الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

قال أبو محمد : هذا كل ما احتجوا به ما يعلم لهم حجة غير هذا أصلا ، وكله لا حجة لهم فيه البتة.

أما قول نوح عليه‌السلام ، فلم يقل ذلك على كل كافر ، بل قال ذلك على كفار قومه خاصة ، لأن الله تعالى قال له : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) [سورة هود آية رقم ٣٦].

فأيقن نوح عليه‌السلام بهذا الوحي أنه لا يحدث فيهم مؤمن أبدا وأن كل من ولدوه إن ولدوه لم يكن إلا كافرا ولا بد.

وهذا هو نص الآية لأنه تعالى حكى عنه أنه قال :

(رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [سورة نوح آية رقم ٢٦].

وإنما أراد كفار وقته الذين كانوا على الأرض حينئذ فقط ، ولو كان للأزارقة أدنى علم لعلموا أن هذا من كلام نوح عليه‌السلام ليس على كل كافر ، لكن على قوم نوح خاصة ، لأن إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم كانا أبواهما كافرين مشركين ، وقد ولدا خير الإنس والجن من المؤمنين ، وأكمل الناس إيمانا ، ولكن الأزارقة كانوا أعرابا جهالا كالأنعام ، بل هم أضل سبيلا.

وهكذا صح عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم من طريق الأسود بن سريع التميمي أنه عليه‌السلام قال : «أو ليس خياركم أولاد المشركين». (١)

قال أبو محمد : وهل كان أفاضل الصحابة رضي الله عنهم الذين يتولاهم الأزارقة كابن أبي قحافة (٢) وعمر بن الخطاب وخديجة أم المؤمنين وغيرهم رضي الله عنهم إلا أولاد الكفار فهل ولد آباؤهم كفارا؟ وهل ولدوا إلا أهل الإيمان الصريح؟ ثم آباء الأزارقة أنفسهم كوالد نافع بن الأزرق وغيرهم من شيوخهم هل كانوا إلا أولاد المشركين؟ ولكن من يضلل الله فلا هادي له.

__________________

(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٤ / ٢٤) عن الأسود بن سريع ـ وكان رجلا من بني سعد ـ قال : غزوت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أربع غزوات ، قال : فتناول قوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «ألا ما بال أقوام قتلوا المقاتلة حتى تناولوا الذرية» قال : فقال رجل : يا رسول الله أو ليس أبناء المشركين؟ قال : فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنّ خياركم أبناء المشركين ، إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها».

(٢) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

٣٨١

وأما حديث خديجة رضي الله عنها فساقط مطّرح لم يروه قط من فيه خير ، وأما حديث الوائدة فإنه جاء كما نذكره.

حدثنا يوسف بن عبد البر ، أنا عبد الوارث بن سفيان أنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا بكر بن حماد حدثنا مسدد عن المعتمر بن سليمان التميمي قال :

سمعت داود بن أبي هند يحدث عن عامر الشعبي ، عن علقمة بن قيس عن سلمة بن يزيد الجعفي قال : أتيت أنا وأخي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلنا له : إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف ، وتصل الرحم ، فهل ينفعها من عملها ذلك شيء؟ قال : «لا» قلنا : فإن أمنا وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الموءودة والوائدة في النّار إلّا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم». (١)

قال أبو محمد : وهذه اللفظة يعني لم تبلغ الحنث ليست بلا شك من كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولكنها من كلام سلمة بن يزيد الجعفي وأخيه فلما أخبر عليه‌السلام بأن تلك الموءودة في النار كان ذلك إنكارا وإبطالا لقولهما إنها لم تبلغ الحنث وتصحيحا لأنها قد كانت بلغت الحنث بخلاف ظنهما ، لا يجوز إلا هذا القول ، لأن كلامه عليه‌السلام لا يتناقض ولا يتكاذب ولا يخالف كلام ربه عزوجل ، بل كلامه عليه‌السلام يصدق بعضه بعضا وموافق لما أخبر به ربه عزوجل ، ومعاذ الله من غير ذلك ، وقد صح إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : بأن «أطفال المشركين في الجنّة». (٢)

قال الله تعالى : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) [سورة التكوير آية رقم ٧ ، ٨].

فنص تعالى على أنه لا ذنب للموءودة فكان هذا مبينا لأن إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن تلك الموءودة في النار إخبار عن أنها قد كانت بلغت الحنث بخلاف ظن أخويها.

وقد روى هذا الحديث عن داود بن أبي هند ، محمد بن أبي عدي ، وليس هو دون المعتمر ، ولم يذكر فيه لم تبلغ الحنث ورواه أيضا عن داود بن أبي هند عبيدة بن حميد فلم يذكر هذه اللفظة التي ذكرها المعتمر.

فأما حديث عبيدة فحدثناه أحمد بن محمد بن الجسور قال : أنا وهب بن ميسرة ،

__________________

(١) رواه الإمام أحمد في المسند (٣ / ٤٧٨).

(٢) رواه بلفظ : «أطفال المشركين خدم أهل الجنة» الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٨ / ٥٦٧) والعجلوني في كشف الخفاء (١ / ١٥١) والبخاري في التاريخ الكبير (٦ / ٤٠٨).

٣٨٢

قال : حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبيدة بن حميد ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة بن قيس ، عن سلمة بن يزيد قال : أتيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنا وأخي ، فقلت : يا رسول الله إن أمنا كانت تقري الضيف ، وتصل الرحم في الجاهلية ، فهل ينفعها ذلك شيئا ..؟ قال : «لا». قال : فإنها وأدت أختا لنا في الجاهلية ، فهل ينفع ذلك أختنا شيئا؟ قال : «لا ، الوائدة والموءودة في النّار إلّا أن تدرك الإسلام فيعفو الله عنها» وأما حديث ابن أبي عديّ ، فحدثناه أحمد بن عمر بن أنس العذري ، حدثنا أبو بدر عبد بن أحمد الهروي الأنصاري ، حدثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد السجستاني ، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ، حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن سلمة بن يزيد الجعفي ، قال : انطلقت أنا وأخي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلنا : يا رسول الله إن مليكة كانت تصل الرحم ، وتقري الضيف ، وتفعل ، وتفعل ، هلكت في الجاهلية ، فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال : «لا ، الوائدة والموءودة في النّار ، إلّا أن تدرك الإسلام فيعفو الله عنها».

قال أبو محمد : هكذا رويناه لها بالهاء على أنها أخت الوائدة.

قال أبو محمد : وهذا حديث قد رويناه مختصرا ، كما حدثناه عبد الله بن ربيع التميمي ، حدثنا عمر بن عبد الملك الخولاني ، حدثنا محمد بن بكر الوراق البصري ، حدثنا أبو داود السجستاني ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثني أبي عن عامر الشعبي ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الوائدة والموءودة في النار» قال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال أبي فحدثني أبو إسحاق أن عامرا حدثه بذلك عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم. (١)

قال أبو محمد : وهذا مختصر وهو على ما ذكرنا من أنه عليه‌السلام إنما عنى بذلك التي بلغت لا يجوز غير هذا لما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق.

وأما احتجاجهم بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هم من آبائهم».

فإنما قاله عليه‌السلام في الحكم في الدين ، ولله تعالى أن يفرق بين أحكام عباده ويفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ، وأيضا فلا متعلق لهم بهذا اللفظ أصلا ، لأنه إنما فيه أنهم من آبائهم ، وهذا لا شك فيه أنهم توالدوا من آبائهم ، ولم يقل عليه‌السلام إنهم على دين آبائهم.

__________________

(١) رواه بهذا الإسناد أبو داود في السنّة باب ١٧.

٣٨٣

وأما قولهم : ينبغي أن تصلوا على أطفال المشركين ، وتورثوهم وترثوهم ، وأن لا تتركوهم يلتزمون دين آبائهم إذا بلغوا فإنها ردة. فليس لهم أن يعترضوا على الله تعالى ، فليس تركنا للصلاة عليهم يوجب أنهم ليسوا مؤمنين ، فهؤلاء الشهداء وهم أفاضل المؤمنين لا يصلى عليهم ، وأما انقطاع المواريث بيننا وبينهم فلا حجة في ذلك على أنهم ليسوا مؤمنين ، فإن العبد مؤمن فاضل لا يرث ولا يورث ، وقد يأخذ المسلم مال عبده الكافر إذا مات ، وكثير من الفقهاء يورثون الكافر مال العبد من عبيده يسلم ثم يموت قبل أن يباع عليه ، وكثير من الفقهاء يورثون المسلمين مال المرتد إذا مات كافرا مرتدا أو قتل على الردة ، وهذا معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان ومسروق بن الأجدع وغيرهم من الأئمة رضي الله عنهم يورثون المسلمين من أقاربهم الكفار إذا ماتوا ، ولله تعالى أن يفرق بين أحكام من شاء من عباده ، وإنما نقف حيث أوقفنا النص ولا مزيد ، وكذلك دفنهم في مقابر آبائهم أيضا ، وكذلك تركهم يخرجون إلى أديان آبائهم إذا بلغوا ، فإن الله تعالى أوجب علينا أن نتركهم وذلك ، ولا نعترض على أحكام الله عزوجل و (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) [سورة الأنبياء آية رقم ٢٣].

وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كل مولود يولد على الملّة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ويشرّكانه». (١)

قال أبو محمد : فبطل أن يكون لهم في شيء مما ذكرنا متعلق ، وإنما هو تشغيب موهوا به ، لأن كل ما ذكرنا فإنما هي أحكام مجردة فقط ، وليس في شيء من هذه الاستدلالات نص على أن أطفال المشركين كفار ولا على أنهم غير كفار ، وهتان النكتتان هما اللتان قصدنا بالكلام فقط ، وبالله تعالى التوفيق. وأما من قال فيهم بالوقف فإنهم احتجوا بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ سئل عن الأطفال يموتون فقال عليه‌السلام : «الله أعلم بما كانوا عاملين». (٢)

وبقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ مات صبي من أبناء الأنصار فقالت : عصفور من عصافير الجنّة. فقال لها عليه‌السلام : «وما يدريك يا عائشة ..؟ إنّ

__________________

(١) رواه من طرق : البخاري في الجنائز باب ٨٠ و ٩٣ ، وتفسير سورة ٣٠ باب ١ ، والقدر باب ٣. ومسلم في القدر حديث ٢٢ ـ ٢٥. وأبو داود في السنّة باب ١٧. والترمذي في القدر باب ٥. ومالك في الجنائز حديث ٥٢. وأحمد في المسند (٢ / ٢٣٣ ، ٢٥٣ ، ٢٧٥ ، ٢٨٢ ، ٣١٥ ، ٣٤٧ ، ٤١٠ ، ٤٨١ ، ٣ / ٤٣٥ ، ٤ / ٢٤).

(٢) رواه أبو داود في السنّة باب ١٧ ، وأحمد في المسند (٦ / ٨٤).

٣٨٤

الله خلق خلقا للنّار وهم في أصلاب آبائهم» (١).

قال أبو محمد : وهذان الخبران لا حجة لهم في شيء منهما إلا أنهما إنما قالهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل أن يوحي إليه أنهم في الجنة ، وقد قال تعالى آمرا لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [سورة الأحقاف آية رقم ٩]. قبل أن يخبره الله عزوجل بأنه قد غفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وكما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» (٢) وكان هذا قبل أن يخبره الله عزوجل بأنه لا يدخل النار من شهد بدرا أو هو عليه‌السلام لا يقول إلا ما جاء به الوحي ، كما أمر الله عزوجل أن يقول : (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) [سورة الأنعام آية رقم ٥٠].

فحكم كل شيء من الدين لم يأت به الوحي أن يتوقف فيه المرء ، فإذا جاء البيان فلا يحل التوقف عن القول بما جاء به النص ، وقد صح الإجماع على أن ما يعمله الأطفال قبل بلوغهم من قتل أو وطء أجنبية أو شرب خمر ، أو قذف ، أو تعطيل صلاة ، أو صوم ، فإنهم غير مؤاخذين في الآخرة بشيء من ذلك ما لم يبلغوا ، وكذلك لا خلاف في أنه لا يؤاخذ الله عزوجل أحدا بما لم يفعله ، بل قد صح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن «من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه» فمن المحال المنفي أن يكون الله عزوجل يؤاخذ الأطفال بما لم يعملوا ، مما لو عاشوا بعده لعملوه ، وهو لا يؤاخذهم بما يعملونه. ولا يختلف اثنان في أن إنسانا بالغا مات ولو عاش لزنا أنه لا يؤاخذ بالزنا الذي لا يعمله ، وقد أكذب الله عزوجل من ظن هذا بقوله الصادق (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [سورة غافر آية رقم ١٧]. وبقوله تعالى : (هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [سورة النمل آية رقم ٩٠].

فصح أنه لا يجزى أحد بما لم يعمل ولا مما لم يسن.

فصح أن قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أعلم بما كانوا عاملين» ليس فيه أنهم كفار ، ولا أنهم في النار ، ولا أنهم مؤاخذون بما لو عاشوا لكانوا عاملين به مما لم

__________________

(١) تمام الحديث كما رواه مسلم في القدر (حديث ٣١) عن عائشة أم المؤمنين قالت : دعي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى جنازة صبيّ من الأنصار ، فقلت : يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه ؛ قال : «أو غير ذلك يا عائشة ، إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم».

(٢) رواه البخاري في الجنائز باب ٣ ، والتعبير باب ١٣.

٣٨٥

يعملوه بعد ، وفي هذا اختلفنا لا فيما عداه ، وإنما فيه أن الله تعالى يعلم ما لم يكن وما لا يكون لو كان كيف كان يكون فقط ، ونعم هذا حق لا يشك فيه مسلم فبطل أن يكون لأهل التوقف حجة في شيء من هذين الخبرين إذ صح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في هذه المسألة بيان.

وأما من قال إنهم يعذبون بعذاب آبائهم فباطل ، لأن الله تعالى يقول : (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) [سورة الأنعام آية رقم ١٦٤].

وأما من قال إنه توقد لهم نار فباطل ، لأن الأثر الذي فيه هذه القصة إنما جاء في المجانين وفي من لم يبلغه ذكر الإسلام من البالغين على ما نذكر بعد هذا إن شاء الله تعالى.

قال أبو محمد : فلما بطلت هذه الأقاويل كلها وجب النظر فيما صح من النصوص من حكم هذه المسألة ، ففعلنا فوجدنا الله تعالى قد قال : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [سورة الروم آية رقم ٣٠].

وقال عزوجل : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) إلى قوله : (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) إلى قوله : (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ) [سورة البقرة آية رقم ١٣٦ ـ ١٣٨].

فنص عزوجل على أنه فطر الناس على الإيمان وأن الإيمان هو صبغة الله تعالى ، وقال عزوجل : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) [سورة الأعراف آية رقم ١٧٢].

فصح يقينا أن كل نفس خلقها الله تعالى من بني آدم ومن الجن والملائكة فمؤمنون كلهم عقلا مميزون ، فإذ ذلك كذلك فقد استحقوا كلهم الجنة بإيمانهم ، حاشا من بدل هذا العهد ، وهذه الفطرة ، وهذه الصبغة ، وخرج عنها إلى غيرها ومات على التبديل ، وبيقين ندري أن الأطفال لم يغيروا شيئا من ذلك فهم من أهل الجنة ، وصح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «كلّ مولود يولد على الفطرة» وروي عنه عليه‌السلام أنه قال : «على الملّة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه ويشرّكانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل يجدون فيها من جدعاء؟ حتّى تكونوا أنتم الّذين تجدعونها» (١).

__________________

(١) تقدم تخريجه.

٣٨٦

وهذا تفسير الآيات المذكورات.

حدثنا عبد الله بن ربيع ، حدثنا محمد بن إسحاق بن السكن ، حدثنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا الحجاج بن المنهال ، قال : سمعت حماد بن سلمة يفسر حديث كل مولود يولد على الفطرة ، فقال : هذا عندنا حيث أخذ الله العهد عليهم في أصلاب آبائهم ، حيث قال : ألست بربكم؟ قالوا : بلى.

وقد صح أيضا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من طريق عياض بن حمار المجاشعي قال عن الله تعالى أنه قال : «خلقت عبادي حنفاء كلهم فاجتالتهم (١) الشياطين عن دينهم» (٢).

فصح يقينا أنه كل من مات قبل أن تجتاله الشياطين عن دينه فقد مات حنيفا ، وهذا حديث تدخل فيه الملائكة والجن والإنس بقوله خلقت عبادي حنفاء كلهم لأن الملائكة والجن والإنس عباد له عزوجل مخلوقون.

وأيضا فإن الله عزوجل أخبر بقول إبليس له تعالى أنه يغوي الناس فقال تعالى : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ) [سورة الحجر آية رقم ٤٢].

فصح يقينا أن الغواية داخلة على الإيمان ، وأن الأصل من كل واحد فهو الإيمان وكل مؤمن ففي الجنة ، وأيضا فإن الله تعالى قال : (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [سورة الليل آية رقم ١٤ و ١٥ و ١٦] وليست هذه صفة الصبيان. فصح أنهم لا يدخلون النار ، ولا دار إلا الجنة أو النار ، فإذا لم يدخلوا النار فهم بلا شك في الجنة.

وقد صح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في الرؤيا الكبيرة التي رآها أنه رأى إبراهيم عليه‌السلام في روضة خضراء مفتحة فيها من كل نور نعيم ، وحواليه من أحسن صبيان وأكثرهم ، فسأل عليه‌السلام عنهم فأخبر أنهم من مات من أولاد الناس قبل أن يبلغوا ،

__________________

(١) اجتالتهم : أي ذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه وجالوا معهم في الباطل.

(٢) جزء من حديث طويل رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (حديث رقم ٦٣) أوله : «أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ذات يوم في خطبته : ألا إنّ ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا ، كلّ مال نحلته عبدا حلال ، وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ...».

٣٨٧

فقيل له يا رسول الله وأولاد المشركين ..؟ قال : «وأولاد المشركين» (١). فارتفع الإشكال وصح بالثابت من السنن وصحيحها أن جميع من لم يبلغ من أطفال المسلمين والمشركين ففي الجنة ، ولا يحل لأحد تعدي ما صح بالقرآن والسنة. وبالله تعالى التوفيق.

فإن قال قائل : إذا قلتم : إن النار دار جزاء فالجنة كذلك ، ولا جزاء للصبيان. قلنا وبالله تعالى التوفيق : إنما نقف عند ما جاءت به النصوص في الشريعة ، وقد جاء النص بأن النار دار جزاء فقط ، وأن الجنة دار جزاء وتفضل فهي لأصحاب الأعمال دار جزاء بقدر أعمالهم ، ولمن لا عمل له دار تفضل من الله تعالى مجرد ، وقد قال قوم : إن الصبيان هم خدم أهل الجنة ، وقد ذكر الله تعالى الولدان المخلدين في غير موضع من كتابه (٢) ، وأنهم خدم أهل الجنة فلعلهم هؤلاء والله أعلم.

قال أبو محمد : وأما المجانين الذين لا يعقلون حتى يموتوا فإنهم كما ذكرنا يولدون على الملة حنفاء ، مؤمنين ، ولم يغيروا ، ولا بدلوا ، فماتوا مؤمنين فهم في الجنة.

حدثنا أحمد بن محمد الطلمنكي بالثغر قال حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى بن المفرح القاضي ، حدثنا محمد بن أيوب السموط البرقي ، أنبأنا محمد بن عمر بن عبد الخالق البزاز ، حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى الزمن ، حدثنا معاذ بن هشام الدستوائي ، حدثنا أبي عن قتادة عن الأسود بن سريع التميمي ، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يعرض على الله تعالى الأصم الذي لا يسمع شيئا ، والأحمق ، والهرم ، ورجل مات في الفترة ، فيقول الأصم : رب جاء الإسلام ، وما أسمع شيئا ، ويقول الأحمق : جاء الإسلام ، وما أعقل شيئا ، ويقول الذي مات في الفترة : ما أتانا لك من رسول» قال البزاز : وذهب عني ما قال الرابع قال : «فيأخذ مواثيقهم ليطيعوه فيرسل الله إليهم ادخلوا النار ، فو الذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما». (٣)

__________________

(١) جزء من حديث طويل رواه البخاري في الجنائز باب ٩٣ (حديث ١٣٨٦) عن سمرة بن جندب ، أوله : «كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال : من رأى منكم الليلة رؤيا؟ ...». وليس فيه هذه العبارة الأخيرة التي أوردها ابن حزم : «وأولاد المشركين؟ قال : وأولاد المشركين» فهذه العبارة ليست من الصحيح.

(٢) ذكرهم تعالى في موضعين من كتابه : في الآية ١٧ من سورة الواقعة ، والآية ١٩ من سورة الإنسان.

(٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٤ / ٢٤ ، ٥٠).

٣٨٨

الكلام في القيامة وبعث الأجساد

قال أبو محمد : اتفق جميع أهل القبلة على تنابذ فرقهم على القول بالبعث في القيامة وعلى تكفير من أنكر ذلك ، ومعنى هذا القول أن لمكث الناس وتناسلهم في دار الابتلاء التي هي الدنيا أمدا يعلمه الله تعالى ، فإذا انتهى ذلك الأمد مات كل من في الأرض ثم يحيي الله عزوجل كل من مات مذ خلق الله عزوجل الحيوان إلى انقضاء الأمد المذكور ، ورد أرواحهم التي كانت بأعيانها إلى أجسادها وجمعهم في موقف واحد وحاسبهم عن جميع أعمالهم ووفاهم جزاءهم ففريق من الجن والإنس في الجنة ، وفريق في السعير ، وبهذا جاء القرآن والسنن ، قال تعالى : (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [سورة يس آية رقم ٧٨].

وقال تعالى : (وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) [سورة الحج آية رقم ٧].

وقال تعالى عن إبراهيم عليه‌السلام أنه قال : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) إلى آخر الآية [سورة البقرة آية رقم ٢٦٠].

وقال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ) [سورة البقرة آية رقم ٢٤٣].

وقال تعالى : (فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ) إلى قوله : (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً ...) الآية [سورة البقرة آية رقم ٢٥٩].

وقال تعالى عن المسيح عليه‌السلام : (وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ) [سورة آل عمران آية رقم ٤٩] ولا يمكن البتة أن يكون الإحياء المذكور في جميع هذه الآيات إلا رد الروح إلى الجسد ، ورجوع الحس والحركة الإرادية التي بعد عدمها منه لم يكن غير هذا البتة ، إلا أن أبا العاص الحكم بن منذر بن سعيد القاضي أخبرني عن إسماعيل بن عبد الله الرعيني ، أنه كان ينكر بعث الأجساد ويقول إن النفس حال فراقها الجسد تصير إلى معادها في الجنة أو النار ، ووقفت على هذا القول بعض العارفين بإسماعيل فذكر لي ثقتان منهم أنهما سمعاه يقول إن الله تعالى يأخذ من الأجساد جزء الحياة منها.

قال أبو محمد : وهذا تلبيس من القول لم يخرج به عما حكى لي عنه حكم بن المنذر لأنه ليس في الأجساد جزء الحياة إلا النفس وحدها.

٣٨٩

قال أبو محمد : ولم ألق إسماعيل الرعيني قط على أني قد أدركته وكان ساكنا معي في مدينة من مدائن الأندلس تسمى بجاية مدة ولكنه كان مختفيا وكان له اجتهاد عظيم ونسك وعبادة وصلاة وصيام والله أعلم.

وحكم بن المنذر ثقة في قوله بعيد نقله عن الكذب وتبرأ منه حكم بن المنذر وكانا قبل ذلك يجمعهما مذهب ابن مسرة في القدر وتبرأ منه أيضا إبراهيم بن سهل الأريواني ، وكان من رءوس المرية وتبرأ منه أيضا صهره أحمد الطبيب ، وجماعة من المرية ؛ وتولته جماعة منهم وبلغني عنه أنه كان يحتج لقوله هذا بقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ وقف على ميت فقال : «أما هذا فقد قامت قيامته».

وبأنه عليه‌السلام كانت الأعراب تسأله عن الساعة فينظر إلى أصغرهم فيخبرهم أنه إن استوفى عمره لم يمت حتى تقوم قيامتهم أو ساعتهم.

قال أبو محمد : وإنما عنى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذا قيام الموت فقط بعد ذلك إلى يوم البعث كما قال عزوجل : (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ) [سورة المؤمنون آية رقم ١٦ ، ١٧].

فنص تعالى على أن البعث يوم القيامة بعد الموت بلفظة ثم التي هي للمهلة ، وهكذا أخبر عزوجل عن قولهم يوم القيامة :

(يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا) [سورة يس آية رقم ٥٢].

وأنه يوم مقداره خمسون ألف سنة ، وأنه يحيي العظام ويبعث من في القبور في مواضع كثيرة من القرآن ، وبرهان ضروري وهو أن الجنة والنار موضعان ومكانان وكل موضع فذو مساحة متناهية محدودة بالبرهان الذي قدمنا على وجوب تناهي الأجسام ، وتناهي كل من له عدد ، وبقول الله تعالى : (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ) [سورة آل عمران آية رقم ١٣٣].

فلو لم يكن لتولد الخلق نهاية لكانوا أبدا يحدثون بلا آخر ، وقد علمنا أن مصيرهم إلى الجنة والنار ، ومحال ممتنع غير ممكن أن يسع ما لا نهاية له فيما له نهاية من الأماكن فوجب ضرورة أن للخلق نهاية ، فإذ ذلك واجب فقد وجب تناهي عالم الذر والتناسل ضرورة ، وإنما كلامنا هذا مع من يؤمن بالقرآن ، وبنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وادعى الإسلام ، وأما من أنكر الإسلام فكلامنا معه على ما رتّبناه في ديواننا هذا من النقض على أهل الإلحاد حتى تثبت نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصحّة ما جاء به فنرجع إليه عند التنازع وبالله تعالى التوفيق.

٣٩٠

وقد نص الله تعالى على أن العظام يعيدها ويحييها كما كانت أول مرة ، وأما اللحم فإنما هو كسوة كما قال :

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ) إلى قوله : (فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) [سورة المؤمنون آية رقم ١٣ ـ ١٤].

فأخبر عزوجل أن عنصر الإنسان إنما هو العظام التي انتقلت عن سلالة الطين إلى النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام وأن اللحم كسوة العظام ، وهذا أمر نشاهده لأن اللحم يذهب بالمرض حتى لا يبقى منه ما لا قدر له ، ثم يكثر عليه لحم آخر إذا خصب الجسم. وكذلك أخبرنا عزوجل أنه يبدل الجلود في الآخرة فقال : (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ) [سورة النساء آية رقم ٥٦].

وفي الآثار الثابتة «أنّ جلد الكفّار يغلظ حتى تكون نيّفا وسبعين ذراعا وأنّ ضرسه في النّار كأحد» (١) وكذلك نجد اللحم الذي في جسد الإنسان يتغذى به حيوان آخر فيستحيل لحما لذلك الحيوان ، أو ينقلب دودا ، فصح بنص القرآن أن العظام هي التي تحيى يوم القيامة ، ومن أنكر ما جاء به القرآن فلا حظّ له في الإسلام.

ونعوذ بالله من الخذلان.

__________________

(١) رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها حديث رقم ٤٤ ، وأحمد في المسند (٢ / ٢٢٨ ، ٥٢٧).

٣٩١

الكلام في خلق الجنة والنار

قال أبو محمد : ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقا بعد. وذهب جمهور المسلمين إلى أنهما قد خلقتا ، وما نعلم لمن قال إنهما لم يخلقا بعد حجة أصلا أكثر من أن بعضهم قال : قد صح عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال وذكر أشياء من أعمال البر «من عملها غرست له في الجنة كذا وكذا شجرة» وبقول الله تعالى حاكيا عن امرأة فرعون أنها قالت : (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) [سورة التحريم آية رقم ١١].

قالوا : ولو كانت مخلوقة لم يكن في الدعاء لاستئناف البناء والغرس معنى.

قال أبو محمد : وإنما قلنا إنهما مخلوقتان على الجملة كما أن الأرض مخلوقة ثم يحدث الله تعالى فيها ما يشاء من نبات.

قال أبو محمد : والبرهان على أنهما مخلوقتان بعد إخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه رأى الجنة ليلة الإسراء ، وأخبر عليه‌السلام أنه رأى سدرة المنتهى في السماء السادسة ، وقال تعالى (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) [سورة النجم آية رقم ١٤ و ١٥].

فصح أن جنة المأوى هي السماء السادسة ، وقد أخبر الله عزوجل أنها الجنة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة ، فقال تعالى : (فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة السجدة آية رقم ١٩] فليس لأحد بعد هذا أن يقول إنها جنة غير جنة الخلد.

وأخبر عليه‌السلام أنه رأى الأنبياء عليهم‌السلام في السموات سماء سماء ، ولا شك في أن أرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الجنة.

فصح أن الجنات هي السموات.

وكذلك أخبر عليه‌السلام أن الفردوس الأعلى من الجنة التي أمرنا الله تعالى أن نسأله إياها فوقها عرش الرحمن ، (١) والعرش مخلوق بعد الجنة فالجنة مخلوقة ، وكذلك

__________________

(١) رواه البخاري في الرقاق باب ٥١ ، والجهاد باب ١٤ ، والمغازي باب ٩ ، وأحمد في المسند (٣ / ١٢٤ ، ٢١٠).

٣٩٢

أخبر عليه‌السلام أن النار اشتكت إلى ربّها فأذن لها بنفسين وأنّ ذلك أشدّ ما نجده من الحرّ والبرد (١).

وكان القاضي منذر بن سعيد يذهب إلى أن الجنة والنار مخلوقتان إلا أنه كان يقول : إنها ليست التي كان فيها آدم عليه‌السلام وامرأته واحتج في ذلك بأشياء منها أنها لو كانت جنة الخلد لما أكل من الشجرة رجاء أن يكون من الخالدين ، واحتج أيضا بأن جنة الخلد لا كذب فيها ، وقد كذب فيها إبليس ، وقال من دخل الجنة لم يخرج منها ، وآدم وامرأته عليهما‌السلام قد خرجا منها.

قال أبو محمد : كل هذا لا دليل له فيه. أما قوله : إن آدم عليه‌السلام أكل من الشجرة رجاء أن يكون من الخالدين فقد علمنا أن أكله من الشجرة لم يكن ظنه فيه صوابا ، ولا أكله لها صوابا ، وإنما كان ظنا ولا حجة فيما كان هذه صفته ، والله عزوجل لم يخبره بأنه مخلد في الجنة ، بل قد كان في علم الله تعالى أنه سيخرجه منها ، فأكل عليه‌السلام من الشجرة رجاء الخلد الذي لم يضمن له ، ولا تيقن به لنفسه.

وأما قوله : إن الجنة لا كذب فها وأن من دخلها لم يخرج منها وقد كذب فيها إبليس ، وقد خرج منها آدم وامرأته ، فهذا لا حجة له فيه وإنما تكون كذلك إذا كانت جزاء لأهلها كما أخبر عزوجل عنها حيث يقول : (لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً) [سورة الغاشية آية رقم ٢١].

فإنما هذا على المستأنف لا على ما سلف ، ولا نص معه على ما ادعى ولا إجماع واحتج أيضا بقول الله عزوجل لآدم عليه‌السلام (أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى) [سورة طه آية رقم ١١٨].

قال : وقد عري فيها آدم عليه‌السلام.

قال أبو محمد : وهذا لا حجة له فيه ، بل هو حجة عليه لأن الله عزوجل وصف الجنة التي أسكن فيها آدم عليه‌السلام بأنها لا يجاع فيها ولا يعرى ، ولا يظمأ فيها ولا يضحى ، وهذه صفة الجنة بلا شك ، وليس في شيء مما دون السماء مكان هذه صفته بلا شك ، بل كلّ موضع دون السماء فإنه لا بد وأن يجاع فيه ويعرى ،

__________________

(١) رواه البخاري في المواقيت باب ٩ ، وبدء الخلق باب ١٠. ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث ١٨٥ ـ ١٨٧. والترمذي في صفة جهنم باب ٩. وابن ماجة في الزهد باب ٣٨. والدارمي في الرقاق باب ١١٩.

٣٩٣

ويظمأ ويضحى ، ولا بد من ذلك ضرورة ، فصح أنه إنما سكن المكان الذي هذه صفته ، وليس هو غير الجنة البتة ، وإنما عري آدم حين أكل من الشجرة ، فأهبط عقوبة له.

وقال أيضا : قال الله عزوجل : (لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) [سورة الإنسان آية رقم ١٣] وأخبر آدم أنه لا يضحى.

قال أبو محمد : وهذا أعظم حجة عليه لأنه لو كان في المكان الذي هو فيه شمس لأضحى فيه ولا بد ، فصح أن الجنة التي أسكن فيها آدم كانت لا شمس فيها ، فهي جنة الخلد بلا شك ، وأيضا فإن قوله عزوجل : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [سورة البقرة : ٣٥ ، والأعراف ١٩] إشارة بالألف واللام ، ولا يكون ذلك إلى على معهود ولا تطلق الجنة هكذا إلا على جنة الخلد ، ولا يطلق هذا الاسم على غيرها إلا بالإضافة. وأيضا فلو أسكن آدم عليه‌السلام جنة في الأرض لما كان في إخراجه منها إلى غيرها من الأرض عقوبة ، بل قد بين تعالى أنها ليست في الأرض بقوله تعالى : (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) [سورة البقرة آية رقم ٣٨] فصح يقينا بالنص أنه قد أهبط من الجنة إلى الأرض ، فصح أنها لم تكن في الأرض البتة ، وبالله تعالى التوفيق.

٣٩٤

الكلام في بقاء الجنة والنار أبدا

قال أبو محمد : اتفقت فرق الأمة كلها على أنه لا فناء للجنة ، ولا لنعيمها ، ولا للنار ، ولا لعذابها ، إلا جهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف وقوما من الروافض ، فأما جهم فقال : إن الجنة والنار يفنيان ويفني أهلهما ، وقال أبو الهذيل : إن الجنة والنار لا يفنيان ولا يفنى أهلهما ، إلا أن حركاتهم تفنى ، ويبقون بمنزلة الجماد لا يتحركون وهم في ذلك أحياء متلذذون أو معذبون.

وقالت تلك الطائفة من الروافض : إن أهل الجنة يخرجون من الجنة ، وكذلك أهل النار من النار إلى حيث شاء الله.

قال أبو محمد : أما هذه المقالة ففي غاية الغثاثة ، والتعري من شيء يشغب به ، فكيف من إقناع أو برهان ، وما كان هكذا فهو ساقط.

وأما قول أبي الهذيل فإنه لا حجة له إلا أنه قال : كلّ ما أحصاه العدد فهو ذو نهاية لا بد ، فالحركات ذات عدد فهي متناهية.

قال أبو محمد : فظن أبو الهذيل لجهله بحدود الكلام وطبائع الموجودات أن ما لم يخرج إلى الفعل فإنه يقع عليه العدد ، وهذا خطأ فاحش ما لم يخرج إلى الفعل فليس شيئا ، ولا يجوز أن يقع العدد إلا على شيء ، وإنما يقع العدد على ما خرج إلى الفعل من حركات أهل النار والجنة متى ما خرج فهو محدود متناه وهكذا أبدا.

وقد أحكمنا هذا المعنى في أول هذا الكتاب في باب إيجاب حدوث العالم ، وتناهي الموجودت ، فأغنى عن إعادته وبالله تعالى التوفيق.

فبطل ما موه به أبو الهذيل ولله الحمد.

ثم نقول إن قوله هذا خلاف للاجماع المتيقن.

وأيضا فإنّ الذي فر منه في الحركات فإنه لازم له في مدد سكونهم وتنعمهم وتألمهم ، لأنه مقر بأنهم يبقون ساكنين متنعمين أو متألمين بالعذاب ، وبالضرورة ندري أن للسكون والنعيم والعذاب مددا يعد كل ذلك كما تعد الحركة ومددها ولا فرق.

٣٩٥

وأيضا فلو كان ما قاله أبو الهذيل صحيحا لصار أهل الجنة في عذاب واصب وفي صفة المخدور والمفلوج ومن أخذه الكابوس ومن سقي البنج وهذا غاية النكد والشقاء ، ونعوذ بالله من هذه الحال.

وأما جهم بن صفوان فإنه احتج بقول الله تعالى : (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) [سورة الجن آية رقم ٢٨] وبقوله تعالى (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [سورة القصص آية رقم ٨٨].

وقال : كما لا يجوز أن يوجد شيء لم يزل غير الله تعالى ، فكذلك لا يجوز أن يوجد شيء لا يزال غير الله تعالى.

قال أبو محمد : ما نعلم له حجة غير هذا أصلا ، وكل هذا لا حجة له فيه.

أما قوله تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) فإنما عنى تعالى الاستحالة من شيء إلى شيء ومن حال إلى حال وهذا عام لجميع المخلوقات دون الله تعالى ، وكذلك مدد النعيم في الجنة ، والعذاب في النار ، كلما فنيت مدة أحدث الله عزوجل أخرى ، وهكذا أبدا بلا نهاية ولا آخر ، يدل على هذا ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى من الدلائل على خلود الجنة والنار وأهلهما.

وأما قوله تعالى (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) [سورة الجن آية رقم ٢٨] فإن اسم الشيء لا يقع إلا على موجود ، والإحصاء لا يقع على ما ذكرنا ، إلا على ما خرج إلى الفعل ، ووجد بعد ، وإذا لم يخرج من الفعل فهو لا شيء بعد ، ولا يجوز أن يعد لا شيء.

وكل ما خرج إلى الفعل من مدة بقاء الجنة والنار وأهلهما فمحصي بلا شك ، ثم يحدث الله تعالى لهم مددا أخر وهكذا أبدا بلا نهاية ولا آخر.

وقالوا : هل أحاط الله تعالى علما بجميع مدة الجنة والنار أم لا؟

فإن قلتم : لا. جهلتم الله ، وإن قلتم : نعم. جعلتم مدتها محاطا بها وهذا هو التناهي نفسه.

قال أبو محمد : إن الله تعالى إنما يعلم بالأشياء على ما هي عليه لا على خلاف ما هي عليه لأن من علم الشيء على خلاف ما هو عليه فهو جاهل به مخطئ في اعتقاده ظان للباطل ، وليس علما ولا حقّا ولا هو عالم به ، وهذا ما لا شك فيه. وعلم الله عزوجل هو الحق اليقين على ما هي معلوماته عليه فكل ما كان ذا نهاية فهو في علم الله تعالى ذو نهاية ، وما كان غير ذي نهاية فهو في علم الله تعالى غير

٣٩٦

ذي نهاية ، ولا سبيل إلى غير هذا البتة ، وليس للجنة والنار مدد غير متناهية محاط بها وإنما لهما مدد كل ما خرج منها إلى الفعل فهو محصي محاط بعدده ، وما لم يخرج إلى الفعل فليس بمحصي لكن علم الله تعالى أحاط بأنه لا نهاية لهما ، وأما قوله كما لا يجوز أن يوجد شيء غير الله تعالى لا نهاية له ولم يزل فلذلك لا يجوز أن يوجد شيء غير الله تعالى لا نهاية له ولا يزال فإن هذه قضية فاسدة وقياس فاسد لا يصح والفرق بينهما أن أشياء ذوات عدد لا أول لها ولم تزل لا يمكن أن تتوهّم البتة ولا تشكّل بل هي محال في الوجود كما ذكرنا في الرد على من قال بأن العالم لم يزل ، فأغنى عن إعادته. وليس كذلك قولنا لا يزال لأن إحداث الله تعالى شيئا بعد شيء أبدا بلا غاية متوهم ممكن لا حوالة (١) فيه ، فقياس الممكن المتوهم على الممتنع المستحيل الذي لا يتوهم باطل عند القائلين بالقياس ، فكيف عند من لا يقوله به ..؟

فإن قال قائل : إن كل ما له أو فله آخر.

قلنا له : هذه قضية فاسدة ودعوى مجردة وما وجب هذا قط ، لا بقضية عقل ولا بخبر ، لأن كون أوائل الموجودات معلوم بالضرورة لأن ما وجد بعد فقد حصره عدد زمان وجوده ، وكل ما حصره عدد فلذلك العدد أول ضرورة ، وهو قولنا واحد ثم يتمادى العدد أبدا فيمكن الزيادة بلا نهاية وتمادي الموجود بخلاف المبدأ لأنه إذا بقي وقتا جاز أن يبقى وقتين ، وهكذا أبدا بلا نهاية وكل ما خرج من مدد البقاء إلى حد الفعل فذو نهاية بلا شك ، وكذلك من العدد أيضا.

ولم نقل إن بقاء الناس في هذه الدنيا له نهاية إلا من طريق النص ، ولو أخبر الله تعالى بذلك لأمكن وجاز أن تبقى الدنيا أبدا بلا نهاية ولكان الله تعالى قادرا على ذلك ولكن النص لا يحل خلافه. وكذلك لو لا إخبار الله تعالى بأن الآخرة لا فناء لها لأمكن فناؤها ولكن أخبار الله تعالى لا يحل اعتراضها.

وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : والبرهان على بقاء الجنة والنار بلا نهاية قول الله تعالى : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [سورة هود : ١٠٨].

وقوله تعالى في غير موضع من القرآن (خالِدِينَ فِيها أَبَداً).

__________________

(١) الحوالة : الاستحالة.

٣٩٧

وقوله تعالى : (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى) [سورة الدخان : ٥٦]. مع صحة الإجماع بذلك ، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : وروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص : «لو أقام أهل النار في النار ما شاء الله أن يبقوا لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيها منها».

قال أبو محمد : وهذا إنما هو في أهل الإسلام الداخلين في النار بكبائرهم ثم يخرجون منها بالشفاعة ويبقى ذلك المكان خاليا ولا يحل لأحد أن يظن بالصالحين الفاضلين خلاف القرآن حاشا لهم من ذلك وبالله تعالى التوفيق.

تم كتاب الإيمان والوعيد وتوابعه بحمد الله وشكره على حسن تأييده وعونه ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

تم الجزء الثاني ، ويليه إن شاء الله تعالى

الجزء الثالث والأخير ، وأوله :

الكلام في الإمامة والمفاضلة

٣٩٨

الفهرس

الكلام في الوجه ، واليد والعين ، والقدم ، والتنزل ، والعزة ، والرحمة ، والامر ، والنفس ، والذات ، والقوة ، والقدرة ، والأصابع............................................................................. ٣

الكلام في الماهية............................................................. ١٣

الكلام في السخط ، والرضا ، والعدل ، والصدق ، والملك ، والخلق ، والجود ، والارادة ، والسخاء ، والكرم ، وما يخبر عنه تعالى بالقدرة عليه ، وكيف يصح السؤال في ذلك كله.................................. ١٥

الكلام في الرؤية............................................................. ٣٤

الكلام في القرآن وهو القول في كلام الله تعالى................................... ٣٦

الكلام في اعجاز القرآن...................................................... ٤٨

الكلام في القدر............................................................. ٥٤

باب ما الاستطاعة............................................................. ٥٩

الكلام في أن تمام الاستطاعة لا يكون إلا مع الفعل لا قبله........................ ٦٨

الكلام في الهدى والتوفيق..................................................... ٧٦

الكلام في الاضلال.......................................................... ٨٠

الكلام في القضاء والقدر...................................................... ٨٤

الكلام في البدل............................................................. ٨٥

الكلام في خلق الله تعالى لافعال خلقه.......................................... ٨٦

الكلام في التعديل والتجوير.................................................. ١٢٧

الكلام في هل شاء الله عزّ وجلّ كون الكفر والفسق وأراده تعالى من الكافر والفاسق أم لم يشأ ذلك ولا أراد كونه   ١٦٨

الكلام في اللطف والأصلح.................................................. ١٨٧

هل لله تعالى نعمة على الكفار أم لا؟......................................... ٢٠٧

كتاب الايمان والكفر والطاعات والمعاصي والوعد والوعيد..................... ٢٠٩

اعتراضات للمرجئة والطبقات الثلاث المذكورة.................................. ٢٣٤

الكلام في تسمية المؤمن بالمسلم ، والمسلم بالمؤمن ، وهل الايمان والاسلام اسمان لمسمى واحد ومعنى واحد أو لمسمين ومعنيين؟......................................................................... ٢٤٦

فصل..................................................................... ٢٤٨

اختلاف الناس في تسمية المذنب............................................. ٢٥٠

الكلام فيمن يكفر ولا يكفر................................................. ٢٦٧

٣٩٩

الكلام في تعبد الملائكة ، وتعبد الحور العين والخلق المستأنف وهل يعصي ملك أم لا؟ ٢٧٨

هل تعصي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام...................................... ٢٨٤

الكلام في آدم عليه السلام.................................................. ٢٨٦

الكلام في نوح عليه السلام.................................................. ٢٨٩

الكلام في ابراهيم عليه السلام............................................... ٢٨٩

الكلام في لوط عليه السلام................................................. ٢٩٣

الكلام في إخوة يوسف عليه السلام.......................................... ٢٩٤

الكلام في يوسف عليه السلام............................................... ٢٩٦

الكلام في موسى عليه السلام وأمه........................................... ٣٠٠

الكلام في يونس عليه السلام................................................ ٣٠٢

الكلام في داود عليه السلام................................................. ٣٠٤

الكلام في سليمان عليه السلام............................................... ٣٠٦

الكلام في محمد صلى الله عليه وآله........................................... ٣٠٨

الكلام في الملائكة عليهم السلام............................................. ٣٢٣

هل يكون مؤمناً من اعتقد الاسلام دون استدلال أم لا يكون مؤمناً مسلماً إلّا من استدل؟       ٣٢٧

الكلام في الوعد والوعيد.................................................... ٣٣٩

الموافاة.................................................................... ٣٥٩

الكلام في من لم تبلغه الدعوة ومن تاب عن ذنبه أو كف ثم رجع فيما تاب عنه..... ٣٦٢

الكلام في الشفاعة والميزان والحوض والصراط وعذاب القبر والفتنة................. ٣٦٦

عذاب القبر............................................................... ٣٧٢

مستقر الارواح............................................................. ٣٧٥

الكلام على من مات من اطفال المسلمين والمشركين قبل البلوغ................... ٣٨٠

الكلام في القيامة وبعث الاجساد............................................ ٣٨٩

الكلام في خلق الجنة والنار.................................................. ٣٩٢

الكلام في بقاء الجنة والنار أبداً............................................... ٣٩٥

٤٠٠