تذكرة الفقهاء - ج ٦

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]

تذكرة الفقهاء - ج ٦

المؤلف:

الحسن بن يوسف بن علي المطّهر [ العلامة الحلّي ]


المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الموضوع : الفقه
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ١
ISBN: 964-5503-46-9
الصفحات: ٣٤٣
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

ونمنع صحة سندها .

مسألة ٨٥ : لا اعتبار بعدِّ خمسة أيام من الماضية (١) ؛ عملاً بالأصل ، وما تقدّم من الأحاديث الدالّة على العمل بالرؤية أو مضيّ ثلاثين ، فعلى هذا لو غُمّ هلال الشهور كلّها ، عدّ كلّ شهر ثلاثين يوماً .

وقد روى عمران الزعفراني عن الصادق عليه السلام : قلت له : إنّ السماء تطبق علينا بالعراق اليومين والثلاثة لا نرى (٢) السماء ، فأيّ يوم نصوم ؟ قال : « اُنظر (٣) اليوم الذي صُمت من السنة الماضية ، وصُم يوم الخامس » (٤) .

وسأل عمران أيضاً ، الصادق عليه السلام : قلت : إنّما نمكث في الشتاء اليوم واليومين لا نرى سماءً ولا نجماً ، فأيّ يوم نصوم ؟ قال : « اُنظر (٥) اليوم الذي صُمت من السنة الماضية ، وعدّ خمسة أيام ، وصُم يوم الخامس » (٦) .

والأول مرسل . وفي طريق الثاني : سهل بن زياد ، وهو ضعيف مع أنّ عمران الزعفراني مجهول .

ولو قيل بذلك بناءً على العادة القاضية بعدم تمامية شهور السنة بأسرها ، كان وجهاً .

ولو غُمّ هلال رمضان وشعبان ، عدّدنا رجب ثلاثين ، وكذا شعبان ، فإن غُمّت الأهلّة بأسرها ، فالأقرب : الاعتبار برواية الخمسة بناءً على العادة ، وهو ‌

__________________

(١) أي : السنة الماضية .

(٢) في « ن » : لا ترى .

(٣ و ٥) في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق ، وفي الطبعة الحجرية : أفطر . وما أثبتناه ـ وهو الصحيح ـ من المصادر .

(٤) الكافي ٤ : ٨٠ / ١ ، التهذيب ٤ : ١٧٩ / ٤٩٦ ، الاستبصار ٢ : ٧٦ / ٢٣٠ .

(٦) الكافي ٤ : ٨١ / ٤ ، التهذيب ٤ : ١٧٩ / ٤٩٧ ، الاستبصار ٢ : ٧٦ / ٢٣١ .

١٤١
 &

اختيار الشيخ في المبسوط (١) .

وأكثر علمائنا قالوا : تعدّ (٢) الشهور ثلاثين ثلاثين (٣) .

مسألة ٨٦ : لو كان بحيث لا يعلم الأهلّة ، كالمحبوس ، أو اشتبهت عليه الشهور ، كالأسير مع الكفّار‌ إذا لم يعلم الشهر ، وجب عليه أن يجتهد ويُغلّب على ظنّه شهراً أنّه من رمضان ، فإن حصل الظنّ بنى عليه .

ثم إن استمرّ الاشتباه ، أجزأه إجماعاً ـ إلّا من الحسن بن صالح بن حي (٤) ـ لأنّه أدّى فرضه باجتهاده ، فأجزأه ، كما لو ضاق الوقت واشتبهت القبلة .

وإن لم يستمرّ ، فان اتّفق وقوع الصوم في رمضان ، أجزأه إجماعاً ، إلّا من الحسن بن صالح بن حي ؛ فإنّه قال : لا يجزئه (٥) .

وهو غلط ؛ لأنّه أدّى العبادة باجتهاده ، فإذا وافق الإِصابة أجزأه ، كالقبلة إذا اشتبهت عليه .

ولأنّه مكلّف بالصوم إجماعاً ، والعلم غير ممكن ، فتعيّن الظنّ .

احتجّ : بأنّه صامه على الشك ، فلا يجزئه ، كما إذا صام يوم الشك ثم بان أنّه من رمضان (٦) .

والفرق : أنّ يوم الشك لم يضع الشارع الاجتهاد طريقاً اليه .

وإن وافق صومه بعد رمضان ، أجزأه أيضاً عند عامّة العلماء (٧) ، إلّا الحسن بن صالح بن حي ، فإنّه قال : لا يجزئه (٨) .

__________________

(١) المبسوط للطوسي ١ : ٢٦٨ .

(٢) في « ن » : بدل تعدّ : بعدّ .

(٣) منهم : المحقق في شرائع الإِسلام ١ : ٢٠٠ .

(٤) المغني ٣ : ١٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٢ .

(٥) المجموع ٦ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٣ : ١٨٤ ، المغني ٣ : ١٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٢ .

(٦) كما في المغني ٣ : ١٠١ ، والشرح الكبير ٣ : ١٢ ، والمجموع ٦ : ٢٨٥ .

(٧ و ٨) المغني ٣ : ١٠١ ، الشرح الكبير ٣ : ١٢ .

١٤٢
 &

وليس بجيّد ؛ لأنّه أدّى العبادة في أحد وقتيها ـ أعني وقت القضاء ـ فأجزأه ، كما لو فعلها في الوقت الآخر ، وهو وقت الأداء ، وكما لو دخل الوقت وهو متلبّس بالصلاة .

ولأنّ عبد الرحمن بن أبي عبدالله سأل الصادق عليه السلام : الرجل أسرته الروم ، ولم يَصُم شهر رمضان ، ولم يَدر أيّ شهر هو ، قال : « يصوم شهراً يتوخّاه ، ويحسب ، فإن كان الشهر الذي صامه قبل رمضان لم يجزئه ، وإن كان بعده أجزأه » (١) .

وإن وافق صومه قبل رمضان ، لم يجزئه عند علمائنا ـ وبه قال أبو ثور ومالك وأحمد والشافعي في أحد القولين (٢) ـ لأنّه فعل العبادة قبل وقتها ، فلا يقع أداءً ولا قضاءً ، فلم يجزئه ، كالصلاة يوم الغيم .

ولرواية عبد الرحمن ، وقد تقدّمت (٣) .

والثاني للشافعي : الإِجزاء ؛ لأنّه فعل العبادة قبل وقتها مع الاشتباه فأجزأه ، كما لو اشتبه يوم عرفة فوقف قبله (٤) .

ونمنع حكم الأصل .

مسألة ٨٧ : لو لم يغلب على ظنّ الأسير شهر رمضان ، لزمه أن يتوخّى شهراً ويصومه‌ ويتخيّر فيه ـ وبه قال بعض الشافعية (٥) ـ لأنّه مكلّف بالصوم ، وقد فقد العلم بتعيّن الوقت ، فسقط عنه التعيين ، ووجب عليه الصوم في شهر ‌

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٨٠ / ١ ، الفقيه ٢ : ٧٨ / ٣٤٦ ، التهذيب ٤ : ٣١٠ / ٩٣٥ .

(٢) المهذب للشيرازي ١ : ١٨٧ ، المجموع ٦ : ٢٨٦ ـ ٢٨٧ ، المغني ٣ : ١٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٢ ، حلية العلماء ٣ : ١٨٣ ، فتح العزيز ٦ : ٣٣٨ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٢١ .

(٣) تقدّمت آنفاً .

(٤) المهذب للشيرازي ١ : ١٨٧ ، المجموع ٦ : ٢٨٦ ، حلية العلماء ٣ : ١٨٣ ، فتح العزيز ٦ : ٣٣٨ ، المغني ٣ : ١٠٢ ، الشرح الكبير ٣ : ١٢ ـ ١٣ .

(٥) المجموع ٦ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ١٨٤ .

١٤٣
 &

يتوخّاه ، كما لو فاته الشهر مع علمه ولم يصمه ، فإنّه يسقط عنه التعيين ، ويتوخّى شهراً يصومه للقضاء ، وكما لو اشتبهت القبلة وضاق الوقت .

ولرواية عبد الرحمن (١) .

وقال بعض الشافعية : لا يلزمه ذلك ؛ لأنّه لم يعلم دخول شهر رمضان ولا ظنّه ، فلا يلزمه الصيام ، كما لو شك في دخول وقت الصلاة ، فإنّه لا يلزمه الصلاة (٢) .

والفرق ظاهر ؛ لتمكّنه من العلم بوقت الصلاة بالصبر .

ولو وافق بعضه الشهر دون بعض ، صحّ ما وافق الشهر وما بعده دون ما قبله .

ولو وافق صومه شوّال ، لم يصحّ صوم يوم العيد ، وقضاه ، وكذا ذو الحجّة .

وإذا توخّى شهراً ، فالأولى وجوب التتابع فيه وإن كان له أن يصوم قبله وبعده .

وإذا وافق صومه بعد الشهر ، فالمعتبر صوم أيام بعدّة ما فاته ، سواء وافق ما بين هلالين أم لا ، وسواء كان الشهران تامّين أو أحدهما أو ناقصين .

نعم لو كان رمضان تاماً ، فتوخّى شهراً ناقصاً ، وجب عليه إكمال يوم .

وقال بعض الشافعية : إذا وافق شهراً بين هلالين ، أجزأه مطلقاً ، وإن لم يوافق ، لزمه صوم ثلاثين وإن كان رمضان ناقصاً ؛ لأنّه لو نذر صيام شهر أجزأه عدّه بين هلالين وإن كان ناقصاً (٣) .

وهو خطأ ؛ لأنّه يلزم قضاء ما ترك ، والاعتبار بالأيام ؛ لقوله تعالى :

__________________

(١) تقدمت في المسألة السابقة .

(٢) المجموع ٦ : ٢٨٧ ، حلية العلماء ٣ : ١٨٤‌

(٣) لم نقف عليه في كتب الشافعية ، ونسب هذا القول في المغني ٣ : ١٠٢ ، والشرح الكبير ٣ : ١٣ ، الى ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة ، فلاحظ .

١٤٤
 &

( فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (١) .

والإِجزاء في النذر ؛ لأنّ اسم الشهر يتناوله ، أمّا هنا فالواجب عدد ما فات من الأيام .

ولو صام شوّالاً وكان ناقصاً ورمضان ناقص أيضاً ، لزمه يوم عوض العيد .

وقال بعض الشافعية : يلزمه يومان (٢) . وليس بجيّد .

وإذا صام على سبيل التخمين من غير أمارة ، لم يجب القضاء ، إلّا أن يوافق قبل رمضان .

ولو صام تطوّعاً ، فبان أنّه رمضان ، فالأقرب : الإِجزاء ـ وبه قال أبو حنيفة (٣) ـ لأنّ نية التعيين ليست شرطاً ، وكما لو صام يوم الشك بنيّة التطوّع وثبت أنّه من رمضان .

وقال الشافعي : لا يجزئه . وبه قال أحمد (٤) .

مسألة ٨٨ : وقت وجوب الإِمساك هو طلوع الفجر الثاني بإجماع العلماء‌ .

قال الله تعالى : ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ) (٥) .

ويجوز له الأكل والشرب الى أن يطلع الفجر .

وأمّا الجماع فيجوز الى أن يبقى للطلوع مقدار الغسل .

ويجب الاستمرار على الإِمساك الى غروب الشمس الذي تجب به صلاة المغرب .

ولو اشتبه عليه الغيبوبة ، وجب عليه الإِمساك ، ويستظهر حتى يتيقّن ؛

__________________

(١) البقرة : ١٨٤ و ١٨٥ .

(٢) لم نعثر عليه في مظانّه .

(٣ و ٤) المغني ٣ : ١٠٣ ، الشرح الكبير ٣ : ١٤ .

(٥) البقرة : ١٨٧ .

١٤٥
 &

لأصالة البقاء .

ويستحب له تقديم الصلاة على الإِفطار ، إلّا أن يكون هناك مَن ينتظره للإِفطار ، فيقدِّم الإِفطارَ معهم على الصلاة .

سئل الصادق عليه السلام عن الإِفطار قبل الصلاة أو بعدها ؟ قال : « إن كان معه قوم يخشى أن يحسبهم عن عشائهم فليفطر معهم ، وإن كان غير ذلك فليصلّ وليفطر » (١) .

البحث الثاني : في شرائطه .

وهي قسمان :

الأول : شرائط الوجوب‌

مسألة ٨٩ : يشترط في وجوب الصوم : البلوغ وكمال العقل‌ ، فلا يجب على الصبي ولا المجنون ولا المغمى عليه إجماعاً ، إلّا في رواية عن أحمد : أنّه يجب على الصبي الصوم إذا أطاقه (٢) ، وبه قال عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي (٣) .

وقال الأوزاعي : إذا أطاق صوم ثلاثة أيام متتابعات لا يخور (٤) منهن ولا يضعف ، حُمّل (٥) صوم رمضان (٦) .

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٠١ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٨١ / ٣٦٠ ، التهذيب ٤ : ١٨٥ ـ ١٨٦ / ٥١٧ .

(٢) المغني ٣ : ٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٥ .

(٣) المغني ٣ : ٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٥ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٨٤ ، المجموع ٦ : ٢٥٣ ، حلية العلماء ٣ : ١٧٢ .

(٤) خار الحرّ والرجل : ضعف وانكسر . الصحاح ٢ : ٦٥١ .

(٥) في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق وفي الطبعة الحجرية : حل . وهو تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه من المصدر .

(٦) المغني ٣ : ٩٤ ، الشرح الكبير ٣ : ١٥ .

١٤٦
 &

وقد تقدّم (١) بطلانه .

فلو بلغ الصبي قبل الفجر ، وجب عليه الصوم إجماعاً ، ولو كان بعد الفجر ، لم يجب ، واستحبّ له الإِمساك ، سواء كان مفطراً أو صائماً بلغ بغير المفطر ، ولا يجب عليه القضاء ؛ لقوله عليه السلام : ( رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى ينتبه ) (٢) .

وقال (٣) : يجب عليه الامساك ، ولا يجب عليه القضاء ؛ لأنّ نية صوم رمضان حصلت ليلاً ، فيجزئه كالبالغ .

ولا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلاً وباقية فرضاً ، كما لو شرع في صوم يوم تطوّعاً ثم نذر إتمامه .

وقال بعض الحنابلة : يلزمه القضاء ؛ لأنّه عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضيّ بعض أركانها ، فلزمه إعادتها ، كالصلاة والحجّ إذا بلغ بعد الوقوف .

وهذا لأنّه ببلوغه يلزمه صوم جميعه ، والماضي قبل بلوغه نفل ، فلم يجزئ عن الفرض ، ولهذا لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم ، لزمه القضاء (٤) .

وأمّا ما مضى من الشهر قبل بلوغه فلا قضاء عليه ، وسواء كان قد صامه أو أفطره في قول عامة أهل العلم (٥) .

__________________

(١) تقدم في المسألة ٥٧ .

(٢) أورده ابن قدامة في المغني ٣ : ٩٤ بتفاوت يسير .

(٣) كذا في جميع النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق ، وفي الطبعة الحجرية . وفي المعتبر للمحقّق الحلّي : ٣١٢ ، والمنتهى للمصنّف : ٥٩٦ : قال أبو حنيفة . وفي المغني ٣ : ٩٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٦ : قال القاضي : يتمّ صومه ولا قضاء عليه ؛ مع اتّفاق الدليل المذكور لما في المغني والشرح الكبير ، فلاحظ .

وقد وافق الحكم رأي الأحناف كما في الجامع الصغير للشيباني : ١٣٩ ، والهداية للمرغيناني ١ : ١٢٧ ، والنتف ١ : ١٤٩ ، والاختيار لتعليل المختار ١ : ١٧٧ .

(٤) المغني ٣ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦ .

(٥) المغني ٣ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧ .

١٤٧
 &

وقال الأوزاعي : يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه (١) .

وهو غلط ؛ لأنّه زمن مضى في حال صباه ، فلم يلزمه قضاء الصوم فيه ، كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان .

وإن بلغ الصبي وهو مفطر ، لم يلزمه إمساك ذلك اليوم ولا قضاؤه .

وعن أحمد روايتان في وجوب الإِمساك والقضاء (٢) .

وقال الشافعي : إن كان أفطر ، استحبّ له الإِمساك ، وفي القضاء قولان .

وإن كان صائماً فوجهان : أحدهما : يتمّه استحباباً ، ويقضيه وجوباً ؛ لفوات نية التعيين . والثاني : يتمّه وجوباً ، ويقضيه استحباباً (٣) .

مسألة ٩٠ : العقل شرط في الصوم‌ ، فلا يجب على المجنون بالإِجماع ، وللحديث (٤) .

ولو أفاق في أثناء الشهر ، وجب عليه صيام ما بقي إجماعاً ، ولا يجب عليه قضاء ما فات حال جنونه ـ وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد ، وأحمد (٥) ـ لأنّه معنى يزيل التكليف ، فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر .

وقال مالك والشافعي في القديم ، وأحمد في رواية : يجب قضاء ما فات وإن مضى عليه سنون ؛ لأنّه معنى يزيل العقل ، فلم يمنع وجوب الصوم كالإِغماء (٦) .

والأصل ممنوع .

وقال أبو حنيفة : إن جُنّ جميع الشهر ، فلا قضاء عليه ، وإن أفاق في‌

__________________

(١ و ٢) المغني ٣ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٧ .

(٣) المهذب للشيرازي ١ : ١٨٤ ، المجموع ٦ : ٢٥٦ ، فتح العزيز ٦ : ٤٣٨ ، حلية العلماء ٣ : ١٧٣ و ١٧٥ .

(٤) تقدم الحديث مع الإِشارة الى مصادره في المسألة السابقة ( ٨٩ ) .

(٥) المغني ٣ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٨٤ ، المجموع ٦ : ٢٥٤ .

(٦) المغني ٣ : ٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦ ، المجموع ٦ : ٢٥٤ ، حلية العلماء ٣ : ١٧٣ .

١٤٨
 &

أثنائه ، قضى ما مضى (١) .

ولو تجدّد الجنون في أثناء النهار ، بطل صوم ذلك اليوم .

ولو أفاق قبل طلوع الفجر ، وجب عليه صيامه إجماعاً ، وإن أفاق في أثنائه ، أمسك بقية النهار استحباباً لا وجوباً ، وحكم المغمى عليه حكم المجنون .

مسألة ٩١ : الإِسلام شرط في صحة الصوم لا في وجوبه‌ .

ولو أسلم في أثناء الشهر ، وجب عليه صيام الباقي دون الماضي ـ وبه قال الشعبي وقتادة ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي (٢) ـ لقوله عليه السلام : ( الإِسلام يجبّ ما قبله ) (٣) .

وقال عطاء : يجب عليه قضاؤه (٤) . وعن الحسن كالمذهبين (٥) .

وهو غلط ، إلّا أن يكون مرتدّاً ، فيجب عليه القضاء إجماعاً .

واليوم الذي يُسْلم فيه إن كان إسلامه قبل طلوع فجره ، وجب عليه صيامه ، وإن كان بعده ، أمسك استحباباً ؛ لأنّ عيص بن القاسم روى ـ في الصحيح ـ أنّه سأل الصادق عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام ، هل عليهم أن يقضوا ما مضى أو يومهم الذي أسلموا فيه ؟ قال : « ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه إلّا أن يكونوا أسلموا (٦) قبل طلوع الفجر » (٧) .

__________________

(١) بدائع الصنائع ٢ : ٨٨ ، المجموع ٦ : ٢٥٤ ، المغني ٣ : ٩٦ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٦ ، حلية العلماء ٣ : ١٧٣ .

(٢) المغني ٣ : ٩٥ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١١٩ .

(٣) مسند أحمد ٤ : ١٩٩ و ٢٠٤ بتفاوت .

(٤ و ٥) المغني ٣ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦ .

(٦) في الطبعة الحجرية والفقيه زيادة : « فيه » .

(٧) الكافي ٤ : ١٢٥ ( باب من أسلم في شهر رمضان ) الحديث ٣ ، الفقيه ٢ : ٨٠ / ٣٥٧ التهذيب ٤ : ٢٤٥ ـ ٢٤٦ / ٧٢٨ ، الاستبصار ٢ : ١٠٧ / ٣٤٩ .

١٤٩
 &

وقال أحمد : يجب عليه إمساكه ـ وبه قال إسحاق ـ لأنّه أدرك جزءاً من وقت العبادة فلزمته ، كما لو أدرك جزءاً من وقت الصلاة (١) .

والأصل ممنوع . ووافقنا مالك وأبو ثور وابن المنذر .

ولو طرأ الكفر في آخر النهار ، بطل الصوم .

مسألة ٩٢ : السلامة من المرض شرط في الصحة‌ ، فلو كان المريض يتضرّر بالصوم ، لم يصح منه .

وحدّ المرض الذي يجب معه الإِفطار : ما يزيد في مرضه لو صام ، أو يتباطأ البُرء معه لو صام عند أكثر العلماء .

وحكي عن قوم لا عبرة بهم : إباحة الفطر بكلّ مرض ، سواء زاد في المرض أو لم يزد ؛ لعموم قوله تعالى : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا ) (٢) (٣) .

وهو مخصوص ، كتخصيص السفر بالطاعة ، وقد سئل الصادق عليه السلام عن حدّ المرض الذي يفطر صاحبه ، والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة (٤) ، فقال : ( بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) (٥) وقال : « ذلك اليه هو أعلم بنفسه » (٦) .

وكلّ الأمراض مساوية في هذا الحكم ، سواء كان وجع الرأس أو حُمى ولو حُمّى يوم ، أو رمد العين وغير ذلك ، فإن صامه مع حصول الضرر به ، لم يجزئه ، ووجب عليه القضاء ؛ لأنّه منهي عنه ، والنهي في العبادة (٧) يدلّ على الفساد ؛ لقوله تعالى : ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ

__________________

(١) المغني ٣ : ٩٥ ، الشرح الكبير ٣ : ١٦ .

(٢) البقرة : ١٨٤ .

(٣) المغني ٣ : ٨٨ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨ .

(٤) في الكافي والاستبصار زيادة : قائماً . وفي التهذيب : من قيام .

(٥) القيامة : ١٤ .

(٦) الكافي ٤ : ١١٨ / ٢ ، التهذيب ٤ : ٢٥٦ / ٧٥٨ ، الاستبصار ٢ : ١١٤ / ٣٧١ .

(٧) في الطبعة الحجرية : العبادات .

١٥٠
 &

عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (١) والتفصيل قاطع للشركة .

وقال بعض العامة : إذا تكلّف ، صحّ صومه وإن زاد في مرضه وتضرّر به (٢) . وليس بجيّد .

أمّا الصحيح الذي يخشى المرض بالصوم ، فإنّه لا يباح له الإِفطار . وكذا لو كان عنده شهوة غالبة للجماع يخاف أن تنشقّ اُنثياه .

ولو خافت المستحاضة من الصوم التضرّر ، أفطرت ؛ لأنّ الاستحاضة مرض .

ولو جوّزنا لصاحب الشبق المضرّ به ، الإِفطار ، وأمكنه استدفاع ذلك بما لا يبطل منه الصوم ، وجب عليه ذلك .

فإن لم يمكنه إلّا بإفساد الصوم ، فإشكال ينشأ : من تحريم الإِفطار لغير سبب ، ومن مراعاة مصلحة بقاء النفس على السلامة ، كالحامل والمرضع ، فإنّهما يفطران خوفاً على الولد ، فمراعاة النفس أولى .

ولو كان له امرأتان : حائض وطاهر ، واضطرّ الى وطء إحداهما ، وجوّزنا له ذلك ، فالوجه وطء الطاهر ؛ لأنّ الله تعالى حرّم وطء الحائض (٣) .

وقال بعض العامة : يتخيّر . وليس شيئاً .

وكذا لو أمكنه استدفاع الأذى بفعل محرَّم كالاستمناء باليد ، لم يجز ، خلافاً لبعضهم (٤) .

مسألة ٩٣ : الإِقامة أو حكمها شرط في الصوم الواجب عدا ما استثني‌ ، فلا يجب الصوم على المسافر سفراً مخصوصاً بإجماع العلماء .

__________________

(١) البقرة : ١٨٥ .

(٢) المغني ٣ : ٨٨ ـ ٨٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٨ ـ ١٩ .

(٣) البقرة : ٢٢٢ .

(٤) المغني ٣ : ٨٩ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩ .

١٥١
 &

قال الله تعالى : ( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (١) والتفصيل قاطع للشركة ، فكما أنّ الحاضر يلزمه الصوم فرضاً لازماً ، كذا المسافر يلزمه القضاء فرضاً مضيّقاً ، وإذا وجب عليه القضاء مطلقاً ، سقط عنه فرض الصوم .

وروى العامة أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال : ( إنّ الله تعالى وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ) (٢) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى : ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) (٣) قال : « ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه » (٤) .

إذا عرفت هذا ، فلو صام المسافر في سفره المبيح للقصر ، لم يجزئه إن كان عالماً عند علمائنا أجمع ، وكان مأثوماً ـ وبه قال أبو هريرة وستّة من الصحابة ، وأهل الظاهر (٥) . قال أحمد : كان عمر وأبو هريرة يأمران المسافر بإعادة ما صامه في السفر (٦) . وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبيه عبد الرحمن بن عوف ، أنّه قال : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر (٧) ـ لقوله تعالى : ( فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (٨) أوجب عدّةً من أيام اُخر ، فلم يجز صوم ‌

__________________

(١) البقرة : ١٨٥ .

(٢) سنن النسائي ٤ : ١٨١ و ١٨٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٩٤ / ٧١٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٥٤ ، ومسند أحمد ٥ : ٢٩ .

(٣) البقرة : ١٨٥ .

(٤) الكافي ٤ : ١٢٦ ( باب كراهية الصوم في السفر ) الحديث ١ ، الفقيه ٢ : ٩١ / ٤٠٤ ، التهذيب ٤ : ٢١٦ / ٦٢٧ .

(٥) المغني ٣ : ٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩ ، المحلّى ٦ : ٢٤٣ ، المجموع ٦ : ٢٦٤ والخلاف للشيخ الطوسي ٢ : ٢٠١ ، المسألة ٥٣ ، والمعتبر للمحقق الحلّي : ٣١٢ .

(٦) المغني ٣ : ٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩ .

(٧) المغني ٣ : ٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩ ، وسنن النسائي ٤ : ١٨٣ .

(٨) البقرة : ١٨٤ و ١٨٥ .

١٥٢
 &

رمضان في السفر .

وما رواه العامة عن النبي صلّى الله عليه وآله قال : ( ليس من البر الصيام في السفر ) (١) .

وقال عليه السلام : ( الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ) (٢) .

وأفطر صلّى الله عليه وآله في السفر ، فلمّا بلغه أنّ قوماً صاموا ، قال : ( اُولئك العصاة ) (٣) .

ومن طريق الخاصة : قول الصادق عليه السلام : « لو أنّ رجلاً مات صائماً في السفر ما صلّيت عليه » (٤) .

وقال عليه السلام : « الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر » (٥) .

وقال باقي العامة : إنّ صومه جائز (٦) . واختلفوا في الأفضل .

فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وأبو ثور : إنّ الصوم في السفر أفضل من الإِفطار (٧) .

__________________

(١) المستدرك ـ للحاكم ـ ١ : ٤٣٣ ، سنن ابن ماجة ١ : ٥٣٢ / ١٦٦٤ و ١٦٦٥ ، سنن أبي داود ٢ : ٣١٧ / ٢٤٠٧ ، سنن النسائي ٤ : ١٧٦ ، سنن الدارمي ٢ : ٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٢٤٢ .

(٢) سنن ابن ماجة ١ : ٥٣٢ / ١٦٦٦ بتفاوت .

(٣) صحيح مسلم ٢ : ٧٨٥ / ١١١٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٨٩ ـ ٩٠ / ٧١٠ ، سنن البيهقي ٤ : ٢٤٦ .

(٤) الكافي ٤ : ١٢٨ / ٧ ، الفقيه ٢ : ٩١ / ٤٠٥ ، التهذيب ٤ : ٢١٧ / ٦٢٩ .

(٥) الكافي ٤ : ١٢٧ / ٣ ، الفقيه ٢ : ٩٠ / ٤٠٣ ، التهذيب ٤ : ٢١٧ / ٦٣٠ .

(٦) المغني ٣ : ٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ١٩ ، المجموع ٦ : ٢٦٤ ، الهداية للمرغيناني ١ : ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٢ : ٩٥ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٥٩ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ١٧٦ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٢١ .

(٧) الهداية للمرغيناني ١ : ١٢٦ ، الاختيار لتعليل المختار ١ : ١٧٦ ، تحفة الفقهاء ١ : ٣٥٩ ، بدائع الصنائع ٢ : ٩٦ ، المدونة الكبرى ١ : ٢٠١ ، الكافي في فقه أهل المدينة : ١٢١ ، المهذب للشيرازي ١ : ١٨٥ ، المجموع ٦ : ٢٦١ و ٢٦٥ ، فتح العزيز ٦ : ٤٢٩ .

١٥٣
 &

وقال أحمد والأوزاعي وإسحاق : الإِفطار أفضل ـ وبه قال عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر (١) ـ لما روت عائشة أنّ النبي صلّى الله عليه وآله قال لحمزة الأسلمي وقد سأله عن الصوم في السفر : ( إن شئت فصُم وإن شئت فأفطر ) (٢) .

وقال أنس : سافرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فصام بعضنا وأفطر بعضنا ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المُفطر ولا المُفطرُ على الصائم (٣) .

ولأنّ الإِفطار في السفر رخصة ، ومن رخص له الفطر جاز له أن يتحمّل المشقة بالصوم كالمريض .

والحديثان لو صحّا ، حملا على صوم النافلة ؛ جمعاً بين الأدلّة .

والتخيير ينافي الأفضلية وقد اتّفقوا على أفضلية أحدهما وإن اختلفوا في تعيينه .

ونمنع الحكم في المريض فيبطل (٤) القياس .

تذنيب : لو صام مع علمه بوجوب القصر ، كان عاصياً‌ ؛ لما تقدّم ، وتجب عليه الإِعادة ؛ لأنّه منهي عن الصوم ، والنهي في العبادة يدلّ على الفساد .

أمّا لو صام رمضان في السفر جاهلاً بالتحريم ، فإنّه يجزئه الصوم ؛ لأنّه معذور .

ولأنّ الحلبي سأل الصادق عليه السلام : قلت له : رجل صام في السفر ،

__________________

(١) المغني ٣ : ٩٠ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٠ ، المجموع ٦ : ٢٦٥ ـ ٢٦٦ .

(٢) صحيح البخاري ٣ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٧٨٩ / ١١٢١ ، سنن الترمذي ٣ : ٩١ / ٧١١ ، سنن ابن ماجة ١ : ٥٣١ / ١٦٦٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٨ ـ ٩ ، سنن البيهقي ٤ : ٢٤٣ .

(٣) صحيح البخاري ٣ : ٤٤ ، صحيح مسلم ٢ : ٧٨٧ / ١١١٨ ، سنن أبي داود ٢ : ٣١٦ / ٢٤٠٥ ، سنن البيهقي ٤ : ٢٤٤ .

(٤) في « ط ، ن » : فبطل .

١٥٤
 &

فقال : « إن كان بلغه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله نهى عن ذلك ، فعليه القضاء ، وإن لم يكن بلغه ، فلا شي‌ء عليه » (١) وغير ذلك من الأخبار .

مسألة ٩٤ : وإنّما يترخّص المسافر إذا كان سفره سفر طاعة ، أو مباحاً‌ ، فإن كان سفر (٢) معصية أو لصيد لهو وبطر ، لم يجز له الإِفطار عند علمائنا أجمع ؛ لأنّ في رخصة الإِفطار إعانةً له على المعصية وتقويةً له عليها .

ولقول الصادق عليه السلام : « من سافر قصَّر وأفطر ، إلّا أن يكون رجلاً سفره في الصيد أو في معصية الله ، أو رسولاً لمن يعصي الله ، أو في طلب شحناء (٣) ، أو سعاية ضرر على قوم من المسلمين » (٤) .

وجاء رجلان الى الرضا عليه السلام بخراسان ، فسألاه عن التقصير ، فقال لأحدهما : « وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني » وقال للآخر : « وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان » (٥) .

إذا ثبت هذا فإنّما يجوز التقصير في مسافة القصر ، وهي : بريدان : ثمانية فراسخ ؛ لقول الصادق عليه السلام في التقصير : « حدّه أربعة وعشرون ميلاً » (٦) .

وسئل الصادق عليه السلام في كم يقصّر الرجل ؟ فقال : « في بياض يوم أو بريدين » (٧) وقد تقدّم ذلك في كتاب الصلاة (٨) .

__________________

(١) الكافي ٤ : ١٢٨ ( باب من صام في السفر بجهالة ) الحديث ١ ، الفقيه ٢ : ٩٣ / ٤١٧ ، التهذيب ٤ : ٢٢٠ ـ ٢٢١ / ٦٤٣ .

(٢) في « ف » والطبعة الحجرية : سفره .

(٣) الشحناء : العداوة . لسان العرب ١٣ : ٢٣٤ .

(٤) الكافي ٤ : ١٢٩ / ٣ ، التهذيب ٤ : ٢٢٠ / ٦٤٠ .

(٥) التهذيب ٤ : ٢٢٠ / ٦٤٢ ، الاستبصار ١ : ٢٣٥ / ٨٣٨ .

(٦) التهذيب ٤ : ٢٢١ / ٦٤٧ ، الاستبصار ١ : ٢٢٣ / ٧٨٨ .

(٧) التهذيب ٤ : ٢٢٢ / ٦٥١ ، الاستبصار ١ : ٢٢٣ / ٧٨٩ .

(٨) تقدم في ج ٤ ص ٣٦٩ المسألة ٦١٨ .

١٥٥
 &

وإنّما يجوز التقصير إذا قصد المسافة ، فالهائم لا يترخّص وإن سار أكثر من المسافة ، وقد تقدّم (١) .

ولو نوى المسافر الإِقامة في بلدة عشرة أيام ، وجب عليه التمام ، وانقطع سفره .

ومن كان سفره أكثر من حضره لا يجوز له الإِفطار ؛ لأنّ وقته مشغول بالسفر ، فلا مشقة له فيه .

ولقول الصادق عليه السلام : « المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام ، يتمّ الصلاة ويصوم شهر رمضان » (٢) .

ولو أقام أحدهم في بلده عشرة أيام ، أو أقام العشرة في غير بلده مع العزم على إقامتها ، وجب عليهم التقصير إذا خرجوا بعد العشرة ؛ لأنّ بعض رجال يونس سأل الصادق عليه السلام عن حدّ المكاري الذي يصوم ويُتمّ ، قال : « أيّما مُكارٍ أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبداً ، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والإِفطار » (٣) .

ولو تردّد في السفر ولم يَنو المقام عشرة أيام ، وكان ممّن يجب عليه التقصير في السفر ، وجب عليه التقصير الى شهر ثم يتمّ بعد ذلك .

مسألة ٩٥ : شرائط قصر الصلاة هي شرائط قصر الصوم‌ ؛ لقول الصادق عليه السلام : « ليس يفترق التقصير والإِفطار ، فمن قصّر فليفطر » (٤) .

__________________

(١) تقدّم في ج ٤ ص ٣٧٤ المسألة ٦٢٢ .

(٢) الكافي ٤ : ١٢٨ ( باب من لا يجب له الإِفطار والتقصير . . . ) الحديث ١ ، التهذيب ٤ : ٢١٨ / ٦٣٤ .

(٣) التهذيب ٤ : ٢١٩ / ٦٣٩ ، الاستبصار ١ : ٢٣٤ / ٨٣٧ .

(٤) التهذيب ٤ : ٣٢٨ / ١٠٢١ .

١٥٦
 &

وهل يشترط تبييت النية من الليل ؟ قال الشيخ رحمه الله : نعم ، فلو بيّت نيته على السفر من الليل ثم خرج أيّ وقت كان من النهار ، وجب عليه التقصير والقضاء . ولو خرج بعد الزوال ، أمسك وعليه القضاء .

وإن لم يبيّت نيته من الليل ، لم يجز له التقصير ، وكان عليه إتمام ذلك اليوم ، وليس عليه قضاؤه أيّ وقت خرج ، إلّا أن يكون قد خرج قبل طلوع الفجر ، فإنّه يجب عليه الإِفطار على كلّ حال .

ولو قصّر ، وجب عليه القضاء والكفّارة (١) .

وقال المفيد رحمه الله : المعتبر خروجه قبل الزوال ، فإن خرج قبله ، لزمه الإِفطار ، فإن صامه ، لم يجزئه ، ووجب عليه القضاء ، ولو خرج بعد الزوال ، أتمّ ، ولا اعتبار بالنية . وبه قال أبو الصلاح (٢) .

وقال السيد المرتضى رحمه الله : يفطر ولو خرج قبل الغروب (٣) ـ وهو قول علي بن بابويه (٤) رحمه الله ـ ولم يعتبر التبييت .

والمعتمد : قول المفيد رحمه الله ؛ لقوله تعالى : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (٥) وهو يتناول بعمومه من خرج قبل الزوال بغير نية .

ومن طريق العامة : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله خرج من المدينة عام

__________________

(١) النهاية : ١٦١ ـ ١٦٢ ، وحكاه أيضاً ابن إدريس في السرائر : ٨٩ .

(٢) حكاه عنهما المحقق في المعتبر : ٣١٩ ، وعن المفيد ، ابن إدريس في السرائر : ٨٩ ، وراجع : المقنعة : ٥٦ ، والكافي في الفقه : ١٨٢ .

(٣) جمل العلم والعمل ( ضمن رسائل الشريف المرتضى ) ٣ : ٥٥ ـ ٥٦ حيث قال : شروط السفر الذي يوجب الإِفطار ولا يجوز معه صوم شهر رمضان في المسافة وغير ذلك هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة ، الموجبة لقصرها . وهو يشعر بما نسب اليه .

وحكاه عنه أيضاً الفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٣١٠ .

(٤) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ٨٩ ، والفاضل الآبي في كشف الرموز ١ : ٣١٠ .

(٥) البقرة : ١٨٤ .

١٥٧
 &

الفتح ، فلمّا بلغ الى كُراع الغَمِيمِ (١) أفطر (٢) .

ومن طريق الخاصة : ما رواه الحلبي عن الصادق عليه السلام ، أنّه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم ، قال : « إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم ، وإن خرج بعد الزوال فليتمّ يومه » (٣) .

ولأنّه إذا خرج قبل الزوال ، صار مسافراً في معظم ذلك النهار ، فاُلحق بالمسافر في جميعه ، ولهذا اعتبرت النية فيه لناسيها ، وأمّا بعد الزوال فإنّ معظم النهار قد انقضى على الصوم ، فلا يؤثّر فيه السفر المتعقّب ، كما لم يعتدّ بالنية فيه .

احتجّ الشيخ رحمه الله : بقول الكاظم عليه السلام في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله ؟ قال : « إذا حدّث نفسه بالليل في السفر ، أفطر إذا خرج من منزله ، وإن لم يحدّث نفسه من الليل ثم بدا له في السفر من يومه ، أتمّ صومه » (٤) .

وفي الطريق ضعف ، مع احتمال أن يكون عزم السفر تجدّد بعد الزوال .

احتجّ السيد : بقوله تعالى : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ) (٥) وهو عام في صورة النزاع .

__________________

(١) كراع الغميم : موضع بناحية الحجاز بين مكة والمدينة : وهو واد أمام عُسفان بثمانية أميال . معجم البلدان ٤ : ٤٤٣ .

(٢) صحيح مسلم ٢ : ٧٨٥ / ١١١٤ ، سنن الترمذي ٣ : ٨٩ ـ ٩٠ / ٧١٠ ، وسنن البيهقي ٤ : ٢٤٦ نقلاً بالمعنى .

(٣) الكافي ٤ : ١٣١ / ١ ، الفقيه ٢ : ٩٢ / ٤١٢ ، التهذيب ٤ : ٢٢٨ ـ ٢٢٩ / ٦٧١ ، الاستبصار ٢ : ٩٩ / ٣٢١ .

(٤) الاستبصار ٢ : ٩٨ / ٣١٩ ، التهذيب ٤ : ٢٢٨ / ٦٦٩ .

(٥) البقرة : ١٨٤ .

١٥٨
 &

وبما رواه عبد الأعلى في الرجل يريد السفر في شهر رمضان ، قال : « يفطر وإن خرج قبل أن تغيب الشمس بقليل » (١) .

والآية مخصوصة بالخبر الذي رويناه . والحديث ضعيف السند ومقطوع .

وأمّا العامة فنقول : المسافر عندهم لا يخلو من أقسام ثلاثة :

أحدها : أن يدخل عليه شهر رمضان وهو في السفر ، فلا خلاف بينهم في إباحة الفطر له (٢) .

الثاني : أن يسافر في أثناء الشهر ليلاً ، فله الفطر في صبيحة الليلة التي يخرج فيها وما بعدها في قول عامة أهل العلم (٣) .

وقال عبيدة السلماني وأبو مجلز وسويد بن غفلة : لا يفطر مَن سافر بعد دخول الشهر ؛ لقوله تعالى : ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) وهذا قد شهده (٤) .

ولا حجّة فيها ؛ لأنّها متناولة لمن شهد الشهر كلّه ، وهذا لم يشهده كلّه .

ويعارض بما روى ابن عباس ، قال : خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى بلغ الكديد (٥) فأفطر وأفطر الناس (٦) .

الثالث : أن يسافر في أثناء اليوم من رمضان ، فحكمه في اليوم الثاني حكم مَن سافر ليلاً .

وفي إباحة فطر اليوم الذي سافر فيه قولان :

أحدهما : أنّه لا يجوز له فطر ذلك اليوم ـ وهو قول مكحول والزهري ويحيى الأنصاري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد في‌

__________________

(١) التهذيب ٤ : ٢٢٩ / ٦٧٤ ، الاستبصار ٢ : ٩٩ ـ ١٠٠ / ٣٢٤ .

(٢ ـ ٤) المغني ٣ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢١ ، والآية ١٨٤ من سورة البقرة .

(٥) الكديد : موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلاً من مكة . معجم البلدان ٤ : ٤٤٢ .

(٦) صحيح البخاري ٣ : ٤٣ ، صحيح مسلم ٢ : ٧٨٤ / ١١١٣ .

١٥٩
 &

إحدى الروايتين (١) ـ لأنّ الصوم عبادة تختلف بالسفر والحضر ، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة .

والفرق : أنّ الصلاة يلزمه إتمامها بنيته ، بخلاف الصوم .

والثاني : أنّه يفطر ـ وهو قول الشعبي وإسحاق وداود وابن المنذر وأحمد في الرواية الثانية (٢) ـ للرواية (٣) .

ولأنّ السفر معنى لو وجد ليلاً واستمرّ في النهار ، لأباح الفطر ، فإذا وجد في أثنائه أباحه كالمرض .

مسألة ٩٦ : ولا يجوز له الفطر حتى يتوارى عنه جدران بلده ويخفى عنه أذان مصره‌ ؛ لأنّه إنّما يصير ضارباً في الأرض (٤) بذلك ، وهو قول أكثر العامة (٥) .

وقال الحسن البصري : يفطر في بيته إن شاء يوم يريد أن يخرج (٦) . وروي نحوه عن عطاء (٧) .

روى محمد بن كعب قال : أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفراً وقد رُحِلَت له راحلته ولبس ثياب السفر ، فدعا بطعام فأكل ، فقلت له : سنّة ؟ فقال : سنّة ؛ وركب (٨) .

مسألة ٩٧ : لو نوى المسافر الصوم في سفره ، لم يجز عندنا‌ ؛ لأنّه محرّم ، وعند العامة يجوز (٩) .

__________________

(١) المغني ٣ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢ .

(٢) المغني ٣ : ٣٤ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٢ .

(٣) وهي ـ على ما في المغني ٣ : ٣٤ والشرح الكبير ٣ : ٢٣ ـ ما أورده أبو داود في سننه ج ٣ ص ٣١٨ ، الحديث ٢٤١٢ .

(٤) إشارة الى الآية ١٠١ من سورة النساء .

(٥ ـ ٧) المغني ٣ : ٣٥ ، الشرح الكبير ٣ : ٢٣ .

(٨) سنن الترمذي ٣ : ١٦٣ / ٧٩٩ .

(٩) راجع : المغني ٣ : ٣٥ ، والشرح الكبير ٣ : ١٩ ، والمجموع ٦ : ٢٦٤ ، وفتح العزيز ٦ : ٤٢٨ .

١٦٠