الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

فهذا نص جلي وخطاب للمؤمنين بأن إيمانهم يبطل جملة وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم دون جحد كان منهم أصلا ولو كان منهم جحد لشعروا به ، والله تعالى أخبرنا بأن ذلك يكون وهم لا يشعرون فصح أن من أعمال الجسد ما يكون كفرا مبطلا لإيمان فاعله جملة ، ومنه ما لا يكون كفرا لكن على ما حكم الله تعالى به في كل ذلك ولا مزيد.

قال أبو محمد رضي الله عنه : فإن قال قائل من أين قلتم إن التصديق لا يتفاضل ونحن نجد خضرة أشد من خضرة ، وشجاعة أشد من شجاعة ، لا سيما والشجاعة والتصديق كيفيتان من صفات النفس معا؟ فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن كل ما قيل من الكيفيات الأشد والأضعف فإنما يقبلهما بمزاج يداخله من كيفية أخرى ، ولا يكون ذلك إلا فيما بينه وبين ضده منها وسائط قد تمازج كل واحد من الضدين أو فيما جاز امتزاج الضدين فيه ، كما نجد بين الخضرة والبياض وسائط من حمرة وصفرة تمازجهما فتولد حينئذ بالممازجة الشدة والضعف وكالصحة التي هي اعتدال مزاج العضو ، فإذا مازج ذلك الاعتدال فضل ما كان مرضه بحسب ما مازجه في الشدة والضعف ، والشجاعة إنما هي استسهال النفس للثبات والإقدام عند المعارضة في اللقاء ، فإذا ثبت الاثنان فإثباتا واحدا ، وإقدامهما إقداما مستويا فهما في الشجاعة سواء ، وإذا ثبت أحدهما أو أقدم فوق ثبات الآخر وإقدامه كان أشجع منه ، وكان الآخر قد مازج ثباته أو إقدامه جبن ، وأما ما كان من الكيفيات لا يقبل المزاج أصلا فلا سبيل إلى وجود التفاضل فيه ، وكل ذلك على حسب ما خلقه الله عزوجل من كل ذلك ولا مزيد ، كاللّون فإنه لا سبيل إلى أن يكون لون أشد دخولا في أنه من لون آخر إذ لو مازج الصدق غيره لصار كذبا في الوقت ، ولو مازج التصديق شيء غيره لصار شكّا في الوقت ، وبطل التصديق جملة ، وبالله تعالى التوفيق. والإيمان قد قلنا إنه ليس هو التصديق وحده بل أشياء مع التصديق كثيرة فإنما دخل التفاضل في كثرة تلك الأشياء وقلتها ، وفي كيفية إيرادها وبالله تعالى التوفيق ، وهكذا قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنه يخرج من النار من في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ، ثم من في قلبه مثقال برة من إيمان ، ثم من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، إلى أدنى أدنى من ذلك» (١). إنما أراد عليه

__________________

(١) رواه البخاري في التوحيد باب ١٩ و ٣٦ ، والإيمان باب ٣٣. ومسلم في الإيمان (حديث ٣١٦ ، ٣٢٥ ، ٣٢٦) والترمذي في صفة جهنم باب ٩. وابن ماجة في الزهد باب ٣٧. وأحمد في المسند (١ / ٢٩٦ ، ٣ / ١١٦ ، ٢٤٨ ، ٢٧٦ ، ٣٤٥ ، ٣٨٤).

٢٤١

السلام من قصد إلى عمل شيء من الخير أو همّ به ولم يعمله بعد أن يكون مصدقا بقلبه بالإسلام مقرا بلسانه كما في الحديث المذكور «من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال كذا».

قال أبو محمد رضي الله عنه : ومن النصوص على أن الأعمال إيمان قول الله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [سورة النساء آية رقم ٦٥].

فنص تعالى نصا جليا لا يحتمل تأويلا وأقسم تعالى بنفسه أنه لا يؤمن أحد إلا من حكّم رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما شجر بينه وبين غيره ، ثم يسلم لما حكم به عليه‌السلام ولا يجد في نفسه حرجا مما قضى ، وهذه كلها أعمال باللسان وبالجوارح غير التصديق بلا شك وتسليم أيضا بالقلب غير التصديق وفي هذا كفاية لمن عقل.

قال أبو محمد رضي الله عنه : ومن العجب قولهم إن الصلاة والصيام والزكاة ليست إيمانا لكنها شرائع الإيمان.

قال أبو محمد رضي الله عنه : هذه تسمية لم يأذن الله تعالى بها ولا رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم بل الإسلام هو الإيمان وهو الشرائع ، والشرائع هي الإيمان والإسلام ، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد رضي الله عنه : واختلف الناس في الكفر والشرك فقالت طائفة : هما اسمان واقعان على معنيين وأن كل شرك كفر ، وليس كل كفر شركا ؛ وقال هؤلاء : لا شرك إلا قول من جعل لله شريكا. قال هؤلاء : واليهود والنصارى كفار لا مشركون ، وسائر الملل كفار مشركون ، وهو قول أبي حنيفة وغيره. وقال آخرون : الكفر والشرك سواء ، وكل كافر فهو مشرك ، وكل مشرك فهو كافر ، وهو قول الشافعي وغيره.

قال أبو محمد رضي الله عنه : واحتجت الطائفة الأولى بقول الله عزوجل : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) [سورة البينة : ١].

قالوا : ففرق الله تعالى بين الكفار والمشركين وقالوا لفظة الشرك مأخوذة من الشريك فمن لم يجعل لله تعالى شريكا فليس مشركا.

قال أبو محمد رضي الله عنه : هذه عمدة حجتهم ما نعلم لهم حجة غير هاتين.

قال أبو محمد رضي الله عنه : أما احتجاجهم بقول الله عزوجل : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ).

٢٤٢

فلو لم يأت في هذا المعنى غير هذه الآية لكانت حجتهم ظاهرة لكن الذي أنزل هذه الآية هو القائل : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) (١) [سورة التوبة آية رقم ٣١].

وقال تعالى : (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ) [سورة المائدة : ١١٦]. وقال تعالى عنهم أنهم قالوا : إنّ الله ثالث ثلاثة ، وهذا كله تشريك ظاهر لا خفاء فيه ، فإذ قد صح الشرك والتشريك في القرآن من اليهود والنصارى فقد صح أنهم مشركون ، وأن الشرك والكفر اسمان لمعنى واحد ، وقد قلنا إن التسمية لله عزوجل لا لنا ، فإذ ذلك كذلك فقد صح أن قوله تعالى : (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ) [سورة البينة : ١]. كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) [سورة النساء : ١٤٠].

ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار ، وكقوله تعالى : (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) [سورة البقرة : ٩٨] ولا خلاف في أن جبريل وميكائيل من جملة الملائكة وكقوله تعالى : (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) [سورة الرحمن : ٦٨] والرمان : من الفاكهة ، والقرآن نزل بلغة العرب ، والعرب تعيد الشيء باسمه ، وإن كانت قد أجملت ذكره تأكيدا لأمره ، فبطل تعلق من تعلق بتفريق الله تعالى بين الكفار والمشركين في اللفظ وبالله تعالى التوفيق.

وأما احتجاجهم بأن لفظ الشرك مأخوذ من الشريك ، فقد قلنا إن التسمية لله عزوجل لا لأحد دونه ، وله تعالى أن يوقع أي اسم شاء على أي مسمى شاء. برهان ذلك أن من أشرك بين عبدين له في عمل ما ، أو بين اثنين في هبة وهبها لهما ، فإنه لا يطلق عليه اسم مشرك ولا يحل أن يقال إن فلانا أشرك ، ولا أن عمله شرك ، فصح أنها لفظة منقولة أيضا عن موضوعها في اللغة كما أن الكفر لفظة منقوله أيضا عن موضوعها في اللغة إلى ما أوقعها الله تعالى عليه ، والتعجب من أهل هذه المقالة وقولهم إن النصارى ليسوا مشركين وشركهم أظهر وأشهر من أن يجهله أحد ، لأنهم يقولون كلهم بعبادة الأب ، والابن ، وروح القدس ، وأن المسيح إله حق ، ثم يجعلون البراهمة مشركين ، وهم لا يقرون إلا بالله وحده ، ولقد كان يلزم أهل هذه المقالة أن لا يجعلوا كافرا إلا من جحد الله تعالى فقط.

__________________

(١) وتتمة الآية ، وبها يستدلّ على أنهم مشركون : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

٢٤٣

فإن قال قائل : كيف اتخذ اليهود والنصارى أربابا من دون الله وهم ينكرون هذا؟ قلنا وبالله تعالى التوفيق : إن التسمية لله عزوجل ، فلما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم ، ويحلون ما أحلوا كانت هذه ربوبية صحيحة ، وعبادة صحيحة ، قد دانوا بها ، وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة ، وهذا هو الشرك بلا خلاف كما سمى كفرهم بأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبي ناسخ لما هم عليه كفر بالله عزوجل ، وإن كانوا مصدقين به تعالى ، لكن لما أحبط الله تعالى تصديقهم سقط حكمه جملة.

فإن قالوا : كيف تقولون إن الكفار مصدقون بالله تعالى ، والله تعالى يقول : (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [سورة الليل : ١٥ ـ ١٦].

ويقول تعالى : (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [سورة الواقعة : ٩٢ ـ ٩٤].

قلنا وبالله تعالى نتأيد : إن كل من خرج إلى الكفر بوجه من الوجوه ، فلا بدّ له من أن يكون مكذبا بشيء مما لا يصح الإسلام إلا به ، أو ردّ أمرا من أمور الله عزوجل لا يصح الإسلام إلا به فهو مكذب بذلك الشيء الذي رده أو كذب به ، ولم يقل الله تعالى الذي كذب بالله عزوجل لكن قال : «كذب وتولّى». ولا قال تعالى وأما إن كان من المكذبين بالله ، وإنما قال تعالى من المكذبين الضالين فقط. فمن كذب بأمر من أمور الله عزوجل لا يصح الإسلام إلا به فهو مكذب على الإطلاق كما سماه الله تعالى رضي الله عنه وإن كان مصدقا بالله تعالى ، وبما صدق به.

قال أبو محمد رضي الله عنه : فإن قالوا كيف تقولون : إن اليهود عارفون بالله والنصارى والله تعالى يقول : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) [سورة التوبة : ٢٩].

قلنا وبالله تعالى التوفيق : قد قلنا إن التسمية إلى الله عزوجل لا لأحد دونه وقلنا إن اسم الإيمان منقول عن موضوعه في اللغة عن التصديق المجرد إلى معنى آخر زائد على التصديق فلما لم يستوفوا تلك المعاني بطل تصديقهم جملة ، واستحقوا ببطلانه أن يسموا غير مؤمنين بالله ولا باليوم الآخر ، فإن قيل فهل هم مصدقون بالله وباليوم الآخر ..؟ قلنا : نعم ، فإن قيل ففيهم موحدون لله تعالى ..؟ قلنا : نعم ، فإن قيل فهم مؤمنون بالله وبالرسول وباليوم الآخر ...؟ قلنا : لا لأن الله تعالى نص على كل ما قلنا ، فأخبر تعالى أنهم يعرفونه ، ويقرون به ، ويعرفون نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه نبي فأقررنا بذلك وأسقط

٢٤٤

تعالى عنهم اسم الإيمان ، فأسقطناه عنهم ، ومن تعدى هذه الطريقة فقد كذب ربه تعالى ، وخالف القرآن ، وعاند الرسول ، وخرق إجماع أهل الإسلام ، وكابر حسه وعقله مع ذلك وبالله تعالى التوفيق.

وهكذا نقول فيمن كان مسلما ثم أطلق لو اعتقد ما يوجب الخروج عن الإسلام كالقول بنبوة إنسان بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بتحليل الخمر أو غير ذلك فإنه مصدق بالله عزوجل وبرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم موحد عالم بكل ذلك ، وليس مؤمنا مطلقا ولا مؤمنا بالله تعالى ولا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا باليوم الآخر كما ذكرنا آنفا ، ولا فرق لإجماع الأمة كلها على استحقاق اسم الكفر على من ذكرنا وبالله تعالى التوفيق وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما ، والحمد لله رب العالمين.

٢٤٥

الكلام في تسمية المؤمن بالمسلم ، والمسلم بالمؤمن ،

وهل الإيمان والإسلام اسمان لمسمى واحد

ومعنى واحد أو لمسميين ومعنيين ..؟

قال أبو محمد رضي الله عنه : ذهب قوم إلى أن الإسلام والإيمان اسمان واقعان على معنيين ، وأنه قد يكون مسلم غير مؤمن واحتجوا بقول الله عزوجل : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [سورة الحجرات : ١٤]. وبالحديث المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ قال له سعد : هل لك يا رسول الله في فلان فإنه مؤمن ..؟ فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أو مسلم». (١)

وبالحديث المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ أتاه جبريل صلى‌الله‌عليه‌وسلم في صورة فتى غير معروف العين فسأله عن الإسلام فأجابه بأشياء في جملتها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأعمال أخرى مذكورة في ذلك الحديث وسأله عن الإيمان فأجابه بأشياء من جملتها أن تؤمن بالله وملائكته (٢). وبحديث لا يصح من أن المرء يخرج عن الإيمان إلى الإسلام. وذهب آخرون إلى أن الإيمان والإسلام لفظان مترادفان على معنى واحد واحتجوا بقول الله عزوجل (فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [سورة الذاريات ٣٥ ـ ٣٦]. وبقوله تعالى : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [سورة الحجرات : ١٧].

__________________

(١) رواه مسلم في الإيمان (حديث ٢٣٦) وأبو داود في السنة باب ١٥. والنسائي في الإيمان باب ٧. وأحمد في المسند (١ / ١٧٦). ولفظه كما رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : قسم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قسما فقلت : يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن! فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أو مسلم» أقولها ثلاثا ويردّدها عليّ ثلاثا «أو مسلم». ثم قال : «إني لأعطي الرجل وغيره أحبّ إليّ منه مخافة أن يكبّه الله في النار».

(٢) هو حديث الإسلام والإيمان ، رواه مسلم بطوله في كتاب الإيمان (حديث ١) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

٢٤٦

قال أبو محمد رضي الله عنه : والذي نقول به وبالله تعالى التوفيق أن الإيمان أصله في اللغة : التصديق على الصفة التي ذكرنا قبل ثم أوقعه الله عزوجل في الشريعة على جميع الطاعات ، واجتناب المعاصي ، إذا قصد بكل ذلك من عمل أو ترك وجه الله عزوجل وأن الإسلام أصله في اللغة : التبرؤ ، تقول أسلمت أمر كذا إلى فلان إذا تبرأت منه إليه ، فسمى المسلم مسلما لأنه تبرأ من كل شيء إلى الله عزوجل ثم نقل الله تعالى اسم الإسلام أيضا إلى جميع الطاعات ، وأيضا فإن التبرؤ إلى الله من كل شيء هو معنى التصديق ، لأنه لا يبرأ إلى الله تعالى من كل شيء حتى يصدق به ، فإذا أريد بالإسلام المعنى الذي هو خلاف الكفر ، وخلاف الفسق ، فهو والإيمان شيء واحد كما قال تعالى : (لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) [سورة الحجرات : ١٧].

وقد يكون الإسلام أيضا بمعنى الاستسلام أي أنه استسلم للملة خوف القتل ، وهو غير معتقد لها ، فإذا أريد بالإسلام هذا المعنى فهو غير الإيمان ، وهو الذي أراد الله تعالى بقوله : (لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [سورة الحجرات : ١٤].

وبهذا تتآلف النصوص المذكورة من القرآن والسنن ، وقد قال تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) [سورة آل عمران : ٨٥].

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» (١) فهذا هو الإسلام الذي هو الإيمان فصح أن الإسلام لفظة مشتركة كما ذكرنا ومن البرهان على أنها لفظة منقولة عن موضوعها في اللغة أن الإسلام في اللغة : هو التبرؤ فأي شيء تبرأ منه المرء فقد أسلم من ذلك الشيء وهو مسلم له كما أن من صدق بشيء فقد آمن به وهو مؤمن به ، وبيقين لا شك فيه يدري كل أحد أن كل كافر على وجه الأرض فإنه مصدق بأشياء كثيرة من أمور دنياه ومتبرئ من أشياء كثيرة ، ولا يختلف اثنان (٢) من أهل الإسلام في أنه لا يحل لأحد أن يطلق على الكافر من أجل ذلك أنه مؤمن ، ولا أنه مسلم ، فصح يقينا أن لفظة الإسلام والإيمان منقولة عن موضوعها في اللغة إلى

__________________

(١) رواه مسلم في الإيمان (حديث ١٧٨ ، ٣٧٧ ، ٣٧٨) والترمذي في الحج باب ٤٤. والنسائي في المناسك باب ١٦١. وابن ماجة في الصيام باب ٣٥. والدارمي في السير باب ٦٣. وأحمد في المسند (١ / ٣ ، ٢ / ٣٠٩).

(٢) كانت في الأصل المطبوع «اثنين» والصواب ما أثبتناه.

٢٤٧

معان محدودة معروفة لم تعرفها العرب قط ، حتى أنزل الله عزوجل بها الوحي على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه من أتى بها استحق اسم الإيمان والإسلام وسمي مؤمنا مسلما ، ومن لم يأت بها لم يسم مؤمنا ولا مسلما ، وأن صدق بكل شيء غيرها ، أو تبرأ من كل شيء حاشى أما أوجبت الشريعة التبرؤ منه. وكذلك الكفر والشرك لفظتان منقولتان عن موضوعهما في اللغة لأن الكفر في اللغة : التغطية والشرك أن تشرك شيئا مع آخر في أي معنى جمع بينهما ، ولا خلاف بين أحد من هل التمييز في أن كل مؤمن في الأرض في أنه يغطي أشياء ، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أنه لا يجوز أن يطلق عليه من أجل ذلك الكفر ، ولا الشرك ، ولا أن يسمى كافرا ولا مشركا ، وصح يقينا أن الله تعالى نقل اسم الكفر والشرك إلى إنكار أشياء لم تعرفها العرب ، وإلى أعمال لم تعرفها العرب قط ، كمن جحد الصلاة أو صوم رمضان ، أو غير ذلك من الشرائع التي لم تعرفها العرب قط ، حتى أنزل الله تعالى بها وصيه ، أو كمن عبد وثنا فمن أتى بشيء من تلك الأشياء سمي كافرا أو مشركا ، ومن لم يأت بشيء من تلك الأشياء لم يسم كافرا ولا مشركا ، ومن خالف هذا فقد كابر الحس ، وجحد العيان ، وخالف الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن والسنن وإجماع المسلمين ، وبالله تعالى التوفيق.

فصل

قال أبو محمد رضي الله عنه : واختلف الناس في قول المسلم : أنا مؤمن فروينا عن ابن مسعود ، وجماعة من أصحابه الأفاضل ، ومن بعده من الفقهاء أنه كره ذلك وكان يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، وقال بعضهم آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ، وكانوا يقولون : من قال : أنا مؤمن فليقل إنه من أهل الجنة.

قال أبو محمد رضي الله عنه : فهذا ابن مسعود وأصحابه حجج في اللغة فأين جهال المرجئة المموهون باللغة في نصر بدعتهم.

قال أبو محمد رضي الله عنه : والقول عندنا في هذه المسألة أن هذه صفة يعلمها المرء من نفسه ، فإنه كان يدري أنه مصدق بالله عزوجل ، وبمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبكل ما أتى به عليه‌السلام ، وأنه يقر بلسانه بكل ذلك فواجب عليه أن يعترف بذلك كما أمر تعالى إذ قال تعالى : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [سورة الضحى : ١١].

ولا نعمة أوكد ، ولا أفضل ، ولا أولى بالشكر من نعمة الإسلام ، فواجب عليه أن يقول : أنا مؤمن مسلم قطعا عند الله تعالى في وقتي هذا ولا فرق بين قوله أنا مؤمن

٢٤٨

مسلم ، وبين قوله : أنا أسود ، أو أنا أبيض ، وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها ، وليس هذا من باب الامتداح والعجب في شيء ، لأنه فرض عليه أن يحقن دمه بشهادة التوحيد ، قال تعالى : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [سورة البقرة : ١٣٦].

وقول ابن مسعود عندنا صحيح ، لأن الإسلام والإيمان اسمان منقولان عن موضوعهما في اللغة إلى جميع البر والطاعات ، فإنما منع ابن مسعود من القول بأنه مسلم مؤمن ، على معنى أنه مستوف لجميع الطاعات ، وهذا صحيح ، ومن ادعى لنفسه هذا فقد كذب بلا شك ، وما منع رضي الله عنه من أن يقول المرء : إني مؤمن بمعنى مصدق ، كيف وهو يقول : قل آمنت بالله ورسله : أي صدقت.

وأما من قال : فقل إنك في الجنة ، فالجواب أننا نقول : إن متنا على ما نحن عليه الآن فلا بد لنا من الجنة بلا شك ، وبرهان ذلك أنه قد صح من نصوص القرآن والسنن والإجماع أنّ من آمن بالله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبكل ما جاء به ، ولم يأت بما هو كفر ، فإنّه في الجنة ، إلا أننا لا ندري ما يفعل بنا في الدنيا ، ولا نأمن مكر الله تعالى ولا إضلاله ولا كيد الشيطان ، ولا ندري ما ذا نكسب غدا ، ونعوذ بالله من الخذلان.

٢٤٩

اختلاف الناس في تسمية المذنب

قال أبو محمد رضي الله عنه : اختلف الناس في تسمية المذنب من أهل ملتنا. فقالت المرجئة : هو مؤمن كامل الإيمان ، وإن لم يعمل خيرا قط ، ولا كف عن شر قط وقال بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد : هو كافر مشرك كعابد الوثن ، بأي ذنب كان منه صغيرا كان الذنب أو كبيرا ، ولو فعله على سبيل المزاح.

وقالت الصفارية : (١) إن كان الذنب كبيرا فهو مشرك كعابد الوثن ، وإن كان الذنب صغيرا فليس كافرا.

وقالت الإباضية : إن كان الذنب من الكبائر فهو كافر نعمة تحل موارثته ومناكحته وأكل ذبيحته ، وليس مؤمنا ولا كافرا على الإطلاق.

وروي عن الحسن البصري وقتادة رضي الله عنهما أن صاحب الكبيرة منافق ، وقالت المعتزلة : إن كان الذنب من الكبائر فهو فاسق ليس مؤمنا ولا كافرا ولا منافقا وأجازوا مناكحته وموارثته وأكل ذبيحته ، قالوا : وإن كان من الصغائر فهو مؤمن ولا شيء عليه.

وذهب أهل السنة من أصحاب الحديث والفقهاء إلى أنه مؤمن فاسق ناقص الإيمان وقالوا : الإيمان اسم معتقده وإقراره وعمله الصالح ، والفسق اسم عمله السيّئ إلا أن بين السلف منهم والخلف اختلافا في تارك الصلاة عمدا حتى يخرج وقتها ، وتارك الصوم لو مضى كذلك ، وتارك الزكاة ، وتارك الحج كذلك ، وفي قاتل المسلم عمدا ، وفي شارب الخمر ، وفيمن سب نبيا من الأنبياء عليهم‌السلام وفيمن ردّ حديثا قد صح عنده عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ومعاذ بن جبل ، وابن مسعود ، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وعن ابن المبارك ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ،

__________________

(١) الصفارية ، أو الصفرية : هم أتباع زياد بن الأصفر من الخوارج. لهم أقوال فصّلها الإمام البغدادي في الفرق بين الفرق (ص ٦١ ـ ٦٣).

٢٥٠

رحمة الله عليهم ، وعن تمام سبعة عشر رجلا من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ، أن من ترك صلاة فرض عامدا ذاكرا حتى يخرج وقتها فإنه كافر مرتد ، وبهذا يقول عبد الله بن الماجشون ، صاحب مالك ، وبه يقول عبد الملك بن حبيب الأندلسي ، وغيره. وروينا عن عمرو رضي الله عنه مثل ذلك في تارك الحج وعن ابن عباس وغيره مثل ذلك في تارك الزكاة والصيام ، وفي قاتل المسلم عمدا ، وعن أبي موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص في شارب الخمر ، وعن إسحاق بن راهويه ، أن من رد حديثا صحيحا عنده عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد كفر.

قال أبو محمد رضي الله عنه : واحتج من كفّر المذنبين بقول الله عزوجل : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) [سورة المائدة : ٤٤] وبقوله تعالى : (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [سورة الليل : ١٤ ـ ١٦].

فهؤلاء كلهم ممن كذب وتولى ، والمكذب المتولي كافر فهؤلاء كفار.

قال أبو محمد رضي الله عنه : والعجب أن المرجئة المسقطة للوعيد جملة عن المسلمين قد احتجوا بهذه الآية نفسها فقالوا قد أخبرنا الله عزوجل أن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى فصح أن من لم يكذب ولا يتولى لا يصلاها. قالوا : ووجدنا هؤلاء كلهم لم يكذبوا ولا تولوا ، بل هم مصدقون معترفون بالإيمان ، فصح أنهم لا يصلونها ، وأن المراد بالوعيد المذكور في الآيات المنصوصة إنما هو فعل من تلك الأفاعيل من الكفار خاصة.

قال أبو محمد رضي الله عنه : واحتج أيضا من كفّر من ذكرنا بأحاديث كثيرة منها «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١) و «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا ينهب نهبة ذات شر حين ينهبها وهو مؤمن» (٢) و «ترك الصلاة

__________________

(١) روي الحديث في الصحاح عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود رضي الله عنهم. رواه البخاري في الإيمان باب ٣٦ ، والأدب باب ٤٤ ، والفتن باب ٨. ومسلم في الإيمان حديث ١١٦. والترمذي في الإيمان باب ١٥. والنسائي في تحريم الدم باب ٢٧. وابن ماجة في الفتن باب ٤ ، والمقدمة باب ٩. وأحمد في المسند (١ / ١٧٦ ، ٣٨٥ ، ٤١١ ، ٤١٧ ، ٣٣٤ ، ٤٣٩ ، ٤٤٦ ، ٤٥٤ ، ٤٦٠).

(٢) رواه من حديث أبي هريرة البخاري في المظالم باب ٣٠ ، والأشربة باب ١ ، والحدود باب ١ ،

٢٥١

شرك» (١) و «إنّ كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٢) ومثل هذا كثير.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وما نعلم لمن قال هو منافق حجة أصلا ولا لمن قال : إنه كافر نعمة ، إلا أنهم نزعوا بقول الله عزوجل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ) [سورة إبراهيم : ٢٨].

قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا لا حجة لهم فيه ، لأن كفر النعمة عمل يقع من المؤمن والكافر ، وليس هو ملة ولا اسم دين ، فمن ادعى اسم دين وملة غير الإيمان المطلق ، والكفر المطلق ، فقد أتى بما لا دليل عليه.

وأما من قال هو فاسق ، لا مؤمن ولا كافر ، فما لهم حجة أصلا إلا أنهم قالوا : قد صح الإجماع على أنه فاسق ، لأن الخوارج قالوا : هو كافر فاسق ، وقال غيرهم : هو مؤمن فاسق ، فاتفقوا على الفسق فوجب القول بذلك ، ولم يتفقوا على إيمانه ولا على كفره فلم يجز القول بذلك.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا خلاف لإجماع من ذكر لأنه ليس منهم أحد جعل الفسق اسم دينه ، وإنما سموا بذلك عمله والإجماع والنصوص قد صح كل ذلك على أنه لا دين إلا الإسلام أو الكفر من خرج من أحدهما دخل في الآخر ولا بد ، إذ ليس بينهما وسيطة ، وكذلك قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم» (٣).

وهذا حديث قد أطبق جميع الفرق المنتمية إلى الإسلام على صحته وعلى القول به ، فلم يجعل عليه‌السلام دينا غير الكفر والإسلام ، ولم يجعل هاهنا دينا ثالثا أصلا.

__________________

٦ ، ١٤. ومسلم في الإيمان حديث ١٠٠ و ١٠٤. والترمذي في الإيمان باب ١١. والنسائي في الأشربة باب ٤٢. وابن ماجة في الفتن باب ٣. والدارمي في الأشربة باب ١١. وأحمد في المسند (٢ / ١٣٩).

(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (حديث ٥٠٠٩).

(٢) رواه بلفظ : «كفر بالله انتفاء من نسب وإن دق» الدارمي في سننه (٢ / ٣٤٤) والمروزي في مسند أبي بكر (١١٥٩). وبلفظ : «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دقّ» المتقي الهندي في كنز العمال (١٥٣٠٢) والخطيب في تاريخ بغداد (٣ / ١٤٤) وابن حجر في فتح الباري (١٢ / ٤٢).

(٣) رواه البخاري في الحج باب ٤٤ ، والمغازي باب ٤٨ ، والفرائض باب ٢٦. ومسلم في الفرائض (حديث ١) وأبو داود في الفرائض باب ١٠. والترمذي في الفرائض باب ١٥. وابن ماجة في الفرائض باب ٦. والدارمي في الفرائض باب ٢٩.

٢٥٢

قال أبو محمد رضي الله عنه : واحتجت المعتزلة أيضا بأن قالت : قال الله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) [سورة السجدة : ١٨].

قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا لا حجة لهم فيه لأن الله تعالى قال : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) [سورة القلم : ٣٥]. فصح أن هؤلاء الذين سماهم الله تعالى مجرمين وفساقا ، وأخرجهم عن المؤمنين نصا ، فإنهم ليسوا على دين الإسلام لم يكونوا على دين الإسلام فهم كفّار بلا شكّ ، إذ لا دين هاهنا غيرهما أصلا ، برهان هذا قوله تعالى : (فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) [سورة الليل : ١٤ ـ ١٦].

وقد علمنا ضرورة أنه لا دار إلا الجنة أو النار ، وأن الجنة لا يدخلها إلا المؤمنون المسلمون فقط ، ونص الله تعالى على أن النار لا يدخلها إلا المكذب المتولي ، والمتولي المكذب كافر بلا خلاف ، فلا يخلد في النار إلا كافر ، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ، فصح أنه لا دين إلا الإيمان والكفر فقط ، وإذ ذلك كذلك فهؤلاء الذين سماهم الله عزوجل مجرمين وفاسقين ، وأخرجهم عن المؤمنين ، فهم كفار مشركون ، لا يجوز غير ذلك. وقالوا : المؤمن ، محمود ، محسن ولي لله عزوجل ، والمذنب مذموم ، مسيء عدو لله. قالوا : ومن المحال أن يكون إنسان واحد محمودا مذموما محسنا مسيئا عدوا لله وليّا له معا.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا الذي أنكروه ، لا نكرة فيه ، بل هو أمر موجود مشاهد ، فمن أحسن من وجه ، وأساء من وجه آخر ، كمن صلى ثم زنى فهو محسن محمود ، ولي لله فيما أحسن فيه من صلاة ، وهو مسيء مذموم عدو لله فيما أساء فيه من الزنا ، قال عزوجل : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً) [سورة التوبة : ١٠٢].

فبالضرورة ندري أن العمل الذي شهد الله عزوجل له أنه عمل صالح فإن عامله فيه محمود محسن مطيع لله تعالى وأن العمل الذي شهد الله عزوجل أنه سيّئ ، فإن عامله فيه مذموم مسيء عاص لله تعالى ، ثم يقال لهم : ما تقولون إن عارضتكم المرجئة بكلامكم نفسه فقالوا : من المحال أن يكون إنسان واحد محمودا مذموما محسنا مسيئا عدوا لله وليا له معا ثم أرادوا تغليب الحمد والإحسان والولاية وإسقاط الذم والإساءة والعداوة كما أردتم أنتم بهذه القضية نفسها تغليب الذم والإساءة والعداوة وإسقاط الحمد والإحسان والولاية ، بما ينفصلون عنهم؟ فإن قالت المعتزلة : إن الشرط في

٢٥٣

حمده وإحسانه وولايته أن يجتنب الكبائر قلنا لهم : فإن عارضتك المرجئة فقالت : إن الشرط في ذمه وإساءته ولعنه ، وعداوته ، ترك شهادة التوحيد.

فإن قالت المعتزلة : إن الله قد ذم المعاصي ، وتوعد عليها ، قيل لهم : فإن المرجئة تقول لكم : إن الله تعالى قد حمد الحسنات ووعد عليها وأرادوا بذلك تغليب الحمد كما أردتم تغليب الذم ، فإن ذكرتم آيات الوعيد ذكروا آيات الرحمة.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا ما لا مخلص للمعتزلة منه ، ولا للمرجئة أيضا ، فوضح بهذا أن كلا الطائفتين مخطئة ، وأن الحق هو جمع كل ما تعلقت به كلتا الطائفتين من النصوص التي في القرآن والسنن ، ويكفي من هذا كله قول الله عزوجل : (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) [سورة آل عمران : ١٩٥] وقوله تعالى : (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) [سورة غافر : ١٧]. وقوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [سورة الزلزلة : ٧ ، ٨]. وقال تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) [سورة الأنعام : ١٦٠]. وقال تعالى : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) [سورة الأنبياء : ٤٧].

فصح بهذا كله أنه لا يخرجه عن اسم الإيمان إلا الكفر ، ولا يخرجه عن اسم الكفر إلا الإيمان ، وأن الأعمال حسنها حسن إيمان ، وقبيحها قبيح ليس إيمانا والموازنة تقضي على كل ذلك ، ولا يحبط الأعمال إلا الشرك قال تعالى : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [سورة الزمر : ٦٥]. وقالوا : إذا أقررتم أن أعمال البر كلها إيمان وأن المعاصي ليست إيمانا فهو عندكم مؤمن غير مؤمن. قلنا : نعم ، ولا نكرة في ذلك ، وهو مؤمن بالعمل الصالح ، غير مؤمن بالعمل السيّئ ، كما نقول محسن بما أحسن فيه مسيء غير محسن معا بما أساء فيه ، وليس الإيمان عندنا التصديق وحده فيلزمنا التناقض وهذا هو معنى قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١) أي ليس مطيعا في زناه ذلك ، وهو مؤمن بسائر حسناته ، واحتجوا بقول الله تعالى : (كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [سورة يونس : ٣٣]. ففرق تعالى بين الفسق والإيمان.

قال أبو محمد رضي الله عنه : نعم وقد أوضحنا أن الإيمان هو كل عمل صالح

__________________

(١) تقدم تخريجه.

٢٥٤

فبيقين ندري أن الفسق ليس إيمانا ، فمن فسق فلم يؤمن بذلك العمل الذي هو الفسق ولم يقل عزوجل إنه لا يؤمن في شيء من سائر أعماله ، وقد قال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) [سورة الحجرات : ١٥].

فهؤلاء قد شهد الله تعالى لهم بالإيمان فإذا وقع منهم فسق ليس إيمانا فمن المحال أن يبطل فسقه إيمانه في سائر أعماله ، وأن يبطل إيمانه في سائر الأعمال فسقه ، بل شهادة الله تعالى له بالإيمان في جهاده حق ، وبأنه لم يؤمن في فسقه حق. وأيضا فإن الله عزوجل قال : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) [سورة المائدة : ٤٤] (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) [سورة المائدة : ٤٧] (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [سورة المائدة : ٤٥].

فيلزم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق ، لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وأما نحن فنقول إن كل من كفر فهو فاسق ظالم عاصي ، وليس كل فاسق ظالم عاص كافرا بل قد يكون مؤمنا وبالله تعالى التوفيق ، وقد قال تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ) [سورة الرعد : ٦] فبعض الظلم مغفور بنص القرآن.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وقالوا قد وجب لعن الفساق والظالمين ، وقال تعالى : (أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [سورة هود : ١٨]. والمؤمن يجب ولايته والدعاء له بالرحمة ، وقد لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم السارق (١) ومن لعن أباه ومن غيّر منار الأرض ، (٢) فيلزمكم أن تدعو على المرء الواحد باللعنة والرحمة والمغفرة معا.

__________________

(١) رواه من حديث أبي هريرة مسلم في الحدود (حديث ٧) وابن ماجة في الحدود باب ٢٢ ، والنسائي في قطع السارق باب ١ ، وأحمد في المسند (٢ / ٢٥٣). ولفظ مسلم : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده».

(٢) رواه مسلم في الأضاحي (حديث ٤٣ ـ ٤٥) والنسائي في الضحايا باب ٣٤ ، وأحمد في المسند (١ / ١٠٨ ، ١١٨ ، ١٥٢ ، ٣٠٩ ، ٣١٧). ولفظ مسلم (الأضاحي ، حديث رقم ٤٣) : عن عامر بن واثلة قال : كنت عند علي بن أبي طالب ، فأتاه رجل فقال : ما كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسرّ إليك؟ قال : فغضب وقال : ما كان النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسرّ إليّ شيئا يكتمه الناس ، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع. قال : فقال : ما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال : قال : «لعن الله من لعن والده ، ولعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من آوى محدثا ، ولعن الله من غيّر منار الأرض».

٢٥٥

قال أبو محمد رضي الله عنه : فنقول : إن المؤمن الفاسق يتولى دينه وملته وعقده وإقراره ، ويتبرأ من عمله الذي هو الفسق والبراءة ، والولاية ليست من عين الإنسان مجردة فقط ، وإنما هي له أو منه بعمله الصالح أو الفاسد ، فإذ ذلك كذلك فبيقين ندري أن المحسن في بعض أفعاله من المؤمنين نتولاه من أجل ما أحسن فيه ، ونبرأ من عمله السيّئ فقط ، وأما الله تعالى فإنه يتولى عمله الصالح عنده ، ويعادي عمله الفاسد ، وأما الدعاء باللعنة والرحمة معا فلسنا ننكره بل هو معنى صحيح ، وما جاء عن الله تعالى قط ، ولا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهي أن يلعن العاصي على معصيته ، ويترحم عليه لإحسانه ، ولو أن امرأ زنى أو سرق ، وحال الحول على ماله وجاهد لوجب أن يحد للزنا والسرقة ، ولو لعن لأحسن لا عنه ، ويعطي نصيبه من المغنم ، ونقبض زكاة ما له ونصلي عليه عند ذلك لقول الله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) [سورة التوبة : ١٠٣].

وبيقين ندري أن قد كان في أولئك الذين كان عليه‌السلام يقبض صدقاتهم ويصلي عليهم مذنبون عصاة ، لا يمكن البتة أن تخلو جميع جزيرة العرب من عاص ، وكذلك كل من مات في عصره عليه‌السلام ، وصلى عليه هو عليه‌السلام والمسلمون معه وبعده ، فبيقين ندري أنه قد كان فيهم مذنب بلا شك وإذا صلى عليه دعا له بالرحمة وإن ذكر عمله القبيح لعن وذم.

قال أبو محمد رضي الله عنه : ونعكس عليهم هذا السؤال نفسه في أصحاب الصغائر الذين يوقع عليهم المعتزلة اسم الإيمان فهذه السؤالات كلها لازمة لهم إذ الصغائر ذنوب ومعاصي بلا شك إلا أننا لا نوقع عليها اسم فسق ولا ظلم إذا انفردت عن الكبائر لأن الله تعالى ضمن غفرانها لمن اجتنب الكبائر ، ومن غفر له ذنبه فمن المحال أن يوقع عليه اسم فاسق ، أو اسم ظالم ، لأن هذين اسمان يسقطان قبول الشهادة ، ومجتنب الكبائر وإن تستر بالصغائر فشهادته مقبولة ، لأنه لا ذنب له وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد رضي الله عنه : ولنا على المعتزلة إلزامات أيضا تعمهم ، والخوارج المكفرة (١) ننبه عليها عند نقضنا أقوال المكفرة إن شاء الله تعالى ، وبه نتأيد.

قال أبو محمد رضي الله عنه : ويقال لمن قال إن صاحب الكبيرة كافر : قال الله

__________________

(١) أي التي تكفّر صاحب الكبيرة.

٢٥٦

عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) [سورة البقرة : ١٧٨]. فابتدأ الله عزوجل بخطاب أهل الإيمان ، من كان فيهم من قاتل أو مقتول ، ونص تعالى على أن القاتل عمدا مؤمن بنص القرآن وحكم له بأخوة الإيمان ولا يكون الكافر مع المؤمن بتلك الأخوة ، وقال تعالى : (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ) [سورة الحجرات : ٩ ـ ١٠] فهذه الآية رافعة للشك جملة في قوله تعالى إن الطائفة الباغية على الطائفة الأخرى من المؤمنين المأمور سائر المؤمنين بقتالها حتى تفيء إلى أمر الله تعالى إخوة للمؤمنين المقاتلين ، وهذا أمر لا يضل عنه إلا ضال. وهاتان الآيتان حجة قاطعة أيضا على المعتزلة المسقطة اسم الإيمان عن القاتل ، وعلى كل من أسقط عن صاحب الكبائر اسم الإيمان ، وليس لأحد أن يقول : إنه تعالى إنما جعلهم إخواننا إذا تابوا لأن نص الآية أنهم إخوان في حالة البغي وقبل الفيئة إلى الحق.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وقال بعضهم إن هذا الاقتتال إنما هو التضارب.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وهذا خطأ فاحش لوجهين أحدهما أنه دعوى بلا برهان ، وتخصيص الآية بلا دليل ، وما كان هكذا فهو باطل بلا شك.

والثاني : أن ضرب المسلم للمسلم ظلما وبغيا فسق ومعصية. ووجه ثالث وهو أن الله تعالى لو لم يرد القتال المعهود لما أمرنا بقتال من لا يزيد على الملاطمة وقد عم تعالى فيها باسم البغي فكل بغي فهو داخل تحت هذا الحكم.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وقد ذكروا قول الله عزوجل : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) [سورة سورة النساء آية ٩٢].

قال أبو محمد : رضي الله عنه : فهذه الآية بظاهرها دون تأويل حجة لنا عليهم لأنه ليس فيها أن القاتل العامد ليس مؤمنا ، وإنما فيها نهى المؤمن عن قتل المؤمن عمدا فقط لأنه تعالى قال : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) وهكذا نقول ليس للمؤمن قتل المؤمن عمدا ثم قال تعالى : (إِلَّا خَطَأً). فاستثنى عزوجل الخطأ في القتل من جملة ما حرم من قتل المؤمن للمؤمن لأنه لا يجوز النهي عما لا يمكن

٢٥٧

الانتهاء عنه ولا يقدر عليه ، لأن الله تعالى أمننا من أن يكلفنا ما لا طاقة لنا به وكل فعل خطأ فلم ننه عنه بل قد قال تعالى : (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) [سورة الأحزاب آية رقم ٥] فبطل تعقلهم بهذه الآية ، وكذلك قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (١). فهو أيضا على ظاهره ، وإنما في هذا اللفظ النهي عن أن يرتدوا بعده إلى الكفر فيقتتلوا في ذلك فقط ، وليس في هذا اللفظ أن القاتل كافر ولا فيه أيضا نهي عن الزنا ولا عن السرقة ، وليس في كل حديث حكم كل شريعة ، فبطل تعلقهم بهذا الخبر. وكذلك قوله عليه‌السلام : «سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر». (٢) فهو أيضا على عمومه لأن قوله عليه‌السلام : المسلم هاهنا عموم للجنس ، ولا خلاف في أن من نابذ جميع المسلمين وقاتلهم لإسلامهم فهو كافر ، برهان هذا هو ما ذكرنا قبل من نص القرآن في أن القاتل عمدا والمقاتل مؤمنان وكلامه عليه‌السلام لا يتعارض ولا يختلف ، وكذلك قوله عليه‌السلام : «لا ترغبوا عن آبائكم ، فإنه كفر لكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٣) فإنه عليه‌السلام لم يقل كفر منكم ، ولم يقل إنه كفر بالله تعالى ، نعم نحن نقرأ أن من رغب عن أبيه فقد كفر بأبيه وجحده ، ويقال لمن قال إن صاحب الكبيرة ليس مؤمنا ، ولكنه كافر أو فاسق : ألم يقل الله عزوجل : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) [سورة البقرة آية رقم ٢٢١].

وقال تعالى : (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَ) [سورة الممتحنة آية رقم ١٠].

وقال تعالى : (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) [سورة الممتحنة آية رقم ١٠].

__________________

(١) رواه البخاري في العلم باب ٤٣ ، والأضاحي باب ٥. ومسلم في الإيمان (حديث ١١٨ ـ ١٣٠) والقسامة (حديث ٣٩). وأبو داود في السنّة باب ١٥. والترمذي في الفتن باب ٣٨. والدارمي في المناسك باب ٧٦. وأحمد في المسند (٣ / ٨٥ ، ٨٧).

(٢) روي من حديث سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة. رواه البخاري في الإيمان باب ٣٦ ، والأدب باب ٤٤ ، والفتن باب ٨. ومسلم في الإيمان حديث ١١٦. والترمذي في الإيمان باب ١٥. والنسائي في تحريم الدم باب ٢٧. وابن ماجة في المقدمة باب ٩ ، والفتن باب ٤. وأحمد في المسند (١ / ١٧٦ ، ٣٨٥ ، ٤١١ ، ٤٣٣ ، ٤٣٩ ، ٤٤٦ ، ٤٥٤ ، ٤٦٠).

(٣) تقدّم تخريجه.

٢٥٨

وقال تعالى : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) [سورة المائدة آية رقم ٥] وفي سورة النساء : (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) فهذه آيات في غاية البيان في أنه ليس في الأرض إلا مؤمن أو كافر ، أو مؤمنة أو كافرة ، ولا يوجد دين ثالث ، وأن المؤمنة حلال نكاحها للمؤمن ، وحرام نكاحها على الكافر ، وأن الكتابية حلال للمؤمن بالزواج وللكافر ، فخبرونا إذا زنت المرأة ، وهي غير محصنة أو وهي محصنة ، أو إذا سرقت أو شربت الخمر أو قذفت أو أكلت مال يتيم أو تعمدت ترك الغسل حتى خرج وقت الصلاة وهي عالمة بذلك ، أو لم تخرج زكاة مالها فكانت عندكم بذلك كافرة ، أو بريئة من الإسلام ، خارجة عن الإيمان وخارجة عن جملة المؤمنين ، أيحل للمؤمن الفاضل ابتداء نكاحها ، أو البقاء معها على الزوجية إن كان قد تزوجها قبل ذلك ..؟ أو يحرم على أبيها الفاضل أو أخيها البر أن يكون لها وليين في تزويجها؟ وأخبرونا إذا زنى الرجل أو سرق أو قذف ، أو أكل مال يتيم ، أو فرّ من الزحف أو سحر ، أو ترك صلاة عمدا حتى خرج وقتها ، أو لم يخرج زكاة ماله ، فصار بذلك عندكم كافرا ، أو برئ من الإسلام ، وخرج عن الإيمان وعن جملة المؤمنين ، أيحرم عليه ابتداء نكاح امرأة مؤمنة أو وطؤها بملك اليمين ، أو تحرم عليه امرأته المؤمنة التي في عصمته ، فينفسخ نكاحها منه أو يحرم عليه أن يكون وليا لابنته المؤمنة ، أو أخته المؤمنة في تزويجها؟ وهل يحرم على التي ذكرنا والرجل الذي ذكرنا ميراث وليهما المؤمن ، أو يحرم على وليهما المؤمن ميراثهما ، أو يحرم أكل ذبيحته ، لأنه قد فارق الإسلام في زعمكم وخرج عن جملة المؤمنين؟ فإنهم كلهم لا يقولون بشيء من هذا ، فمن الخلاف المجرد منهم لله تعالى أن يحرم الله تعالى المؤمنة على من ليس بمؤمن فيحلّونها هم ، ويحرم الله تعالى التي ليست مؤمنة على المؤمن إلا أن تكون كتابية فيحلونها هم ، ويقطع الله تعالى الولاية بين المؤمن ومن ليس مؤمنا فيبقونها هم في النكاح ، ويحرم تعالى ذبائح من ليس مؤمنا إلا أن يكون كتابيا فيحلونها هم ، ويقطع عزوجل الموارثة بين المؤمن ومن ليس مؤمنا فيثبتونها هم ومن خالف القرآن وثبت على ذلك بعد قيام الحجة عليه فنحن نبرأ إلى الله تعالى منه.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وأكثر هذه الأمور التي ذكرنا فإنه لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام فيها ، ولا بين فرقة من الفرق المنتمية إلى الإسلام ، وفي بعضها

٢٥٩

خلاف نشير إليه لئلا يظن ظان أننا أغفلناه فمن ذلك الخلاف في الزاني والزانية ، فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يفسخ النكاح قبل الدخول بوقوعه من أحدهما ، والحسن البصري وغيره من السلف لا يجيزون للزاني ابتداء نكاح مع مسلمة البتة ولا للزانية أيضا إلا أن يتوبا ، وبهذا نقول نحن ليس لأنهما مسلمين بل هما مسلمان ولكنها شريعة من الله تعالى واردة في القرآن في ذلك كما يحرم على المحرم النكاح ما دام محرما وبالله تعالى التوفيق ، وذلك قوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) [سورة النور آية رقم ٢].

قال أبو محمد رضي الله عنه : وفي هذه الآية أيضا نص جلي على أن الزاني والزانية ليسا مشركين ، لأن الله تعالى فرق بينهما فرقا لا يحتمل البتة أن يكون على سبيل التأكيد بل على أنهما صفتان مختلفتان ، وإذا لم يكونا مشركين فهما ضرورة مسلمان لما قد بينا قبل من أن كل كافر فهو مشرك ، وكل مشرك فهو كافر ، وكل من لم يكن كافرا مشركا فهو مؤمن إذ لا سبيل إلى دين ثالث وبالله تعالى التوفيق.

ومن الخلاف في بعض ما ذكرنا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وإبراهيم النخعي أن المسلم إذا ارتد والمسلمة إذا لم يسلم زوجها فهي امرأته كما كانت إلا أنه لا يطؤها ، وروي عن عمر أيضا أنها تخير في البقاء معه أو فراقه ، وكل هذا لا حجة فيه ولا حجة إلا في نص قرآن أو سنة واردة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وأيضا فإن الله عزوجل قد أمر بقتل المشركين جملة ، ولم يستثن منهم أحدا إلا كتابيا يغرم الجزية مع الصغار ، أو رسولا حتى يؤدى رسالته ، ويرجع إلى مأمنه ، أو مستجيرا ليسمع كلام الله تعالى ، ثم يبلغ إلى مأمنه ، وأمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل من بدل دينه. فنسأل كل من قال بأن صاحب الكبيرة قد خرج من الإيمان وبطل إسلامه ، وصار في دين آخر إما الكفر وإما الفسق ، إذا كان الزاني ، والقاتل ، والسارق والشارب للخمر ، والقاذف ، والفار من الزحف ، وآكل مال اليتيم ، قد خرج عن الإسلام ، وترك دينه أيقتلونه كما أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الله أم لا يقتلونه فيخالفون الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ...؟ ومن قولهم كلهم خوارجهم ، ومعتزليهم ، أنهم لا يقتلونه ، وأما في بعض ذلك حدود معروفة ، من قطع يد أو جلد مائة ، أو ثمانين ، وفي بعض ذلك أدب فقط وأنه لا يحل الدم بشيء من ذلك ، وهذا انقطاع ظاهر وبطلان لقولهم لا خفاء به.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وبعض شاذة الخوارج جسر فقال : تقام الحدود عليهم ثم يستتابون فيقتلون.

٢٦٠