صحيحا في العرف ، فليس ذلك إلّا لإخلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة ، لا بمعنى أنّ الانتفاء محال على المفسدة مع وجود المناسب للحكم.

وعلى هذا نقول بأنّ مناسبة كلّ واحدة من المصلحة والمفسدة تختل بتقدير التساوي وبتقدير مرجوحية إحداهما فالمختل مناسبتها دون مناسبة الراجحة ضرورة فوات شرط المناسبة ، لا لأنّ كلّ واحدة علة للإخلال بمناسبة الأخرى ليلزم في ذلك ما قيل.

وعلى الثالث : بأنّ الكلام إنّما هو مفروض في إثبات حكم لمصلحة

١١٠

يلزم من إثباته تحصيلا للمصلحة مفسدة مساوية أو راجحة. وما ذكر من مفسدة تحريم الغصب ، وهي شغل ملك الغير غير لازمة في ترتيب حكم المصلحة عليها وهو صحّة الصلاة ، فانّا وإن لم نقض بصحّة الصلاة فالمفسدة اللازمة من الغصب لا تختل بل هي باقية بحالها ، ولو كانت لازمة من حكم المصلحة لا غير لانتفت المفسدة المفروضة بانتفاء حكم المصلحة ، وليس كذلك ، وحيث لم تكن مفسدة تحريم الغصب لازمة عن حكم مصلحة ، كان من المناسب اعتبار كلّ واحد منهما في حكمهما ، وهي المصلحة والمفسدة ، إذ لا معارضة بينهما على ما تقرر.

وعلى الخامس : أنّه ما لم يترجّح في نظر الملك وأهل العرف مصلحة ما عيّنه من أحد الطريقين من الإحسان أو الإساءة خرج عن قانون الحكمة.

وعلى السادس : نمنع الجزم بمناسبة ما عيّن دون ظهور الترجيح في نظر الناظر ، وبعد ظهور الترجيح فليس الجزم بمناسبة الوصف في نفس الأمر قطعا لجواز أن يكون في نفسه مرجوحا وإن لم يطلع عليه.

وقيل تحرم المناسبة بمفسدة تلزمه راجحة أو مساوية لقضاء العقل بأن لا مصلحة مع مفسدة مثلها.

وإذا ثبت هذا وجب على المجتهد في آحاد المسائل النظر إلى وجه ترجيح إحداهما على الأخرى إمّا بطريق إجمالي يطرد في جميع المسائل بأن يقول لو لم يقدر ترجيح المصلحة على ما عارضها من المفسدة مع

١١١

البحث وعدم الاطّلاع على ما يمكن إضافة الحكم إليه في محل التعليل سوى ما ذكرته ، لزم ثبوت الحكم تعبّدا.

وهو خلاف الأصل ؛ لأنّ غالب الأحكام التعقّل دون التعبّد ، فإدراج ما نحن فيه تحته أولى ؛ ولأنّ معقول المعنى أقرب إلى الانقياد وأدعى إلى القبول فكان أفضى إلى المقصود من شرع الحكم أو بطريق تفصيلي بحسب المسائل.

واعترض بأنّ ما ذكرتم من البحث عن وصف آخر يمكن إضافة الحكم إليه مع عدم الظفر به ، وإن دلّ على ترجيح جهة المصلحة فهو معارض بما يدلّ على عدم ترجيحها ، وهو عدم الاطلاع على ما به تكون راجحة على معارضها مع البحث عنه وعدم الظفر به ، وليس أحد البحثين أولى من الآخر.

لا يقال (١) : ما ذكرناه أولى من جهة أنّ بحثنا عن وصف صالح للتعليل ، وذلك لا يتعدى محل الحكم ، فمحله متحد ، وبحثكم إنّما هو عمّا به الترجيح ، وهو غير منحصر في محل الحكم ، فإن ما به الترجيح قد يكون بما يعود إلى ذات العلّة ، وقد يكون بأمر خارج عنها كما يأتي ، فكان ما ذكرناه أولى.

لأنّا نقول : ما به الترجيح إن كان خارجا عن محل الحكم ، فلا يتحقّق به الترجيح في محل الحكم.

__________________

(١) ذكر الإشكال والجواب عنه الآمدي في الإحكام : ٣ / ٣٠٧.

١١٢

وإن كان في محل الحكم فقد استوى البحثان في اتّحاد محلّهما ولا ترجيح بهذه الجهة.

وبتقدير تسليم اتحاد محل بحث المستدل والتعدّد في محل بحث المعترض ، فإنّ الظنّ الحاصل من البحثين إمّا أن يكون متساويا ، أو متفاوتا.

وبتقدير المساواة ورجحان ظن المعترض ، فلا ترجيح في جانب المستدل وإنّما يترجّح بتقدير ان يكون ما ظنه راجحا.

ومعلوم أنّ ما يقع على تقدير من تقديرين أغلب ممّا لا يقع إلّا على تقدير واحد. ويجب أن يعلم أنّ اشتراط الترجيح في تحقق المناسبة إنّما يتحقّق على رأي من لا يرى تخصيص العلّة.

وأمّا من يرى جواز تخصيصها وجواز إحالة انتفاء الحكم على تحقّق المعارض مع وجود المقتضي فلا بدّ له من الاعتراف بالمناسبة ، وإن كانت المصلحة مرجوحة أو مساوية فإنّ انتفاء الحكم بالمانع مع وجود المقتضي إمّا أن يكون لمقصود راجح على مقصود المقتضي للإثبات أو مساويا له أو مرجوحا بالنسبة إليه ، فإن كان راجحا فقد قيل بمناسبة المقتضي للإثبات مع كون مقصوده مرجوحا ، وإلّا فلو لم يكن مناسبا كان الحكم منتفيا لانتفاء المناسب لا لوجود المانع.

وإن كان مساويا فكذلك أيضا.

١١٣

وإن كانت مفسدة المانع مرجوحة ، فقد قيل بانتفاء الحكم له ، ولو لا مناسبته للانتفاء لما انتفى الحكم به ، فإنّه لو جاز أن ينتفي الحكم بما ليس بمناسب ، لجاز أن يثبت بما ليس بمناسب.

المطلب الرابع : في أنّ المناسبة هل تدلّ على العلية أم لا؟ (١)

ذهب القائسون إلى أنّ المناسبة والاعتبار يدلّ على كون الوصف علّة ، لأنّ المناسبة تفيد ظن العلّية لوجهين :

الأوّل : أنّه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد ، وهذه مصلحة ، فيحصل ظنّ أنّه تعالى إنّما شرعه لهذه المصلحة. فالمقدّمات ثلاث ، ويدلّ على الأوّل وجوه :

أ. أنّه تعالى خصّص الواقعة المعيّنة بالحكم المعيّن لمرجّح لاستحالة ترجيح أحد المتساويين لا لمرجّح ، فذلك المرجّح يستحيل عوده إليه تعالى إجماعا ، فهو عائد إلى العبد وليس مفسدة له ولا ما ليس بمصلحة ولا مفسدة إجماعا ، فهو لمصلحة العبد.

ب. أنّه تعالى حكيم إجماعا ، فلا يفعل إلّا لمصلحة وإلّا لكان عابثا ، والعبث على الله تعالى محال ، لقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً)(٢) ،

__________________

(١) ذكره الرازي في المحصول : ٢ / ٣٢٧.

(٢) المؤمنون : ١١٥.

١١٤

(رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً)(١) ، (ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ)(٢).

وللإجماع.

ولأنّ العبث سفه ، فيكون نقصا ، والله تعالى منزّه عنه ، وتلك المصلحة ليست عائدة إليه إجماعا فهي إلى العبد.

ج. أنّه تعالى كرّم الآدمي ، لقوله تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ)(٣) ، فالسعي في تحصيل مطلوبه ملائم لأفعال العقلاء ، مستحسن عندهم ، فظنّ الإكرام للآدمي يستلزم ظن أنّه لا يشرع إلّا ما يكون مصلحة له.

د. أنّه تعالى خلق الآدمي للعبادة ، لقوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(٤) ، والحكيم إذا أمر عبده أزاح عذره وسعى في تحصيل منافعه ، ليفرغ باله فيتمكن من الاشتغال بأداء المأمور واجتناب المنهي ، فإذن كونه مكلّفا يقتضي أنّه تعالى لا يشرع إلّا ما هو مصلحة له.

ه. النصوص الدالة على أنّ مصالح الخلق ودفع مضارّهم مطلوب للشرع.

كقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)(٥).

__________________

(١) آل عمران : ١٩١.

(٢) الدخان : ٣٩.

(٣) الإسراء : ٧٠.

(٤) الذاريات : ٥٦.

(٥) الأنبياء : ١٠٧.

١١٥

(خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)(١).

(يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(٢).

(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)(٣).

وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة». (٤)

[وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم] : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام». (٥)

ز. أنّه تعالى وصف نفسه بأنّه رءوف رحيم بعباده ، وأنّ رحمته وسعت كلّ شيء وشرع ما لا مصلحة للعبد فيه ليس برحمة ولا رأفة.

فثبت بذلك أنّه تعالى شرع الأحكام لمصالح العباد.

ثمّ إنّ المعتزلة صرّحوا بذلك وكشفوا الغطاء حتى قالوا : إنّه تعالى يقبح منه فعل القبيح والعبث ، بل يجب أن يكون فعله مشتملا على مصلحة وغرض.

وأمّا الفقهاء فقد صرّحوا بأنّه تعالى إنّما شرع هذا الحكم لهذا المعنى ،

__________________

(١) البقرة : ٢٩.

(٢) البقرة : ١٨٥.

(٣) الحج : ٧٨.

(٤) مسند أحمد : ٥ / ٢٦٦ ؛ مجمع الزوائد : ٢ / ٢٦٠ وج ٤ / ٣٠٢ وج ٥ / ٢٧٩ ؛ المعجم الكبير للطبراني : ٨ / ١٧٠ و ٢١٦ و ٢٢٣ ؛ شرح نهج البلاغة : ١٥ / ١٤٤ ؛ تفسير الرازي : ٧ / ١١٨ و ١٣٥ و ١٥٧ ؛ بحار الأنوار : ٦٤ / ١٣٦ وج ٦٥ / ٣١٩ وج ٦٦ / ٤٢ وج ٦٩ / ٢٣٤.

(٥) مسند أحمد : ١ / ٣١٣ ؛ مجمع الزوائد : ٤ / ١١٠ ؛ سنن ابن ماجة : ٢ / ٧٨٤ برقم ٢٣٤٠ ـ ٢٣٤١ ؛ من لا يحضره الفقيه : ٤ / ٣٣٤ برقم ٥٧١٨ ؛ بحار الأنوار : ٧٣ / ٣٤٥.

١١٦

ولأجل هذه الحكمة هم يكفرون من قال بالغرض مع أنّ معنى اللام للغرض لا غير.

ويقولون : إنّه وإن كان لا يجب على الله تعالى رعاية المصالح ، إلّا أنّه تعالى لا يفعل إلّا ما يكون مصلحة لعباده تفضّلا منه وإحسانا لا وجوبا.

وأمّا المقدّمة الثانية : وهي اشتمال الفعل على هذه المصلحة فظاهر ، لأنّا إنّما نحكم بعلّيّة الوصف إذا عرفنا كونه كذلك.

وأمّا الثالثة : وهي أنّ الداعي له تعالى إلى شرع ذلك الحكم هو هذه المصلحة فلوجهين :

أ. المصلحة المقتضية لشرع الحكم ليس غير هذه المصلحة ، لأنّ ذلك الغير لم يكن مقتضيا لهذا الحكم في الأزل ، وإلّا لكان الحكم ثابتا في الأزل ، وذلك يفيد ظن استمرار هذا السّلب على ما يأتي في الاستصحاب.

ب. العلم بكون الحاكم حكيما مع العلم باشتمال الحكم على هذه الجهة من الحكمة يفيد في الشاهد تعليل مشروعية ذلك الحكم بتلك الحكمة. فانّا لو اعتقدنا في ملك البلد أنّه لا يفعل إلّا لحكمة ، ثمّ دفع إلى فقير مالا ، ومعلوم أنّ فقره يناسب الدفع إليه ولم تخطر صفة أخرى تناسب الدفع ، ظنّنا أنّ علّة الدفع الفقر ، وإن كنّا نجوز غيره ، لكنّه مرجوح فلا يقدح في الظن.

١١٧

ولو ظهر وجهان كالفقر والعلم ، فإن تساويا انتفى ظن العلّة في واحد بعينه. فإذن العلم بحكمة الفاعل وبحصول جهة معينة من الحكمة والغفلة عن غيرها يقضي بظن استناد الفعل إلى تلك الحكمة فيكون في الغائب كذلك ، لأنّ الظن دار مع العلمين وجودا وعدما ، والدوران دليل العليّة ظاهرا ، فيحصل ظنّ أنّ العلم بحكمة الفاعل وباشتمال الفعل على جهة مصلحة مع الغفلة عن سائر الجهات علّة لحصول الظن بأنّ ذلك الحكيم أتى بذلك الفعل لتلك الحكمة ، والعلّة تستلزم الحكم أينما حصلت. فإذا حصل ذلك العلمان في أفعاله تعالى وأحكامه حصل ظن أنّه تعالى إنّما شرع الحكم لتلك المصلحة ، فالمناسبة تفيد ظن العلّيّة.

الوجه الثاني : في أنّ المناسبة تفيد ظنّ العلّيّة بعد تسليم أنّ فعله ليس لغرض.

إنّ دوران الأفلاك وطلوع الكواكب وغروبها وبقاءها على أشكالها وأنوارها غير واجب ، لكنّ الله تعالى لمّا أجرى عادته على البقاء على حالة واحدة لا جرم يحصل ظن البقاء ، وكذا نزول المطر عند الغيم الرطب ، وحصول الشبع والري عقيب الأكل والشرب ، والاحتراق عند ملاقاة النار غير واجب ، لكن العادة لما اطّردت حصل ظن يتاخم العلم بالبقاء على مناهجها.

والحاصل : أنّ تكرر الشيء مرارا كثيرة يقتضي ظنّ أنّه متى حصل فإنّما يحصل على ذلك الوجه. وحينئذ نقول : لما تأمّلنا الشرائع وجدنا

١١٨

اقتران الأحكام والمصالح بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر.

فإذن العلم بحصول أحدهما يقتضي ظن حصول الآخر وإن انتفى التأثير بينهما. فالمناسبة دليل العلّيّة ، لوجوب العمل بالظن لإجماع الصحابة عليه ووجوب اتّباعه في أحكام الشرع. كما اشتهر في زمن عمر تقدير حد الشارب ثمانين لقول علي عليه‌السلام : إنّه إذا شرب سكر ، وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، فأرى أن يقام عليه حدّ المفتري إقامة للشرب الذي هو مظنة الافتراء مقام الافتراء في حكمه. (١)

وكحكمهم في إمامة أبي بكر بالظن ، وقياسهم العقد على العقد في الإمامة.

وكقول أبي بكر : أقول في الكلالة برأيي. (٢)

وقول عمر : أقول في الجد برأيي ، وقضى فيه بآراء مختلفة. (٣)

والاعتراض (٤) أن يقول : لم قلتم : إنّه تعالى شرع الأحكام لمصلحة العباد؟

قوله : تخصيص الصورة المعينة بالحكم المعين لا بدّ له من مرجّح.

__________________

(١) مستدرك الحاكم : ٤ / ٣٧٦ ؛ سنن البيهقي : ٨ / ٣٢١ ؛ فتح الباري : ١٢ / ٥٩ ؛ سنن الدارقطني : ٣ / ١١٧ ؛ الكافي : ٧ / ٢١٥ ح ٧ ؛ تهذيب الأحكام : ١٠ / ٩٠ ح ٣ ؛ الإحكام : ٣ / ٣١٧.

(٢) بحار الأنوار : ٣٤ / ٣٧٧ ؛ إحقاق الحق : ٣٣٥ و ٣٣٩ ؛ الإحكام : ٣ / ٣١٨ ؛ المستصفى : ٢٨٩.

(٣) الإحكام : ٣ / ٣١٨ ؛ المستصفى : ٢٨٧.

(٤) ذكره الرازي مع الجواب عنه في المحصول : ٢ / ٣٣٢ ـ ٣٣٣.

١١٩

قلنا : سواء ادّعيت احتياج التخصيص إلى مخصّص أو لم تدع لا يمكنك القول بتعليل أحكامه تعالى بالمصالح ؛ أمّا مع الاحتياج فلأنّ فعل العبد وإن وقع منه تعالى استند الكفر والمعصية إليه ، فيستحيل القول بأنّه لا يفعل إلّا لمصلحة العبد.

وإن وقع من العبد ، فإن لم يتمكّن من ترك المعصية مع أنّ القدرة والداعي الموجبين لها من فعله تعالى كان قد فعل في العبد ما يوجب المعصية ، ويمتنع عقلا انفكاكه عنهما ، فلا يمكن القول بأنّه تعالى يراعي مصلحة العبد.

وإن تمكن من الترك افتقر في ترجيح أحد الممكنين إلى مرجّح ، فإن كان من العبد عاد التقسيم ، وإن كان منه تعالى فإن وجب الترجيح عنده عاد الأمر إلى أنّه تعالى فعل فيهما ما يوجب المعصية فلا يراعي المصالح ، وإن لم يجب افتقر إلى مرجح آخر ويتسلسل أو ينتهي إلى الوجوب.

لا يقال (١) : عند حصول المرجّح يكون الفعل أولى بالوقوع من غير انتهاء إلى حد الوجوب.

لأنّا نقول : حصول الترجيح ولا حصوله مع الأولوية ان كانا ممكنين فلنفرض وقوعهما ، فنسبة الأولوية إلى الترجيح واللّاترجيح على السواء ، فاختصاص أحد زماني الأولوية بالوقوع دون الثاني ترجيحا للممكن المتساوي من غير مرجّح ، وهو محال.

__________________

(١) ذكره الرازي مع الجواب عنه في المحصول : ٢ / ٣٣٤.

١٢٠