الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وجل إذ يقول تعالى : (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) [سورة الأنعام : ١٥٨].

ومثل قوله تعالى : (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) [سورة السجدة : ٢٨ ، ٢٩].

ومثل حالة المحتضر عند المعاينة التي لا يقبل فيها إيمانه. وكما قيل لفرعون : (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) [سورة يونس : ٩١].

قال أبو محمد : فيقال لهم هذه الآيات حق وقد شاهدت الملائكة تلك الآيات وتلك الأحوال ولم يبطل بذلك قبول إيمانهم إيمان فهلّا على أصولكم صار إيمانهم إيمان اضطرار لا يستحقون عليه جزاء في الجنة أم صار جزاؤهم عليه أفضل من جزاء كل مؤمن دونهم وهذا لا مخلص لهم منه أصلا. ثم نقول لهم : أخبرونا عن إيمان التوفيق إذ صح عندهم صدق النبي بمشاهدة المعجزات من شقّ القمر ، وإطعام النفر الكثير من الطعام اليسير ، ونبعان الماء الغزير من بين الأصابع ، وشق البحر ، وإحياء الموتى ، وأوضح كل ذلك بنقل التواتر الذي به صح ما كان قبلنا من الوقائع والملوك وغير ذلك ما يصير فيه من بلغه كمن شاهده ولا فرق في صحة اليقين لكونه هل إيمانهم إلا إيمان يقين قد صح عندهم وأنه حمق ولم يتجلى لهم فيه شك بل علمهم به كعلمهم أن ثلاثة أكثر من اثنين وكعلمهم ما شاهدوه بحواسهم في أنه كله حق وعلموه ضرورة أم إيمانهم ذلك ليس يقينا مقطوعا بصحة ما آمنوا به عنده كقطعهم على صحة ما علموه بحواسهم ولا سبيل إلى قسم ثالث ...؟ فإن قالوا : بل هو الآن يقين قد صح علمهم بأنه حق لا مدخل للشك فيه عندهم كيقينهم صحة ما علموه بمشاهدة حواسهم.

قلنا لهم : نعم هذا هو الإيمان الاضطراري بعينه ولا تفرقوا ، وهذا الذي موهتم بأنه لا يستحق عليه من الجزاء كالذي يستحقه على غيره ، وبطل تمويهكم بحمد الله تعالى إذ قلتم : إن معنى قوله تعالى : (لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) [سورة الأنعام آية رقم ٣٥] (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) [سورة يونس آية رقم ٩٩] أنه كان يضطرهم إلى الإيمان.

فإن قيل : بل ليس إيمان المؤمنين هكذا ولا علمهم بصحة التوحيد والنبوة على يقين وضرورة.

قيل لهم : قد أوجبتم أن المؤمنين على شك في إيمانهم وعلى عدم يقين في اعتقادهم وليس هذا إيمانا بل كفر مجرد ممن كان دينه هكذا فإن كان هذا صفة إيمان المعتزلة فهم أعلم بأنفسهم وأما نحن فإيماننا ولله الحمد إيمان ضروري لا مدخل للشك فيه كعلمنا أن ثلاثة أكثر من اثنين وأن كلّ بناء فمبني وكل من أتى

١٨١

معجزة فمحقّ في نبوته ولا نبالي أكان ابتداء علمنا استدلالا أم مدركا بالحواس إذ كانت نتيجة كل ذلك سواء في نفي صحة الشيء المعتقد وبالله تعالى التوفيق.

ثم نسألهم عن الذين يجحدون بعض آيات ربنا يوم لا ينفع نفسا إيمانها :

أكان الله تعالى قادرا على أن ينفعهم بذلك الإيمان ويجزيهم عليه جزاءه لسائر المؤمنين أم هو تعالى غير قادر على ذلك؟ فإن قالوا بل قادر على ذلك رجعوا إلى الحق والتسليم لله عزوجل وأنه تعالى منع من شاء وأعطى من شاء وأنه تعالى أبطل إيمان بعض من آمن عند رؤية آية من آياته ولم يبطل إيمان من آمن عند رؤية آية أخرى وكلها سواء في باب الإعجاز وهذا هو المحاباة المحضة والجور البين عند المعتزلة فإن عجّزوا ربهم تعالى عن ذلك أحالوا وكفروا وجعلوه تعالى مضطرا مطبوعا محكوما عليه ، تعالى الله عن ذلك.

قال أبو محمد : وقد قال عزوجل : (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) [سورة يونس : ٩٨].

فهؤلاء قوم يونس لما رأوا العذاب آمنوا فقبل الله عزوجل منهم إيمانهم وآمن فرعون وسائر الأمم المعذبة إذ رأوا العذاب فلم يقبل الله عزوجل منهم ففعل الله تعالى ما شاء لا معقب لحكمه فظهر فساد قولهم في أن الإيمان الاضطراري لا يستحق عليه جزاء جملة وصح أن الله تعالى يقبل إيمان من شاء ولا يقبل إيمان من شاء ولا مزيد. ثم يقال لهم وبالله تعالى التوفيق : هبكم لو صح لكم هذا الباطل الغث الذي هذيتم به من أن معنى قوله تعالى : (لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) [سورة الأنعام : ٣٥] إنما هو لاضطرّهم إلى الإيمان فأخبرونا لو كان ذلك فأيّ ضرر كان يكون في ذلك على الناس والجن بل كان يكون في ذلك الخير كله وما ذا ضر الأطفال إذا لم يكن لهم إيمان اختياري كما تزعمون وقد حصلوا على أفضل المواهب من السلامة من النار بالجملة ومن هول المطلع وصعوبة الحساب وفظاعة تلك المواقف كلها ودخل الجنة جميعهم بسلام آمنين منعمين لم يروا فزعا رآه غيرهم وأيضا فإن دعواهم هذه التي كذبوا فيها على الله عزوجل إذ وصفوا عن مراد الله تعالى ما لم يقله تعالى فقد خالفوا فيها القرآن واللغة لأن اسم الهدى والإيمان لا يقعان البتة على معنى غير المعنى المعهود في القرآن واللغة وهما طاعات الله عزوجل والعمل بها والتصديق بجميعها الموجب كل ذلك ـ بنص القرآن ـ رضي الله عزوجل وجنته ، ولا يسمى الجماد والحيوان غير الناطق ولا المجنون ولا الطفل مؤمنا ولا مهتديا إلا على معنى جري أحكام الإيمان على المجنون

١٨٢

والطفل خاصة. وبرهان ما قلنا قول الله تعالى : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [سورة السجدة : ١٣] فصح أن الهدى الذي لو أراد الله تعالى جمع الناس عليه هو المنقذ من النار والذي لا يملأ جهنم من أهله وكذلك قوله تعالى : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) [سورة يونس : ١٠٠].

فصح أن الإيمان جملة شيء واحد وهو المنقذ من النار الموجب للجنة. وأيضا فإن الله عزوجل يقول : (مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) [سورة الكهف : ١٧] ويقول : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة القصص : ٥٦].

ويقول تعالى : (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة البقرة : ٢٧٢].

فهذه الآيات مبينة أن الهدى المذكور هو الاختياري عند المعتزلة لأنه تعالى يقول لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [سورة يونس : ٩٩].

وقال تعالى : (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) [سورة البقرة : ٢٥٦].

فصح يقينا أن الله تعالى لم يرد قط بقوله : (لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) و (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) إيمانا فيه إكراه فبطل هذرهم والحمد لله رب العالمين.

فإن قالوا لنا : فإذا أراد الله تعالى كون الكفر والضلال فأريدوا ما أراد الله تعالى من ذلك. قلنا لهم وبالله التوفيق : ليس لنا من أن نفعله ما لم نؤمر به ولا يحل لنا أن نريد ما لم يأمرنا الله تعالى بإرادته وإنما علينا ما أمرنا به فنكره ما أمرنا بكراهيته ونحب ما أمرنا بمحبته ونريد ما أمرنا بإرادته ثم نسألهم هل أراد الله تعالى إمراض النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ أمرضه ، وموته صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ أماته ، وموت إبراهيم ابنه إذ أماته أو لم يرد الله تعالى شيئا من ذلك؟ فلا بد أن الله تعالى أراد كون كل ذلك فيلزمهم أن يريدوا موت النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومرضه وموت ابنه إبراهيم لأن الله تعالى أراد كون كل ذلك. فإن أجابوا إلى ذلك ألحدوا بلا خلاف وعصوا الله ورسوله وإن أبوا من ذلك بطل ما أرادوا إلزامنا إياه. إلا أنه لازم لهم على أصولهم الفاسدة لا لنا لأنهم صححوا هذه المسألة ونحن لم نصححها ، ومن صحح شيئا لزمه. ثم نقول لهم وبالله تعالى التوفيق.

لسنا ننكر في حال ما يباح لنا فيه إرادة الكفر من بعض الناس فقد أثنى الله عز

١٨٣

وجل على ابن آدم في قوله لأخيه : (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) [سورة المائدة : ٢٩] فهذا ابن آدم الفاضل قد أراد أن يكون أخوه من أصحاب النار وأن يبوء بإثمه مع إثم نفسه. وقد صوب الله عزوجل قول موسى وهارون عليهما‌السلام : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) [سورة يونس : ٨٨].

فهذا موسى وهارون عليهما‌السلام قد أراد وأحبّا أن لا يؤمن فرعون وأن يموت كافرا إلى النار. وقد جاء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه دعا على عتبة بن أبي وقاص أن يموت كافرا إلى النار فكان كذلك.

قال أبو محمد : وأصدق الله عزوجل أنا عن نفس التي هو أعلم بما فيها مني أن الله تعالى يعلم أني لأسر بموت عقبة بن أبي معيط كافرا وكذلك أمر أبي لهب لأذاهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولتتم كلمة العذاب عليهما وأن المرء ليسرّ بموت من استبلغ في أذاه ظلما بأن يموت على أقبح طرائقه ، وقد روينا هذا عن بعض الصالحين في بعض الظلمة ولا حرج فيمن استن بمحمد وبموسى وبأفضل ابني آدم صلى الله عليهم وسلم. وليت شعري أي فرق بين لعن الكافر والظالم والدعاء عليه بالعذاب في النار وبين الدعاء عليه بأن يموت غير متوب عليه والمسرة بكلا الأمرين؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقال عزوجل : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) [سورة النساء : ٩٠].

وقال تعالى : (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ) [سورة آل عمران : ١٢٦].

وقال تعالى : (إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) [سورة المائدة : ١١].

وقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ) [سورة الفتح : ٢٤].

فصح يقينا أن الله تعالى يسلط الكفار على من سلطهم عليهم من الأنبياء ، وعلى أهل بئر معونة ويوم أحد ، ونصرهم إملاء لهم وابتلاء للمؤمنين وإلّا فيقال لمن أنكر هذا : أتراه تعالى كان عاجزا عن منعهم؟ فإن قالوا نعم. كفروا ونافقوا لأن الله تعالى قد نص على أنه كف أيدي الكفار عن المؤمنين إذ شاء وسلط أيديهم على المؤمنين ولم يكفها إذ شاء.

قال أبو محمد : وقال بعض شيوخ المعتزلة : إن إسلام الله تعالى من أسلم من الأنبياء إلى أعدائه فقتلوهم وجرحوهم وإسلام من أسلم من الصبيان إلى أعدائه

١٨٤

يحضونهم ويغلبونهم على أنفسهم بركوب الفاحشة إذا كان ليعوضهم أفضل الثواب فليس خذلانا. فقلنا : دعونا من لفظة الخذلان فلسنا نجيزها لأن الله تعالى لم يذكرها في هذا الباب لكنا نقول لكم إذا كان قتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أعظم ما يكون من الكفر والظلم وكان الله عزوجل بقولكم قد أسلم أنبياءه صلوات الله عليهم إلى أعدائه ليعوضهم أجلّ عوض فقد أقررتم بزعمكم أن الله تعالى أراد إسلامهم إلى أعدائهم وإذا أراد الله عزوجل ذلك فقد أراد بإقراركم كون أعظم ما يكون من الكفر وشاء وقوع أعظم الضلال ورضي ذلك لأنبيائه عليهم‌السلام على الوجه الذي تقولون كائنا ما كان وهذا ما لا مخلص لهم منه.

وأيضا فنقول لهذا القائل : إذا كان إسلام الأنبياء إلى أعداء الله عزوجل يقتلونهم ليس ظلما وعبثا على توجيهكم المناقض لأصولكم في أنه أدى إلى أجزل الجزاء فليس خذلانا ، وكذلك إسلام المسلم إلى عدوه يحضه ويرتكب فيه الفاحشة فهو على أصولكم خير وعدل فيلزمكم أن تمنوا بذلك وأن تسروا بما نيل من الأنبياء عليهم‌السلام في ذلك وأن تدعوا فيه إلى الله تعالى وهذا خلاف قولكم وخلاف إجماع أهل الإسلام وهذا ما لا مخلص لهم منه ولا يلزمنا نحن ذلك لأننا لا نسر إلا بما أمرنا الله تعالى بالسرور به ولا نتمنى إلا ما قد أباح لنا تعالى أن ندعوه فيه وكل فعله عزوجل وإن كان عدلا منه وخيرا فقد افترض تعالى علينا أن ننكر من ذلك ما سماه من غيره ظلما وأن نبرأ منه ولا نتمناه لمسلم فإنما نتبع ما جاءت به النصوص فقط وبالله تعالى التوفيق.

وقال قائل من المعتزلة : إذا حملتم قوله تعالى : (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) [سورة فصلت : ٤٤] فما يدريكم لعله عليكم عمى.

قال أبو محمد : فجوابنا وبالله تعالى التوفيق أن الله تعالى قد نصّ على أنه لا يكون عمى إلا على الذين لا يؤمنون ونحن مؤمنون ولله تعالى الحمد فقد أمنا ذلك وقد ذمّ الله تعالى قوما حملوا القرآن على غير ظاهره ، فقال تعالى : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) [سورة النساء : ٤٦ ، المائدة : ١٣].

فهذه صفتكم على الحقيقة الموجودة فيكم حسا فمن حمل القرآن على ما خوطب به من اللغة العربية واتبع بيان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فالقرآن له هدى وشفاء ومن بدل كلمه عن مواضعه وادّعى فيه دعاوى برأيه وكهانات بظنه وأسرارا غمض وأعرض عن بيان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، المبين عن الله تعالى بأمره ، ومال إلى قول المنانية ؛ فهو الذي عليه القرآن عمى وبالله تعالى التوفيق.

١٨٥

قال أبو محمد : ومن نوادر المعتزلة وعظيم جهلها وحماقتها وإقدامها أنهم قالوا بأن الشهادة التي غبط الله تعالى بها الشهداء وأوجب لهم بها أفضل الجزاء وتمنّاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه وفضلاء المسلمين ليس هي قتل الكافر للمؤمن ولا قتل الظالم للمسلم البريء.

قال أبو محمد رضي الله عنه : وجنون المعتزلة وجهلهم وأهذارهم ووساوسهم لا قياس عليها ، وحقّ لمن استغنى عن الله عزوجل وقال إنه يقدر على ما لا يقدر عليه ربه تعالى وقال إن عقله كعقول الأنبياء عليهم‌السلام سواء بسواء أن يخذله الله عزوجل مثل هذا الخذلان نعوذ بالله من خذلانه ونسأله العصمة فلا عاصم سواه أما سمعوا قول الله عزوجل : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا) [سورة التوبة : ١١١].

وقوله تعالى : (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ) [سورة البقرة : ١٥٤].

ثم إنهم فسروا الشهادة بعقولهم فقالوا : إنما الشهادة الصبر على الجراح المؤدية إلى القتل والعزم على التقدم إلى الحرب.

قال أبو محمد : وفي هذا الكلام من الجنون ثلاثة أضرب. أحدها : أنه كلام مبتدع لم يقله أحد من متأخريهم المنسلخين من الخير جملة.

والثاني : أنه لو صح ما ذكروا لكانت الشهادة في الحياة لا بالموت لأن الصبر على الجراح والعزم على التقدم لا يكونان إلا في الحياة والشهادة في سبيل الله لا تكون بنص القرآن وصحيح الأخبار وإجماع الأمة إلا بالقتل.

والثالث : أن الذي منه هربوا فيه وقعوا بعينه وهو أن الشهادة التي يتمنى المسلمون بها إن كانت العزم على التقدم إلى الحرب والصبر على الجراح المؤدية إلى القتل فقد حصل تمنّي قتل الكفار للمسلمين ، وتمني أن يجرحوا المسلمين جراحا تؤدى إلى القتل وتمني ثبات الكفار على الكفر حتى يجرحوا أهل الإسلام جراحا قاتلة وحرب الكفار للمسلمين وثباتهم لهم وجراحهم إياهم معاص وكفر بلا شك ، فقد حصلوا على تمن للمعاص وهو الذي به شنعوا وبالله تعالى التوفيق. فبطل كل ما شغبت به المعتزلة والحمد لله رب العالمين كثيرا.

١٨٦

الكلام في اللطف والأصلح

قال أبو محمد : وضل جمهور المعتزلة في فصل من القدر ضلالا بعيدا فقالوا بأجمعهم حاشى ضرار بن عمرو ، وحفصا الفرد ، وبشر بن المعتمر ، ويسيرا ممن اتبعهم أنه ليس عند الله تعالى شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس كافرهم ومؤمنهم ولا عنده هدى أهدى ممّا قد هدى به الكافر والمؤمن هدى مستويا ، وأنه ليس يقدر على شيء هو أصلح مما فعل بالكفار والمؤمنين.

ثم اختلف هؤلاء ، فقال جمهورهم : إنه تعالى قادر على أمثال ما فعل من الصلاح بلا نهاية وقال الأقل منهم وهم عباد ومن وافقه : هذا باطل لأنه لا يجوز أن يترك الله تعالى شيئا يقدر عليه من الصلاح من أجل فعله لصلاح ما. وحجّتهم في هذا الكفر الذي أتوا به أنه لو كان عنده أصلح أو أفضل مما فعل بالناس ومنعهم إياه لكان بخيلا ظالما لهم ولو أعطى شيئا من فضله بعض الناس دون بعض لكان محابيا ظالما والمحاباة جور ولو كان عنده ما يؤمن به الكفار إذا أعطاهم إياه ثم منعهم إياه لكان ظالما لهم غاية الظلم ، قالوا : وقد علمنا أن إنسانا لو ملك أموالا عظيمة تفضل عنه ولا يحتاج إليها فقصده جار فقير له تحلّ له الصدقة فسأله درهما يحيي به نفسه وهو يعلم فقره إليه ويعلم أنه يتدارك به رمقه فمنعه لا لمعنى فإنه بخيل ، قالوا : فلو علم أنه إذا أعطاه الدرهم سهلت عليه أفعال كلفه إياها فمنعه مع ذلك لكان بخيلا ظالما فلو علم أنه لا يصل إلى ما كلفه إلا بذلك الدرهم فمنعه لكان بخيلا ظالما سفيها. فهذا كل ما احتجوا به لا حجة لهم غير هذه البتة.

وذهب ضرار بن عمرو وحفص الفرد وبشر بن المعتمر ومن وافقهم وهم قليل منهم إلى أن عند الله عزوجل ألطافا كثيرة لا نهاية لها لو أعطاها الكفار لآمنوا إيمانا اختياريا يستحقون به الثواب بالجنة وقد أشار إلى نحو هذا ولم يحققه أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم وكان بشر بن المعتمر يكفر من قال بالأصلح والمعتزلة اليوم تدعي أن بشرا تاب عن القول باللطف ورجع إلى القول بالأصلح.

قال أبو محمد : وحجة هؤلاء ، أنه تعالى قد فعل بهم ما يؤمنون عنده لو شاءوا

١٨٧

فليس لهم عليه غير ذلك ولا يلزمه أكثر من ذلك فعارضهم أصحاب الأصلح بأن قالوا إن الاختيار هو ما يمكن فعله ويمكن تركه ، فلو كان الكفار عند إتيان الله تعالى لتلك الألطاف يختارون الإيمان لأمكن أن يفعلوه وأن لا يفعلوه أيضا ، فعادت الحال إلى ما هي عليه إلا أن يقولوا إنهم كانوا يؤمنون ولا بدّ فهذا اضطرار من الله تعالى لهم إلى الإيمان لا اختيار.

وقالوا : نحن لا ننكر هذا بل الله تعالى قادر على أن يضطرهم إلى الإيمان كما قال تعالى : (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) [سورة الأنعام : ١٥٨].

قالوا : فالذي فعل تعالى بهم أفضل وأصلح.

قال أبو محمد : وهذا لازم لمن لم يقل إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى لزوما لا ينفكون عنه. وأما نحن فلا يلزمنا ، وإنما سألناهم هل الله تعالى قادر على أن يأتي الكفار بألطاف يكون منهم الإيمان عندها باختيار ولا بدّ ويثيبهم على ذلك أتم ثواب يثيبه عبدا من عباده أم لا؟

فقالوا : لا.

قال أبو محمد : كأن أصحاب الأصلح عمي عن العالم أو كأنهم إذا حضروا فيه سلبت عقولهم وطمست حواسهم وصدق الله فقد نبه على مثل هذا ، يقول تعالى : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها) [سورة الأعراف : ١٧٩].

أترى هؤلاء القوم ما شاهدوا أن الله عزوجل منع الأموال قوما وأعطاها آخرين ونبأ قوم وأرسلهم إلى عباده ، وخلق آخرين في أقاصي أرض الزنج يعبدون الأوثان وأمات قوما من أوليائه ومن أعدائه عطشا وعنده مجاديح (١) السموات وسقى آخرين الماء العذب أما هذه محاباة ظاهرة فإن قالوا إن كلّ ما فعل من ذلك فهو أصلح بمن فعله به سألناهم عن إماتته تعالى الكفار وهم يصيرون إلى النار وإعطائه تعالى قوما مالا ورئاسة فبطروا وهلكوا وكانوا مع القلة والخمول صالحين وأفقر أقواما ما فسرقوا وقتلوا

__________________

(١) مجاديح السماء : أنواؤها ، يقال : أرسلت السماء مجاديحها. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه خرج إلى الاستسقاء فصعد المنبر فلم يزد على الاستغفار حتى نزل ، فقيل له : إنك لم تستسق! فقال : لقد استسقيت بمجاديح السماء. انظر لسان العرب (٢ / ٤٢١ ـ مادة جدح).

١٨٨

وكانوا في حال الغنى صالحين وأصحّ أقواما وجمّل صورهم فكان ذلك سببا لكون المعاصي منهم وتركوها إذ أسنّوا وأمرض أقواما فتركوا الصلاة عمدا وضجروا وتبرموا فتكلموا بما هو الكفر أو قريب منه وكانوا في صحتهم شاكرين لله يصلون ويصومون أهذا الذي فعل الله بهم كان أصلح لهم؟

فإن قالوا نعم كابروا الحواس. وإن قالوا لو عاشوا لزادوا كفرا. قلنا لهم فإنما كان أصلح لهم أن يخترمهم الله عزوجل قبل البلوغ أو أن يطيل أعمارهم ويملكهم الجيوش فيهلكوا بها أرض الإسلام ويقوي أجسادهم وأذهانهم فيضل بهم جماعة كما فعل بجيش الفيومي اليهودي وأبي ريطة اليعقوبي النصراني والمحققين بالكلام من اليهود والنصارى والمجوس والمنانية والدهرية أما كان أصلح لهم ولمن ضل منهم أن يميتهم صغارا؟! قال أبو محمد : فانقطعوا فلجأ بعضهم إلى أن قال لعله قد سبق في علم الله تعالى أنه لو أماتهم صغارا لكفر خلق من المؤمنين.

قال أبو محمد : وفي هذا الجواب من السخافة وجوه جمة.

أولها : أنه دعوى بلا دليل.

والثاني : أنهم لم ينفكوا به مما ألزمناهم. ونقول لهم : أكان الله عزوجل قادرا على أن يميتهم ولا يوجب موتهم كفر أحد؟ فإن قالوا : لا ، عجّزوا ربهم تعالى.

وإن قالوا : بل كان قادرا على ذلك ألزموه الجور والظلم على أصولهم ولا بدّ من أحد الأمرين.

والثالث : ما سمع في العالم بأسخف من قول من قال إن إنسانا مؤمنا يكفر من أجل صغير مات فهذا أمر ما شوهد قط في العالم ولا توهم ولا يدخل في الإمكان ولا في العقل وكم طفل يموت كل يوم مذ خلق الله تعالى الدنيا إلى يوم القيامة فهل كفر أحد قط من أجل موت ذلك الطفل؟ وإنما عهدنا الناس يكفرون عند ما يقع لهم من الغضب الذي يخلقه الله عزوجل في طبائعهم وبالغضبة التي آتاهم الله عزوجل أسبابها ، وبذلك الذي آتاهم الله إياه إذا عرضهم فيه عارض.

والرابع : أنه ليس في الجور ولا في العبث ولا في الظلم ولا في المحاباة أعظم من أن يبقي طفلا يكفر فيستحق الخلود في النار ولا يميته طفلا فينجو من النار من أجل صلاح قوم لو لا كفر هذا المنحوس لكفر أولئك وما في الظلم والمحاباة أقبح من هذا. هل هذا إلا كمن وقف إنسانا للقتل فأخذ هو آخر من عرض الطريق فقتله مكانه؟ فظهر فساد هذا القول السخيف الملعون.

١٨٩

قال أبو محمد : وقال بعضهم : قد يخرج من صلبه مؤمنون.

قال أبو محمد : وقد يموت الكافر عن غير عقب وقد يلد الكافر كفارا أضرّ على الإسلام منه ومع هذا فكل ما ذكرنا يلزم في هذا الجواب السخيف وأيضا فقد يخرج من صلب المؤمن كافر طاغ وظالم باغ يفسد الحرث والنسل ، ويثير الظلم ، ويميت الحق ، ويؤسس الضلالات والمنكرات حتى يضل بها خلق كثير حتى يظنوا أنها حق وسنّة فأيّ وجه لخلق هؤلاء على أصول المعتزلة الضّلّال؟ نعم وأيّ معنى وأي صلاح في خلق إبليس ومردة الشياطين وإعطائهم القوة على إضلال الناس في الحكمة المعهودة بيننا؟ وبالضرورة نعلم أن من نصب المصايد للناس في الطرقات وطرح الشّوك في ممشاهم فإنه عابث سفيه فيما بيننا والله تعالى خلق كل ما ذكرنا بإقرارهم وهو الحكيم العليم ، ثم وجدناه تعالى قد شهد للذين بايعوا تحت الشجرة بأنه علم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ، ثم أمات من ولي منهم أمور المسلمين سريعا ، ووهّن قوى بعضهم ، وملك عليهم زيادا والحجاج وبغاة الخوارج. فأيّ مصلحة في هذا للحجاج ، ولقطريّ (١) أو لسائر المسلمين لو عقلت المعتزلة؟ ولكن الحق هو قولنا وهو أن كل ذلك عدل من الله وحق وحكمة وهلاك ودمار وإضلال للحجاج المسلط ، ولقطري ونظائرهما أراد الله تعالى بذلك هلاكهم في الآخرة ونعوذ بالله من الخذلان. ثم نسألهم : ما ذا تقولون إذ أمر عزوجل بجلد الحرة في الزنا مائة وجلد الأمة نصف ذلك أليس هذا محاباة للأمة؟ وإذ خوّل الله عزوجل قوما أموالا جمة فماتوا فيها وحرم آخرين أما هذا عين المحاباة والجور على أصلهم الفاسد في من منع جاره الفقير؟ إلا أن يطردوا قولهم فيصيروا إلى قول من ذكره أن الواجب تساوي الناس في الأموال والنشأة على السواء وبالجملة فإن القوم يدعون نفي التشبيه ويكفرون من شبه الله بخلقه ، ثم لا نعلم أحدا أشد تشبيها لله تعالى بخلقه منهم فيلزمونه الحكم ويحرمون عليه الأمر والنهي ويشبهونه بخلقه تعالى فيما يحسن منه ويقبح ثم نقضوا أصولهم إذ من قولهم أن ما صلح بيننا بوجه من الوجوه فلسنا نبعده عن الباري تعالى ونحن نجد

__________________

(١) هو رأس الخوارج قطريّ بن الفجاءة التميمي المازني. جهّز إليه الحجّاج جيشا بعد جيش فكسرهم ، وغلب على بلاد فارس. وبقي قطري يحارب نيف عشرة سنة ، ويسلّم عليه بالخلافة إلى أن سار لحربه سفيان بن الأبرد الكلبي فانتصر عليه وقتله وحمل رأسه سنة تسع وتسعين إلى الحجاج. انظر ترجمته في البيان والتبيين (١ / ٣٤١) والمعارف (ص ٤١١) والأخبار الطوال (ص ١٨٠) والكامل للمبرد (٣ / ٣٥٥) ووفيات الأعيان (٤ / ٩٣) وسير أعلام النبلاء (٤ / ١٥١) والنجوم الزاهرة (١ / ١٩٧) وشذرات الذهب (١ / ٨٦) وتاج العروس (مادة قطر) وغيرها.

١٩٠

فيما بيننا من يحابي أحد عبيده على الآخر فيجعل أحدهم مشرفا على ماله وعياله وحاضنا لولده فيريضه لذلك من صغره بأن يعلمه الكتاب والحساب ويجعل الآخر رائضا لدابته وجامعا للزبل لبستانه ومنقيا لحشّه (١) ويريضه لذلك من صغره وكذلك الإماء فيجعل إحداهن محلّ إزاره (٢) ومطلبا لولده ، ويجعل الثانية خادما لهذه في الطبخ والغسل وهذا عدل بإجماع المسلمين كلهم فلم أنكروا أن يحابي الباري عزوجل من شاء من عباده بما أحب من التفضيل؟ ووجودا في الشاهد من يعطي المجاويع من ماله فيعطي أحدهم ما يغنيه ويخرجه عن الفقر وذلك نحو ألف دينار ، ثم يعطي آخر مثله ألف دينار ويزيده ألف دينار فإنه وإن حابى فمحسن غير ملوم فلم منعوا ربهم من ذلك وجوروه إذا فعله؟ وهو تعالى بلا شك أتم ملكا لكل ما في العالم من أحدنا لما خوّله عزوجل من الأملاك ونقضوا أصلهم في أن ما حسن في الشاهد بوجه من الوجوه لم يمنعوا وقوعه من الباري عزوجل ووجدوا في الشاهد من يدخر أموالا عظيمة فيؤوي جميع الحقوق اللازمة له حتى لا يبقى بحضرته محتاج ثم يمنع سائر ذلك فلا يسمى بخيلا. فلأي شيء منعوا ربهم جل وعز من مثل ذلك وجوّروه وبخّلوه إذا لم يعط أفضل ما عنده؟ وهذا كله بيّن لا إشكال فيه.

قال أبو محمد : ونسألهم عن قول لهم عجيب وهو أنهم أجازوا أن يخلق الله عزوجل أضعف الأشياء ثم لا يكون قادرا على أضعف منه فهكذا هو قادر فاعل أصلح الأشياء ثم لا يكون قادرا على أصلح منه ، وعلى أصغر الأشياء وهو الجزء الذي لا يتجزأ ولا يقدر على أصغر منه.

قال أبو محمد : هذا إيجاب منهم لتناهي قدرة الله عزوجل وتعجيز له تعالى وإيجاب بحدوثه وإبطال إلهيته ، إذ التناهي في القوة صفة المحدث المخلوق ، لا صفة الخالق الذي لم يزل ؛ وهذا خلاف القرآن وإجماع المسلمين وتشبيه الله تعالى بخلقه في تناهي قدرتهم.

قال أبو محمد : ولكنه لازم لكل من قال بالجزء الذي لا يتجزأ وبالقياس لزوما صحيحا لا انفكاك لهم منه ونعوذ بالله من هذه المقالات المهلكة بل نقول : إن الله تعالى خلق كل ما خلق شيئا صغيرا أو ضعيفا أو كبيرا أو قويا أو مصلحة فإنه أبدا بلا نهاية قادر على خلق أصغر منه وأضعف وأقوى وأصلح.

__________________

(١) الحش (بفتح الماء ، وتضم) : البستان ، والكنيف ، والمتوضّأ (المعجم الوسيط : ص ١٧٦).

(٢) كناية عن نكاحها.

١٩١

قال أبو محمد : ونسألهم أيقدر الله تعالى على ما لو فعله لكفر الناس كلهم ..؟ فإن قالوا لا. لحقوا بعليّ الأسواري وهم لا يقولون بهذا ولو قالوه لأكذبهم الله تعالى إذ يقول : (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) [سورة الشورى : ٢٧].

وبقوله تعالى : (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ) [سورة الزخرف : ٣٣]

وإن قالوا : نعم هو قادر على ذلك قلنا لهم فقد قطعتم بأنه تعالى يقدر على الشر ولا يقدر على الخير هذه مصيبة على أصولهم ولزمهم أيضا فساد أصلهم في قولهم إن من قدر على شيء قدر على ضده ولأنهم يقولون إن الله تعالى يقدر على ما يكفر الناس كلهم عنده ولا يقدر على ما يؤمن جميعهم عنده.

قال أبو محمد : ونسأل من قال منهم إنه تعالى يقدر على مثل ما فعل من الصلاح بلا نهاية لا على أكثر من ذلك فنقول لهم : إن على أصولكم لم تنفكوا من تجوير الباري جر وعز لأن بضرورة الحس ندري أنه إذا استضافت المصالح بعضها إلى بعض كانت أصلح من انفراد كل مصلحة عن الأخرى فإن هو قادر عندكم على ذلك ولم يفعله بعباده فقد لزمه ما ألزمتموه لو كان قادرا على أصلح مما فعل ولم يفعله. فقالوا : هذا كالدواء والطعام والشراب لكل ذلك مقدار فقد يصلح به من أعطيه فإذا استضافت إليه أمثاله كان ضررا.

قال أبو محمد رضي الله عنه : ولم يقل قط ذو عقل ومعرفة بحقائق الأمور إن دواء كذا مصلحة جملة وعلى كل حال ، ولا أن الأكل مصلحة أبدا وعلى الجملة ، ولا أن الشراب مصلحة بكل وجه أبدا وإنما الحق أن مقدارا من الدواء مصلحة لعله كذا فقط فإن زاد أو نقص أو تعدى تلك العلة كان ضررا وكذلك الطعام والشراب هما مصلحة في حال ما وبقدر ما فما زاد أو تعدّى به وقته كان ضررا ، وما نقص عن الكفاية كان ضررا ؛ وليس إطلاق اسم الصلاح في شيء من ذلك أولى من إطلاق اسم الضرر لأن كلا الأمرين موجود في كل ذلك كما ذكرنا وليس الصلاح من الله عزوجل للعبد والهدى له والخير من فعله عزوجل كذلك بل على الإطلاق والجملة وعلى كل حال بل كلما زاد الصلاح وكثر وزاد الهدى وكثر وزاد الخير وكثر فهو أفضل. فإن قالوا : نجد الصلاة والصيام إثما في وقت ما وأجرا في الآخرة.

قلنا : ما كان من هذا منهيا عنه فليس صلاحا البتة ولا هو هدى ولا خير بل هو إثم وخذلان وضلال وليس في هذا كلمناكم لكن فيما هو صلاح حقيقة وهدى حقيقة وخير حقيقة ، وهذا ما لا مخلص لهم منه.

١٩٢

قال أبو محمد : وقال أصحاب الأصلح منهم إن من علم الله تعالى أنه يؤمن من الأطفال إن عاش أو يسلم من الكفار إن عاش أو يتوب من الفساق إن عاش ، فإنه لا يجوز البتة أن يميته الله قبل ذلك قالوا وكذلك من علم الله تعالى أنه إن عاش فعل خيرا فلا يجوز البتة أن يميته الله قبل فعله.

قالوا : ولا يميت الله تعالى أحدا إلّا وهو يدري أنه إن أبقاه طرفة عين فما زاد فإنه لا يفعل شيئا من الخير أصلا بل يكفر أو يفسق ، ولا بدّ.

قال أبو محمد : وهذا من طوامهم التي جمعت الكفر والسخف ولم ينفكوا بها مما فرّوا عنه من تجوير الباري عزوجل بزعمهم ، وأما الكفر فإنه يلزمهم بقولهم إن إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لو بلغ لكفر أو فسق ، وليت شعري إذ هذا عندهم كما زعموا فلم أمات بعضهم إثر ولادته ثم آخر بعد ساعة ثم يوم ثم يومين وهكذا شهرا بعد شهر وعاما بعد عام إلى أن أمات بعضهم قبل بلوغه بيسير؟ وكلهم عندهم سواء في أنهم لو عاشوا لكفروا أو فسقوا كلهم وإذ عني بهم هذه العناية فلم أبقى من الأطفال من درى أنه يكفر ويفسق؟ نعم ويؤتيهم القوى والتدقيق في الفهم كالفيومي سعيد بن يوسف والمعمس داود بن قزوان وإبراهيم البغدادي وأبي كثير الطبراني من متكلمي اليهود ، وأبي ريطة اليعقوبي ومقرونيش الملكي من متكلمي النصارى ، ومرزان بخت المناني. حتى أضلوا كثيرا بشبههم وتمويهاتهم ومخارقهم ولا سبيل إلى وجود فرق أصلا ، وهذه محاباة وجور على أصولهم. ثم نجده تعالى قد عذّب بعض هؤلاء الأطفال باليتم والقمل والعري والبرد والجوع وسوء المرقد والعمى والبطلان والأوجاع حتى يموتوا كذلك وبعضهم مرفّه مخدوم منعم حتى يموت كذلك ولعلهما لأب وأم وكذلك يلزمهم أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وسائر الصحابة رضي الله عنهم نعم ومحمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم وموسى وعيسى وإبراهيم وسائر الرسل عليهم الصلاة والسلام أن كل واحد منهم لو عاش طرفة عين فجاء الوقت الذي مات فيه لكفر أو فسق ولزمهم مثل هذا في جبريل وميكائيل وحملة العرش عليهم‌السلام ، إن كانوا يقولون بأنهم يموتون ؛ فإن تمادوا على هذا كفروا وقد صرح بعضهم بذلك جهارا ، وإن أبوا تناقضوا ولزمهم أن الله تعالى يميت من يدري أنه يزداد خيرا ، ويبقي من يدري أنه يكفر وهذا عنده على أصولهم عين الظلم والعبث.

قال أبو محمد : وأجاب بعضهم في بدء السؤال بأن قال إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم امتحنه الله عزوجل قبل موته بما بلغ ثوابه على طاعته فيه مبلغ ثوابه على كل طاعة تكون منه لو عاش إلى يوم القيامة.

١٩٣

قال أبو محمد : وهذا جور ناهيك به لوجوه :

أوله : أنه محاباة مجردة له عليه الصلاة والسلام على غيره وهلّا فعل ذلك بغيره وعجّل راحتهم من الدنيا ..؟

وثانيها : أن هذا قول كذب بحت وذلك أن المحن في العالم معروفة وهي إما في الجسم بالعلل وإما في المال بالإتلاف وإما في النفوس بالخوف والهوان ، والهمّ بالأهل والأجنّة والقطع دون الأمل لا محنة في العالم تخرج عن هذه الوجوه إلا المحنة في الدّين فقط نعوذ بالله من ذلك فأما المحنة في الجسم فكذبوا وما مات عليه‌السلام إلا سليم الأعضاء سويها معافى من مثل محنة أيوب عليه‌السلام وسائر أهل البلاء نعوذ بالله منه وأمّا في المال فما شغله الله عزوجل منه بما يقتضي محنة في فضوله ولا أحوجه إلى أحد بل أقامه على حدّ الغنى بالوقوف ووفقه لتنفيذ الفضل فيما يقربه من ربه عزوجل وأما النفس فأيّ محنة لمن قال الله عزوجل له (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [سورة المائدة : ٦٧] ولمن رفع له ذكره وضمن له إظهار دينه على الدين كله ولو كره أعداؤه وجعل شانيه الأبتر ، وأعزه بالنّصر على كل عدوّ فأي خوف وأيّ هوان يتوقعه عليه‌السلام؟ وأما أهله وأحبته فاخترم بعضا فآجره فيهم كإبراهيم ابنه وخديجة وحمزة وجعفر وزينب وأم كلثوم ورقية بناته رضي الله عنهم وأقر عينه ببقاء بعضهم وصلاحه كعائشة وسائر أمهات المؤمنين وفاطمة ابنته وعلي والعباس والحسن والحسين وأولاد العباس وعبد الله بن جعفر وأبي سفيان بن الحارث رضي الله عن جميعهم فأيّ محنة هاهنا؟ أليس قد أعاذه الله تعالى من مثل محنة خبيب بن عدي وسمية أم عمّار رضي الله عنه .. أليس من قتل من الأنبياء عليهم‌السلام ومن نشر بالمنشار وأحرق بالنيران أعظم محنة؟! ومن خالفه قومه فلم يتبعه منهم إلا اليسير وعذب الجمهور كهود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم أعظم محنة؟ وهل هذه إلا مكابرة وحماقة وقحة؟ وأي محنة تكون لمن أوجب الله عزوجل على الجن والإنس طاعته وأكرمه برسالته وأمّنه من كل الناس وأكبّ عدوه لوجهه وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهل هذه إلا نعم وخصائص وفضائل وكرامات ومحاباة مجردة له على جميع الإنس والجن؟ وهل استحق عليه‌السلام هذا قط على ربه تعالى حتى ابتدأه بهذه النعمة الجليلة وقد تحنّث قبله زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى العدوي ، وقس بن ساعدة الإيادي وغيرهما؟ فما أكرموا بشيء من هذا ولكن نوك (١) المعتزلة ليس عليه قياس.

__________________

(١) النّوك : الحمق (المعجم الوسيط : ص ٩٦٤).

١٩٤

قال أبو محمد : ومما سئلوا عنه أنه قيل لهم أليس قد علم تعالى أن فرعون والكفار إن أعاشهم كفروا؟ فمن قولهم نعم. فيقال لهم : فلم أبقاهم حتى كفروا واخترم على قولكم من علم أنه إن عاش كفر؟ وهذا تخليط لا يعقل. ونقول لهم أيضا : أيّما كان أصلح للجميع لا سيما لأهل النار خاصة أن يخلقنا الله تعالى كلنا في الجنة كما فعل بالملائكة وحور العين أم ما فعل بنا من خلقنا في الدنيا والتعريض للبلاء فيها وللخلود في النار.

قال أبو محمد : ولجوا عند هذه فقال بعضهم لم يخلق الجنة بعد. فقلنا لهم هبكم أن الأمر كما قلتم فإنما كان أصلح للجميع أن يعجّل الله عزوجل خلقها ثم يخلقنا فيها أو يؤخر خلقنا حتى يخلقها ثم يجعلنا فيها أم خلقه لنا حيث خلقنا؟ فإن عجّزوا ربهم جعلوه ذا طبيعة متناهي القدرة ومشبها لخلقه وأبطلوا إلاهيته وجعلوه مخيرا ضعيفا وهذا كفر مجرد ، وبقي السؤال أيضا مع ذلك بحسبه في أن يجعلنا كالملائكة وأن يجعلنا كلنا أنبياء كما فعل بعيسى ويحيى عليهما‌السلام وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟

وقال بعضهم : ليس جهلنا بوجه المصلحة في ذلك ممّا يخرج هذا الأمر عن الحكمة. فقلنا لهم : فاقنعوا بمثل هذا بعينه فيمن قال لكم ليس جهلنا بوجه المصلحة والحكمة في خلق الله تعالى لأفعال عباده وفي تكليفه الكافر والفاسق ما لا يطيق ثم تعذيبهما على ذلك مما يخرجه عن الحكمة وهذا لا مخلص لهم منه.

قال أبو محمد : وأما نحن فلا نرضى بهذا بل ما جهلنا ذلك لكن نقطع على أن كل ما فعله الله تعالى فهو عين الحكمة والعدل وأن من أراد إجراء أفعاله تعالى على الحكمة المعهودة بيننا والعدل المعهود بيننا فقد ألحد وأخطأ وضلّ وشبّه الله عزوجل بخلقه لأن الحكمة والعدل بيننا إنما هي طاعة الله عزوجل فقط ولا حكمة ولا عدل غير ذلك إلا ما أمرنا به أي شيء كان فقط وأما الله تعالى فلا طاعة لأحد عليه فبطل أن تكون أفعاله جارية على أحكام العبيد المأمورين المربوبين المسئولين عما يفعلون لكن أفعاله تعالى جارية على العزة والقدرة والجبروت والكبرياء والتسليم له وألا يسأل عما يفعل ولا مزيد كما قال تعالى ، وقد خاب من خالف ما قاله الله عزوجل ومع هذا كله فلم يتخلّصوا من رجوع وجوب التجوير والعبث على أصولهم على ربهم تعالى عن ذلك.

وقال متكلموهم : لو خلقنا في الجنة لم نعلم مقدار النعمة علينا في ذلك وكنا

١٩٥

أيضا نكون غير مستحقين لذلك النعيم بعمل عملناه وإدخالنا الجنة بعد استحقاقنا لها أتم في النعمة وأبلغ في اللذة. وأيضا فلو خلقنا في الجنة لم يكن بدّ من التوعد على ما حظر علينا وليست الجنة دار توعد وأيضا فإن الله تعالى قد علم أن بعضهم كان يكفر فيجب عليه الخروج من الجنة.

قال الإمام أبو محمد رضي الله عنه : هذا كل ما قدروا عليه من السخف وهذا كله عائد عليهم بحول الله تعالى وقوته وعونه لنا فنقول وبالله تعالى التوفيق : وأما قولهم لو خلقنا في الجنة لم نعلم مقدار النعمة علينا في ذلك فإننا نقول وبالله تعالى نتأيد أكان الله تعالى قادرا على أن يخلقنا فيها ويخلق فينا قوة وطبيعة نعلم بها قدر النعمة علينا في ذلك أكثر من علمنا بذلك بعد دخولنا فيها يوم القيامة أو يعلمنا ذلك أم كان غير قادر على ذلك ...؟

فإن قالوا : كان غير قادر على ذلك عجّزوا ربهم تعالى وجعلوا قوته متناهية يقدر على أمر ما ولا يقدر على غيره وهذا لا يكون إلا لعرض داخل أو لبنية متناهية القوة وهذا كفر مجرد.

وإن قالوا : كان الله قادرا على ذلك أقروا بأنه عزوجل لم يفعل بهم أصلح ما عنده وأن عنده أصلح ممّا فعل بهم.

وأيضا فإن كانوا أرادوا بذلك أن اللّذة التي تعقب البلاء والتعب أشد سرورا وأبلغ ، لزمهم أن يبطلوا نعم الجنة جملة لأنه ليس نعيمها البتة مشوبا بألم ولا بتعب وكل ألم بعد العهد به فإنه ينسى كما قال القائل :

كأنّ الفتى لم يغز يوما إذا اكتسى

ولم يفتقر يوما إذا ما تموّلا

فلزم على هذا الأصل أن يجدّد الله عزوجل لأهل الجنة آلاما فيها ليتجدد لهم بذلك وجود اللذة وهذا خروج عن الإسلام ويلزمهم أيضا أن يدخل النبيين والصالحين النار ثم يخرجهم منها إلى الجنة فتضاعف لهم اللذة والسرور أضعافا بذلك.

ويقال أيضا كما نكون كالملائكة وحور العين ، فإن كانوا عالمين مقدار ما هم فيه من نعيم ولذّة فكنا نحن كذلك وإن كانوا غير عالمين بمقدار ما هم فيه من اللذة والنعيم فهلا أعطاهم هذه المصلحة ولأي شيء منعهم من الفضيلة التي أعطاها لنا وهم أهل طاعته التي لم تشب بمعصية ..؟

فإن قالوا : إن الملائكة وحور العين قد شاهدوا عذاب الكفار في النار فقام لهم مقام الترهيب.

١٩٦

قلنا لهم : وهل المحاباة والجور إلا أن يعرّض قوم للمعاطب ويبقيهم حتى يكفروا فيخلدوا في النار ليوعظ بهم قوم آخرون خلقوا في الجنة والرفاهية سرمدا أبدا لا بد ..؟ وهل عين الظلم إلا هذا فيما بيننا على أصول المعتزلة؟ وكمن يقول من الطغاة قتل الثلث في صلاح الثلثين صلاح وهل في الشاهد عبث وسفه أعظم من عبث من يقول لآخر : هات أضربك بالسياط وأرديك من جبل وأصفع في قفاك وأنتف سبالك (١) وأمشي بك في طريق ذات شوك دون راحة في ذلك ولا منفعة لكن لأعطيك بعد ذلك ملكا عظيما ...؟ ولعلك في خلال ضربي إياك أن تتقزز فتقع في بئر منتنة لا تخرج منها أبدا؟ فأي مصلحة عند ذوي عقل في هذه الحال لا سيما وهو قادر على أن يعطيه ذلك الملك دون أن يعرضه لشيء من هذا البلاء فهذه صفة الله عزوجل عند المعتزلة لا يستحيون من أن يصفوا أنفسهم بأن يصفوا الله تعالى بالعدل والحكمة.

قال أبو محمد : وأما نحن فنقول : لو أن الله تعالى أخبرنا أنه يفعل هذا كله بعينه ما أنكرناه ولعلمنا أنه منه تعالى حق وعدل وحكمة.

قال أبو محمد : ومن العجب أن يكون الله تعالى يخلقنا يوم القيامة خلقا لا نجوع فيه أبدا ولا نعطش ولا نبول ولا نمرض ولا نموت وينزع ما في صدورنا من غلّ ثم لا يقدر على أن يخلقنا فيها ولا على أن يخلقنا خلقا نلتذّ معه بابتدائنا فيها كالتذاذنا بدخولها بعد طول النكد فهل يفرق بين شيء من هذا إلا من لا عقل له أو مستخف بالباري تعالى وبالدين.؟

وأما قولهم : لو خلقنا الله تعالى في الجنة لكنا غير مستحقين لذلك النعيم ، فإنا نقول لهم : أخبرونا عن الأعمال التي استحققتم بها الجنة عند أنفسكم؟ أفبضرورة العقل علمتم أن من عملها فقد استحق الجنة دينا واجبا على ربه تعالى أم لم تعلموا ذلك ولا وجب ذلك إلا حتى أعلمنا الله عزوجل أنه يفعل وجعل الجنة جزاء على هذه الأعمال ...؟

فإن قالوا : بالعقل عرفنا استحقاق الجنة على هذه الأعمال كابروا وكذبوا على العقل وكفروا لأنهم بهذا القول يوجبون الاستغناء عن الرسل عليهم الصلاة والسلام. ولزمهم أن الله تعالى لم يجعل الجنة جزاء على هذه الأعمال لكن وجب ذلك عليه حتما لا باختياره ولا بأنه لو شاء غير ذلك لكان له ، وهذا كفر مجرد. وأيضا فإن

__________________

(١) السبال : جمع سبلة ، وهي طرف الشارب من الشعر (المعجم الوسيط : ص ٤١٥).

١٩٧

شريعة موسى عليه‌السلام في السبت وتحريم الشحوم وغير ذلك فقد كانت الجنة جزاء على العمل بها ، ثم صارت الآن جهنم جزاء على العمل بها ، فهل هاهنا إلا أن الله تعالى أراد ذلك فقط؟ ولو لم يرد ذلك لم يجب من ذلك شيء. فإن قالوا : بل ما علمنا استحقاق الجنة بذلك إلا بخبر الله تعالى أنه حكم بذلك فقط.

قيل لهم : فقد كان الله تعالى قادرا على أن يخبرنا أنه جعل الجنة حقا لنا ويخترعنا فيها كما فعل بالملائكة وحور العين. وأيضا فقد كذبوا في دعواهم استحقاق الجنة بأعمالهم فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما من أحد ينجيه عمله أو يدخله الجنّة عمله» قيل : ولا أنت يا رسول الله؟ قالك «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه». (١) أو كلاما هذا معناه وأيضا فبضرورة العقل ندري أن ما زاد على المماثلة في الجزاء فيما بيننا فإنه تفضل مجرد في الإحسان وجور في الإساءة هذا حكم المعهود في العقل فعلى أصول المعتزلة يلزمهم أن بقاء أحدنا في الجنة أو في النار مثل زمن إحسانه أو إساءته جزاء على ما سلف منه فضل مجرد وعقاب زائد على مقدار الجرم وقد فعله الله عزوجل بلا شك وهو عدل منه وحكمة وحق.

قال أبو محمد : وأمّا قولهم إنّ دخول الجنة على وجه الجزاء على العمل أعلى درجة وأسنى رتبة من دخولها بالتفضل المجرد فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق : هذا خطأ محض لأننا قد علمنا أنّ هذا الحكم إنما يقع من الأكفاء والمتماثلين وأما الله تعالى فليس له كفوا أحد ، ومن كان عبد لآخر فإن إقبال السيّد عليه بالتفضل عليه المجرد والاختصاص والمحاباة أسنى له وأعلى وأشرف لرتبته وأرفع لدرجته من أن لا يعطيه شيئا إلا بمقدار ما استحقه لخدمته وتسخيره إياه وهذا ما لا ينكره إلا معاند فكيف وليس لأحد على الله حق مبتدأ وكل ما وهبه الله تعالى لأحد من أنبيائه وملائكته عليهم‌السلام وكل ما أخبر تعالى أنه أوجبه وكتبه على نفسه وجعله حقا لعباده فكل ذلك تفضل مجرد من الله عزوجل واختصاص مبتدأ لو لم ينعم به عزوجل لم يجب عليه شيء منه لا يقول غير هذا إلا مدخول الدين فاسد العقل.

__________________

(١) رواه البخاري في الرقاق باب ١٨ ، والمرضى باب ١٩. ومسلم في المنافقين (حديث ٧١ ـ ٧٣ ، ٧٥ ، ٧٦ ، ٧٨) وابن ماجة في الزهد باب ٢٠. والدارمي في الرقاق باب ٢٤. وأحمد في المسند (٢ / ٢٣٥ ، ٢٥٦ ، ٢٦٤ ، ٣١٩ ، ٣٢٦ ، ٣٤٤ ، ٣٨٦ ، ٣٩٠ ، ٤٥٢ ، ٤٦٦ ، ٤٦٩ ، ٤٧٣ ، ٤٨٢ ، ٤٨٨ ، ٤٩٥ ، ٥٠٢ ، ٥٠٩ ، ٥١٤ ، ٥١٩ ، ٥٢٤ ، ٥٣٧ ، ٣ / ٥٢ ، ٣٣٧ ، ٣٦٢ ، ٦ / ١٢٥).

١٩٨

قال أبو محمد : وهم يقولون إن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم جميعهم السلام وصدقوا في هذا ثم نقضوا هذا الأصل بأصلهم هذا السخيف من قولهم إن من دخل الجنة بعد التعريض للبلاء فهو أفضل من ابتداء النعمة والقرب فنحن على قولهم أفضل من الملائكة على جميعهم السلام.

وقد قالوا : إن الملائكة أفضل من الأنبياء فعلى هذا التقرير يجب أن نكون أفضل من الملائكة وأفضل من النبيين بدرجتين وهذا كفر مجرد وتناقض ظاهر.

وأما قولهم إننا لو خلقنا في الجنة لم يكن بد من التوعد والتحذير.

فإنا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق : حتى لو كان ما يقولون لما منع من ذلك أن يخلقوا في الجنة ثم يطلعوا منها فيروا النار ويعاينوا وحشتها وهولها وفيحها ، ونفار النفوس عنها كالذي يعرض لنا عند الاطلاع على النيران العميقة المظلمة وإن كنا قط لم نقع فيها ولا شاهدنا من وقع فيها بل ذلك كان يكون أبلغ في التحذير من وصفها دون رؤية لكن كما فعل بالملائكة وحور العين وكون ذلك ادعى لهم إلى الشكر والحمد والاغتباط بمكانهم واجتناب ما نهوا عنه خوف مفارقة ما قد حصلوا عليه.

ثم نقول لهم أيضا : قولوا هذا فيهم بعد دخولهم الجنة : أمباح لهم الكفر والشتم والضرب فيما بينهم أم محظور عليهم؟ لزمهم بهذا التوعد والتحذير هنالك قلنا نكون لو اخترعنا فيها على الحال التي تكون فيها يوم القيامة ولا فرق وكان يكون أصلح لجميعنا بلا شك.

فإن قالوا : قد سبقت الطاعة في الدنيا.

قيل لهم : وكذلك كانت تسبق منهم في الجنة كالملائكة سواء بسواء. وهم لا يقولون إن المعاصي ، والتضارب ، والتلاطم ، والتراكض ، والتشاتم ، مباح لهم في الجنة ، ولا يقول هذا أحد ، فيحتاج إلى كسر هذا القول ، فإن لجئوا إلى قول أبي الهذيل : إن أهل الجنة مضطرّون لا مختارون ، قيل لهم : وكنا نكون فيها كذلك أيضا ، كما نكون يوم القيامة فيها ، فهذا كان أصلح للجميع بلا شك ، وهذا ما لا انفكاك لهم منه.

قال أبو محمد : وأما قولهم إن الله علم أن بعضهم يكفر ولا بد ، فيجب عليه الخروج من الجنة.

قلنا لهم : أيقدر الله على خلاف ما علم أم لا؟

فإن قالوا : نعم يقدر ولكن لا يفعل ، أقرّوا أنه فعله من ترك ابتدائنا في الجنة إمضاء لما سبق في علمه غير ما كان أصلح لنا بلا شك ، ورجعوا إلى الحق الذي هو

١٩٩

قولنا أنه تعالى فعل ما سبق في علمه من تكليف ما لا يطاق ، ومن خلقه تعالى الكفر ، والظلم ، وإنعامه على من يشاء وحده لا شريك له ، وتركوا قولهم في الأصلح.

وإن قالوا : لا يقدر على غير ما علم أنه يفعله ، جعلوه مجبرا مضطرا عاجزا متناهي القوة ، ضعيف القدرة ، محدثا في أسوأ حالة منهم ، وهذا كفر وخلاف للقرآن ولإجماع المسلمين ، نعوذ بالله من الخذلان.

قال أبو محمد : ونسألهم أيّ مصلحة للحشرات ، والكلاب ، والبق ، والدود ، في خلقها حشرات ، ولم يخلقها ناسا مكلفين معرضين لدخول الجنة؟

فإن قالوا : لو جعلها ناسا لكفروا.

قيل لهم : فقد جعل الكفار ناسا فكفروا ، فهلّا نظر لهم كما نظر للدود والحشرات فجعلهم حشرات لئلا يكفروا؟ فكان أصلح لهم على قولكم ، وهذا ما لا مخلص منه.

قال أبو محمد : ونسألهم فنقول لهم : إذا قلتم إن الله ـ تعالى ـ لا يقدر على لطف لو أتى به الكفار لآمنوا إيمانا يستحقون معه الجنة ، لكنه قادر على أن لا يضطرهم إلى الإيمان!

أخبرونا عن إيمانكم الذي تستحقون به الثواب ، هل يشوبه عندكم شك؟ أم يمكن بوجه من الوجوه أن يكون عندكم باطلا؟

فإن قالوا : نعم يشوبه شك ويمكن أن يكون باطلا.

أقرّوا على أنفسهم بالكفر وكفونا مئونتهم.

وإن قالوا : لا يشوبه شك ، ولا يمكن البتة أن يكون باطلا.

قلنا لهم : هذا هو الاضطرار بعينه ، ليست الضرورة في العلم شيئا غير هذا ، إنما هو معرفة لا يشوبها شك ، ولا يمكن اختلاف ما عرف بها ، فهذا هو علم الضرورة نفسه ، وما عدا هذا فهو ظن وشكّ.

فإن قالوا : إن الاضطرار ما علم بالحواس أو بأول العقل ، وما عداه فهو ما عرف بالاستدلال.

قلنا : هذه دعوى فاسدة لأنها بلا برهان ، وما كان هكذا فهو باطل وتقسيمنا هو الحق الذي يعرف ضرورة وبالله ـ تعالى ـ التوفيق.

قال أبو محمد : ونسألهم أيما كان أصلح للعالم أن يكون بريّا من السباع والأفاعي والدوابّ العادية ، أو أن يكون فيه كما هي مسلطة على الناس ، وعلى سائر الحيوان وعلى الأطفال؟

٢٠٠