تذكرة الفقهاء - ج ٦

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

تذكرة الفقهاء - ج ٦

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-46-9
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

« المعتكف لا يشمّ الطيب ولا يتلذّذ بالريحان » (١) .

ولأنّ الاعتكاف عبادة تختص مكاناً ، فكان ترك الطيب فيها مشروعاً ، كالحجّ .

والثاني : الكراهة ـ وبه قال أحمد (٢) ـ عملاً بأصالة الإِباحة .

والشافعي (٣) نفى الكراهة والتحريم معاً ؛ للأصل .

وليس بجيّد ؛ لأنّ الاعتماد على الرواية .

مسألة ١٨٥ : كلّ ما يبطل الصوم يبطل الاعتكاف‌ ، وهو ظاهر عندنا ؛ لأنّ الاعتكاف مشروط بالصوم ، فإذا بطل الشرط بطل المشروط .

وكلّ ما ذكرنا أنّه مُحرَّم على المعتكف نهاراً ، فإنّه يحرم ليلاً ، عدا الأكل والشرب ؛ فإنّهما يحرمان نهاراً لا ليلاً .

قال الشيخ رحمه الله : السكر يفسد الاعتكاف ، والارتداد لا يفسده ، فإذا عاد بنى (٤) .

والوجه : الإِفساد بالارتداد .

وقال الشيخ أيضاً : لا يفسد الاعتكاف سباب ولا جدال ولا خصومة (٥) .

ولا بأس به ؛ لأنّها غير مفسدة للصوم ، فلا تفسد الاعتكاف .

وهل يبطل الاعتكاف بالبيع والشراء ؟ قيل : نعم ؛ لأنّه منهي عنهما في ‌

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٧٧ ـ ١٧٨ / ٤ ، الفقيه ٢ : ١٢١ / ٥٢٧ ، التهذيب ٤ : ٢٨٨ / ٨٧٢ ، الاستبصار ٢ : ١٢٩ / ٤٢٠ .

(٢) حلية العلماء ٣ : ٢٢٦ ، وراجع : المغني ٣ : ١٤٩ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦٢ ، والمجموع ٦ : ٥٢٨ ، وفتح العزيز ٦ : ٤٨٣ .

(٣) المهذّب للشيرازي ١ : ٢٠١ ، المجموع ٦ : ٥٢٨ و ٥٣٦ ، فتح العزيز ٦ : ٤٨٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٢٦ .

(٤) المبسوط للطوسي ١ : ٢٩٤ .

(٥) المبسوط للطوسي ١ : ٢٩٥ .

٢٦١
 &

هذه العبادة (١) .

وقيل : يأثم ولا يبطل الاعتكاف بهما (٢) .

مسألة ١٨٦ : قال بعض علمائنا : يحرم على المعتكف ما يحرم على المحرم (٣) .

وليس المراد بذلك العموم ؛ لأنّه لا يحرم عليه لبس المخيط إجماعاً ، ولا إزالة الشعر ، ولا أكل الصيد ، ولا عقد النكاح ، فله أن يتزوّج في المسجد ويشهد على العقد ؛ لأنّ النكاح طاعة ، وحضوره مندوب ، ومدّته لا تتطاول ، فيتشاغل به عن الاعتكاف ، فلم يكن مكروهاً ، كتسميت العاطس وردّ السلام . ويجوز له قصّ الشارب وحلق الرأس والأخذ من الأظفار ، ولا نعلم فيه خلافاً .

مسألة ١٨٧ : يجوز للمعتكف أن يتزيّن برفيع الثياب‌ ـ وبه قال الشافعي (٤) ـ عملاً بالأصل .

ولقوله تعالى : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّـهِ ) (٥) .

وقال أحمد : يستحب ترك التزيّن برفيع الثياب (٦) . وليس بجيّد .

ويجوز له أن يأمر بإصلاح معاشه وبتعهّد متاعه ، وأن يخيط ويكتب وما أشبه ذلك إذا اضطرّ إليه .

أمّا إذا لم يضطرّ فإنّه لا يجوز ، خلافاً للشافعية (٧) .

__________________

(١ و ٢) كما في شرائع الإِسلام ١ : ٢٢٠ .

(٣) كما في المعتبر : ٣٢٥ نقلاً عن الشيخ رحمه الله .

(٤) المجموع ٦ : ٥٢٨ ، فتح العزيز ٦ : ٤٨٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٢٦ .

(٥) الأعراف : ٣٢ .

(٦) المغني ٣ : ١٤٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٢ ، المجموع ٦ : ٥٢٨ ، فتح العزيز ٦ : ٤٨٣ حلية العلماء ٣ : ٢٢٦ .

(٧) فتح العزيز ٦ : ٤٨٣ ، المجموع ٦ : ٥٢٩ ، المغني ٣ : ١٤٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٥٩ .

٢٦٢
 &

وقال مالك : إذا قعد في المسجد واشتغل بحرفته ، بطل اعتكافه (١) . وهو كما قلناه .

ونُقل عن الشافعي في القديم مثله في الاعتكاف المنذور (٢) . ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف (٣) .

والمشهور عند الشافعية : الجواز مطلقاً ؛ لأنّ ما لا يبطل قليله الاعتكاف لا يبطل كثيره ، كسائر الأفعال (٤) . وهو ممنوع .

مسألة ١٨٨ : يجوز له الأكل في المسجد‌ ؛ للحاجة إليه ، وللأصل ، ولأنّه مأمور باللبث فيه ، والأكل بدون الاعتكاف جائز في المسجد ، فمعه أولى ، لكن ينبغي أن يبسط سفرة وشبهها ؛ لأنّه أبلغ في تنظيف المسجد .

وله غسل يده فيه ، لكن ينبغي أن يكون ماء الغسالة في طست وشبهه ؛ حذراً من ابتلال المسجد فيمنع غيره من الصلاة فيه والجلوس .

ولأنّه قد يستقذر ، فينبغي صيانة المسجد عنه .

وله أن يرشّ المسجد بالماء المطلق لا المستعمل إذا استقذرته النفس وإن كان طاهراً ؛ لأنّ النفس قد تَعافُهُ (٥) .

وكذا يجوز الفصد والحجامة في المسجد إذا لم يتلوّث ، والأولى الاحتراز عنه .

ولا يجوز أن يبول في المسجد في آنية ـ خلافاً للشافعية في بعض أقوالهم (٦) ـ لما فيه من القبح والاستهانة بالمسجد ، واللائق تعظيم المساجد وتنزيهها ، بخلاف الفصد والحجامة ، ولهذا لا يمنع من استقبال القبلة واستدبارها حالة الفصد والحجامة ، ويمنع منه حالة البول .

__________________

(١) فتح العزيز ٦ : ٤٨٤ ، التفريع ١ : ٣١٤ .

(٢ ـ ٤) فتح العزيز ٦ : ٤٨٣ و ٤٨٤ .

(٥) عاف الشي‌ءَ يَعٰافُهُ : كرهه . لسان العرب ٩ : ٢٦٠ .

(٦) حلية العلماء ٣ : ٢٢٦ ، المجموع ٦ : ٥٣٣ .

٢٦٣
 &

ولأنّ المساجد لم تُبْنَ لهذا ، وهو ممّا يستخفى (١) به ، فوجب صيانة المسجد عنه ، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله .

وقال بعض الحنابلة : يُمنع من الفصد والحجامة فيه ؛ لأنّه إراقة نجاسة في المسجد ، فلم يجز ، كما لو أراد أن يبول في أرضه ثم يغسله .

ولو دعت الحاجة الشديدة إليه ، خرج من المسجد وفَعَله ، وإن استغنى عنه ، لم يكن له الخروج الذي يمكن احتماله (٢) .

والوجه : جوازه ؛ لأنّ المستحاضة يجوز لها الاعتكاف ، ويكون تحتها شي‌ء يقع فيه الدم .

قالت عائشة : اعتكفَتْ مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ، امرأة من أزواجه مستحاضة ، فكانت ترى الحمرة والصفرة ، وربما وَضَعْنا الطست تحتها وهي تصلّي (٣) .

مسألة ١٨٩ : السكر والردّة إن قارنا ابتداء الاعتكاف ، منعا صحّته‌ ؛ إذ لا نيّة لهما . وكذا الإِغماء والجنون .

ولو ارتدّ في أثناء الاعتكاف ، فالوجه عندي بطلان الاعتكاف ؛ خلافاً للشيخ (٤) .

وقال الشافعي في الاُمّ : إنّه لا يبطل اعتكافه ، بل يبني إذا عاد إلى الإِسلام (٥) .

__________________

(١) في « ط ، ف » والطبعة الحجرية : يستخف .

(٢) المغني ٣ : ١٥٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦٣ .

(٣) صحيح البخاري ٣ : ٦٤ ـ ٦٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٣٣٤ / ٢٤٧٦ ، سنن البيهقي ٤ : ٣٢٣ .

(٤) المبسوط للطوسي ١ : ٢٩٤ .

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ٢٠٠ ، المجموع ٦ : ٥١٨ ، فتح العزيز ٦ : ٤٩٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢٢٤ ، وفي الجميع نقلاً عن الاُم .

٢٦٤
 &

وقال : لو سكر في اعتكافه ثم أفاق ، استأنف (١) . وهذا حكم ببطلان الاعتكاف .

ولأصحابه طريقان :

أحدهما : تقرير القولين .

والفرق : أنّ السكران ممنوع من المسجد ؛ لقوله تعالى : ( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ ) (٢) أي موضع الصلاة ، فإذا شرب المسكر وسكر ، فقد أخرج نفسه عن أهلية اللبث في المسجد ، فينزّل ذلك منزلة خروجه منه ، والمرتدّ غير ممنوع من المسجد ، بل يجوز استدامته (٣) فيه ، وتمكينه من الدخول لاستماع القرآن ونحوه ، فلم يجعل الارتداد متضمّناً بطلان الاعتكاف .

والثاني : التسوية بين الردّة والسكر ، وفي كيفيتها طريقان :

أحدهما : أنّهما على قولين :

أحدهما : أنّهما لا يبطلان الاعتكاف .

أمّا الردّة : فلما سبق .

وأمّا السكر : فلأنّه ليس فيه إلّا تناول محرَّم ؛ وذلك لا ينافي الاعتكاف .

والثاني : أنّهما يبطلان .

أمّا السكر : فلما سبق .

وأمّا الردّة : فلخروج المرتدّ عن أهلية العبادة .

والأصحّ عندهم : الجزم في الصورتين ، وفي كيفيته طُرق :

أحدها : أنّه لا يبطل الاعتكاف بواحد منهما . وكلام الشافعي في‌

__________________

(١) الاُم ٢ : ١٠٦ ، والمجموع ٦ : ٥١٨ ، وفتح العزيز ٦ : ٤٩٤ .

(٢) النساء : ٤٣ .

(٣) في المصدر : استتابته .

٢٦٥
 &

السكر محمول على ما إذا خرج من المسجد أو اُخرج لإِقامة الحدّ عليه .

وثانيها : أنّ السكر يبطله ؛ لامتداد زمانه ، والردّة كذلك إن طال زمانها .

وثالثها : أنّ الردّة تُبطل ؛ لأنّها تفوّت شرط العبادة ، والسكر لا يُبطله ، كالنوم والإِغماء .

ورابعها : أنّهما جميعاً مُبطلان ؛ فإنّ كلّ واحد منهما أشدّ من الخروج من المسجد ، فإذا كان ذلك مُبطلاً للاعتكاف ففيهما أولى .

وقوله (١) في الردّة مفروض فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعاً ، فإذا عاد إلى الإِسلام بنى على ما مضى ؛ لأنّ الردّة لا تُحبط العبادات السابقة .

وقوله (٢) في السكر مفروض في الاعتكاف المتتابع (٣) .

وهذا كلّه عندنا باطل ؛ لأنّ المرتدّ لا يُمكَّن من الدخول إلى المسجد ، وأنه مُنافٍ للعبادة ، وكذا السكر .

إذا عرفت هذا ، فالمفهوم من كلام الشافعي أنّ زمان الردّة والسكر لا اعتكاف فيه ؛ فإنّ الكلام في أنه يبني أو يستأنف إنّما ينتظم عند حصول الاختلال في الحال (٤) . والمشهور عند أصحابنا (٥) أنّ زمان الردّة غير محسوب من الاعتكاف ؛ إذ ليس للمرتدّ أهلية العبادة ، وأمّا زمان السكر ففي احتسابه لهم وجهان (٦) .

مسألة ١٩٠ : إذا عرض الجنون أو الإِغماء في أثناء الاعتكاف ، بطل اعتكافه‌ ؛ لفساد الشرط ، وخروجه عن أهلية العبادة ، سواء اُخرجا من‌

__________________

(١ و ٢) أي : قول الشافعي .

(٣) فتح العزيز ٦ : ٤٩٤ ـ ٤٩٧ ، المجموع ٦ : ٥١٨ ـ ٥١٩ .

(٤) فتح العزيز ٦ : ٤٩٧ ـ ٤٩٨ .

(٥) كذا ، والظاهر أنّ الصحيح : أصحابه . أي : أصحاب الشافعي .

(٦) فتح العزيز ٦ : ٤٩٨ ، المجموع ٦ : ٥١٩ .

٢٦٦
 &

المسجد أو لا .

وقال الشافعي : إن لم يخرج من المسجد لم يبطل اعتكافه ؛ لأنّه معذور فيما عرض ، وإن اُخرج نظر ، فإن لم يمكن حفظه في المسجد ، فكذلك ؛ لأنّه لم يحصل الخروج باختياره ، فأشبه ما لو حُمل العاقل واُخرج مُكرَهاً ، وإن أمكن ذلك ، ففيه خلاف مخرَّج ممّا لو اُغمي على الصائم (١) .

ولا تُحسب أيّام الجنون من الاعتكاف ؛ لأنّ العبادات البدنية لا تصحّ من المجنون .

وفي زمان الإِغماء للشافعية خلاف (٢) . وعندنا أنّه لا يحسب .

مسألة ١٩١ : الجنابة والحيض مانعان من الاعتكاف ابتداءً‌ ـ وبه قال الشافعي (٣) ـ لأنّهما ممنوعان من اللبث في المساجد . قال الله تعالى : ( وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ ) (٤) وإذا مُنعا من اللبث مُنعا من الاعتكاف ؛ لأنّه أخصّ منه .

وإذا طرأ الحيض على المعتكفة ، وجب عليها الخروج من المسجد ، فإن لبثت فيه لم يُحسب من الاعتكاف ؛ لأنّه منهي عنه ، والنهي في العبادات يدلّ على الفساد .

ولأنّ الصوم شرط في الاعتكاف عندنا والحيض لا يجامعه ، ومنافي الشرط منافٍ للمشروط .

ولو طرأت الجنابة ، فإن كان ممّا يُبطل الاعتكاف أو الصوم ، بطل الاعتكاف قطعاً ، وإن طرأت بما لا يُبطله ، كالاحتلام والجماع ناسياً ، وجب عليه أن يبادر إلى الغسل ؛ لئلّا يبطل اعتكافه ، فإن لم يمكنه الغسل ، فهو ‌

__________________

(١) فتح العزيز ٦ : ٤٩٨ ، المجموع ٦ : ٥١٧ .

(٢) فتح العزيز ٦ : ٤٩٩ ، المجموع ٦ : ٥١٧ .

(٣) فتح العزيز ٦ : ٤٩٢ ، الوجيز ١ : ١٠٦ ، المجموع ٦ : ٤٧٦ .

(٤) النساء : ٤٣ .

٢٦٧
 &

مضطر إلى الخروج ، وإن أمكنه ، عُذر في الخروج أيضاً ، ولا يكلّف الغسل في المسجد ؛ لأنّ الخروج أولى ، لما فيه من صيانة حرمة المسجد .

واعلم أنّ الجنابة الطارئة إذا لم تقتض بطلان الاعتكاف ، وبادَرَ إلى الاغتسال ، احتسب زمانها من الاعتكاف ، كما في وقت الخروج لقضاء الحاجة ، وإن أهمل ، بطل الاعتكاف من حين الإِهمال ، وقبله يُحسب من زمان الاعتكاف .

وللشافعية في احتساب زمان الجنابة من الاعتكاف مطلقاً وجهان (١) .

المطلب الرابع : في نذر الاعتكاف‌

مسألة ١٩٢ : قد بيّنّا أنّ الاعتكاف عبادة مستحبة في أصلها‌ غير واجبة وإنّما يجب بالنذر أو شبهه ، كاليمين والعهد ، فإذا نذر الاعتكاف ، وجب عليه .

ثمّ إمّا أن يُطلق أو يُعيّن ، والتعيين إمّا أن يحصل بوصف الفعل أو بخارج عنه ، كالمكان أو الزمان .

فإن أطلق ، وجب عليه اعتكاف ثلاثة أيام ؛ إذ لا يصحّ الاعتكاف أقلّ منها عند علمائنا أجمع ، ويتخيّر في أيّ وقت شاء ـ ممّا يصحّ صومه ـ أوقعه فيه .

ويجب أن يكون صائماً هذه الأيام الثلاثة ؛ لأنّ الاعتكاف عندنا لا يصحّ إلّا بالصوم ، وما لا يتمّ الواجب إلّا به يكون واجباً . ويتخيّر أيضاً في أحد المساجد الأربعة أيّها شاء اعتكف فيه .

مسألة ١٩٣ : قد بيّنّا أنّ الصوم شرط في الاعتكاف‌ ، فلو نذر اعتكاف أيام لا يجب فيها الصوم ، وجب صومها عندنا وإن لم ينذر الصوم .

__________________

(١) المجموع ٦ : ٥٢٦ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٠ .

٢٦٨
 &

ولو نذر اعتكاف أيام يجب فيها الصوم ، كرمضان والنذر المعيّن ، أجزأ .

ومَنْ لم يشترط الصوم فيه من العامة إذا نذر الاعتكاف ، لم يجب الصوم .

ولو نذر أن يعتكف أياماً هو فيها صائم ، لزم الاعتكاف في أيام الصوم ، ووجب عليه الصوم إجماعاً ؛ لأنّ الاعتكاف بالصوم أفضل وإن لم يكن مشروطاً به ، فإذا التزمهم بالشرط ، لزم ، كما لو التزم التتابع فيه ، وليس له في هذه الصورة إفراد أحدهما عن الآخر إجماعاً .

ولو اعتكف في رمضان ، أجزأه ؛ لأنّه لم يلتزم بهذا النذر صوماً ، وإنّما نذر الاعتكاف على صفة وقد وُجِدَتْ .

ولو نذر أن يعتكف صائماً أو يعتكف بصوم ، لزمه الاعتكاف والصوم جميعاً بهذا النذر ، ولزمه الجمع بينهما عندنا .

وللشافعية وجهان :

أحدهما : أنّه لا يجب الجمع ؛ لأنّهما عبادتان مختلفتان ، فأشبه ما إذا نذر أن يصلّي صائماً .

وأصحّهما ـ وهو قول الشافعي في الاُم ـ : أنّه يجب ؛ لما تقدم من أنّ الاعتكاف بالصوم أفضل (١) .

ولو شرع في الاعتكاف صائماً ثم أفطر ، لزمه استئناف الصوم والاعتكاف عند الشافعية على الوجه الثاني ، ويكفيه استئناف الصوم على الأول (٢) .

__________________

(١) المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ ، المجموع وفتح العزيز ٦ : ٤٨٥ ـ ٤٨٦ ، حلية العلماء ٣ : ٢١٩ .

(٢) المجموع وفتح العزيز ٦ : ٤٨٦ .

٢٦٩
 &

ولو نذر اعتكاف أيام وليال متتابعة صائماً وجامع ليلاً ، ففيه للشافعية هذان الوجهان (١) .

ولو اعتكف عن نذره في رمضان ، أجزأه عن الاعتكاف في الوجه الأول ، وعليه الصوم ، وعلى الثاني لا يجوز الاعتكاف أيضاً (٢) .

ولو نذر أن يصوم معتكفاً ، انعقد نذره عندنا ؛ لأنّها عبادة منذورة فلزمته .

وللشافعية طريقان ، أظهرهما : طرد الوجهين . والثاني : القطع بأنّه لا يجب الجمع .

والفرق : أنّ الاعتكاف لا يصلح وصفاً للصوم والصوم يصلح وصفاً للاعتكاف ، فإنّه من مندوباته (٣) .

ولو نذر أن يعتكف مصلّياً أو يصلّي معتكفاً ، لزمه الصلاة والاعتكاف ، ويلزمه الجمع عندنا .

وللشافعية طريقان :

أحدهما : طرد الوجهين في لزوم الجمع .

وأصحّهما عندهم : القطع بأنّه لا يجب .

والفرق : أنّ الصوم والاعتكاف متقاربان ، فإنّ كلّ واحد منهما كفٌّ وإمساك ، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف (٤) .

ويُخرَّج على هذين الطريقين : ما لو نذر أن يعتكف مُحْرماً ، فإن لم نوجب الجمع بين الاعتكاف والصلاة ، فالقدر الذي يلزمه من الصلاة هو القدر الذي يلزمه لو أفرد الصلاة بالنذر ، وإن أوجبنا الجمع ، لزمه ذلك القدر في يوم‌

__________________

(١ و ٢) المجموع وفتح العزيز ٦ : ٤٨٦ .

(٣) فتح العزيز ٦ : ٤٨٦ ـ ٤٨٧ ، المجموع ٦ : ٤٨٦ .

(٤) المجموع ٦ : ٤٨٦ ، الوجيز ١ : ١٠٦ ، فتح العزيز ٦ : ٤٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ٢١٩ .

٢٧٠
 &

اعتكافه ، ولا يلزمه استيعاب اليوم بالصلاة (١) .

وإن كان نذر اعتكاف أيام مصلّياً ، لزمه ذلك القدر كلّ يوم .

وقال بعضهم : ظاهر اللفظ يقتضي الاستيعاب ، فإنّه جعل كونه مصلّياً صفةً لاعتكافه (٢) .

وهذا هو الوجه عندي ؛ لأنّا لو تركنا هذا الظاهر ولم نعتبر تكرير القدر الواجب من الصلاة في كلّ يوم وليلة ، اكتفي به في جميع المدّة (٣) .

ولو نذر أن يصلّي صلاة يقرأ فيها سورة كذا ، لزم الجمع عندنا .

وللشافعية قولان ، أحدهما : أنّه على الخلاف (٤) .

مسألة ١٩٤ : كما أنّه ليس للعبد ولا للزوجة الابتداء بالاعتكاف المندوب إلّا بإذن السيد والزوج‌ ، كذلك ليس لهما نذر الاعتكاف إلّا بإذن المولى والزوج ، فإن نذر أحدهما ، لم ينعقد نذره .

وهل يقع باطلاً أو موقوفاً على الإِذن ؟ إشكال ، أقربه : الثاني .

فإن أجازا نذرهما وأذنا في الشروع في الاعتكاف وكان الزمان معيّناً أو غير معيّن لكن شرطا التتابع ، لم يجز لهما الرجوع ، وإن لم يشترطا التتابع ، فالأقرب أنّ لهما الرجوع ، وهو أظهر وجهي الشافعية (٥) .

ولو نذرا بالإِذن ، فإن تعلّق بزمان معيّن ، فلهما الشروع فيه بغير إذن ، وإلّا لم يشرعا فيه إلّا بالإِذن ، وإذا شرعا بالإِذن ، لم يكن لهما المنع من‌

__________________

(١) فتح العزيز ٦ : ٤٨٧ ـ ٤٨٨ .

(٢) الرافعي في فتح العزيز ٦ : ٤٨٨ ، وكما في المجموع ٦ : ٤٨٧ .

(٣) ورد في هامش « ط ، ن » : أي لو لم نعتبر التكرار في جميع أيام الاعتكاف ولياليه ، لاكتفي منه بمرّة واحدة في أول يوم منه .

قلت : وأيضاً كان يكتفي بإدخال ماهية الصلاة في العمر مرّة لو نذر اعتكاف عمره مصلّياً .

(٤) فتح العزيز ٦ : ٤٨٨ ، المجموع ٦ : ٤٨٧ .

(٥) المهذب للشيرازي ١ : ١٩٧ ، المجموع ٦ : ٤٧٧ ، فتح العزيز ٦ : ٤٩٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢١٧ .

٢٧١
 &

الإِتمام . وهو مبني على أنّ النذر المطلق إذا شرع فيه ، لزم إتمامه .

وفيه إشكال . وللشافعية خلاف (١) .

مسألة ١٩٥ : لو نذر الاعتكاف في المسجد الحرام ، تعيّن بالنذر‌ ، سواء عقد عليهما في نذر واحد أو أطلق نَذْرَ الاعتكاف ثم نذر تعيين المطلق فيه .

ولا خلاف في تعيين المسجد الحرام لو عيّنه بالنذر ؛ لما فيه من زيادة الفضل على غيره ، وتعلّق النُّسُك به .

وإن عيّن مسجد النبي صلّى الله عليه وآله ، بالمدينة ، أو المسجد الأقصى ، تعيّن أيضاً عندنا ـ وبه قال أحمد والشافعي في أحد قوليه (٢) ـ لأنّه نذر في طاعة ، فينعقد ولا يجوز له حلّه .

ولقول النبي صلّى الله عليه وآله : ( لا تُشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ) (٣) فأشبها المسجد الحرام .

والثاني للشافعي : أنّه لا يتعيّن بالنذر ؛ لأنّه لا يتعلّق بهما نُسُك ، فأشبها سائر المساجد (٤) .

وليس بجيّد ؛ لأنّه لا يلزم من انتفاء تعلّق النُّسُك بهما مساواتهما لغيرهما من المساجد .

__________________

(١) فتح العزيز ٦ : ٤٩٣ ، المجموع ٦ : ٤٧٨ .

(٢) المغني ٣ : ١٦٠ و ١٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٣ و ١٣٤ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٩٧ ، المجموع ٦ : ٤٨١ ـ ٤٨٢ ، الوجيز ١ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢١٨ .

(٣) صحيح البخاري ٢ : ٧٦ ، صحيح مسلم ٢ : ١٠١٤ / ١٣٩٧ ، سنن أبي داود ٢ : ٢١٦ / ٢٠٣٣ ، سنن النسائي ٢ : ٣٨ ـ ٣٩ .

(٤) المهذّب للشيرازي ١ : ١٩٧ ، المجموع ٦ : ٤٨١ ـ ٤٨٢ ، الوجيز ١ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٣ : ٢١٨ ، المغني ٣ : ١٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٤ .

٢٧٢
 &

ولو عيّن غير هذه المساجد بالنذر ، تعيّن عندنا ؛ لاشتماله على عبادة ، فانعقد نذره ، كغيره من العبادات .

وقال أحمد : لا يتعيّن بالنذر غير هذه المساجد الثلاثة ؛ لقوله عليه السلام : ( لا تُشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد ) (١) .

ولو تعيّن غيرها بتعيينه ، لزمه المضيّ إليه ، واحتاج إلى شدّ الرحل لقضاء نذره فيه .

ولأنّ الله تعالى ، لم يعيّن لعبادته مكاناً فلم يتعيّن بتعيين غيره ، وإنّما تعيّنت هذه المساجد الثلاثة ؛ للخبر الوارد فيها .

ولأنّ العبادة فيها أفضل ، فإذا عيّن ما فيه فضيلة ، لزمه ، كأنواع العبادة (٢) . وهو أحد قولي الشافعي (٣) أيضاً .

وله قول آخر : إنّه لا يتعيّن المسجد الأقصى ؛ لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله ، قال : ( صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام ) (٤) (٥) .

وهذا يدلّ على التسوية فيما عدا هذين المسجدين ؛ لأنّ المسجد الأقصى لو فُضّلت الصلاة فيه على غيره ، للزم أحد أمرين : إمّا خروجه من عموم هذا الحديث ، وإمّا كون فضيلته بألف مختصّاً بالمسجد الأقصى .

وليس بلازم ؛ فإنّه إذا فُضّل الفاضل بألف فقد فُضّل المفضول بها أيضاً .

وقد بيّنّا أنّ النذر عندنا يتعيّن به ما يعيّنه الناذر من المكان كالزمان ، والتعيين وإن كان بالنذر لكن لمّا أوجب الله تعالى ، الوفاء بالنذر ، كان التعيين‌

__________________

(١) تقدّمت الإِشارة إلى مصادره في الصفحة السابقة الهامش (٣) .

(٢ و ٣) المغني ٣ : ١٦٠ ـ ١٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٣ ـ ١٣٤ .

(٤) صحيح مسلم ٢ : ١٠١٢ / ١٣٩٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٥٠ / ١٤٠٤ .

(٥) المغني ٣ : ١٦١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٤ .

٢٧٣
 &

مستنداً إليه تعالى .

مسألة ١٩٦ : إذا نذر الاعتكاف في مسجد ، تعيّن ، وليس له العدول إلى مسجد أدون شرفاً .

وهل له العدول إلى مسجد أشرف ؟ إشكال ، أقربه : الجواز .

فلو نذر أن يعتكف في المسجد الحرام ، لم يجز له أن يعتكف في غيره ؛ لأنّه أشرفها .

ولو نذر أن يعتكف في مسجد النبي صلّى الله عليه وآله ، جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام ؛ لأنّه أفضل منه ، ولم يجز أن يعتكف في المسجد الأقصى ؛ لأنّ مسجد النبي صلّى الله عليه وآله ، أفضل منه .

وقال قوم : إنّ مسجد النبي صلّى الله عليه وآله ، أفضل من المسجد الحرام ؛ لأنّ النبي صلّى الله عليه وآله ، إنّما دُفن في خير البقاع ، وقد نقله الله تعالى من مكّة إلى المدينة ، فدلّ على أنّها أفضل (١) .

والمشهور : أنّ المسجد الحرام أفضل ؛ لقوله عليه السلام : ( صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام ) (٢) .

وفي خبر آخر أنّه قال عليه السلام : ( صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ) (٣) فيدخل في عمومه مسجد النبي صلّى الله عليه وآله ، فتكون الصلاة فيه أفضل من مائة ألف صلاة فيما سوى مسجد النبي صلّى الله عليه وآله .

ولو نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى ، جاز له أن يعتكف في المسجدين الآخرين ؛ لأنّهما أفضل منه .

وقد روى العامّة أنّ رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، يوم الفتح ‌

__________________

(١) كما في المغني ٣ : ١٦١ ـ ١٦٢ ، والشرح الكبير ٣ : ١٣٤ .

(٢) صحيح مسلم ٢ : ١٠١٢ / ١٣٩٤ ، سنن ابن ماجة ١ : ٤٥٠ / ١٤٠٤ .

(٣) سنن ابن ماجة ١ : ٤٥١ / ١٤٠٦ .

٢٧٤
 &

والنبي عليه السلام في مجلس قريباً من المقام ، فسلّم على النبي صلّى الله عليه وآله ، ثم قال : يا نبي الله إنّي نذرت لئن فتح الله للنبي والمؤمنين مكّة لاُصلّينّ في بيت المقدس ، وإنّي وجدت رجلاً من أهل الشام هاهنا في قريش مُقبلاً معي ومُدبراً ؛ فقال النبي صلّى الله عليه وآله : ( هاهنا فصلّ ) فقال الرجل قوله هذا ثلاث مرّات كلّ ذلك يقول النبي صلّى الله عليه وآله : ( هاهنا فصلّ ) ثم قال الرابعة مقالته هذه ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : ( اذهب فصلّ فيه ، فو الذي بعث محمّداً بالحقّ لو صلّيت هاهنا لقضي عنك ذلك كلّ صلاة في بيت المقدس ) (١) .

مسألة ١٩٧ : قد بيّنّا أنّ الأقوى أنّ الاعتكاف إنّما يجوز في المسجد الحرام ومسجد النبي صلّى الله عليه وآله ، ومسجد الكوفة ومسجد البصرة‌ ، فلو نذر أن يعتكف في غير هذه الأربعة لم يجز .

وعلى القول الآخر لعلمائنا بجواز الاعتكاف في غيرها لو نذر أن يعتكف في غيرها ، انعقد نذره ، وتعيّن ما عيّنه ، وهو أحد قولي الشافعي (٢) .

وعلى القول الآخر بعدم التعيين لو شرع في الاعتكاف في مسجد لم يكن له الخروج منه ، ولا الانتقال إلى مسجد آخر ، لكن لو كان ينتقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة أو أقرب ، كان له ذلك في أصحّ وجهي الشافعية (٣) .

ولو أوجب على نفسه اعتكافاً في مسجد فانهدم ، اعتكف في موضع منه ، فإن لم يتمكّن ، خرج ، فإذا بُني المسجد ، رجع وبنى على اعتكافه .

ومَنْ لم يوجب التعيين بالنذر ، له أن يخرج إلى أين شاء من المساجد ليعتكف فيه .

__________________

(١) مسند أحمد ٥ : ٣٧٣ .

(٢) فتح العزيز ٦ : ٥٠٤ ـ ٥٠٥ ، المجموع ٦ : ٤٨١ .

(٣) فتح العزيز ٦ : ٥٠٧ ، المجموع ٦ : ٤٨٢ .

٢٧٥
 &

مسألة ١٩٨ : لو نذر أن يعتكف في زمان معيّن ، تعيّن عليه‌ حتى أنّه لا يجوز له التقديم عليه ولا التأخير (١) عنه (٢) ، فإن أخّر ، كان قضاءً ، وهو أصحّ وجهي الشافعية (٣) .

والثاني : لا يتعيّن الزمان بالتعيين ، كما لا يتعيّن في نذر الصلاة والصدقة (٤) .

والحكم في الأصل ممنوع .

والوجهان عندهم جاريان فيما إذا عيّن الزمان للصوم (٥) .

والحقّ عندنا أنّه يتعيّن أيضاً .

مسألة ١٩٩ : إذا نذر اعتكافاً مطلقاً ، وجب عليه أن يعتكف ثلاثة أيام ؛ لأنّ الاعتكاف لا يصح في أقلّ من ثلاثة ، خلافاً للشافعي ؛ فإنّه جوّزه لحظةً ، ويبرأ بها من عُهدة النذر عنده ، لكن يستحب أن يعتكف يوماً (٦) .

وإن نذر الاعتكاف مدّةً من الزمان ، فإمّا أن يُطلق تلك المدّة أو يُعيّنها ، فإن أطلق تلك المدّة ، فإمّا أن يشترط فيها التتابع ، كأن يقول : لله عليَّ أن أعتكف ثلاثة أيام متتابعات ؛ أو لا يشترطه .

فإن شرطه ، لزم ؛ لأنه نذر في طاعة هي المسارعة إلى فعل الخير ، كما لو شرط التتابع في الصوم .

وإن لم يشترط التتابع ، لم يلزمه إلّا في ثلاثة ثلاثة ، فإذا نذر اعتكاف شهر أو عشرة أيام ، وجب عليه اعتكاف شهر بأن يعتكفه متتابعاً أو متفرّقاً ثلاثة ثلاثة ، ولا يجب عليه تتابع الشهر بأسره ، كما في الصوم ؛ لأنّه معنى يصح‌

__________________

(١) في النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية : التأخّر . وما أثبتناه يقتضيه السياق .

(٢) كلمة « عنه » لم ترد في النسخ الخطية .

(٣ ـ ٥) المجموع ٦ : ٤٨٢ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٧ .

(٦) المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ ، المجموع ٦ : ٤٩٠ ، فتح العزيز ٦ : ٤٨٠ ـ ٤٨١ .

٢٧٦
 &

فيه التفريق ، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر ، كالصيام ، وهو أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد (١) .

والثاني : أنّه يلزمه التتابع ـ وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الاُخرى ـ لأنّه معنى يحصل في الليل والنهار ، فإذا أطلقه ، اقتضى التتابع ، كما لو حلف : لا يكلّم زيداً شهراً ، وكمدّة الإِيلاء والعدّة (٢) .

والوجه : الأول ؛ لأصالة براءة الذمة .

إذا عرفت هذا ، فإنّ التتابع وإن لم يلزمه إلّا في كلّ ثلاثة عندنا ، ولا يلزمه مطلقاً عند العامة ، فإنّ الأفضل التتابع ؛ لما فيه من المسابقة إلى فعل ما يوجب المغفرة .

ولو لم يتلفّظ بالتتابع في نذره ، لكن نواه في ضميره ، فإن قلنا : النذر ينعقد بالضمير ؛ لزمه ، وإلّا فلا .

ولو شرط في نذره التفريق ، لم يلزمه ، وخرج عن العهدة بالتتابع ؛ لأنّ الأولى التتابع ، فلا ينعقد نذر خلافه عندنا ـ وهو أصحّ وجهي الشافعيّة (٣) ـ كما لو عيّن غير المسجد الحرام ، يخرج عن العهدة بالاعتكاف في المسجد الحرام .

مسألة ٢٠٠ : لو لم يقيّد بالتتابع ، جاز له التفريق عندنا ثلاثة ثلاثة‌ .

وهل يجوز التفريق يوماً يوماً ، بأن يعتكف يوماً عن نذره ثم يضمّ إليه يومين مندوباً ؟ الأقرب : الجواز ، كما لو نذر أن يعتكف يوماً وسكت عن الزيادة وعدمها ، فإنّه يجب عليه الإِتيان بذلك اليوم ، ويضمّ إليه يومين ‌

__________________

(١) فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ ، المجموع ٦ : ٤٩٣ ، حلية العلماء ٣ : ٢٢٠ ، المغني ٣ : ١٥٧ ـ ١٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٨ .

(٢) المجموع ٦ : ٤٩٤ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ ، حلية العلماء ٣ : ٣٢٠ ، بدائع الصنائع ٢ : ١١١ ، المبسوط للسرخسي ٣ : ١١٩ ، بداية المجتهد ١ : ٣١٧ ، المدونة الكبرى ١ : ٢٣٤ ، المغني ٣ : ١٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٨ .

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ ، المجموع ٦ : ٤٩٣ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ .

٢٧٧
 &

آخرَيْن ، فحينئذٍ إذا نذر أن يعتكف ثلاثة أيام ، فاعتكف يوماً عن النذر ، وضمّ إليه آخرَيْن لا عَنْه ، بل تبرّع بهما ، ثم اعتكف يوماً آخر عن النذر ، وضمّ إليه آخرَيْن ثم اعتكف ثالثاً عن النذر وضمّ إليه آخرَيْن ، جاز ، سواء تابع التسعة أو فرّقها .

ولو نذر اعتكاف يوم ، لم يجز تفريق الساعات على الأيام ؛ لأنّ الاعتكاف يجب فيه الصوم ولا يصح صوم الساعة بمفردها ـ وهو أصحّ وجهي الشافعية (١) ـ لأنّ المفهوم من لفظ « اليوم » المتصل .

قال الخليل بن أحمد : إنّ اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس (٢) .

والثاني للشافعية : أنّه يجوز التفريق ؛ تنزيلاً للساعات من اليوم منزلة الأيام من الشهر (٣) .

ولو دخل المسجد في أثناء النهار ، وخرج بعد الغروب ثم عاد قبل طلوع الفجر ومكث إلى مثل ذلك الوقت ، فهو على هذين الوجهين (٤) .

ولو لم يخرج بالليل فعند أكثر الشافعية أنّه يجزئه ، سواء جوّزوا التفريق أو منعوه ؛ لحصول التواصل بالبيتوتة في المسجد .

وقال بعضهم : لا يجزئه ؛ تفريعاً على الوجه الأول ؛ لأنّه لم يأت بيوم متواصل الساعات ، والليلة ليست من اليوم ، فلا فرق بين أن يخرج فيها من المسجد أو لا يخرج (٥) .

__________________

(١) الوجيز ١ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ ، المجموع ٦ : ٤٩٤ .

(٢) حكاه عنه النووي في المجموع ٦ : ٤٩٤ ، وكما في فتح العزيز للرافعي ٦ : ٥٠٨ ، وراجع : العين ٨ : ٤٣٣ .

(٣) فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ .

(٤) فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ ، المجموع ٦ : ٤٩٤ .

(٥) فتح العزيز ٦ : ٥٠٨ ـ ٥٠٩ ، المجموع ٦ : ٤٩٤ .

٢٧٨
 &

ولو قال في أثناء النهار : لله عليَّ أن أعتكف يوماً من هذا الوقت؛ لم يصحّ عندنا إذا لم يكن صائماً من أوله ، وإن كان فإشكال .

وقالت الشافعية : إنّه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوقت إلى مثله من اليوم الثاني ، ولا يجوز أن يخرج بالليل ؛ ليتحقّق التتابع .

وقال بعضهم : إنّ الناذر التزم يوماً والبعضان يوم (١) ، والليلة المتخلّلة ليست من اليوم ، فلا يمنع التتابع بينهما ، كما أنّه لا يمنع وصف اليومين الكاملين بالتتابع (٢) .

ومَنْ جوّز تفريق الساعات من الشافعية في اليوم اكتفى بساعات أقصر الأيام ؛ لأنّه لو اعتكف أقصر الأيام ، أجزأه . وكذا لو فرّق على ساعات أقصر الأيام في سنين (٣) .

ولو اعتكف في أيام متباينة الطول والقصر ، فينبغي أن ينسب اعتكافه في كلّ يوم بالجزئية إليه إن كان ثُلْثاً فقد خرج عن ثُلْث ما عليه ؛ نظراً إلى اليوم الذي يوقع فيه الاعتكاف ، ولهذا لو اعتكف بقدر ساعات أقصر الأيام من يوم طويل ، لم يكفه .

مسألة ٢٠١ : إذا نذر أن يعتكف مدّة معيّنة مقدّرة‌ ، كما لو نذر أن يعتكف عشرة أيام من الآن ، أو نذر أن يعتكف هذه العشرة أو هذا الشهر ، وجب عليه الوفاء به .

فإن أفسد آخره إمّا بأن خرج لغير عذر أو بسبب غير ذلك ، فإمّا أن يقيّد بالتتابع أو لا ، فإنّ قيّد نذره بالتتابع بأن قال : أعتكف هذه العشرة أو هذا الشهر متتابعاً ، وجب عليه الاستئناف ؛ لأنّه لم يأت بما نذره فيجب القضاء ، ويكفّر ‌

__________________

(١) أي : بعض هذا اليوم وبعض تاليه يقومان مقام يوم واحد .

(٢) فتح العزيز ٦ : ٥٠٩ ، المجموع ٦ : ٤٩٥ .

(٣) فتح العزيز ٦ : ٥١٠ ، المجموع ٦ : ٤٩٥ .

٢٧٩
 &

لمخالفته (١) النذر .

ولو فاته الجميع لغير عذر ، وجب عليه القضاء متتابعاً ـ وهو أصحّ وجهي الشافعية (٢) ـ لأنّه صرّح في نذره بالتتابع ، فيكون مقصوداً له بالذات .

والثاني للشافعية : أنّه لا يلزمه الاستئناف لو أفسد آخره ، ولا تتابع القضاء لو أهمل الجميع ؛ لأنّ التتابع واقع من ضروراته ، فلا أثر للفظه وتصريحه (٣) . وهو ممنوع .

وإن لم يقيّد بالتتابع ، لم يجب الاستئناف لو أفسد آخره ولا تتابع القضاء لو أهمله ، بل يجب القضاء مطلقاً ؛ لأنّ التتابع فيه كان من حقّ الوقت وضروراته ، لا أنّه وقع مقصوداً ، فأشبه التتابع في صوم رمضان .

مسألة ٢٠٢ : لو نذر اعتكاف شهر ، لزمه شهر بالأهلّة أو ثلاثون يوماً . وهل يلزمه التتابع ؟ الأقرب : العدم ، بل له أن يفرّقه ثلاثة ثلاثة ، أو يوماً ويضيف إليه آخرَيْن مندوبين على الإِشكال السابق .

وقال الشافعي : لا يلزمه التتابع ؛ لأنّه معنى يصحّ فيه التفريق ، فلا يجب فيه التتابع بمطلق النذر كالصيام . وهو إحدى الروايتين عن أحمد . والثانية : يلزمه التتابع . وبه قال أبو حنيفة ومالك (٤) .

فإن اعتكف شهراً بين هلالين ، أجزأه وإن كان ناقصاً . وإن اعتكف ثلاثين يوماً من شهرين ، جاز .

ويدخل فيه الليالي ؛ لأنّ الشهر عبارة عنهما ، ولا يجزئه أقلّ من ذلك ـ وبه قال الشافعي (٥) ـ إلّا أن يقول : أيّام شهر أو نهار هذا الشهر ؛ فلا يلزمه ‌

__________________

(١) في « ط ، ن » لمخالفة .

(٢ و ٣) الوجيز ١ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٦ : ٥١٢ ، المجموع ٦ : ٤٩٣ .

(٤) حلية العلماء ٣ : ٢٢٠ ، المغني ٣ : ١٥٧ ـ ١٥٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٣٨ ، المدونة الكبرى ١ : ٢٣٤ ، بداية المجتهد ١ : ٣١٧ ، بدائع الصنائع ٢ : ١١١ .

(٥) الوجيز ١ : ١٠٧ ، فتح العزيز ٦ : ٥١٣ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٩٨ ، المجموع ٦ :

٢٨٠