الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

فإن قالوا : خلق الله الأفاعي والسباع كخلق الحصى والحرث ، مزجرة للكفار.

قال أبو محمد : وهذا من ظريف الجنون ، ولقد ضل بخلقتها جموع من المخذولين ممن جرى مجرى المعتزلة في أن يتعقبوا على الله ـ عزوجل ـ فعله كالمنانية والمجوس الذين جعلوا إلها خالقا غير الحكيم العدل.

ثم نقول للمعتزلة : إن كان كما تقولون مصلحة فكان الاستكثار من المصلحة أصلح وأبلغ في الزجر والتخويف ، فكلّ هذه الدعاوى منهم حماقات ومكابرات بلا برهان ، ليست أجوبتهم فيها بأصح من أجوبة المنّانية ، والمجوس ، وأصحاب التناسخ ، بل كلها جارية في ميدان واحد من أنها كلها دعوى فاسدة بلا برهان ، بل البرهان ينقضها وكلها راجعة إلى أصل واحد ، وهو تعليل أفعال الله ـ عزوجل ـ التي لا علة لها أصلا والحكم عليه بمثل الحكم على خلقه فيما يحسن منه ويقبح ، تعالى الله عن ذلك.

قال أبو محمد : ويقال لأصحاب الأصلح خاصة : ما معنى دعائكم في العصمة وأنتم تقولون إن الله ـ تعالى ـ قد عصم الكفار كما عصم المؤمنين فلم يعتصموا؟ وما معنى دعائكم في الإعادة من الخذلان ، وفي الرغبة في التوفيق ، وأنتم تقولون إنه ليس عنده أفضل مما قد أعطاكموه ، ولا في قدرته زيادة على ما قد فعله بكم؟

وأيّ معنى لدعائكم في التوبة وأنتم تقطعون على أنه لا يقدر على أن يعينكم في ذلك بمقدار شعرة زائدة على ما قد أعطاكموه؟

فهل دعاؤكم في ذلك إلّا ضلال ، وهزل ، وهزء كمن دعا إلى الله أن يجعله من بني آدم ، أو أن يجعل النبي نبيا ، والحجر حجرا؟

وهل بين الأمرين فرق؟

فإن قالوا : إن الدعاء عمل أمرنا الله ـ تعالى ـ به.

قيل لهم : إن أوامره ـ تعالى ـ من جملة أفعاله بلا شك ، وأفعاله عندكم تجري على ما يحسن في العقل ويقبح فيه في المعهود وفيما بيننا وعلى الحكمة عندكم وقد علمنا أنه لا يحسن في العقل ويقبح فيه في المعهود وفيما بيننا وعلى الحكمة عندكم وقد علمنا أنه لا يحسن في الشاهد بوجه من الوجوه أن يأمر أحدا يرغب إليه فيما ليس بيده ، ولا فيما قد أعطاه إياه ، وكلا هذين الوجهين عبث وسفه ، وهم مقرون بأجمعهم أن الله ـ تعالى ـ حكم بهذا وفعله وهو أمره لهم بالدعاء إليه إما فيما لا يوصف عندهم بالقدرة عليه وإما فيما قد أعطاهم إياه ، وهو عندهم عدل وحكمة ، فنقضوا أصلهم الفاسد بلا شك. وأمّا نحن فإننا نقول : إن الدعاء عمل أمرنا الله ـ عزوجل ـ به فيما

٢٠١

نقدر عليه ثم إن شاء أعطانا ما سألناه وإن شاء منعنا إيّاه لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل.

قال أبو محمد : وإن في ابتداء كتاب الله ـ عزوجل ـ المنزل إلينا بقوله ـ تعالى ـ آمرا لنا أن نقوله راضيا منّا أن نقوله : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [سورة الفاتحة : ٦ ، ٧]. ثم ختم ـ تعالى ـ كتابه آمرا لنا أن نقوله راضيا بقوله : (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [سورة الناس].

لأبين بيان في تكذيب القائلين بأنه ليس عند الله ـ تعالى ـ أصلح مما فعل وأنه غير قادر على كف وسوسة الشيطان ، ولا على هدى الكفار هدى يستحقون به الثواب كما وعد المهتدين ، لأنه ـ عزوجل ـ نصّ على أنه هو المطلوب منه العون لنا والهدى إلى صراط من خصّه بالنعمة عليه ، لا إلى صراط من غضب عليه ـ تعالى ـ وضلّ فلو لا أنه ـ تعالى ـ قادر على الهدى المذكور ، وأن عنده عونا على ذلك لا يؤتيه إلا من شاء دون من لم يشأ ، وأنه ـ تعالى ـ أنعم على قوم بالهدى ولم ينعم به على آخرين لما أمرنا أن نسأله من ذلك ما ليس يقدر عليه أو ما قد أعطانا إياه ونص ـ تعالى ـ على أنه قادر على صرف وسوسة الشيطان ، فلو لا أنه ـ تعالى يصرفها عمن يشاء لما أمرنا ـ عزوجل ـ أن نستعيذ مما لا يقدر على الإعاذة منه ، أو ممّا قد أعاذنا بعد منه.

قال أبو محمد : ولا مخلص لهم من هذا أصلا ثم نسألهم أيّ مصلحة للعصاة في أن جعل بعض حركاتهم وسكونهم كبائر يستحقون عليها النار ، وجعل بعض حركاتهم وسكونهم صغائر مغفورة ، ولقد كان أصلح أن يجعلها كلها صغائر مغفورة؟

فإن قالوا : هذا أزجر عن المعاصي وأصلح.

قيل لهم : فهلّا إذ هو كما تقولون جعلها جميعها كبائر زاجرة ، فهو أبلغ في الزجر! قال أبو محمد : وقد نص الله ـ تعالى ـ في القرآن في آيات كثيرة لا تحتمل تأويلا بتكذيب المعجّزين لربهم ـ تعالى ـ وليس يمكنهم وجود آية ولا سنة يتعلقون بها أصلا ، فمنها قوله ـ تعالى ـ : (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) [سورة الأعراف : ١٥٥].

أفلم يكن عنه أصلح من فتنة يضل بها بعض خلقه حاشا لله من هذا الكفر والتعجيز.

٢٠٢

وقال ـ تعالى ـ حاكيا عن الذين أثنى عليهم من مؤمني الجن ، أنهم قالوا : (وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) [سورة الجن : ١٠].

قال أبو محمد : وصدقهم الله ـ عزوجل ـ في ذلك إذ لو أنكره لما أورده مثنيا عليهم في ذلك ، وهذا في غاية البيان الذي قد هلك من خالفه ، وبطل به قول الضّلّال الملحدين القائلين : إن الله ـ تعالى ـ أراد رشد فرعون وإبليس ، وأنه ليس عنده أصلح مما فعل بهما ولا يقدر لهما على هدى أصلا.

وقال ـ تعالى ـ : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [سورة الأعراف : ١٧٩].

فليت شعري أيّ مصلحة لهم في أن يذرأهم لجهنم؟ نعوذ بالله من هذه المصلحة. وقال تعالى : (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) [سورة غافر : ٩].

فصح أنه ـ تعالى ـ هو الذي يقي السيئات ، وأن الذي رحمه هو الذي وقاه السيئات ، لأنّ من لم يقه السيئات فلم يرحمه ، وبلا شك أن من وقاه السيئات فقد فعل به أصلح مما فعل بمن لم يقه إياها ، هذا مع قوله ـ تعالى : ـ (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) [سورة السجدة : ١٣] (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً) [سورة يونس : ٩٩].

ولا يشك من لدماغه أقل سلامة ، أو في وجهه من برد الحياء شيء ، في أن هذا كان أصلح بالكفار من إدخالهم النار ، بأن لا يؤتيهم ذلك الهدى ، وإن كانوا كما يقولون من دخولهم الجنة بغير استحقاق.

وقال ـ تعالى ـ : (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة الحجرات : ٧].

فليت شعري أين فعله ـ تعالى ـ بهؤلاء ـ نسأل الله أن يجعلنا منهم ـ من فعله بالذين قال فيهم : إنّه ختم على قلوبهم وزيّن لهم سوء أعمالهم وجعل صدورهم ضيقة حرجا.

إنّ من ساوى بين الأمرين وقال : إن الله ـ تعالى ـ لم يعط هؤلاء إلا ما أعطى هؤلاء ، ولا أعطى من الهدى والاختصاص محمدا وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى والملائكة ـ عليهم‌السلام ـ إلّا ما أعطى إبليس وفرعون وأبا جهل وأبا لهب والذي حاجّ إبراهيم في ربّه واليهود والنصارى والمجوس والثقلين والشرط والبغّائين ، والعواهر ،

٢٠٣

(وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ) [سورة الفجر : ٩ ـ ١٢] ، بل سوىّ في التوفيق بين جميعهم ، ولم يقدر لهم على مزيد من الصلاح ، لقليل (١) الحياء عديم الدين ، وما جوابه إلا قوله ـ تعالى ـ : (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) [سورة الفجر : ١٤] وقال ـ عزوجل ـ : (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [سورة البقرة : ٢١٣].

قال أبو محمد : فأيما كان أصلح للكفار المخلدين في النار أن يكونوا مع المؤمنين أمة واحدة ، لا عذاب عليهم ، أم بعثه الرسل إليهم وهو ـ عزوجل ـ يدري أنهم لا يؤمنون فيكون ذلك سببا إلى تخليدهم في جهنم؟

وقال تعالى : (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [سورة الأعراف : ١٨٣].

وقال تعالى : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) [سورة آل عمران : ١٧٨].

وقال تعالى : (أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) [سورة المؤمنون : ٥٥ ، ٥٦].

وقال تعالى : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) [سورة الأعراف : ١٨٢ ، سورة القلم : ٤٤].

قال أبو محمد : وهذا غاية البيان في أن الله عزوجل أراد بهم وفعل بهم ما فيه فساد أديانهم وهلاكهم ، الذي هو ضد الصلاح ، وإلّا فأيّ مصلحة لهم في أن يستدرجوا إلى الهلاك من حيث لا يعلمون ، وفي الإملاء لهم ليزدادوا إثما؟ ونص تعالى أن كل ذلك الذي فعله ليس مسارعة لهم في الخير فبطل قول هؤلاء الهلكى جملة والحمد لله رب العالمين.

وقال تعالى : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) [سورة الإسراء : ١٦].

فهل بعد هذا بيان في أن الله عزوجل أراد هلاكهم ودمارهم ولم يرد صلاحهم فأمر مترفيها بأوامر خالفوها ففسقوا فدمروا تدميرا؟

فأيما كان أصلح لهم أن لا يؤمروا فيسلموا ، أو أن يؤمروا وهو ـ تعالى ـ يدري أنهم لا يأتمرون ، فيدخلون النار؟

__________________

(١) سياق العبارة : «إن من ساوى بين الأمرين .. لقليل الحياء .. الخ» وما بينها أسطر معترضة.

٢٠٤

فإن قالوا : فاحملوا قوله تعالى : (أَمَرْنا مُتْرَفِيها) [سورة الإسراء : ١٦] على ظاهره ، قلنا : نعم هكذا نقول ولم يقل تعالى : إنه أمرهم بالفسق وإنما قال تعالى : «أمرناهم». فقط. وقد نص ـ تعالى ـ على أنه لا يأمر بالفحشاء فصح قولنا أيضا. وقال عزوجل : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) [سورة محمد : ٣٨]. فنص ـ تعالى ـ على أن أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم لو تولّوا لأبدل قوما غيرهم ، لا يكونون أمثالهم.

وبالضرورة نعلم أنه عزوجل إنما أراد خيرا منهم ، فقد صحّ أنه عزوجل قادر على أن يخلق أصلح منهم.

وقال تعالى : (إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ) [سورة المعارج : ٤٠ ، ٤١].

وفي هذا كفاية.

وقال تعالى : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) [سورة التحريم : ٥]. فهل في البيان في أن الله ـ تعالى ـ قادر على أن يفعل أصلح مما فعل ، وأن عنده ـ تعالى ـ أصلح مما أعطى خلقه أبين أو أوضح أو أصح من إخباره ـ تعالى ـ أنه قادر على أن يبدل نبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذي هو أحب الناس إليه خيرا من الأزواج اللّواتي أعطاه واللواتي هن خير الناس بعد الأنبياء عليهم‌السلام؟

قال أبو محمد : فبطل قول البقر الشاذة أصحاب الأصلح في أنه ـ تعالى ـ لا يقدر على أصلح مما فعل.

قال أبو محمد : نسأل الله العافية مما ابتلاهم به ، ونسأله الهدى الذي حرمهم إياه ، وكان قادرا على أن يتفضل عليهم به ، فلم يرد ، وما توفيقنا إلا بالله عزوجل وهو حسبنا ونعم الوكيل.

قال أبو محمد : كلّ من منع قدرة الله عزوجل عن شيء مما ذكرنا فلا شكّ في كفره ، لأنه عجّز ربه ـ تعالى ـ وخالف جميع أهل الإسلام.

قال أبو محمد : وقالوا : إذا كان عنده أصلح مما فعل بنا ولم يؤتنا إياه وليس بخيلا وخلق أفعال عباده وعذّبهم عليها ولم يكن ظالما فلا تنكروا على من قال إنه جسم ولا يشبه خلقه وأنه يقول غير الحق ولا يكون كاذبا.

قال أبو محمد : فجوابنا وبالله ـ تعالى ـ التوفيق أنه ـ تعالى ـ لم يقل إنه جسم ولو قاله لقلناه ولم يكن ذلك تشبيها له بخلقه ، ولم يقل تعالى إنه يقول غير الحق ، بل قد أبطل ذلك وقطع بأن قوله الحق ، فمن قال على الله ما لم يقله فهو ملحد كاذب على الله

٢٠٥

عزوجل وقد قال ـ تعالى ـ إنه خلق كل شيء وخلقنا وما نعمل ، وأنه لو شاء لهدى كل كافر ، وأنه غير ظالم ولا بخيل ولا ممسك ، فقلنا ما قال من كل ذلك ، ولم نقل ما لم يقل ، وقلنا ما قام به البرهان العقلي ، من أنه ـ تعالى ـ خالق كلّ موجود دونه ، وأنه تعالى قادر على كل ما يسأل عنه وأنه لا يوصف بشيء من صفات العباد ، لا ظلم ولا بخل ، ولا غير ذلك ، ولم نقل ما قد قام به البرهان العقلي على أنه باطل من أنه جسم ، أو أنه يقول غير الحق.

وقال بعض أصحاب الأصلح وهو ابن بدد الغزال تلميذ محمد بن شبيب (١) تلميذ النظام : بلى إن عند الله ألطافا لو أتى بها الكفار لآمنوا إيمانا يستحقون معه الثواب ، إلا أن الثواب الذي يستحقونه على ما فعل بهم أعظم وأجل ، فلهذا منعهم تلك الألطاف.

قال أبو محمد : وهذا تمويه ضعيف لأننا إنما سألناهم هل يقدر الله ـ تعالى ـ على ألطاف إذا أتى بها أهل الكفر آمنوا إيمانا يستحقون به مثل هذا الثواب الذي يؤتيهم على الإيمان اليوم أو أكثر من ذلك الثواب؟ فلا بد له من ترك قوله أو تعجيز ربه تعالى.

قال أبو محمد : ونسأل جميع أصحاب الأصلح ، فنقول لهم وبالله ـ تعالى ـ التوفيق : أخبرونا عن كل من شاهد براهين الأنبياء عليهم‌السلام ممن لم يؤمن به ، وصحت عنده بنقل التواتر ، هل صحّ عندهم صحة لا مجال للشك فيها أنها شواهد موجبة صدق نبوتهم ، أو لم يصح ذلك عندهم إلا بغالب الظن ، وبصفة أنها مما يمكن أن يكون تخييلا أو سحرا أو نقلا مدخولا؟ ولا بد من أحد الوجهين.

فإن قالوا : بل صحّ ذلك عندهم صحة لا مجال للشك فيها ، وثبت ذلك في عقولهم بلا شك.

قلنا لهم : هذا هو الاضطرار نفسه الذي لا اضطرار في العالم غيره ، وهذه صفة كل من ثبت عنده شيء ثباتا متيقنا كمن يتيقن بالخبر الموجب للعلم ، موت فلان ،

__________________

(١) محمد بن شبيب البصري : من القائلين بالإرجاء في الإيمان ، وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة. وزعم محمد بن شبيب أن الإيمان هو الإقرار بالله والمعرفة برسله وبجميع ما جاء من عند الله ـ تعالى ـ مما نصّ عليه المسلمون : من الصلاة والزكاة والصيام والحج وكل ما لم يختلفوا فيه ، وقال : إن الإيمان يتبعّض ويتفاضل الناس فيه والخصلة الواحدة من الإيمان قد تكون بعض الإيمان وتاركها يكفر بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمنا بإصابة كلّه. انظر الفرق بين الفرق (ص ١٥١ و ١٥٤).

٢٠٦

وكون صفين ، والجمل ، وكسائر ما لم يشاهد المرء بحواسه ، فالكل على هذا مضطرون إلى الإيمان لا مختارون له.

وإن قالوا : لم يصح عندهم شيء من ذلك ، هذه الصحة.

قلنا لهم : فما قامت عليهم حجة النبوة قط ، ولا صحت لله تعالى عليهم حجة ، ومن كان هكذا فاختياره للإيمان إنما هو استحباب وتقليد واتباع لما مالت إليه نفسه وغلب في ظنه فقط ، وفي هذا بطلان جميع الشرائع وسقوط حجة الله تعالى ، وهذا كفر مجرد.

هل لله تعالى نعمة على الكفار أم لا؟

قال أبو محمد : اختلف المتكلمون في هذه المسألة.

فقالت المعتزلة : إن نعم الله تعالى على الكفار في الدين والدنيا كنعمه على المؤمنين ولا فرق.

وهذا قول فاسد قد نقضناه آنفا ولله الحمد.

وقالت طائفة أخرى : إن الله تعالى لا نعمة له على كافر أصلا ، لا في دين ولا دنيا.

وقالت طائفة : له تعالى عليهم نعم في الدنيا ، فأما في الدين فلا نعمة له عليهم فيه أصلا.

قال أبو محمد : قال الله عزوجل : (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [سورة النساء : ٥٩].

قال أبو محمد : فوجدنا الله عزوجل يقول : (اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) [سورة غافر : ٦١].

وقال تعالى : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ) [سورة غافر : ٦٤].

قال أبو محمد : فهذا عموم بالخطاب بإنعام الله تعالى على كل من خلق الله تعالى وعموم لمن يشكر من الناس ، والكفار من جملة ما خلق الله تعالى بلا شك.

وأما أهل الإسلام فكلهم شاكر لله تعالى بالإقرار به ، ثم يتفاضلون في الشكر ، وليس أحد من الخلق يبلغ كلّ ما عليه من شكر الله تعالى فصح أن نعم الله تعالى في الدنيا على الكفار كهي على المؤمنين ، وربما أكثر في بعضهم في بعض الأوقات ، قال

٢٠٧

تعالى : (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ) [سورة إبراهيم : ٢٨ ، ٢٩].

وهذا نص جليّ على نعم الله تعالى على الكفار ، وأنهم بدّلوها كفرا فلا يحل لأحد أن يعارض كلام ربه تعالى برأيه الفاسد.

وأما نعمة الله في الدّين ، فإن الله تعالى أرسل إليهم الرسل هادين لهم إلى ما يرضي الله تعالى وهذه نعمة عامّة بلا شك ، فلما كفروا وجحدوا نعم الله تعالى في ذلك أعقبهم البلاء وزوال النعمة كما قال عزوجل : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) [سورة الرّعد : ١١].

وبالله تعالى نتأيد وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٠٨

كتاب الإيمان والكفر والطاعات

والمعاصي والوعد والوعيد

قال أبو محمد : اختلف الناس في ماهية الإيمان.

فذهب قوم إلى أن الإيمان إنما هو : معرفة الله تعالى بالقلب فقط وإن أظهر اليهودية والنصرانية وسائر أنواع الكفر بلسانه وعبادته فإذا عرف الله تعالى بقلبه فهو مسلم من أهل الجنّة ، وهذا قول أبي محرز الجهم بن صفوان وأبي الحسن الأشعري البصري وأصحابهما.

وذهب قوم إلى أن الإيمان هو : إقرار باللسان بالله تعالى وإن اعتقد الكفر بقلبه ، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة ، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه.

وذهب قوم إلى أن الإيمان هو : المعرفة بالقلب والإقرار باللسان معا ، فإذا عرف المرء الدين بقلبه ، وأقرّ به بلسانه فهو مسلم كامل الإيمان والإسلام وأن الأعمال لا تسمى إيمانا ولكنها شرائع الإيمان ، وهذا قول أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه وجماعة من الفقهاء.

وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج إلى أن الإيمان هو : المعرفة بالقلب بالدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح ، وأن كل طاعة وعمل خير فرضا كان أو نافلة فهي إيمان ، وكلما ازداد الإنسان خيرا ازداد إيمانه ، وكلما عصى نقص إيمانه ، وقال محمد بن زياد الحريري الكوفي : من آمن بالله عزوجل وكذب برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فليس مؤمنا على الإطلاق ولا كافرا على الإطلاق ، ولكنه مؤمن كافر معا ، لأنه آمن بالله تعالى فهو مؤمن ، وكافر بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو كافر.

قال أبو محمد : فحجة الجهمية ، والكرامية ، والأشعرية ، ومن ذهب مذهب أبي حنيفة حجة واحدة وهي أنهم قالوا : إنما نزل القرآن بلسانه عربي مبين ، وبلغة العرب خاطبنا الله تعالى ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والإيمان في اللغة هو : التصديق ، فقط ، والعمل بالجوارح لا يسمى في اللغة تصديقا فليس إيمانا ، قالوا : والإيمان هو التوحيد ، والأعمال

٢٠٩

لا تسمى توحيدا فليست إيمانا ، قالوا ولو كانت الأعمال توحيدا وإيمانا لكان من ضيع شيئا منها قد ضيع الإيمان ، وفارق الإيمان ، فوجب أن لا يكون مؤمنا. قالوا : وهذه الحجة إنما تلزم أصحاب الحديث خاصة ، لا تلزم الخوارج ولا المعتزلة ، لأنهم يقولون بذهاب الإيمان جملة بإضاعة الأعمال.

قال أبو محمد : ما لهم حجة غير ما ذكرنا ، وكل ما ذكروا فلا حجة لهم فيه أصلا لما نذكره إن شاء عزوجل.

قال أبو محمد : إن الإيمان هو التصديق في اللغة ، فهذا حجة على الأشعرية والجهمية والكرامية مبطلة لأقوالهم إبطالا تاما كافيا لا يحتاج معه إلى غيره ، وذلك قولهم : إن الإيمان في اللغة التي نزل بها القرآن هو التصديق فليس كما قالوا على الإطلاق ، وما سمي قط التصديق بالقلب دون التصديق باللسان إيمانا في لغة العرب ، وما قال قط عربي : إن من صدّق شيئا بقلبه فأعلن التكذيب به بقلبه وبلسانه فإنه يسمى مصدقا به أصلا ولا مؤمنا به البتة ، وكذلك ما سمي قط التصديق باللّسان دون التصديق بالقلب إيمانا في لغة العرب أصلا على الإطلاق ، ولا يسمى تصديقا في لغة العرب ولا إيمانا مطلقا إلا من صدّق بالشيء بقلبه ولسانه معا ، فبطل تعلق الجهمية والأشعرية باللغة جملة ، ثم نقول لمن ذهب مذهب أبي حنيفة في أن الإيمان إنما هو التصديق باللسان والقلب معا ، وتعلق في ذلك باللغة : إن تعلقكم باللغة لا حجة لكم فيه أصلا ، لأن اللغة يجب فيها ضرورة أن كل من صدّق بشيء فإنه مؤمن به وأنتم والأشعرية والجهمية والكرامية كلكم توقعون اسم الإيمان ، ولا تطلقونه على كل من صدّق بشيء ما ، ولا تطلقونه إلا على صفة محدودة دون سائر الصفات ، وهي من صدق الله عزوجل وبرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبكل ما جاء به القرآن والبعث والجنة والنار والصلاة والزكاة وغير ذلك مما قد أجمعت الأمة على أنه لا يكون مؤمنا من لم يصدق به ، وهذا خلاف اللغة مجرد.

فإن قالوا : إن الشريعة أوجبت علينا هذا.

قلنا : صدقتم ، فلا تتعلقوا باللغة حيث جاءت الشريعة بنقل اسم منها عن موضوعه في اللغة كما فعلتم آنفا سواء بسواء ولا فرق.

قال أبو محمد : ولو كان ما قالوه صحيحا لوجب أن يطلق اسم الإيمان على كل من صدّق بشيء ما ، ولكان من صدّق بإلهية الحلّاج ، وبإلهية المسيح ، وبإلهية الأوثان ، مؤمنين ، لأنهم مصدقون بما صدقوا به وهذا لا يقوله أحد ممن ينتمي إلى

٢١٠

الإسلام ، بل قائله كافر عند جميعهم ، ونص القرآن يكفر من قال بهذا قال الله تعالى : (وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [سورة النساء : ١٥٠ ، ١٥١].

فهذا الله عزوجل شهد بأن قوما يؤمنون ببعض الرسل وبالله تعالى ويكفرون ببعض فلم يجز مع ذلك أن يطلق عليهم اسم الإيمان أصلا ، بل أوجب لهم اسم الكفر بنص القرآن.

قال أبو محمد : وقول محمد بن زياد الحريري لازم لهذه الطوائف كلها لا ينفكون عنه على مقتضى اللغة وموجبها وهو قول لم يختلف مسلمان في أنه كفر مجرد ، وأنه خلاف للقرآن كما ذكرنا.

قال أبو محمد : فبطل تعلق هذه الطوائف باللغة جملة.

وأما قولهم : إنه لو كان العمل يسمى إيمانا لكان من ضيّع منه شيئا فقد أضاع الإيمان ووجب أن لا يكون مؤمنا.

فإني قلت لبعضهم وقد ألزمني هذا الإلزام كلام تفسيره وبسطه أننا لا نسمي في الشريعة اسما إلا بأن يأمرنا الله تعالى أن نسميه أو يبيح لنا الله بالنص أن نسميه ، لأننا لا ندري مراد الله عزوجل منا إلا بوحي وارد من عنده علينا ومع هذا فإن الله عزوجل يقول منكرا لمن سمى في الشريعة شيئا بغير إذنه عزوجل (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى) [سورة النجم : ٢٣ ، ٢٤].

وقال تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) [سورة البقرة : ٣١ ، ٣٢].

فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لنبي دون الله تعالى ومن خالف هذا فقد افترى على الله عزوجل الكذب وخالف القرآن فنحن لا نسمي مؤمنا إلا من سماه الله عزوجل مؤمنا ولا نسقط الإيمان بعد وجوبه إلا عمن أسقطه الله عزوجل ووجدنا بعض الأعمال التي سمّاها الله عزوجل إيمانا لم يسقط الله عزوجل اسم الإيمان عن تاركها فلم يجز لنا أن نسقط عنه لذلك ، لكن نقول : إنه ضيّع بعض الإيمان ولم يضيّعه كله كما جاء النص على ما نبين إن شاء الله تعالى.

قال أبو محمد : فإذا سقط كل ما موّهت به هذه الطوائف كلها ولم يبق لهم

٢١١

حجة أصلا فلنقل بعون الله عزوجل وتأييده في بسط حجة القول الصحيح الذي هو قول جمهور أهل الإسلام ومذهب الجماعة وأهل السنة وأصحاب الآثار من أن الإيمان عقد وقول وعمل ، وفي بسط ما أجملناه مما نقدنا به قول المرجئة وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد رضي الله عنه : أصل الإيمان كما قلنا في اللغة : التصديق بالقلب وباللسان معا بأي شيء صدّق المصدق لا شيء دون شيء البتة إلا أن الله عزوجل على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوقع لفظة الإيمان على العقد بالقلب لأشياء محدودة مخصوصة معروفة لا على العقد لكل شيء ، وأوقعها أيضا تعالى على الإقرار باللّسان بتلك الأشياء خاصة لا بما سواها وأوقعها أيضا على أعمال الجوارح لكل ما هو طاعة له تعالى فقط ، فلا يحل لأحد خلاف الله تعالى فيما أنزله وحكم به وهو تعالى خالق اللغة وأهلها فهو أملك بتصريفها وإيقاع أسمائها على ما يشاء. ولا عجب أعجب ممن أن وجد لامرئ القيس أو لزهير أو لجرير أو الحطيئة أو الطّرمّاح أو للشماخ أو لأعرابي أسدي ، أو سلمي أو تميمي ، أو من سائر أبناء العرب بوّال على عقبيه لفظا في شعر أو نثر جعله في اللغة وقطع به ولم يعترض فيه ثم إذا وجد لله تعالى خالق اللغات وأهلها كلاما لم يلتفت إليه ولا جعله حجة ، وجعل يصرفه عن وجهه ويحرفه عن مواضعه ويتحيل في حالته عما أوقعه الله عليه ، وإذا وجد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلاما فعل به مثل ذلك.

وتالله لقد كان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قبل أن يكرمه الله تعالى بالنبوة وأيام كونه فتى بمكة بلا شك عند كل ذي مسكة من عقل أعلم بلغة قومه وأفصح فيها وأولى بأن يكون ما نطق به من ذلك حجة من كل خندفي (١) ، وقيسي ، وربيعي (٢) ، وإيادي وتيمي ، وقضاعي ، وحميري ، فكيف بعد أن اختصه الله تعالى للنذارة واجتباه للوساطة بينه وبين خلقه ، وأجرى على لسانه كلامه وضمن حفظه وحفظ ما يأتي به؟ فأيّ ضلال أضل ممن يسمع لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب يقول :

__________________

(١) هذه النسبة إلى خندف ، وهي امرأة إلياس بن مضر واسمها ليلى ، وكان سبب تلقيبها بذلك أن إلياس خرج منتجعا فنفرت إبله من أرنب فخرج إليها عمرو فأدركها فسمي مدركة ، وأخذها عامر فطبخها فسمي طابخة ، وانقمع عمير في الخباء فسمي قمعة ، وخرجت أمهم تمشي الخندفة فسميت خندف. والخندفة : مشي تبختر. انظر الأنساب للسمعاني (٢ / ٤٠٦) واللباب لابن الأثير.

(٢) كذا في الأصل. والصواب «ربعي» بدون ياء ، نسبة إلى ربيعة بن نزار. انظر الأنساب للسمعاني (٣ / ٤٣).

٢١٢

فعلت فروع الأيهقان وأطفلت

بالجلهتين ظباؤها ونعامها (١)

فجعله حجة وأبو زياد الكلابي (٢) يقول : «ما عرفت العرب قط الأيهقان وإنما هو اللهق بيت معروف».

ويسمع قول ابن أحمر (٣) «كما تفلّق عن مأموسة الحجر». وعلماء اللغة يقولون إنه لم يعرف قط لأحد من العرب أنه سمى النار «مأموسة» إلا ابن أحمر فيجعله حجة ويجيز قول من قال من الأعراب : «هذا جحر ضبّ خرب» وسائر الشواذ عن معهود اللغة مما يكثر لو تكلفنا ذكره ويحتجّ بكل ذلك ثم يمتنع من إيقاع اسم الإيمان على ما أوقعه عليه الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم محمد بن عبد الله القرشي المسترضع في بني سعد ابن بكر ويكابر في ذلك بكل باطل ، وبكل حماقة ، وبكل دفع للمشاهدة ونعوذ بالله من الخذلان.

قال أبو محمد : فمن الآيات التي أوقع الله تعالى فيها اسم الإيمان على أعمال الديانة قوله عزوجل : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) [سورة الفتح : ٤].

قال أبو محمد : والتصديق بالشيء أيّ شيء كان لا يمكن البتة أن يقع فيه زيادة ولا نقص ، وكذلك التصديق بالتّوحيد والنبوة لا يمكن البتة أن يكون فيه زيادة ولا نقص ، لأنه لا يخلو كل معتقد بقلبه أو مقر بلسانه بأي شيء أقرّ أو أي شيء اعتقد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها :

إما أن يصدق بما اعتقد وأقر.

وإما أن يكذّب بما اعتقد.

وإما منزلة بينهما : وهي الشك.

__________________

(١) البيت في ديوان لبيد (ص ٢٩٨) والإنصاف (٢ / ٦١١) والخصائص (٢ / ٤٣٢) ولسان العرب (١٠ / ١١ ـ أهق) و (١١ / ٤٠٢ ـ طفل) و (١٣ / ٤٨٥ ـ جله) و (١٥ / ١٣٤ ـ غلا).

والأيهقان : الجرجير البري. وأطفلت المرأة والظبية والنعم : إذا كان معها ولد طفل. والجلهتان : مثنى الجهلة ، وهي ما استقبلك من حروف الوادي ؛ وجمعها : جلاه.

(٢) أبو زياد الكلابي : اسمه يزيد بن عبد الله بن الحرّ ، أعرابيّ بدوي. قال دعبل : قدم بغداد أيام المهدي حين أصابت الناس المجاعة ونزل قطيعة العباس بن محمد وأقام بها أربعين سنة وبها مات. وكان شاعرا من بني عامر بن كلاب. وله من الكتب : كتاب النوادر ، كتاف الفرق ، كتاب الإبل ، كتاب خلق الإنسان. انظر الفهرست للنديم (ص ٥٠).

(٣) هو عمرو بن أحمر الباهلي. له ديوان مطبوع.

٢١٣

فمن المحال أن يكون إنسان مكذبا بما يصدق به.

ومن المحال أن يشك أحد فيما يصدق به.

فلم يبق إلا أنه مصدّق بما اعتقد بلا شك ، ولا يجوز أن يكون تصديق واحد أكثر من تصديق آخر لأن حد التصديق إذا دخلت داخله فبالضرورة يدري كلّ ذي حس سليم أنه قد خرج عن التصديق ولا بدّ ، وحصل في الشك ، لأن معنى التصديق إنما هو أن يقطع ويوقن وجود ما صدّق به ، ولا سبيل إلى التفاضل في هذه الصّفة ، فإن لم يقطع ولا أيقن بصحته فقد شكّ فيه فليس مصدقا به وإذا لم يكن مصدقا به فليس مؤمنا به.

فصحّ أن الزيادة التي ذكر الله عزوجل في الإيمان ليست في التّصديق أصلا ولا في الاعتقاد البتة فهي ضرورة في غير التصديق وليس هاهنا إلا الأعمال فقط.

فصح يقينا أن أعمال البر إيمان بنصّ القرآن وكذلك قول الله عزوجل : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً) [سورة التوبة : ١٢٤].

وقوله تعالى : (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً) [سورة آل عمران : ١٧٣].

فإن قال قائل : معنى زيادة الإيمان هاهنا إنما هو لمّا نزلت تلك الآية صدقوا بها فزادهم بنزولها إيمانا وتصديقا بشيء وارد لم يكن عندهم.

قيل لهم وبالله تعالى التوفيق : هذا محال ، لأنه قد اعتقد المسلمون في أول إسلامهم أنهم مصدقون بكل ما يأتيهم به نبيهم عليه الصلاة والسلام في المستأنف فلم يزدهم نزول الآية تصديقا لم يكونوا اعتقدوه.

فصحّ أن الإيمان الذي زادتهم الآيات إنما هو العمل بها الذي لم يكونوا عملوه ولا عرفوه ولا صدّقوا به قط ، ولا كان جائزا لهم أن يعتقدوه ويعملوا به ، بل كان فرضا عليهم تركه والتكذيب بوجوبه والزيادة لا تكون إلا في كمية عدد لا فيما سواه ، ولا عدد للاعتقاد ولا كمية ، وإنما الكمية والعدد في الأعمال والأقوال قط.

فإن قالوا : إن تلاوتهم لها زيادة إيمان.

قلنا : صدقتم. وهذا هو قولنا ، والتلاوة عمل بجارحة اللسان ليس إقرارا بالمعتقد ، ولكنه من نوع الذكر بالتسبيح والتهليل. وقال تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) [سورة البقرة : ١٤٣].

٢١٤

ولم يزل أهل الإسلام قبل الجهمية والأشعرية والكرّامية وسائر المرجئة مجمعين على أنّه تعالى إنما عنى بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن ينسخ بالصلاة إلى الكعبة وقال عزوجل : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) [سورة المائدة : ٣].

وقال عزوجل : (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [سورة البينة : ٥].

فنص تعالى على أن عبادة الله تعالى في حال إخلاص الدين له تعالى وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة الواردتين في الشريعة كله دين القيمة وقال تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) [سورة آل عمران : ١٩].

وقال تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) [سورة آل عمران : ٨٥].

فنص تعالى أن الدين هو الإسلام ، ونصّ قبل على أن العبادات كلها والصلاة والزكاة هي الدين فأنتج ذلك يقينا أن العبادات هي الدين ، والدين هو الإسلام ، فالعبادات هي الإسلام وقال عزوجل : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [سورة الحجرات : ١٧].

وقال تعالى : (فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [سورة الذاريات : ٣٥ ، ٣٦].

فهذا نصّ جليّ على أن الإسلام هو الإيمان ، وقد وجب قبل بما ذكرنا أن أعمال البرّ كلها هي الإسلام ، والإسلام هو الإيمان ، فأعمال البرّ كلها إيمان وهذا برهان ضروري لا محيد عنه وبالله تعالى التوفيق.

وقال تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [سورة النساء : ٦٥].

فنص ـ تعالى ـ وأقسم بنفسه أنه لا يكون مؤمنا إلا بتحكيم النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في كل ما عنّ ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجا مما قضى. فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب ، وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به.

فصح يقينا أن الإيمان اسم واقع على الأعمال في كل ما في الشريعة وقال تعالى : (وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) [سورة النساء : ١٥٠ ، ١٥١].

٢١٥

فصحّ أن لا يكون التصديق مطلقا إيمانا إلا حتّى يستضيف إليه ما نصّ الله تعالى عليه.

ومما يتبين أن الكفر يكون بالكلام قول الله عزوجل : (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) إلى قوله : (يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) [سورة الكهف : ٣٥ ـ ٤٢].

فأثبت الله الشرك والكفر مع إقراره بربه تعالى إذ شك في البعث وقال تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) [سورة البقرة : ٨٥].

فصح أنّ من آمن ببعض الدين وكفر بشيء منه فهو كافر مع صحة تصديقه لما صدق من ذلك.

قال أبو محمد : وأكثر الأسماء الشرعية فإنها موضوعة من عند الله تعالى على مسمّيات لم يعرفها العرب قط ، هذا أمر لا يجهله أحد من أهل الأرض ممّن يدري اللغة العربية ويدري الأسماء الشرعية كالصلاة فإنه موضوع هذه اللفظة في لغة العرب : الدّعاء فقط.

فأوقعها الله تعالى عزوجل على حركات محدودة معدودة من قيام موصوف إلى جهة موصوفة لا تتعدى ، وركوع كذلك وسجود كذلك وقعود كذلك وقراءة كذلك وذكر كذلك في أوقات محدودة وبطهارة محدودة وبلباس محدود ، متى لم تكن على ذلك بطلت ولم تكن صلاة ، وما عرفت العرب قط شيئا من هذا كله فضلا عن أن تسميه حتى أتانا بهذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقد قال بعضهم : إن في الصلاة دعاء فلم يخرج الاسم بذلك عن موضوعه في اللغة.

قال أبو محمد : وهذا باطل لأنه لا خلاف بين أحد من الأمة في أن من أتى بعدد الركعات وقرأ أم القرآن وقرآنا معها في كل ركعة وأتى بعدد الركوع والسجود والجلوس والقيام والتشهد وصلّى على النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسلم بتسليمتين فقد صلّى كما أمر وإن لم يدع بشيء أصلا.

وفي الفقهاء من يقول : إن من صلى خلف الإمام فلم يقرأ أصلا ولا تشهد ولا دعا أصلا فقد صلى كما أمر.

وأيضا فإن ذلك الدعاء في الصلاة لا يختلف أحد من الأمة في أنه ليس شيئا ولا يسمى صلاة أصلا عند أحد من أهل الإسلام.

٢١٦

فعلى كل قد أوقع الله عزوجل اسم الصلاة على أعمال غير الدعاء ولا بد ، وعلى دعاء محدود لم تعرفه العرب قط ، ولا عرفت إيقاع الصلاة على دعاء بعينه دون سائر الدعاء.

ومنها الزكاة ، وهي موضوعة في اللغة للنماء والزيادة فأوقعها الله تعالى على إعطاء مال محدود معدود من جملة أموال ما موصوفة معدودة معينة دون سائر الأموال لقوم محدودين في أوقات محدودة فإن هو تعدّى شيئا من ذلك لم يقع على فعله ذلك اسم زكاة ولم تعرف العرب قط هذه الصفات.

والصيام في لغة العرب : الوقوف.

نقول : صام النهار إذا طال حتى صار كأنه واقف لطوله.

قال امرؤ القيس :

إذا صام النّهار وهجّرا (١)

وقال آخر وهو النابغة الذبياني :

خيل صيام وخيل غير صائمة

تحت العجاج وخيل تعلك اللّجما (٢)

فأوقع الله تعالى اسم الصيام على الامتناع من الأكل والشرب والجماع وتعمد القيء من وقت محدود بتبين الفجر الثاني إلى غروب الشمس في أوقات من السنة محدودة فإن تعدّى لم يسمّ صياما وهذا أمر لم تعرفه العرب قط.

فظهر فساد قول من قال : إن الأسماء لا تنقل في الشريعة عن موضوعها في اللغة. وصح أن قولهم هذا مجاهرة سمجة قبيحة.

قال أبو محمد : فإذ قد وضح وجود الزيادة في الإيمان بخلاف قول من قال إنه

__________________

(١) تمام البيت :

فدع ذا وسلّ الهمّ عنك بجشرة

ذمول إذا صام النهار وهجّرا

وهو في ديوان امرئ القيس (ص ٦٣) ولسان العرب (٥ / ٢٥٥ ـ هجر) و (١٢ / ٣٥١ ـ صوم) وتهذيب اللغة (١٢ / ١٥٩) وأساس البلاغة (جسر) وتاج العروس (١٤ / ٤٠٢ ـ هجر) و (صام) ومقاييس اللغة (٣ / ٣٢٣).

(٢) البيت في ملحق ديوان النابغة الذبياني (ص ٢٤٠) ولسان العرب (١٠ / ٤٧٠ ـ علك) و (١٢ / ٣٥١ ـ صوم) وتهذيب اللغة (١ / ٣١٣ ، ١٢ / ٢٥٩) وجمهرة اللغة (ص ٨٩٩) وكتاب العين (١ / ٢٠٢) ومقاييس اللغة (٣ / ٣٢٣ ، ٤ / ١٣٢) ومجمل اللغة (٣ / ٢٥١) والمخصص (١٣ / ٩٠) والمعاني الكبير (ص ٩١٥) والكامل (ص ٩٩٢) وتاج العروس (علك ، صوم).

٢١٧

التصديق ، فبالضرورة ندري أن الزيادة تقتضي النقص ضرورة ولا بدّ لأن معنى الزيادة إنما هي عدد مضاف إلى عدد ، وإذا كان ذلك فذلك العدد المضاف إليه هو بيقين ناقص عند عدم الزيادة فيه وقد جاء النص بذكر النقص وهو قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم المشهور المنقول نقل الكواف أنه قال للنساء : «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للبّ الرّجل الحازم منكنّ» قلن : يا رسول الله وما نقصان ديننا؟ قال عليه‌السلام : «أليس تقيم المرأة العدد من الأيّام واللّيالي لا تصوم ولا تصلّي فهذا نقصان دينها» (١).

قال أبو محمد : ولو نقص من التصديق شيء لبطل عن أن يكون تصديقا ، لأن التصديق لا يتبعض أصلا ، ولصار شكا ـ وبالله تعالى التوفيق ـ وهم مقرّون بأن امرأ لو لم يصدق بآية من القرآن أو بسورة منه وصدق بسائره لبطل إيمانه.

فصحّ أن التصديق لا يتبعض أصلا.

قال أبو محمد : وقد نص الله عزوجل على أن اليهود يعرفون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وأنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وقال تعالى : (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) [سورة الأنعام : ٣٣].

وأخبر تعالى عن الكفار فقال : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [سورة الزخرف : ٨٧].

فأخبر تعالى أنهم يعرفون صدقه ولا يكذبونه وهم اليهود والنصارى وهم كفار بلا خلاف من أحد من الأمة ومن أنكر كفرهم فلا خلاف من أحد من الأمة في كفره وخروجه عن الإسلام.

ونصّ تعالى عن إبليس أنه عارف بالله تعالى وبملائكته وبرسله وبالبعث ، وأنه قال : (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [سورة الحجر : ٣٦].

وقال : (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) [سورة الحجر : ٣٣].

وقال : (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [سورة الأعراف : ١٢].

وكيف لا يكون مصدقا بكل ذلك وهو قد شاهد ابتداء خلق الله تعالى لآدم ،

__________________

(١) رواه البخاري في الحيض باب ١٦ ، والزكاة باب ٤٤. ومسلم في الإيمان (حديث ١٣٢) وأبو داود في السنّة باب ١٥. والترمذي في الإيمان باب ٦. وابن ماجة في الفتن باب ١٩. وأحمد في المسند (٢ / ٦٧ ، ٣٧٣ ، ٣٧٤).

٢١٨

وخاطبه تعالى خطابا كثيرا ، وسأله (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) [سورة ص : ٧٥] ، وأمره بالخروج من الجنة ، وأخبره أنه منظر إلى يوم الدّين وأنه ممنوع من إغواء من سبقت له الهداية؟

وهو مع ذلك كله كافر بلا خلاف. إما بقوله عن آدم : أنا خير منه ، وإما بامتناعه للسجود ؛ لا يشك أحد في ذلك. ولو كان الإيمان هو بالتصديق والإقرار فقط لكان جميع المخلدين في النار من اليهود والنصارى وسائر الكفار مؤمنين حينئذ ، لأنهم كلهم مصدقون بكل ما كذّبوا به في الدنيا مقرون بكل ذلك ، ولكان إبليس واليهود والنصارى في الدنيا مؤمنين ضرورة وهذا كفر مجرد ممن أجازه ، وإنما كفر أهل النار بمنعهم من الأعمال.

قال تعالى : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ) [سورة القلم : ٤٢].

قال أبو محمد : فلجأ هؤلاء المخاذيل إلى أن قالوا : إن اليهود والنصارى لم يعرفوا قط أن محمدا رسول الله ، ومعنى قول الله تعالى : (يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) [سورة البقرة : ١٤٦ ، الأنعام : ٢٠]. أي أنهم يميّزون صورته ويعرفون أن هذا الرجل هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي فقط.

وأن معنى قوله تعالى : (يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) [سورة الأعراف : ١٥٧].

إنما هو أنهم يجدون سوادا في بياض لا يدرون ما هو ولا يفهمون معناه ، وأن إبليس لم يقل شيئا مما ذكر الله عزوجل عنه أنه قاله مجدّا ، بل قاله هازلا.

وقال هؤلاء أيضا : إنّه ليس على ظهر الأرض ولا كان قط كافر يدري أن الله حق ، وأن فرعون قط لم يتبين له أن موسى نبي بالآيات التي عمل.

قال أبو محمد : وقالوا : إذا كان الكافر يصدّق أن الله حق ، والتصديق إيمان في اللغة فهو مؤمن إذا أوجد فيه إيمان ليس به مؤمنا وكلا القولين محال.

قال أبو محمد : هذه نصوص أقوالهم التي رأيناها في كتبهم وسمعناها منهم وكان ممّا احتجوا به لهذا الكفر المجرد أن قالوا : إن الله عزوجل سمّى كل من ذكرنا كفارا ومشركين فدلّ ذلك على أنه علم أن في قولهم كفرا وشركا وجحدا.

وقال هؤلاء : إن شتم الله عزوجل وشتم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس كفرا لكنه دليل على أن في قلبه كفرا.

٢١٩

قال أبو محمد : أما قولهم في إخبار الله تعالى عن اليهود : أنهم يعرفون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما يعرفون أبناءهم ، وعن اليهود والنّصارى أنهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.

فباطل بحت ومجاهرة لا حياء معها ، لأنه لو كان كما ذكروا لما كان في ذلك حجة لله تعالى عليهم ، وأيّ معنى أو أي فائدة في أن يجيزوا صورته ويعرفوا أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقط؟ أو في أن يجدوا كتابا لا يفقهون معناه؟

فكيف ونص الآية نفسها مكذبة لهم؟ لأنه تعالى يقول : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [سورة البقرة : ١٤٦].

فنصّ تعالى أنهم يعلمون الحق في نبوته.

وقال في الآية الأخرى : (يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ) [سورة الأعراف : ١٥٧].

وإنما أورد تعالى معرفتهم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم محتجا عليهم بذلك لا أنه أتى من ذلك بكلام لا فائدة فيه.

وأما قولهم في إبليس فكلام داخل في الاستخفاف بالله عزوجل وبالقرآن لا وجه له غير هذا ، إذ من المحال الممتنع في العقل وفي الإمكان غاية الامتناع أن يكون إبليس يوافق في هزله عين الحقيقة في أن الله تعالى كرّم آدم عليه‌السلام ، عليه ، وأنه تعالى أمره بالسجود فامتنع.

وفي أن الله تعالى خلق آدم من طين وخلقه من نار.

وفي إخباره آدم أن الله تعالى نهاه عن الشجرة وفي دخوله الجنة وخروجه عنها إذ أخرجه الله تعالى.

وفي سؤاله الله تعالى النظر.

وفي ذكره يوم يبعث العباد.

وفي إخباره أن الله تعالى أغواه.

وفي تهديده ذرية آدم قبل أن يكونوا.

وقد شاهد الملائكة والجنة وابتداء خلق آدم ، ولا سبيل إلى موافقة هازل بمعان صحيحة لا يعلمها ، فكيف بهذه الأمور العظيمة؟

٢٢٠