الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

في الموصوف بها وأما في الذوات فلا نقول أيضا إن القرآن هو كلام الله تعالى وهو علمه وليس هو شيئا غير الباري تعالى ، برهان ذلك قول الله عزوجل (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) [سورة يونس : ١٩].

وقال تعالى : (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) [سورة الأنعام : ١١٥].

وباليقين يدري كل ذي حس سليم أنما عنى سابق علمه الذي سلف فيما ينفذه ويقضيه.

قال أبو محمد : فهذه خمسة معان يعبّر عن كل معنى منها بأنه قرآن ، وبأنه كلام الله تعالى ، ويخبر عن كل واحد منها أخبارا صحيحة بأنه قرآن ، وبأنه كلام الله تعالى بنص القرآن والسنة اللذين أجمع عليهما جميع الأمة ، وأما الصّوت فهو هواء يندفع من الحلق والصدر والحنك واللسان والأسنان والشفتين إلى آذان السامع. وهو حروف الهجاء ، والهواء وحروف الهجاء وكل ذلك مخلوق بلا خلاف. وقال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [سورة إبراهيم : ٤].

وقال تعالى : (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [سورة الشعراء : ١٩٥].

ولسان العربي ، ولسان كل قوم هي لغتهم واللسان واللغات كل ذلك مخلوق بلا شك والمعاني المعبّر عنها بالكلام المؤلف من الحروف المؤلفة إنما هي الله تعالى والملائكة والمؤمنون وسماوات وأرضون وما فيهما من الأشياء وصلاة وزكاة ، وذكر أمم خالية ، والجنّة والنار ، وسائر الطاعات والمعاصي ، كل ذلك مخلوق حاشا الله تعالى وحده لا شريك له ، خالق كل ما دونه ، وأمّا المصحف ، فإنّما هو ورق من جلود الحيوان ، ومركب منها ومن مداد مؤلف من صمغ ، وزاج ، وعفص (١) وماء ، وكل ذلك مخلوق بلا شك ، وكذلك حركة اليد في خطه ، وحركة اللسان في قراءته ، واستقرار كل ذلك في النفوس ، هذه كلها أعراض مخلوقة ، وكذلك عيسى عليه‌السلام كلمة الله ، وهو مخلوق بلا شك ، قال الله تعالى : (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) [سورة آل عمران : ٤٥].

وأما علم الله تعالى فلم يزل وهو كلام الله تعالى وهو القرآن وهو غير مخلوق وليس هو غير الله تعالى أصلا. ومن قال إن شيئا غير الله تعالى لم يزل مع الله تعالى

__________________

(١) العفص : شجرة البلوط ، وثمرها ، وربما اتخذوا منه حبرا أو صبغا (المعجم الوسيط : ٢ / ٦١١).

٤١

فقد جعل لله تعالى شريكا ونقول إن لله تعالى كلاما حقيقة وإنه تعالى كلّم موسى ، ومن كلم من الملائكة والأنبياء عليهم‌السلام تكليما حقيقة لا مجازا ، ولا يجوز أن يقال البتة إن الله تعالى متكلم ، لأنه لم يسم بذلك نفسه ومن قال إن الله تعالى مكلم موسى لم ننكره لأنه يخبر عن فعله تعالى الذي لم يكن ثم كان. ولا يحل لأحد أن يقول إنما قلنا إن لله تعالى كلاما لنفي الخرس عنه كما ذكرنا قبل من أنه إن كان يعني الخرس المعهود فإنه لا ينتفي إلا بالكلام المعهود الذي هو حركة اللسان والشفتين. وإن كان إنما ينفي خرسا غير معهود فهذا لا يعقل أصلا ولا يفهم. وأيضا فيلزمه أن نسميه تعالى شمّاما لنفي الخشم ومتحركا لنفي الخدر عنه ، وهذا إلحاد في أسمائه تعالى ، لكن لما قال تعالى إن كلاما ما قلناه وأقررنا به ولو لم يقله تعالى لم نقله ولم يحل لأحد أن يقوله وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : ولما كان اسم القرآن يقع على خمسة أشياء وقوعا مستويا صحيحا ، منها أربعة مخلوقة وواحد غير مخلوق ، لم يجز لأحد البتة أن يقول القرآن مخلوق ، ولا أن يقول إن كلام الله تعالى مخلوق ، لأن قائل هذا كاذب ، إذا أوقع صفة الخلق على ما لا يقع عليه مما يقع عليه اسم قرآن ، واسم كلام الله عزوجل ، ووجب ضرورة أن يقال إن القرآن لا خالق ولا مخلوق ، وإن كلام الله تعالى لا خالق ولا مخلوق منه ليست خالقه فلا يجوز أن يطلق على القرآن ، ولا على كلام الله تعالى اسم خالق ، ولأن المعنى الخامس غير مخلوق ، ولا يجوز أن يطلق صفة البعض على الكل الذي لا تعمّه تلك الصفة ، بل واجب أن يطلق بغير تلك الصفة التي للبعض عن الكل ، وكذلك لو قال قائل إن الأشياء كلها مخلوقة ، أو قال الحق مخلوق أو قال كل موجود مخلوق ، لقال الباطل لأن الله عزوجل شيء موجود وحق وليس مخلوقا ، لكنه إذا قال : الله خالق كل شيء جاز ذلك لأنه قد أخرج بذكره الله تعالى أنه الخالق كلامه عن الإشكال ، ومثل ذلك فيما بيننا أن ثيابا خمسة ، أربعة منها حمر والخامس غير أحمر لكان من قال هذه الثياب حمر كاذبا ، ولكان من قال هذه الثياب ليست حمرا صادقا وكذلك من قال : الإنسان طبيب يعني كل إنسان لكان كاذبا ، ولو قال : ليس الإنسان طبيبا يعني كل إنسان لكان صادقا ، وكذلك لا يجوز أن يطلق أن الحق مخلوق ، ولا أن العلم مخلوق ، لأن اسم الحق يقع على الله تعالى ، وعلى كل موجود ، واسم العلم يقع على كل علم وعلى علم الله تعالى ، وهو غير مخلوق ، لكن يقال : الحق غير مخلوق ، والعلم غير مخلوق هكذا جملة ، فإذا بيّن فقيل : كل حقّ دون الله تعالى فهو مخلوق ، وكل علم غير علم الله تعالى فهو مخلوق ، فهو كلام صحيح. وهكذا لا

٤٢

يجوز أن يقال : كلام الله تعالى مخلوق ، ولا أن القرآن مخلوق ، لكن يقال علم الله تعالى غير مخلوق ، وكلام الله تعالى غير مخلوق والقرآن غير مخلوق ، ولو أن قائلا قال إن الله غير مخلوق وهو يعني صوته المسموع الألف واللام واللام والهاء أو الحبر الذي كتب هذه الكلمة لكان في ظاهر قوله عند جميع الأمة كافرا ما لم يبين ، فيقول صوتي أو هذا المكتوب مخلوق.

قال أبو محمد : فهذه حقيقة البيان في هذه المسألة الذي لم نتعدّ فيه ما قاله الله عزوجل ولا ما قاله رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأجمعت الأمة كلها على جملته ، وأوجبته الضرورة والحمد لله رب العالمين. فإن سأل سائل عن اللفظ بالقرآن قلنا له سؤالك هذا يقتضي أن اللفظ المسموع هو غير القرآن وهذا باطل بل اللفظ المسموع هو القرآن نفسه ، وهو كلام الله عزوجل نفسه ، كما قال الله تعالى : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ) [سورة التوبة : ٦].

وكلام الله تعالى غير مخلوق لما ذكرنا ، وأمّا من أفرد السؤال عن الصوت ، وحروف الهجاء ، والحبر فكل ذلك مخلوق بلا شك.

قال أبو محمد : ونقول إن الله تعالى قد قاله ما أتى أنه قال ، وأنه تعالى لم يقل بعد ما أتى أنه سيقوله في المستأنف لكنه سيقوله ومن تعدّى هذا فقد أكذب الله تعالى جهارا. وأما من قال إن الله تعالى لم يزل قائلا «كن» لكل ما كونه أو لما يريد تكوينه ، فإن هذا قول فاحش موجب أن العالم لم يزل ، لأن الله تعالى أخبرنا أنه إذا أراد شيئا فإنّما (أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [سورة يس : ٨٢] فصح أنّ كل مكون فإنه أثر قول الله تعالى له «كن» بلا مهلة ، فلو كان الله تعالى لم يزل قائلا «كن» لكان كل ما يكون لم يزل ، وهذا قول من قال إن العالم لم يزل ، وله مدبر خالق لم يزل ، وهذا كفر مجرد نعوذ بالله منه. وقول الله تعالى هو غير تكليمه ، لأن تكليم الله تعالى من كلّم فضيلة عظيمة.

قال أبو محمد : قال تعالى : (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) [سورة البقرة : ٢٥٣].

وأما قوله فقد يكون سخطا قال تعالى إنه قال لأهل النار : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) [سورة المؤمنون : ١٠٨].

وقال لإبليس : (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) [سورة ص : ٧٥].

ولا يجوز أن يقال إبليس كليم الله تعالى ، ولا أن أهل النار كلماء الله تعالى ،

٤٣

وقول الله تعالى محدث بالنص ، وبرهان ذلك قول الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) [سورة آل عمران : ٧٧].

ثم قال تعالى إنه قال لهم : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ).

وقال تعالى : إنّهم قالوا : (رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ) [سورة الأعراف : ٣٨].

فنص الله تعالى على أنه لا يكلمهم وأنه يقول لهم ، فثبت يقينا أن قول الله تعالى هو غير كلامه وغير تكليمه ، لكن نقول كلّ كلام وتكليم قول وليس كل قول منه تعالى كلاما ولا تكليما بنص القرآن. ثم نقول وبالله تعالى التوفيق : إن الله تعالى أخبرنا أنه كلّم موسى عليه‌السلام وكلم الملائكة عليهم‌السلام ، وثبت يقينا أنه كلم محمدا عليه‌السلام ليلة الإسراء وقال تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) [سورة البقرة : ٢٥٣].

فخصّ تعالى بتكليمه بعضهم دون كما ترى. وقال تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) [سورة الشورى : ٥١].

ففي هذه الآية والحمد لله رب العالمين كثيرا نصّ على تصحيح ما قلناه في هذه المسألة وما توفيقنا الله بالله.

فأتى تعالى في هذه الآية أنه لا يكلم بشرا إلا بأحد هذه الوجوه الثلاثة فنظرنا فيها فوجدناه تعالى قد سمى ما تأتينا به الرسل تكليما منه للبشر ، فصحّ أن الذي أتتنا به الرسل عليهم‌السلام هو كلام الله تعالى ، وأنه تعالى قد كلمنا بوحيه الذي أتتنا به رسله عليهم‌السلام ، وأننا قد سمعنا كلام الله تعالى الذي هو القرآن الموحى إلى النبي بلا شك والحمد لله رب العالمين. ووجدناه تعالى قد سمّى وحيه إلى أنبيائه عليهم‌السلام تكليما لهم ، ووجدناه تعالى قد ذكر وجها ثالثا وهو التكليم الذي يكون من وراء حجاب وهو الذي فضّل به بعض النبيين على بعض ، وهذا التكليم يطلق عليه تكليم الله عزوجل دون صلة كما كلم موسى عليه‌السلام (مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) [سورة القصص : ٣٠].

وأما القسمان الأولان فإنما يطلق عليهما تكليم الله تعالى بصلة لا مجرّدا فنقول كلّم الله تعالى جميع الأنبياء عليهم‌السلام بالوحي إليهم ، ونقول في القسم الثاني

٤٤

كلمنا الله تعالى به في القرآن على لسان نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بوحيه إليه. ونقول قال لنا (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) [سورة المزمل : ٢٠].

ونقول أخبرنا الله تعالى عن موسى عليه‌السلام وعيسى عليه‌السلام وعن الجنة والنار في القرآن وفيما أوحى إلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو قال قائل : حدثنا الله تعالى عن الأمم السالفة وعن الجنة والنار في القرآن ، وعلى لسان رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لكان قولا صحيحا لا مدفع له ، لأن الله تعالى يقول : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً) [سورة النساء : ٨٧].

كذلك نقول : قصّ الله تعالى علينا أخبار الأمم في القرآن. وقال تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ) [سورة يوسف : ٣] ونقول سمعنا كلام الله تعالى في القرآن حقيقة لا مجازا ، وفضل علينا الملائكة والأنبياء عليهم‌السلام في هذا بالوجه الثاني الذي هو تكليمهم بالوحي إليهم في النوم واليقظة دون وسيطة ، وبتوسط الملك أيضا ، وفضل بعض الملائكة وبعض الرسل على جميعهم عليهم‌السلام بالوجه الثالث الذي هو تكليم في اليقظة من وراء حجاب دون وسيطة ملك لكن بكلام مسموع بالآذان ، ومعلوم بالقلب زائد على الوحي الذي هو معلوم بالقلب فقط ، أو مسموع من الملك عن الله تعالى ، وهذا هو الوجه الذي خصّ به موسى عليه‌السلام من الشجرة ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلة الإسراء من المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام وسائر من كلمه الله تعالى من النبيين والملائكة عليهم‌السلام. وقال تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) [سورة البقرة : ٢٥٣].

وقال تعالى : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها) [سورة البقرة : ٣٠] الآية. ولا يجوز أن يكون شيء من هذا بصوت أصلا لأنه كان يكون حينئذ بواسطة ملك مكلم غير الله تعالى وكان ذلك الصوت حينئذ بمنزلة الرعد الحادث في الجوّ والفزع الحادث في الأجسام ، والوحي أعلى من هذه منزلة ، والتكليم من وراء الحجاب أعلى من سائر الوحي بنصّ القرآن لأن الله تعالى سمى ذلك تفضيلا كما تلونا وكل ما ذكرنا وإن كان يسمى تكليما فإن التكليم المطلق أعلى في الفضيلة من التكليم الموصول كما أن كل روح فهو روح الله تعالى على الملك ، ولكن إذا قلنا روح الله تعالى على الإطلاق نعني جبريل وعيسى عليهما‌السلام كان ذلك فضيلة عظيمة لهما.

قال أبو محمد : وكذلك إذا قرأنا في القرآن قلنا كلامنا هذا هو كلام الله تعالى

٤٥

حقيقة لا مجازا ، ولا يحلّ حينئذ لأحد أن يقول ليس كلامي هذا كلام الله تعالى. وقد أنكر الله هذا على من قاله إذ يقول تعالى : (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) [سورة المدثر : ١٧ ٢٤].

قال أبو محمد : وكذلك يقول أحدنا : ديني هو دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإذا عمل عملا أوجبته سنة ، قال عملي هذا هو عمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يحل لأحد من المسلمين أن يقول : ديني غير دين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو قال ذلك لوجب قتله بالردة ، وكذلك ليس له أن يقول إذا عمل عملا جاءت به السنة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا غير عمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو قاله لأدّب ولكان كاذبا وكذلك يقول أحدنا ديني هو دين الله عزوجل يريد الذي أمر به عزوجل ، ولو قال ديني هو غير دين الله عزوجل لوجب قتله بالرّدة ، وكذلك نقول إذا حدث أحدنا حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صحيحا : كلامي هذا هو نفس كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو قال كلامي هذا هو غير كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لكان كاذبا ، وهذه أسماء أوجبتها ملة الله عزوجل وأجمع عليها أهل الإسلام ، ولم يخف علينا ولا على أحد من المسلمين أن حركة لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم غير حركة ألسنتنا ، وكذلك حركات أجسامنا في العمل ، وكذلك ما توصف النفوس به من العلم ولكن التسمية في الشريعة ليست إلينا إنما هي لله تعالى ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمن خالف هذا كان كمن قال : فرعون وأبو جهل مؤمنان ، وموسى ومحمد صلّى الله عليهما وسلم كافران. فإذا قيل له في ذلك ، قال أو ليس فرعون وأبو جهل مؤمنين بالكفر وموسى ومحمد كافرين بالطاغوت؟ فهذا وإن كان لكلامه مخرج صحيح فهو عند أهل الإسلام كافر بتعديه ما أوجبته الشريعة من التسمية ، وقد شهدت العقول بوجوب الوقوف عند ما أوجبه الله تعالى في دينه ، فمن تعدّى ذلك وزعم أنه اتبع دليل عقله في خلاف ذلك فليعلم أنه قد فارق قضية العقل الصادقة الموجبة للوقوف عند حكم الشريعة ، وخالف المؤمنين واتبع غير سبيلهم قال الله تعالى : (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) [سورة النساء : ١١٥].

ونعوذ بالله من ذلك.

قال أبو محمد : وقال بعضهم فإذا سمعنا كلام الله تعالى وسمعه موسى عليه

٤٦

السلام ، فأي فرق بيننا وبينه؟ قلنا : أعظم فرق ، هو أن موسى عليه‌السلام والملائكة سمعوا الله تعالى يكلمهم ، ونحن سمعنا كلام الله تعالى من غيره ، وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لابن مسعود رضي الله عنه إذ أمره أن يقرأ القرآن فقال ابن مسعود يا رسول الله أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ قال : «إني أحب أن أسمعه من غيري» (١). فصح يقينا أنه القرآن الذي أنزله الله تعالى نفسه فسمعه من غيره.

وقالوا : فكلام الله تعالى إذن يحلّ فينا؟ قلنا هذا تهويل بارد. ونعم إذا سمى الله تعالى كلامنا إذا قرأنا كلاما له تعالى فنحن نقول بذلك ، ونقول إن كلام الله تعالى في صدورنا وجار على ألسنتنا ومستقر في مصاحفنا ، ونبرأ ممن أنكر ذلك بعقله الفاسد المخرج له من الإسلام ونعوذ بالله من الخذلان.

__________________

(١) رواه البخاري في تفسير سورة ٤ باب ٩ ، وفضائل القرآن باب ٣٢ و ٣٥. ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث ٢٤٧ و ٢٤٨. وأبو داود في العلم باب ١٣. والترمذي في تفسير سورة ٤ باب ١١.

٤٧

الكلام في إعجاز القرآن

قال أبو محمد : قد ذكرنا قيام البرهان على أن القرآن معجز لا يقدر أحد على مثله قد أعجز الله عن مثل نظمه جميع العرب وغيرهم من الإنس والجن بتعجيز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس أن يأتوا بمثله ، وتبكيتهم بذلك في محافلهم ، وهذا أمر لا ينكره أحد مؤمن ولا كافر ، وأجمع المسلمون على ذلك. ثم اختلف أهل الكلام على خمسة أنحاء من هذه الرسالة. فالنحو الأول : قول روي عن الأشعري : وهو أن المعجز الذي يتحدى الناس بالمجيء بمثله هو الأول الذي لم يزل مع الله تعالى ولم يفارقه قط ، ولا أنزل إلينا ولا سمعناه. وهذا كلام في غاية النقصان والبطلان ، إذ من المحال أن يكلف أحد أن يجيء بمثل ما لم يعرفه قط ولا سمعه ، فيلزمه ولا بدّ بل هو نفس قوله إنه إذا لم يكن المعجز إلا ذلك فإن المسموع المتلوّ عندنا ليس معجزا بل مقدورا عليه ، أو على مثله ، وهذا كفر مجرد ولا خلاف فيه ، وأيضا فإنه خلاف القرآن لأن الله تعالى ألزمهم بسورة أو بعشر سور منه. وكذلك الكلام ليس هو عند الأشعرية سورا ولا هو كثيرا بل هو واحد فسقط هذا القول والحمد لله رب العالمين. وله (١) قول آخر كقول المسلمين : إن المتلو هو المعجز.

والنحو الثاني : هل الإعجاز متماد أم قد ارتفع بتمام قيام الحجة به في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ فقال بعض أهل الكلام إن الحجة قد قامت بعجز جميع العرب عن معارضته ، ولو عورض لم تبطل بذلك الحجة التي قد صحت ، كما أن عصا موسى عليه‌السلام إذ قامت حجته بانقلابها حية لم يضره ، ولا أسقط حجته عودها عصا كما كانت. وكذلك خروج يده بيضاء من جيبه ثم عودها كما كانت. وكذلك سائر الآيات. وقال جمهور أهل الإسلام إن إعجاز القرآن باق إلى يوم القيامة ، والآية بذلك باقية إلى يوم القيامة كما كانت ، وهذا هو الحق الذي لا يحل القول بغيره لأنه نص قول الله عزوجل إذ يقول : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [سورة الإسراء : ٨٨].

__________________

(١) أي الأشعري.

٤٨

فهذا نص جلي على أنهم لا يأتون بمثله بلفظ الاستقبال فصح يقينا أن ذلك على الأبد وفي المستأنف أبدا. ومن ادّعى بأن المراد بذلك الماضي فقد كذب ، لأنه لا يجوز أن تحال اللغة فينقل لفظ المستقبل إلى معنى الماضي إلا بنص آخر جليّ وارد بذلك أو بإجماع متيقن أن المراد به غير ظاهره أو ضرورة ولا سبيل في هذه المسألة إلى أحد هذه الوجوه. وكذلك قوله تعالى : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ) عموم كل إنس وجن أبدا ، لا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص ولا إجماع.

قال أبو محمد : ومن قال بالوقف وأنه ليس للعموم صيغة ولا للظاهر ، فلا حجة هاهنا تقوم على الطائفة المذكورة. فصح أن إعجاز القرآن باق إلى يوم القيامة والحمد لله رب العالمين.

والنحو الثالث : ما المعجز منه؟ أنظمه؟ أم نصه من الإنذار بالغيوب؟ فقال بعض أهل الكلام : إن نظمه ليس معجزا وإنما إعجازه ما فيه من الإخبار بالغيوب ، وقال سائر أهل الإسلام : بل كلا الأمرين ، نظمه وما فيه من الإخبار بالغيوب ، وهذا هو الحق الذي ما خالفه فهو باطل. برهان ذلك قول الله عزوجل (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [سورة البقرة : ٢٣] فنص تعالى على أنهم لا يأتون بمثل سورة من سوره وأكثر سوره ليس فيها إخبار بغيب فكان من جعل المعجز فيه الإخبار بالغيوب مخالفا نص الله تعالى على أنه معجز من القرآن فسقطت هذه الأقاويل الفاسدة والحمد لله رب العالمين.

والنحو الرابع : ما وجه إعجازه؟ فقالت طائفة : وجه إعجازه كونه في أعلى مراتب البلاغة.

وقالت طائفة : إنما وجب إعجازه لأن الله تعالى منع الخلق من القدرة على معارضته فقط. فأما الطائفة التي قالت إنما إعجازه لأنه في أعلى رتب البلاغة فإنهم شغبوا في ذلك ، بأن ذكروا آيات منه مثل قوله تعالى : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [سورة البقرة : ١٧٩] ونحو هذا ، وموّه بعضهم بأن قال لو كان ما تقولون من أن الله تعالى منع من معارضته فقط لوجب أن يكون أغث ما يمكن أن يكون من الكلام فكانت تكون الحجة بذلك أبلغ.

قال أبو محمد : ما نعلم شغبا غير هذين وكلاهما لا حجة لهم فيه ، أما قولهم لو كان كما لو قلنا لوجب أن يكون أغث ما يمكن أن يكون من الكلام وكانت الحجة بذلك أبلغ فهذا هو الكلام الغث حقا لوجوه :

أحدها : أنه قول بلا برهان لأنه يعكس عليه قوله نفسه ، فيقال له بل لو كان

٤٩

إعجازه لكونه في أعلى درج البلاغة لكان لا حجة فيه. لأن هكذا كان يكون كل من كان في أعلى طبقة. وأما آيات الأنبياء فخارجة عن المعهود فهذا أقوى من شغبهم.

وثانيها : أنه لا يسأل الله تعالى عما يفعل ، ولا يقال له لم عجّزت بهذا النظم دون غيره ، ولم أرسلت هذا الرسول دون غيره؟ ولم قلبت عصا موسى عليه‌السلام حية دون أن تقلبها أسدا؟ وهذا كله حمق ممن جاء به لم يوجبه قط عقل وحسب الآية أن تكون خارجة عن المعهود فقط.

وثالثها : أنهم حين طردوا سؤالهم ربهم بهذا السؤال الفاسد لزمهم أن يقولوا هلّا كان هذا الإعجاز في كلام بجميع اللغات فيستوي في معرفة إعجازه العرب والعجم لأن العجم لا يعرفون إعجاز القرآن إلا بإخبار العرب فقط؟ فبطل هذا الغث الفث والحمد لله رب العالمين.

قال أبو محمد : وأما ذكرهم (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) وما كان وما نحوها من الآيات فلا حجة لهم ، فيها ويقال لهم إن كان ما تقولون ومعاذ الله تعالى من ذلك فإنما المعجز منه على قولكم هذه الآيات خاصة ، وأما سائره فلا. وهذا كفر لا يقول به مسلم. فإن قالوا جميع القرآن مثل هذه الآيات في الإعجاز ، قيل لهم فلم خصصتم بالذكر هذه الآيات دون غيرها إذن؟ وهل هذا منكم إلا إيهام لأهل الجهل أن من القرآن معجزا وغير معجز ..؟ ونقول لهم قول الله تبارك وتعالى (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) [سورة النساء : ١٦٣].

أمعجز هو على شروطكم في كونه في أعلى درجات البلاغة أم ليس معجزا؟ فإن قالوا ليس معجزا كفروا ، وإن قالوا : هو معجز صدقوا وسئلوا : هل على شروطكم في أعلى درج البلاغة؟ فإن قالوا نعم ، كابروا وكفوا مئونتهم لأنها أسماء رجال فقط ليس على شروطهم في البلاغة. وأيضا فلو كان إعجاز القرآن لأنه في أعلى درجات البلاغة لكان بمنزلة كلام الحسن (١) وسهل بن هارون (٢) والجاحظ وشعر امرئ القيس ،

__________________

(١) هو الحسن بن أبي الحسن البصري المتوفى سنة ١١٠ ه‍. وهو رأس الطبقة الثالثة من التابعين. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (٢ / ٢٦٣) وتقريب التهذيب (١ / ١٦٥) وتاريخ البخاري الكبير (٢ / ٢٨٩) والجرح والتعديل (٣ / ١٧٧) وميزان الاعتدال (١ / ٤٨٣) ولسان الميزان (٢ / ١٩٩) وحلية الأولياء (٢ / ١٣١) وغيرها.

(٢) هو سهل بن هارون بن راهبون الفارسي الأصل. اتصل بخدمة هارون الرشيد ثم خدم المأمون

٥٠

ومعاذ الله من هذا لأن كل ما سبق في طبقته فما يؤمن أن يأتي من مماثل بمثله ضرورة فلا بد لهم من هذه الخطة أو من المصير إلى قولنا إن الله تعالى منع من معارضته فقط ، وأيضا فلو كان إعجازه في أنه في أعلى درج البلاغة المعهودة لوجب أن يكون ذلك للآية ولما هو أقل من الآية ، وهذا ينقض قولهم إن المعجز منه ثلاث آيات لا أقل. فإن قالوا فقولوا أنتم هل القرآن موصوف بأنه في أعلى درج البلاغة أم لا؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق : إن كنتم تريدون أن الله تعالى قد بلغ به ما أراد به ، فنعم هو بهذا المعنى في الغاية التي لا شيء أبلغ منها. وإن كنتم تريدون هل هو في أعلى درج بلاغة المخلوقين فلا ، لأنه ليس من نوع كلام المخلوقين لا من أعلاه ولا من أدناه ولا من أوسطه ، وبرهان هذا أن إنسانا لو أدخل في رسالة أو خطة أو تأليف أو موعظة حروف الهجاء المقطعة لكان خارجا عن البلاغة المعهودة جملة بلا شك. فصح أنه ليس من نوع بلاغة الناس أصلا ، وأن الله تعالى تولّى منع الخلق من مثله وكساه الإعجاز وسلبه جميع كلام الخلق.

برهان ذلك أن الله تعالى حكى عن قوم من أهل النار أنهم يقولون إذا سئلوا عن سبب دخولهم النار : (قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) [سورة المدثر : ٤٣ ٤٧].

وحكى تعالى عن كافر قال : (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) [سورة المدثر : ٢٤ ـ ٢٦].

وحكى عن آخرين أنهم قالوا : (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) [سورة الإسراء : ٩٠ ـ ٩٣].

وكان هذا كله إذا قاله غير الله تعالى غير معجز بلا خلاف ، إذ لم يقل أحد من أهل الإسلام إن كلام غير الله تعالى معجز ، لكن لما قاله الله تعالى وجعله كلاما له أصاره معجزا ، ومنع من مماثلته. وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره والحمد لله.

__________________

فولّاه رئاسة خزانة الحكمة ببغداد. توفي سنة ٢١٥ ه‍. انظر الأعلام للزركلي (٣ / ٢٢١).

٥١

النحو الخامس : ما مقدار المعجز منه؟ فقالت الأشعرية ومن وافقهم إن المعجز إنما هو مقدار أقل سورة منه وهو (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) [سورة الكوثر : ١] فصاعدا وأن ما دون ذلك ليس معجزا. واحتجوا لذلك بقول الله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [سورة البقرة : ٢٣]. قالوا ولم يتحدّ تعالى بأقل من ذلك. وذهب سائر أهل الإسلام إلى أن القرآن كله قليله وكثيره معجز ، وهذا هو الحق الذي لا يجوز خلافه ولا حجة لهم في قول الله تعالى : (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) لأنه تعالى لم يقل إن ما دون السورة ليس معجزا ، بل قد قال تعالى (عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) [سورة الإسراء : ٨٨].

ولا يختلف اثنان في أنّ كل شيء من القرآن معجز ، ثم نعارضهم في تحديدهم المعجز بسورة فصاعدا. أخبرونا : ما ذا تعنون بقولكم إن المعجز مقدار سورة؟ أسورة كاملة لا أقل؟ أم مقدار الكوثر من الآيات ، مقدارها في الكلمات؟ أم مقدارها في الحروف؟ ولا سبيل إلى وجه خامس. فإن قالوا المعجز سورة تامة لا أقل ، لزمهم أن سورة البقرة حاشا آية واحدة أو كلمة واحدة من آخرها أو من ثلثها أو من نصفها أو من أولها ليست معجزة. وهكذا كل سورة. وهذا كفر مجرد لا خفاء به إذ جعلوا كل سورة في القرآن سوى كلمة من أولها أو من وسطها أو من آخرها مقدورا على مثلها ، وإن قالوا بل مقدارها في الآيات لزمهم أن آية الدّين ليست معجزة ، لأنها ليست ثلاث آيات ، وأن آية الكرسي ليست معجزة لأنها ليست ثلاث آيات ، ولزمهم مع ذلك أن (وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) [سورة الفجر : ١ ـ ٣]. معجز كآية الكرسي وآيتان لأنها ثلاث آيات. وهذا غير قولهم ، ومكابرة ظاهرة أن تكون هذه معجزة حاشا كله غير معجز ، ولزمهم أيضا أن «والضّحى والفجر والعصر» هذه الكلمات الثلاث فقط معجزات لأنهنّ ثلاث آيات. فإن قالوا هي مفترقات غير متصلات لزمهم إسقاط الإعجاز عن ألف آية مفترقة وإمكان المجيء بمثلها. ومن جعل هذا ممكنا فقد كابر العيان وخرج عن الإسلام وأبطل الإعجاز عن القرآن ، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه ، ولزمهم أيضا أن قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) [سورة البقرة : ١٧٩] ليس معجزا ، وهذا نقض قولهم : إنه في أعلى درج البلاغة. وكذلك كل ثلاث آيات غير كلمة وهذا خروج عن الإسلام وعن المعقول. وإن قالوا بل في عدد الكلمات ، أو قالوا عدد الحروف لزمهم شيئان مسقطان لقولهم :

أحدهما إبطال احتجاجهم بقوله تعالى (بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) [سورة البقرة : ٢٣] لأنهم جعلوا معجزا ما ليس بسورة ، ولم يقل تعالى بمقدار سورة فلاح تمويههم.

٥٢

والثاني : أن سورة الكوثر عشر كلمات اثنان وأربعون حرفا وقد قال تعالى (وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) [سورة النساء آية رقم ١٦٣] اثنتا عشرة كلمة اثنان وسبعون حرفا وإن اقتصرنا على الأسماء فقط كانت عشر كلمات ، اثنين وستين حرفا هذا أكثر كلمات وحروفا من سورة الكوثر فينبغي أن يكون هذا معجزا عندكم ويكون : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) غير معجز فإن قالوا إن هذا غير معجز تركوا قولهم في مقدار إعجاز أقل سورة في القرآن ، في عدد الكلمات وعدد الحروف ، وإن قالوا بل هو معجز تركوا قولهم في أنه في أعلى درج البلاغة ويلزمهم أيضا أننا إن أسقطنا من هذه الأسماء اسمين ومن سورة الكوثر كلمة ألّا يكون شيء من ذلك معجزا فظهر سقوط كلامهم وتخليطه وفساده. وأيضا فإذا كانت الآية والآيتان منه غير معجزة وكان مقدورا على مثلها فكل آية على انفرادها مقدور على مثلها. وإذا كانت كذلك فكله مقدور على مثله وهذا كفر. فإن قالوا إذا اجتمعت ثلاث آيات صارت غير مقدور عليها. قيل لهم هذا غير قولكم إن إعجازه إنما هو من طريق البلاغة في الآية كهو في الثلاث ولا فرق. والحق في هذا هو ما قاله الله تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) [سورة الإسراء : ٨٨] وأن كل كلمة قائمة المعنى نعلم أنها إن تليت أنها من القرآن فإنها معجزة لا يقدر أحد على المجيء بمثلها أبدا ، لأن الله تعالى حال بين الناس وبين ذلك كمن قال إن آية نبوتي أن الله تعالى يطلقني على المشي في هذا الطريق الواضح ثم لا يمشي فيه أحد غيري أبدا أو مدة يسميها فهذا أعظم ما يكون من الآيات وأن الكلمة المذكورة إذا ذكرت في خبر على أنها ليست قرآنا فهي غير معجزة ، وهذا هو الذي جاء به النص والذي عجز عنه أهل الأرض منذ أربعمائة عام وأربعين عاما وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ونحن نجد في القرآن الكريم إدخال معنى بين معنيين ليس منهما كقوله تعالى (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ) [سورة مريم : ٦٤] وليس هذا من بلاغة الناس في ورد ولا صدر ومثل هذا في القرآن كثير والحمد لله رب العالمين. تم الكلام في التوحيد ونحمد الله تعالى.

٥٣

الكلام في القدر

قال أبو محمد : اختلف الناس في هذا الباب. فذهبت طائفة إلى أن الإنسان مجبر على أفعاله وأنه لا استطاعة أصلا له وهو قول جهم بن صفوان وطائفة من الأزارقة ، وذهبت طائفة أخرى إلى أن الإنسان ليس مجبرا وأثبتوا له قوة واستطاعة بها يفعل ما اختار فعله. ثم افترقت هذه الطائفة على فرقتين فقالت إحداهما : الاستطاعة التي يكون الفعل بها لا يكون إلا مع الفعل ولا تتقدمه البتة ، وهذا قول طوائف من أهل السنة ومن وافقهم كالنجار (١) والأشعري وأصحابهما ومحمد بن عيسى برغوث (٢) الكاتب ، وبشر بن غياث المريسي ، (٣) وأبي عبد الرحمن العطوي (٤) وجماعة من المرجئة والخوارج ، وهشام بن الحكم وسليمان بن جرير (٥) وأصحابهما. والقول الأول قول جهم

__________________

(١) هو الحسين بن محمد بن عبد الله النجار ، أحد كبار المتكلمين. وقيل : كان يعمل الموازين. وله مناظرة مع النظّام ، فأغضب النظام ، فرفسه ، فيقال : مات منها بعد تعلّل. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٥٤) والفهرست (ص ٢٢٩).

(٢) هو أبو عبد الله محمد بن عيسى الجهمي الملقب برغوث. أحد من كان يناظر الإمام أحمد وقت البدعة. صنّف كتاب «الاستطاعة» وكتاب «المقالات» وكتاب «الاجتهاد» وكتاب «الردّ على جعفر بن حرب» وكتاب «المضاهاة» قيل : توفي سنة ٢٤٠ ه‍ ، وقيل : سنة ٢٤١. انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٥٤).

(٣) هو المتكلم المناظر أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم البغدادي المريسي. كان من كبار الفقهاء ، ثم نظر في الكلام فغلب عليه ، وكان عين الجهمية في عصره وعالمهم. وكفّره عدة. وله تصانيف جمة. توفي سنة ٢١٨ ه‍ وقد قارب الثمانين. انظر ترجمته في تاريخ بغداد (٧ / ٥٦) والانتصار (١٠ / ٢٠١) ووفيات الأعيان (١ / ٢٧٧) وسير أعلام النبلاء (١٠ / ١٩٩) وميزان الاعتدال (١ / ٣٢٢) والعبر (١ / ٣٧٣) والوافي بالوفيات (١٠ / ١٥١) ولسان الميزان (٢ / ٢٩) وشذرات الذهب (٢ / ٤٤).

(٤) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي عطية أبو عبد الرحمن العطوي. من شعراء الدولة العباسية. وكان متكلما معتزليّا ، واشتهر في أيام المتوكل. انظر ترجمته في الأعلام للزركلي (٧ / ٦١).

(٥) سليمان بن جرير : أحد الشيعة ، كفّر عثمان بما ارتكب من الأحداث فكفره أهل السنة بتكفير عثمان. وقد ظهر أيام الخليفة المنصور. انظر ترجمته في لسان الميزان (٣ / ٨٠).

٥٤

ابن صفوان وجماعة من الأزارقة. وقالت الأخرى إن الاستطاعة التي بها يكون الفعل هي قبل الفعل موجودة في الإنسان وهو قول المعتزلة وطوائف من المرجئة كمحمد بن شبيب (١) ويونس بن عون (٢) وصالح قبة (٣) والناشئ (٤) وجماعة من الخوارج والشيعة. ثم افترق هؤلاء على فرق فقالت طائفة : إن الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل أيضا للفعل ولتركه وهو قول بشر بن المعتمر البغدادي ، وضرار بن عمرو الكوفي ، وعبد الله بن غطفان ، ومعمر بن عمرو العطار البصري (٥) ، وغيرهم من المعتزلة ، وقال أبو الهذيل محمد بن الهذيل العبدي البصري العلاف لا تكون الاستطاعة مع الفعل البتة ولا تكون قبله ولا بد وتفنى مع أول وجود الفعل. وقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام وعلي الأسواري وأبو بكر بن عبد الرحمن بن كيسان الأصم : ليست الاستطاعة شيئا غير نفس المستطيع ، وكذلك أيضا قالوا في العجز إنه ليس شيئا غير العاجز ، إلا النظام فإنه قال هو آفة دخلت على المستطيع.

قال أبو محمد : فأما من قال بالإجبار فإنهم احتجوا فقالوا لما كان الله تعالى فعّالا ، وكان لا يشبهه شيء من خلقه وجب أن لا يكون أحد فعّالا غيره ، وقالوا أيضا معنى إضافة الفعل إلى الإنسان إنما كما نقول مات زيد وإنما الله تعالى أماته ، وقام البناء وإنما أقامه الله تعالى.

قال أبو محمد : خطأ هذه المقالة ظاهر بالحس وبالنص وباللغة التي بها خاطبنا الله تعالى وبها نتفاهم. فأما النص فإن الله عزوجل قال في غير موضع من القرآن (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة الأحقاف : ١٤] وقال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) [سورة الصف : ٢] وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) [سورة الكهف : ٣٠ ، ١٠٧] فنص على أن لنا عملا وفعلا. وأما الحس فإن الحواس وبضرورة العقل وبديهته علمنا يقينا علما لا يخالج فيه الشك أن بين

__________________

(١) محمد بن شبيب الدمشقي ، محدث ثقة جمع بين الاعتزال والإرجاء. انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (٩ / ٢١٨).

(٢) يونس بن عون النميري من المرجئة. انظر ترجمته في اعتقادات فرق المسلمين (ص ٧٤).

(٣) هو أبو جعفر صالح بن محمد بن قبة. من متكلمي الشيعة. انظر ترجمته في فرق وطبقات المعتزلة (ص ٧٨).

(٤) هو الناشئ الأصغر أبو الحسن علي بن عبد الله بن وصيف. من متكلمي الشيعة. توفي سنة ٣٦٦ ه‍.

(٥) انظر ترجمته في لسان الميزان (٦ / ٦٨).

٥٥

الصحيح الجوارح وبين من لا صحة لجوارحه فرقا لائحا لجوارحه ، لأن الصحيح الجوارح يفعل القيام والقعود وسائر الحركات مختارا لها دون مانع ، وأن الذي لا صحة لجوارحه لو رام ذلك جهده لم يفعله أصلا ، ولا بيان أبين من هذا الفرق والمجبر في اللغة هو الذي يقع منه الفعل بخلاف اختياره وقصده ، فأما من وقع فعله باختياره وقصده فلا يسمى في اللغة مجبرا. وإجماع الأمة كلها على لا حول ولا قوة إلا بالله مبطل قول المجبرة وموجب أن لنا حولا وقوة ولكن لم يكن لنا ذلك إلا بالله تعالى ولو كان ما ذهبت إليه الجهمية لكان القول «لا حول ولا قوة إلا بالله» لا معنى له ، وكذل قوله تعالى (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [سورة التكوير : ٢٨ ، ٢٩] فنص تعالى على أن لنا مشيئة إلا أنها لا تكون منّا إلا أن يشاء الله تعالى كونها وهذا نص قولنا والحمد لله.

قال أبو محمد : ومن عرف عناصر الأشياء من الواجب والممكن والممتنع أيقن بالفرق بين صحيح الجوارح وغير صحيحها ، لأن الحركة الاختيارية بأول الحس هي غير الاضطرارية ، وأن الفعل الاختياري من ذي الجوارح المعوقة ممتنع وهو من ذي الجوارح الصحيحة ممكن ، وإننا بالضرورة ندري أن المقعد لو رام القيام جهده لما أمكنه ونقطع يقينا أنه لا يقوم ، وأن الصحيح الجوارح لا ندري إذا رأيناه قاعدا أيقوم أم يتكئ أو يتمادى على قعوده ، وكل ذلك ممكن منه. وأمّا من طريق اللغة فإن الإجبار والإكراه والاضطرار والغلبة أسماء مترادفة ولكنها واقعة على معنى واحد لا يختلف وقوع الفعل ممن لا يؤثره ولا يختاره ولا يتوهم منه خلافه البتة. وأما من آثر ما يظهر منه من الحركات والاعتقاد ويختاره ويميل إليه هواه فلا يقع عليه اسم إجبار ولا اضطرار ، لكنه مختار والفعل منه مراد متعمّد مقصود ونحو هذه العبارات في هذا المعنى في اللغة العربية التي بها نتفاهم. فإن قال قائل : فلم أبيتم هاهنا من إطلاق لفظة الاضطرار وأطلقتموها في المعارف فقلتم إنها باضطرار ، وكل ذلك عندكم خلق الله في الإنسان؟ فالجواب أن بين الأمرين فرقا بيّنا وهو أن الفاعل متوهم منه ترك فعله ، وممكن ذلك منه وليس كذلك الذي عرفه ببرهان ، لأنه لا يتوهم البتة انصرافه عنه ، ولا يمكنه في ذلك أصلا فصح أنه مضطر إليها. وأيضا فقد أثنى الله تعالى على قوم دعوه فقالوا (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) [سورة البقرة : ٢٨٦] ، وقد علمنا أن الطاقة والاستطاعة والقدرة والقوة في اللغة العربية ألفاظ مترادفة كلها واقع على معنى واحد ، وهو صفة ما يمكن منه الفعل باختياره أو تركه باختياره ، ولا شك في أن هؤلاء القوم الذين دعوا هذا الدعاء قد كلفوا شيئا من الطاعات والأعمال ، واجتناب المعاصي ، فلو لا

٥٦

أن هاهنا أشياء لهم بها طاقة لكان هذا الدعاء حمقا لأنهم كانوا يصيرون داعين إلى الله تعالى في أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به ، وهم لا طاقة لهم بشيء من الأشياء ، فيصير دعاؤهم في أن لا يكلفوا ما قد كلفوه وهذا محال من الكلام ، والله تعالى غني عن أن يثني على المحال فصح بهذا يقينا أن هاهنا طاقة موجودة على الأفعال وبالله تعالى التوفيق.

وأما احتجاجهم بأن الله تعالى لما كان فعالا وجب أن لا يكون فعّال غيره ، فخطأ من القول لوجوه :

أحدها أن النص قد ورد بأن للإنسان أفعالا وأعمالا قال تعالى (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ) [سورة المائدة : ٧٩].

فأثبت تعالى لهم الفعل وكذلك نقول إن الإنسان يصنع لأن النص قد جاء بذلك ولو لا النص ما أطلقنا شيئا من هذا وكذلك لما قال الله تعالى (وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ) [سورة الواقعة : ٢٠] علمنا أن للإنسان اختيارا ، لأن أهل الجنة وأهل الدنيا سواء في أنه تعالى خالق أعمال الجميع ، على أن الله تعالى قال (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) [سورة القصص : ٦٨] ، فعلمنا أن الاختيار الذي هو فعل الله تعالى وهو منفيّ عن من سواه هو غير الاختيار الذي أضافه إلى خلقه ووصفهم به ، ووجدها هذا أيضا حسّا لأن الاختيار الذي توحد الله تعالى به ، وهو أن يفعل ما يشاء كيف شاء وإذا شاء وليس هذه صفة شيء من خلقه. وأما الاختيار الذي أضافه إلى خلقه فهو ما خلق فيهم من الميل إلى شيء ما والإيثار له على غيره فقط. وهذا هو غاية البيان وبالله تعالى التوفيق.

ومنها أن الاشتراك في الأسماء لا يقع من أجله التشابه ، ألا ترى أننا نقول الله حيّ والإنسان حيّ والإنسان حليم عليم كريم حكيم ، والله تعالى حليم عليم كريم حكيم ، فليس هذا يوجب اشتباها بلا خلاف وإنما يقع الاشتباه بالصّفات الموجودة في الموصوفين والفرق بينهما لأن الفعل الواقع من الله عزوجل والفعل الواقع منّا هو أن الله تعالى إمّا أنه اخترعه وجعله جسما أو عرضا أو حركة أو سكونا أو معرفة أو إرادة أو كراهية أو فكرة وجعل الله تعالى ذلك فينا بغير معاناة منه ، وفعل تعالى لغير علمه ، وإنما نحن فإنما كان فعلا لنا لأنه عزوجل خلقه فينا ، وخلق اختيارنا له وأظهره عزوجل فينا محمولا لاكتساب منفعة أو لدفع مضرّة ولم نخترعه نحن.

وأما من قال بالاستطاعة قبل الفعل : فعمدة حجتهم أن قالوا لا يخلو الكافر من

٥٧

أحد وجهين. إما أن يكون مأمورا بالإيمان ، أو لا يكون مأمورا به. فإن قلتم إنه غير مأمور بالإيمان فهذا كفر مجرد ، وخلاف القرآن والإجماع ، وإن قلتم هو مأمور به وهكذا تقولون ، فلا يخلو من أحد وجهين ، إما أن يكون أمر وهو يستطيع ما أمر به فهذا قولنا لا قولكم ، أو يكون أمر وهو لا يستطيع ما أمر به ، فقد نسبتم إلى الله تعالى تكليف ما لا يستطيع ، ويلزمكم تكليف الأعمى أن يرى ، والمقعد أن يجري ، أو يطلع إلى السماء ، وهذا كله جور وظلم ، والجور والظلم منفيان عن الله عزوجل ، وقالوا : إذ لا يفعل المرء فعلا إلا بالاستطاعة الموهوبة من الله عزوجل ، فلا تخلو تلك الاستطاعة من أن يكون المرء أعطيها والفعل موجود ، أو أعطيها والفعل غير موجود ، فإن كان أعطيها والفعل موجود فلا حاجة إليها ، إذ قد وجد الفعل منه الذي يحتاج إلى الاستطاعة ليكون ذلك الفعل بها.

وإن أعطيها والفعل غير موجود فهذا قولنا ، إن الاستطاعة قبل الفعل ، والله تعالى يقول : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [سورة آل عمران : ٩٧].

قالوا : فلو لم تتقدم الاستطاعة الفعل لكان الحج لا يلزم أحدا قبل أن يحج.

وقال تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ) [سورة البقرة : ١٨٤].

وقال تعالى : (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) [سورة المجادلة : ٤].

فلو كانت الاستطاعة للصوم لا تتقدم الصوم ما لزمت أحدا الكفارة به.

وقال تعالى : (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) [سورة التوبة : ٤٢].

فصح أن استطاعة الخروج موجودة مع عدم الخروج.

وقال تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [سورة التغابن : ١٦].

ولهم أيضا في خلق الأفعال اعتراض نذكره إن شاء الله تعالى.

٥٨

باب ما الاستطاعة؟

قال أبو محمد : إن الكلام على حكم لفظ الاستطاعة قبل تحقيق معناها ، ومعرفة ما المراد بها ، وعن أي شيء يعبر بذكرها ، طمس للوقوف على حقيقتها ، فينبغي أولا أن يوقف على معنى الاستطاعة ، فإذا تكلمنا عليه وقربناه بحول الله وقوته سهل الإشراف على صواب هذه الأقوال من خطئها بعون الله وتأييده ، فنقول وبالله تعالى التوفيق :

إن قول من قال إن الاستطاعة هي المستطيع قول في غاية الفساد ، ولو كان لقائله أقل علم باللغة العربية ثم بحقائق الأسماء والمسميات ، ثم بماهية الجواهر والأعراض لم يقل هذا السخف.

أما اللغة : فإن الاستطاعة فيها إنما هي مصدر استطاع يستطيع والمصدر هو فعل الفاعل وصفته كالضرب هو فعل الضارب ، والحمرة التي هي صفة الأحمر ، والاحمرار هو صفة المحمر وما أشبه هذا ، والصفة والفعل عرضان بلا شك في الفاعل منا وفي الموصوف ، والمصادر هي أفعال المسمين فالأسماء بإجماع من أهل كل لسان.

فإذا كانت الاستطاعة في اللغة التي بها نتكلم نحن وهم ، إنما هي صفة في المستطيع ، فبالضرورة نعلم أن الصفة غير الموصوف ، لأن الصفات تتعاقب عليه ، فتمضي صفة وتأتي أخرى ، فلو كانت الصفة هي الموصوف ، لكان الماضي من الصفات هو الموصوف الباقي ، ولا سبيل إلى غير هذا البتة. فإذ لا شك في أن الماضي هو غير الباقي ، فالصفات هي غير الموصوف بها ، وما عدا هذه هو عين المحال والتخليط. فإن قالوا : إن الاستطاعة ليست مصدر استطاع ، ولا صفة المستطيع ، كابروا وأتوا بلغة جديدة غير التي بها نزل القرآن والتي هي لفظة الاستطاعة التي فيها منازعة ، إنما هي كلمة من تلك اللغة ومن أحال شيئا من الألفاظ اللغوية عن موضوعها في اللغة بغير نص محتمل لها ولا إجماع من الشريعة ، فقد فارق حكم أهل العقول والحياء وصار في نصاب من لا يتكلم معه ، ولا يعجز أحد أن يقول : إن الصلاة ليست ما تعنون بها وإنما هي أمر كذا وكذا ، والماء هو الخمر ، وفي هذا بطلان

٥٩

الحقائق كلها ، وأيضا فإنا نجد المرء مستطيعا ثم نراه غير مستطيع لخدر عرض في أعضائه ، وبتكتيف أو ضبط أو إغماء ، وهو بعينه قائم لم ينتقص منه شيء ، فصح بالضرورة أن الذي عدم من الاستطاعة هو غير المستطيع الذي كان ولم يعدم منه شيء ، هذا أمر يعرف بالمشاهدة والحس ، وبهذا أيقنا أن الاستطاعة عرض يقبل الأشد والأضعف. فنقول : استطاعة أشد من استطاعة ، واستطاعة أخف من استطاعة ، وأيضا فإن الاستطاعة لها ضد وهو العجز ، والأعراض لا تكون إلا أعراضا تقسم طرفي البعد ، كالخضرة والبياض ، والعلم والجهل ، والذكر والنسيان ، وما أشبه هذا.

وهذا كله أمر يعرف بالمشاهدة ولا ينكره إلا أعمى القلب والحواس ، ومعاند مكابر الضرورة ، والمستطيع جوهر ، والجوهر لا ضدّ له ، فصح بالضرورة أن الاستطاعة هي غير المستطيع بلا شك ، وأيضا فلو كانت الاستطاعة هي غير المستطيع لكان العجز أيضا هو العاجز اليوم وهو المستطيع بالأمس ، فعلى هذا يجب أن العجز هو المستطيع ، فإن لاذوا عن هذا ، لزمهم أن العجز عن الأمر هو الاستطاعة عليه ، وهذا محال ظاهر ، فإن قالوا إن العجز غير المستطيع وهو آفة دخلت على المستطيع ، سئلوا : ما الفرق الذي من أجهله قالوا إن الاستطاعة غير المستطيع ، ومنعوا أن يكون العجز هو العاجز؟ ولا سبيل إلى وجود فرق في ذلك ، وبهذا نفسه يبطل قول من قال : إن الاستطاعة هي بعض المستطيع سواء بسواء لأن العرض لا يكون بعضا للجسم وأما من قال إن الاستطاعة هي كل ما يوصل به إلى الفعل كالإبرة والدلو ، والحبل ، وما أشبه هذا فقول فاسد تبطله المشاهدة لأنه قد توجد هذه الآيات وتعدم صحة الجوارح فلا يمكن الفعل.

فإن قالوا : وقد تعدم هذه الآلات وتوجد صحة الجوارح فلا يمكن الفعل ، قلنا : صدقتم ، وبوجود هذه الآلات يتم الفعل إلا أن لفظة الاستطاعة التي في معناها نتنازع هي لفظة قد وضعت في اللغة التي بها نتفاهم ونعبر عن مرادنا على عرض في المستطيع ، فليس لأحد أن يصرف هذه اللفظة عن موضوعها في اللغة برأيه من غير نص ولا إجماع ، ولو جاز هذا لبطلت الحقائق ، ولم يصح تفاهم أبدا. وقد علمنا يقينا أن لفظة الاستطاعة لم تقع قط في اللغة التي بها نتفاهم على حبل ولا مهماز ولا على إبرة.

فإن قالوا : قد صح عن أئمة اللسان كابن عمر ، وابن عباس رضي الله عنهما أن الاستطاعة زاد وراحلة. (١) قيل : نعم قد صح هذا ولا خلاف من أحد له فهم باللغة

__________________

(١) روى الترمذي في الحج باب ٤ (حديث ٨١٣) وابن ماجة في المناسك باب ٦ (حديث

٦٠