الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

فصحّ أنهم لم يعذّبوا في النّار بعد ، وهكذا جاءت الأخبار كلها بأن الجميع يوم القيامة يصيرون إلى الجنة وإلى النّار ، لا قبل ذلك ـ حاشا الأنبياء والشهداء فقط ـ ولا ينكر خروجهم من الجنة لحضور الحساب ، فقد دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجنة ثم خرج عنها ، قال تعالى : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) [سورة النجم آية رقم ١٣ ـ ١٥].

وهما داران طويلتان على أول النفوس جدّا ـ حاشا آخر المخلوقين ، فهي قصيرة عليهم جدّا ، وإنما استقصرها الكفّار كما قال عزوجل في القرآن لأنهم انتقلوا عنها إلى عذاب النار ، نعوذ بالله منها ، فاستقلوا تلك المدة ، وإن كانت طويلة حتّى ظنها بعضهم لشدة ما صاروا إليه يوما أو بعض يوم. وقال بعضهم : (إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً) [سورة طه آية رقم ١٠٣].

ثم الدار الخامسة : هي عالم البعث ، وهو يوم القيامة ، وهو عالم الحساب مقداره خمسون ألف سنة قال تعالى : (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [سورة المعارج : ٤ ـ ١١].

فصحّ أنه يوم القيامة ، وبهذا أيضا جاءت الأخبار الثابتة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وأمّا الأيام التي قال الله تعالى فيها : إنّ اليوم منها ألف سنة فهي آخر ، قال تعالى : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [سورة السجدة آية رقم ٥].

وقال تعالى : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [سورة الحج آية رقم ٤٧] فهي أيام أخر بنص القرآن. ولا يحل إحالة نصّ عن ظاهره بغير نصّ آخر أو إجماع بيقين أو ضرورة حسّ.

ثم الدار السادسة والسابعة : داران للجزاء ، وهما الجنة والنار وهما داران لا آخر لهما ، ولا فناء لهما ولا لمن فيهما. نعوذ بالله من سخطه الموجب للنار ، ونسأله الرّضا منه الموجب للجنة ـ وما توفيقنا إلا بالله الرحيم الكريم.

وأمّا من قال : إن قوله تعالى في يوم القيامة : إنما هي مقدار خمسين ألف سنة لو تولّى ذلك الحساب غيره فهو مكذّب لربه تعالى ، مخالف للقرآن ، ولقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم في طول ذلك اليوم ، وبضرورة العقل ندري أنه لو كلف جميع أهل الأرض محاسبة

١٦١

أهل حضر واحد فيما أضمروه وفعلوه وموازنة كل ذلك ما قاموا به في ألف ألف عام ، فبطل هذا القول الكاذب بيقين لا شك فيه. وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : وإذ قد بينا بطلان قول المعتزلة في تحكمهم على ربهم ، وإيجابهم عليه ما أوجبوا بآرائهم السخيفة ، وتشبيههم إياه أنفسهم فيما يحسن منهم ويقبح ، وتجويزهم إياه فيما فعل وقضى وقدر. فلنبين بحول الله وقوته أنهم المجورون له على الحقيقة لا نحن ، ثم نذكر ما نصّ الله تعالى عليه مصدّقا لقولنا ، ومكذبا لقولهم وبالله تعالى التوفيق.

فنقول ـ وبالله عزوجل نتأيّد ـ إنّ من المحال البين أن يقول المعتزلة إننا نجوّر الله تعالى. ونحن نقول : لا يجوز البتة ولا جار قط ، وأن كل ما فعل أن يفعل أيّ شيء كان فهو العدل والحق والحكمة على الحقيقة لا شك في ذلك ، وأنه لا جور إلّا ما سمّاه الله عزوجل جورا ، وهو ما ظهر في عصاة عباده من الجن والإنس ممن خالف أمره تعالى ، وهو خالقه فيهم كما شاء فكيف يكن مجور الله عزوجل من هذه هي مقالته! إنما المجوّر لربه تعالى من يقول فيما أخبر الله عزوجل : إن خلقه هذا جور وظلم ، فإن قائل هذا القول لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما :

إمّا أنه مكذّب لربّه عزوجل في إخباره في القرآن أنه برأ المصائب كلها وخلقها ، وأنه تعالى خلقنا وما نعمل ، وأنه خلق كل شيء بقدر ، محرّف لكلام ربه تعالى الذي هو غاية البيان عن مواضعه ، مبدّل له بعد ما سمعه ، وقد نصّ الله تعالى فيمن يحرف الكلم عن مواضعه ، ويبدّله بعد ما سمعه ما نصّ (١). فهذه خطة كفران التزمها.

والثانية : وهي تصديق الله عزوجل في إخباره بذلك ، وتجويره في فعله ، لا بدّ له من ذلك ، وهذه أيضا خطة كفران التزمها ، أو الانقطاع والتناقض ، والثبات على اعتقاد الباطل بلا حجة تقليدا للعيارين الشطار الفسّاق كالنظام ، والعلاف ، وبشر نخاس الرقيق ، ومعمّر المتهم عندهم في دينه ، وثمانية الخليع المشهور بالقبائح والجاحظ ، وهو من عرف هزلا وعيارة وانهمالا. وهذه أسلم الوجوه لهم. ونعوذ بالله من مثلها.

ثم هم بعد هذا صنفان : أصحاب الأصلح ، وأصحاب اللطف. فأما أصحاب اللطف ، فإن أصحاب الأصلح يصفونهم بأنهم مجوّرون لله ، مجهّلون له. وأصحاب

__________________

(١) انظر الآية ٤٦ من سورة النساء ، والآيتين ١٣ و ٤١ من سورة المائدة.

١٦٢

الأصلح : يصفهم أصحاب اللطف بأنهم معجزون لله تعالى ، مشبّهون له بخلقه ، (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ) [سورة القلم آية رقم ٣٠]. وقد نص تعالى على أنه يفعل ما يشاء بخلاف ما قالت المعتزلة ، فقال عزوجل : (كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة المدثر آية رقم ٣١].

وأمرنا عزوجل أن ندعوه فنقول : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) [سورة البقرة آية رقم ٢٨٦].

قال أبو محمد : وهذا غاية البيان في أنه عزوجل له أن يكلفنا ما لا طاقة لنا به وأنه لو شاء ذلك لكان من حقه ، ولو لم يكن له ذلك لما أمرنا بالدّعاء في ألّا يحملنا ذلك ، ولكان الدعاء بذلك كالدعاء في أن يكون إلها خالقا على أصوله. ونصّ تعالى ـ كما تلونا ـ على أنه قد حمّل من كان قبلنا الإصر ـ وهو الثقل الذي لا يطاق. وأمرنا أن ندعوه بألّا يحمل ذلك علينا.

وأيضا : فقد أمرنا تعالى في هذه الآية أن ندعوه بأن لا يؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، وهذا هو تكليف ما لا يطاق نفسه ، لأن النسيان لا يقدر أحد على الخلاص منه ، ولا يتوهم التحفظ منه ، ولا يمكن أحد دفعه عن نفسه ، فلو لا أن له تعالى أن يؤاخذ بالنسيان من شاء من عباده ـ لما أمرنا بالدّعاء في النجاة منه. وقد وجدنا الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مؤاخذين بالنسيان. منهم : أبونا آدم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قال الله تعالى : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) [سورة طه آية رقم ١١٥].

يريد نسيانه عداوة إبليس له الذي حذّره الله تعالى منه ، ثم أخذه على ذلك ، وأخرجه من الجنة ، ثم تاب عليه. وهذا كلّه على أصول المعتزلة جور وظلم ، تعالى الله عن ذلك. وقال عزوجل : (وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا) [سورة الأنعام آية رقم ١٠٧]. و «لو» في اللغة التي بها نزل القرآن حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره فصحّ يقينا أن ترك الشرك من المشركين ممتنع لامتناع مشيئة الله تعالى لتركه. وقال تعالى : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) [سورة يونس آية رقم ١٠٠].

ومشيئة الله هي تفسير إذن الله ـ وقال تعالى : (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [سورة الأنعام آية رقم ١١١].

فهذا نصّ جليّ على أنه لا يمكن أحد أن يؤمن إلا بإذن الله عزوجل له في

١٦٣

الإيمان ـ فصحّ يقينا أن كلّ من آمن فلم يؤمن إلا بإذن الله عزوجل ، وأنه تعالى شاء أن يؤمن ، وأنّ كل من لم يؤمن فلم يأذن الله تعالى له في الإيمان ، ولا شاء أن يكون منه الإيمان.

هذا نصّ هاتين الآيتين اللتين لا يحتملان تأويلا غيره أصلا ، وليس لأحد أن يقول : إنه تعالى عنى الإكراه على الإيمان ، لأن نصّ الآيتين مانع من هذا التأويل الفاسد ، لأنه تعالى أخبر أن كل من آمن فإنما آمن بإذن الله عزوجل ، وأنّ من لم يؤمن فإنّ الله تعالى لم يشأ أن يؤمن ، فيلزمهم على هذا : أن كلّ مؤمن في العالم فمكره على الإيمان. وهذا شر من قول الجهمية ، وأشد. فإن قالوا : إنّ إذن الله تعالى هاهنا إنما هو أمره ـ لزمهم ضرورة أحد وجهين ، لا بدّ منهما :

إما أن يقولوا : إن الله تعالى لم يأمر الكفار بالإيمان لأن النص قد جاء بأنه تعالى لو أذن لهم لآمنوا.

وإمّا أن يقولوا : إن كل من في العالم فهم مؤمنون لأنهم عندهم مأذون لهم في الإيمان ، إذا كان الإذن هو الأمر. وكلا القولين كفر مجرد ، ومكابرة للعيان. ونعوذ بالله من الضلال.

قال أبو محمد : الإذن هاهنا ومشيئته تعالى هو خلق الله تعالى للإيمان فيمن آمن ، وقوله لإيمانه (كُنْ فَيَكُونُ) [سورة يس آية رقم ٨٢].

وعدم إذنه تعالى ، وعدم مشيئته للإيمان هو ألّا يخلق في المرء الإيمان فلا يؤمن ، لا يجوز غير هذا البتة ، إذ قد صحّ أن الإذن هاهنا ليس هو الأمر. وقال عزوجل : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) [سورة النحل آية رقم ٣٦].

فأخبر تعالى أنه هدى بعضهم دون بعض. وهذا عند المعتزلة جور. وقال تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [سورة الأعراف آية رقم ١٧٩].

فنص على أنه خلقهم ليدخلهم النار ، نعوذ بالله من ذلك.

وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة النحل آية رقم ٩٣].

وأمر تعالى أن ندعوه فنقول : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) [سورة آل عمران آية رقم ٨].

فنص تعالى على أنه يزيغ قلوب من لم يهدهم من الذين زاغوا إذ أزاغ الله

١٦٤

قلوبهم. وقال تعالى : (كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) [سورة يونس آية رقم ٣٣].

فقطع تعالى على أن كلماته قد حقت على الفاسقين أنهم لا يؤمنون ، فمن الذي حقق عليهم ألّا يؤمنوا إلّا هو عزوجل؟ وهذا جور عند المعتزلة.

قال أبو محمد : وكل آية ذكرناها في باب الاستطاعة منهن (١) حجة عليهم في هذا الباب وكل آية نتلوها إن شاء الله عزوجل في باب إثبات أن الله عزوجل أراد كون الكفر والفسق بعد هذا الباب منهن (٢) أيضا حجة عليهم في هذا الباب. وكذلك كل آية نتلوها إن شاء الله عزوجل في إبطال قول من قال : ليس عند الله تعالى شيء أصلح مما أعطاه الله أبا جهل ، وفرعون ، وأبا لهب ، مما يستدعي الإيمان ـ فإنها حجة عليهم في هذا الباب. وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : واحتجت المعتزلة بقول الله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ) [سورة الدخان آية رقم ٣٨ ، ٣٩].

وبقوله تعالى : (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [سورة فصلت آية رقم ٤٦].

وبقوله تعالى : (وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة النحل آية رقم ١١٨].

وبقوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات آية رقم ٥٦].

وبقوله تعالى : (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [سورة فصلت : ٤٦].

وبقوله تعالى : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) [سورة الأنفال آية رقم ٢٢ ـ ٢٣].

قال أبو محمد : وهذه حجة لنا عليهم لأنه تعالى أخبر أنه قادر على أن يسمعهم والإسماع هاهنا : الهدى بلا شك ، لأن آذانهم كانت صحاحا. ومعنى قوله تعالى : (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) إنما معناه بلا شك : لتولّوا عن الكفر ، وهم معرضون عنه ، لا يجوز غير هذا ، لأنه محال أن يهديهم الله ، وقد علم من قلوبهم خيرا فلا يهتدوا ، هذا تناقض قد تنزّه كلامه عزوجل عنه ، فصحّ أنه كما ذكرنا يقينا.

قال أبو محمد : وسائرها لا حجة لهم في شيء منه ، بل هو حجة لنا عليهم ،

__________________

(١) أي من الآيات.

(٢) أي من الآيات.

١٦٥

وهو نصّ قولنا : أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ، وأفعال العباد بين السماء والأرض بلا شك ، فالله تعالى خلقها بالحق الذي هو اختراعه لها ، وكلّ ما فعل تعالى حق ، وإضلاله من أضلّ حقّ له ومنه تعالى ، وهداه من هدى حق منه تعالى ، ومحاباته من حابى بالنبوّة وبالطّاعة حق منه. ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كل من قال : إن الله تعالى خلق شيئا بغير الحق ، أو أنه تعالى خلق شيئا لاعبا ، أو أنه تعالى ظلم أحدا ، بل فعله عدل وصلاح ، ولقد ظهر لكل ذي فهم أننا قائلون بهذه الآيات على نصّها وظاهرها فأيّ حجة لهم علينا في هذه النصوص لو عقلوا؟! وأمّا المعتزلة فيقولون : إنه تعالى لم يخلق كثيرا مما بين السماوات والأرض ، لا سيما عبّاد بن سلمان منهم تلميذ هشام بن عمرو الفوطي القائل : إن الله تعالى لم يخلق الجدب ، ولا الجوع ، ولا الأمراض ، ولا الكفار ، ولا الفسّاق. ومحمد بن عبد الله الإسكافي تلميذ جعفر بن حرب القائل : إن الله تعالى لم يخلق العيدان ، ولا المزامير ، ولا الطنابير ، وكل ذلك ليس بخلق من خلق الله ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا.

وهم يقولون : إن الله عزوجل لو حابى أحدا لكان ظالما لغيره ، وقد صحّ أن الله تعالى حابى موسى وإبراهيم ويحيى ومحمدا صلوات الله عليهم دون غيرهم ودون أبي لهب ، وأبي جهل ، وفرعون ، والذي حاجّ إبراهيم في ربّه ، فعلى قول المعتزلة : يجب أن الله تعالى ظلم هؤلاء الذين حابى غيرهم عليهم ، وهذا ما لا مخلص لهم منه إلا بترك قولهم الفاسد.

وأمّا قوله تعالى : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات آية رقم ٥٦].

فهكذا نقول : ما خلقهم الله تعالى إلا ليكونوا له عبادا مصرّفين بحكمه فيهم منقادين لتدبيره إيّاهم ، وهذه حقيقة العبادة ، والطّاعة أيضا عبادة.

وقال تعالى حاكيا عن القائلين : (أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) [سورة المؤمنون آية رقم ٤٧] وقد علم كل أحد أن قوم موسى عليه‌السلام لم يعبدوا قط فرعون عبادة تديّن لكن عبدوه عبادة تذلّل ، فكانوا له عبيدا ، فهم له عابدون. وكذلك قول الملائكة عليهم‌السلام (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ) [سورة سبأ : ٤١].

وقد علم كل أحد أنهم لم يعبدوا الجن عبادة تدين ، لكن عبدوهم عبادة تصرف لأمرهم ، وإغوائهم ، فكانوا لهم بذلك عبيدا. فصحّ القول بأنهم يعبدونهم ، وهذا بيّن.

١٦٦

وقال بعض أصحابنا معنى هذه الآية : أنه تعالى خلقهم ليأمرهم بعبادته ، ولسنا نقول بهذا ، لأن فيهم من لم يأمره الله تعالى قط بعبادته ، كالأطفال والمجانين ، فصار تخصيصا للآية بلا برهان ، والذي قلناه هو الحق لا شك فيه ، لأنه المشاهد المتيقّن العامّ لكل واحد منهم.

وأمّا ظن المعتزلة في هذه الآية فباطل يكذبه إجماعهم معنا أن الله تعالى لم يزل يعلم أن كثيرا منهم لا يعبدونه ، فكيف يجوز أن يخبر أنه خلقهم لأمر قد علم أنه لا يكون منهم ، إلّا أن يصيروا إلى قول من يقول : إنه تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون ، فيتم كفر من لجأ إلى هذا ، ولا يخلصون مع ذلك من نسبة العبث إلى الخالق تعالى إذ غرّر من خلق فيما لا يدري أيعطبون فيه أم يفوزون؟ وتحيّرت المعتزلة القائلون بالأصلح وبإبطال المحاباة في وجه العدل في ستة عشر بابا وهي : العدل في إدامة العذاب ، العدل في إيلام الحيوان ، العدل في تبليغ من في المعلوم أنه يكفر ، العدل في المخلوق ، العدل في إعطاء الاستطاعة ، العدل في الإرادة ، العدل في البدل ، العدل في الأمر ، العدل في عذاب الأطفال ، العدل في استحقاق العذاب ، العدل في المعرفة ، العدل في إخلاف أحوال المخلوقين ، العدل في اللطف ، العدل في الأصلح ، العدل في نسخ الشرائع ، العدل في النبوة.

١٦٧

الكلام في هل شاء الله عزوجل كون الكفر والفسق

وأراده تعالى من الكافر والفاسق أم لم يشأ ذلك

ولا أراد كونه

قال أبو محمد : قالت المعتزلة : إن الله تعالى لم يشأ أن يكفر الكافر ، ولا أن يفسق الفاسق ، ولا أن يشتم تعالى ، ولا أن يقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، واحتجوا بقول الله عزوجل : (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ) [سورة الزمر آية رقم ٧] وبقوله تعالى : (اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) [سورة محمد آية رقم ٢٨]. وقالوا : من فعل ما أراد الله فهو مأجور محسن ، فإن كان الله تعالى أراد أن يكفر الكافر وأن يفسق الفاسق فقد فعلا جميعا ما أراد الله تعالى منهما ، فهما محسنان مأجوران.

وذهب أهل السنة : أن لفظة «شاء» و «أراد» لفظة مشتركة تقع على معنيين : أحدهما الرضى والاستحسان ، فهذا منهيّ عن الله تعالى أنه أراده أو شاءه في كل ما نهى عنه. والثاني : أن يقال : أراد وشاء بمعنى أراد كونه وشاء وجوده ، فهذا هو الذي نخبر به عن الله عزوجل في كل موجود في العالم من خير أو شرّ.

فسلكت المعتزلة سبيل السفسطة في التعلق بالألفاظ المشتركة الواقعة على معنيين فصاعدا والتمويه الذي يضمحل إذا فتش ويفتضح إذا بحث عنه ، وهذه سبيل الجهّال الذين لا حيلة بأيديهم إلا المخرقة. (١)

وقال أهل السنة : ليس من فعل ما أراد الله تعالى وما شاء الله ، كان محسنا ، إنما المحسن من فعل بما أمره الله تعالى به ، ورضيه منه.

قال أبو محمد : ونسألهم فنقول لهم : أخبرونا ، كان الله تعالى قادرا على منع الكافر من الكفر ، والفاسق من الفسق ، وعلى منع من شتمه من النطق به ، ومن إمراره

__________________

(١) المخرقة : الجهل والحمق.

١٦٨

على خاطره وعلى المنع من قتل من قتل من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أم كان عاجزا عن المنع من ذلك؟

فإن قالوا : لم يكن قادرا على المنع من شيء من ذلك ، فقد أثبتوا له معنى العجز ضرورة ، وهذا كفر مجرد ، وإبطال لألوهيته تعالى ، وقطع عليه بالضعف والنقص وتناهي القوة ، وانقطاع القدرة ، مع التناقض الفاحش ، لأنهم مقرون أنه تعالى هو أعطاهم القوة التي بها كان الكفر والفسق ، وشتمه تعالى ، وقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فمن المحال المحض أن يكون تعالى لا يقدر على ألّا يعطيهم الذي أعطاهم وهذه صفة المضطر المجبر.

وإن قالوا : بل هو قادر على منعهم من كل ذلك أقروا ضرورة أنه مريد لبقائهم على الكفر ، وأنه المبقي للكافر وللكفر ، وخالق الزمان الذي امتدّ فيه الكافر على كفره ، والفاسق على فسقه ، وهذا نفسه هو قولنا : إنه أراد كون الكفر والفسق والشتم له وقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولم يرض عن شيء من ذلك ، بل سخطه تعالى وغضب على فاعله.

وقالت المعتزلة : إن كان الله تعالى أراد كون كل ذلك فهو إذا يغضب مما أراد.

قال أبو محمد : ونحن نقرأ أنه تعالى يغضب على فاعل ما أراد كونه منه ، ثم نعكس عليهم هذا السؤال بعينه فنقول لهم :

فإذ هذا عندكم منكر ، وأنتم مقرّون بأنه قادر على المنع منه فهو عندكم يغضب مما أقرّ ، ويسخط ما يقرّه ولا يغيّره ، ويثبت ما لا يرضى ، وهذا هو الذي شنّعوا فيه ، ولا يقدرون على دفعه ، والشناعة عليهم راجعة لأنهم أنكروا ما لزمهم وبالضرورة ندري أن من قدر على المنع من شيء فلم يفعل ولا منع منه فقد أراد وجود كونه ، ولو لم يرد كونه لغيره ، ولمنع منه ، ولما تركه يفعل.

فإن قالوا : إنه حكيم ، وخلّاهم دون منع لسرّ من الحكمة له في ذلك.

قيل لهم : فاقنعوا بمثل هذا الجواب ممن قال لكم : إنه أراد كونه لأنه حكيم كريم عزيز ، وله في ذلك سرّ من الحكمة.

قال أبو محمد : وأمّا نحن فنقول : إنه تعالى أراد كون كلّ ذلك ، ولا سرّ هاهنا ، وأن كل ما فعل فهو حكمة وحق ، وأن قولهم هذا هادم لمقدّمتهم الفاسدة أنه يقبح من الباري تعالى ما يقبح منّا ، وفيما بيننا ، وما علم قط ذو عقل أن من خلّى منا عدوّه منطلق اليد على وليّه وأحبّ الناس إليه يقتله ويعذّبه ويلطمه ويهينه ، ويتركه ينطلق على

١٦٩

عبيده وإمائه يفجر بهم وبهنّ طوعا وكرها والسيّد حاضر يرى ويسمع ، وهو قادر على المنع من ذلك فلا يفعل بل لا يقنع بتركهم حتّى يعطي عدوّه القوة على كل ذلك ، والآلات المعينة له ، ويمده بالقوى شيئا بعد شيء فليس حكيما ، ولا حليما ، ولكنه عابث ظالم جائر ، فيلزمهم على أصلهم الفاسد أن يحكموا على الله تعالى بكل هذا لأنهم معترفون بأنه تعالى فعل كل هذا وهذا لا يلزمنا لأننا نقول : إن الله تعالى يفعل ما يشاء ، وأن كلّ ما فعل مما ذكرنا وغيره فهو كله منه تعالى حكمة ، وحق ، وعدل «لا يسأل عما يفعل وهم يسألون».

فبطل بضرورة المشاهدة قولهم : إن الله تعالى لم يرد كون الكفر ، أو كون الفسق ، أو كون شتمه تعالى ، وقتل أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ، ولو لم يرد كونه لمنع من ذلك كما منع من كون كل ما لم يرد أن يكون.

قال أبو محمد : ويكفي من هذا كله اجتماع الأمة على قول «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن». فهذا على عمومه موجب أن كل ما في العالم كان أو يكون ـ أيّ شيء كان فقد شاءه الله تعالى ، وكل ما لم يكن ولا يكون فلم يشأه الله تعالى.

وقد نص الله تعالى نصّا لا يحتمل تأويلا على أنه تعالى أراد كون كل ذلك ، فمن ذلك قوله تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [سورة التكوير آية رقم ٢٨ ، ٢٩].

فنصّ تعالى نصّا جليا على أنه لا يشاء أحد استقامة على طاعته تعالى إلّا إن شاء الله تعالى أن يستقيم ، فلو صحّ قول المعتزلة : أنّ الله تعالى شاء أن يستقيم كل مكلف لكان بنص القرآن كل مكلف مستقيما ، لأن الله تعالى عندهم قد شاء ذلك ، وهذا تكذيب مجرّد لله تعالى ، نعوذ بالله من مثله. فصح يقينا لا مدخل للشك في صحته أنه تعالى شاء خلاف الاستقامة منهم ، ولم يشأ أن يستقيموا بنص القرآن ، وقال تعالى : (وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة المدثر آية رقم ٣١].

قال أبو محمد : وهذه الآية غاية في البيان في أنّ الله تعالى جعل عدة ملائكة النار فتنة للذين كفروا ، وليقولوا : ما ذا أراد الله بهذا مثلا ، فأخبر تعالى : أنه أراد أن يفتن الذين كفروا ، وأن يضلهم فيضلوا ، وأنه تعالى قصد إضلالهم وحكم بذلك كما قصد

١٧٠

هدى المؤمنين وأراده ، وكذلك قال تعالى : (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) [سورة فصلت : آية رقم ٤٤].

قال أبو محمد : فنص تعالى على أنه نزل القرآن هدى للمؤمنين ، وعمى للكفار ، وبيقين ندري أنه تعالى إذ أنزل القرآن أراد أن يكون كما قال تعالى : عمى للكفار ، وهدى للمؤمنين وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) [سورة يونس آية رقم ٩٩ ، ١٠٠].

هكذا هي الآية كلها موصولة بعضها ببعض فنص تعالى على أنه لو شاء لآمن الناس والجن ، وهم أهل الأرض كلهم ، و «لو» في لغة العرب التي بها خاطبنا الله عزوجل ليفهمنا حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ، فصحّ يقينا أن الله تعالى لم يشأ أن يؤمن كل من في الأرض ، وإذ لا شك في ذلك فباليقين ندري أنه شاء منهم خلاف الإيمان وهو الكفر والفسق لا بدّ ، ولو كان الله تعالى أذن للكافرين بالإيمان على قول المعتزلة لكان كل من في الأرض قد آمن ، لأنه تعالى قد نص على أنه لا يؤمن أحد إلا بإذنه ، وهذا أمر من المعتزلة يكذبه العيان ، فصح أن المعتزلة كذبت ، وأن الله تعالى صدق ، وأنه لم يأذن قط لمن مات كافرا بالإيمان ، وأن من عمي عن هذه لأعمى القلب وكيف لا يكون أعمى القلب ، من أعمى الله قلبه عن الهدى؟ وبالضرورة ندري أن قول الله تعالى : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) حق ، وأنّ من لم يأذن الله تعالى له في الإيمان فإنه تعالى لم يشأ أن يؤمن ، وإذ لم يشأ أن يؤمن فبلا شك أنه تعالى شاء أن يكفر ، هذا ما لا انفكاك منه. وقال تعالى : (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [سورة الأنعام آية رقم ١١١].

فبين تعالى أتمّ بيان على أنّ الآيات لا تغني شيئا ولا النذر ، وهم الرسل ، وأنه لا يؤمن شيء من ذلك إلا من شاء الله عزوجل أن يؤمن ـ فصح يقينا أنه لا يؤمن إلّا من شاء الله إيمانه ، ولا يكفر إلّا من شاء الله كفره ، فقال تعالى حاكيا عن يوسف عليه‌السلام أنه قال : (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَ) [سورة يوسف آية رقم ٣٣].

فبالضرورة نعلم : أن من صبا وجهل فإنّ الله تعالى لم يصرف عنه الكيد الذي

١٧١

صرفه برحمته عن من لم يصب ولم يجهل ، وإذ صرفه تعالى عن بعض ولم يصرفه عن بعض فقد أراد تعالى إضلال من صبا وجهل. قال تعالى : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) [سورة الأنعام آية رقم ٢٥].

فليت شعري إذ قال تعالى : إنه جعل قلوب الكافرين في أكنة أن يفقهوا القرآن ، وجعل الوقر في آذانهم ، أتراه أراد أن يفقهوه ، أو أراد ألا يفقهوه؟ وكيف يسوغ في عقل أحد أن يخبر تعالى أنه فعل عزوجل شيئا لم يرد أن يفعله ولا أراد كونه ، ولا شاء إيجاده؟ وهذا تخليط لا يتشكل في عقل كل ذي مسكة من عقل ـ فصحّ يقينا أن الله تعالى أراد كون الوقر في آذانهم ، وكون الأكنة على قلوبهم.

وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) [سورة النحل آية رقم ٩٣].

فنصّ تعالى على أنه لم يرد أن يجعلنا أمة واحدة ، ولكن شاء أن يضل قوما ويهدي قوما ، فصحّ يقينا أنه تعالى شاء إضلال من ضل ، وقال تعالى مثنيا على قوم ، ومصدقا لهم في قولهم : (قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا) [سورة الأعراف آية رقم ٨٩].

فقال النبيون عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم قول الحق الذي شهد الله عزوجل بتصديقه أنهم إنما خلصوا من الكفر بأن الله تعالى نجاهم منه ، ولم ينج الكافرين منه ، وأن الله تعالى إن شاء أن يعودوا في الكفر عادوا فيه ـ فصح يقينا أنه تعالى شاء ذلك ممن عاد في الكفر.

وقد قالت المعتزلة في هذه الآية : معنى هذا إلّا أن يأمرنا الله بتعظيم الأصنام كما أمرنا بتعظيم الحجر الأسود والكعبة.

قال أبو محمد : وهذا في غاية الفساد ، لأن الله تعالى لو أمرنا بذلك لم يكن عودا في ملة الكفر بل كان يكون ثباتا على الإيمان وتزايدا فيه. قال تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) [سورة البقرة آية رقم ١٠].

فليت شعري إذ زادهم الله مرضا أتراه لم يشأ ، ولا أراد ما فعل من زيادة المرض في قلوبهم ، وهو الشك والكفر؟ وكيف يفعل الله ما لا يريد أن يفعل؟ وهل هذا إلّا إلحاد مجرد ممن قاله؟ وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) [سورة البقرة آية رقم ٢٥٣].

١٧٢

فنصّ تعالى على أنه لو شاء لم يقتتلوا ، فوجب ضرورة أنه شاء وأراد أن يقتتلوا وفي اقتتال المقتتلين ضلال بلا شك ، فقد شاء الله تعالى كون الضلال ووجوده بنص كلامه تعالى ، وقال عزوجل : (وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً) [سورة المائدة آية رقم ٤١].

فنص تعالى على أنه أراد فتنة المفتتنين ، وهم الكفار وكفرهم الذين لم يملك لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الله شيئا ، فهذا نص على أن الله تعالى أراد كون الكفر من الكفار. وقال تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) [سورة المائدة آية رقم ٤١].

قال أبو محمد : وهذا غاية البيان في أنه تعالى لم يرد أن يطهر قلوبهم وبالضرورة ندري أن من لم يرد الله أن يطهر قلبه فقد أراد فساد دينه الذي هو ضد طهارة القلب ، وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) [سورة الأنعام آية رقم ٣٥].

وهذا غاية البيان في أنّ الله تعالى لم يرد هدى الجميع ، وإذ لم يرد هداهم فقد أراد كون كفرهم الذي هو ضدّ الهدى ، وقال تعالى : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [سورة السجدة آية رقم ١٣].

قال أبو محمد : هذا غاية البيان في أنه تعالى لم يشأ هدى الكفار لكن حق قوله بأنّهم لا بدّ من أن يكفروا فيكونوا من أهل جهنم. وقال تعالى : (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [سورة الأنعام آية رقم ٣٩].

فأخبر تعالى أنه شاء أن يضل من أضله ، وشاء أن يهدي من جعله على صراط مستقيم ، وهم بلا شك غير الذين لم يجعلهم على صراط مستقيم ، وأراد فتنتهم وألّا يطهر قلوبهم ، وأن يكونوا من أصحاب النار ، نعوذ بالله من ذلك. وقال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال : (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) [سورة الأنعام آية رقم ٧٧].

فشهد الخليل عليه‌السلام أن من لم يهده الله تعالى ضلّ. وصحّ أن من ضلّ لم يهده الله عزوجل ، ومن لم يهده الله وهو قادر على هداه فقد أراد ضلاله وإضلاله ، ولم يرد هداه.

وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا) [سورة الأنعام آية رقم ١٠٧].

فصح يقينا لا إشكال فيه أن الله تعالى شاء أن يشركوا إذ نص على أنه لو شاء ألا يشركوا ما أشركوا. وقال تعالى : (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) [سورة الأنعام آية رقم ١١٢].

١٧٣

وهذا نصّ على أنه تعالى شاء أن يفعلوه ، إذ أخبر أنه لو شاء ألّا يفعلوه ما فعلوه وقال تعالى : (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ) [سورة الأنعام آية رقم ١٣٧].

فنص تعالى على أنه لو لم يشأ أن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ما أوحوه ولو شاء ألا يلبس بعضهم دين بعض ، وألا يقتلوا أولادهم ما لبس عليهم دينهم ، ولا قتلوا أولادهم ، فصحّ ضرورة أنه تعالى شاء أن يلبس دين من التبس دينه وأراد كون قتلهم أولادهم ، وأن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ، وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ) [سورة النساء آية رقم ٩٠].

فصحّ يقينا أنه تعالى سلّط أيدي الكفار على من قتلوه من الأنبياء والصالحين وقال تعالى : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) [سورة الأنعام آية رقم ١٢٥].

فنص على أنه يريد هدى قوم فيهديهم ويشرح صدورهم للإيمان ، ويريد ضلال آخرين فيضلهم بأن يضيق صدورهم ويحرجها فكأنهم كلّفوا الصعود إلى السماء فيكفروا. وقال تعالى : (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ) [سورة النحل آية رقم ١٢٧].

فنص تعالى على أن من صبر فصبره ليس إلّا بالله ـ فصحّ أن من صبر فإن الله آتاه الصبر ، ومن لم يصبر فإن الله عزوجل لم يؤته الصبر. وقال تعالى : (وَلا تَنازَعُوا) [سورة الأنفال : ٤٦] فنهانا عن الاختلاف. وقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) [سورة هود آية رقم ١١٩].

فنص تعالى أنه خلقهم للاختلاف إلّا من رحم الله منهم ، ولو شاء لم يختلفوا فصحّ يقينا أن الله خلقهم لما نهاهم عنه من الاختلاف وأراد كون الاختلاف منهم. وقال عزوجل : (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [سورة آل عمران آية رقم ٣٦].

وقال تعالى : (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً) [سورة الإسراء : آية رقم ٥] إلى قوله تعالى : (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) [سورة الإسراء آية رقم ٧].

فنص تعالى على أنه أغرى الكفار وسلب المؤمنين في الملك ، وأنه بعث أولئك الذين دخلوا المسجد ، ودخلوه مسخطين لله تعالى بلا شك. فصح يقينا أنه تعالى خلق

١٧٤

كل ذلك وأراد كونه ، وقال عزوجل : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) [سورة البقرة آية رقم ٢٥٨].

فهذا نصّ على أن الله آتى الملك ذلك الكافر ، فصح يقينا أن الله تعالى فعل تمليكه وملكه على أهل الإيمان ، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن ذلك يسخط الله عزوجل ، ويغضبه ولا يرضاه ، وهو نفس الذي أنكرته المعتزلة ، وشنعت به.

قال أبو محمد : ونسألهم عما مضت الدنيا عليه منذ كانت من أولها إلى يومنا هذا من النصر النازل على ملوك أهل الشرك ، والملوك الجورة ، والظلمة ، والغلبة المعطاة لهم على من ناوأهم من أهل الإسلام ، وأهل الفضل ، واخترام (١) من أرادهم بالموت أو باضطراب الكلمة ، ويأتي النصر لهم بوجوه الظفر الذي لا شك في أن الله تعالى فاعله من إماتة أعدائهم من أهل الفضل ، وتأييدهم عليهم. وهذا ما لا مخلص لهم في أن الله تعالى أراد كونه وقال عزوجل : (وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) [سورة التوبة آية رقم ٤٦].

فنص تعالى نصّا جليا لا يحتمل تأويلا على أنه كره أن يخرجوا في الجهاد الذي افترض عليهم الخروج فيه مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد كره تعالى كون ما أراد ونصّ على أنه ثبطهم عن الخروج في الجهاد ثم عذّبهم على التثبيط الذي أخبر تعالى أنه فعله. ونصّ تعالى على أنه قال (اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ). وهذا يقين ليس بأمر إلزام لأنّ الله تعالى لم يأمرهم بالقعود عن الجهاد مع رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بل لعنهم وسخط عليهم إذ قعدوا ؛ فإذ لا شك في هذا فهو ضرورة أمر تكوين ، فصح أن الله تعالى خلق قعودهم المغضب له الموجب لسخطه ، وإذا نصّ تعالى على أمر فلا اعتراض لأحد عليه. وقال عزوجل : (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) [سورة التوبة آية رقم ٥٥].

وهذا نصّ جليّ على أنه عزوجل أراد أن يموتوا وهم كافرون ، وأنه تعالى أراد كفرهم ، والقاف من (تَزْهَقَ) مفتوحة بلا خلاف من أحد من القراء ، معطوفة على ما أراد الله عزوجل من أن يعذبهم بها في الدنيا ، «والواو» تدخل المعطوف في حكم المعطوف عليه بلا خلاف من أحد في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى.

قال أبو محمد : فإن قال قائل : فإن الله عزوجل قال في الّذين قعدوا عن

__________________

(١) اخترمته المنيّة : أخذته (المعجم الوسيط : ص ٢٣٠).

١٧٥

الخروج مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ) [سورة التوبة آية رقم ٤٧].

فلهذا ثبطهم.

قلنا : لا عليكم ، أكانوا مأمورين بالخروج معه عليه‌السلام متوعدين بالنار إن قعدوا بغير عذر ، أم كانوا غير مأمورين بذلك؟ فإذ لا شك في أنهم كانوا مأمورين فقد ثبطهم الله عزوجل عما أمرهم به ، وعذّبهم على ذلك ، وخلق قعودهم عمّا أمرهم به.

ثم نقول لهم : أكان تعالى قادرا على أن يكف عن أهل الإسلام خبالهم وفتنتهم لو خرجوا معهم أولا؟

فإن قالوا : لم يكن قادرا على ذلك عجّزوا ربّهم تعالى ، وإن قالوا إنه تعالى كان قادرا على ذلك رجعوا إلى الحق وأقروا أن الله تعالى ثبّطهم ، وكره كون ما افترض عليهم ، وخلق قعودهم الذي عذّبهم عليه ، ولا مهم عليه كما شاء لا معقّب لحكمه ، وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : فإذ جاءت النصوص كما ذكرنا متظاهرة لا تحتمل تأويلا بأنه عزوجل أراد ضلال من ضل وشاء ، وكفر من كفر ـ فقد علمنا ضرورة أن كلام الله تعالى لا يتعارض ، فلما أخبر عزوجل أنه لا يرضى لعباده الكفر فبالضرورة علمنا أن الذي نفى عزوجل هو غير الذي أثبت. فإذ لا شك في ذلك ، فالذي نفى تعالى هو الرضا بالكفر ، والذي أثبت هو الإرادة لكونه والمشيئة لوجوده ، وهما معنيان متغايران بنص القرآن وحكم اللغة.

فإن أبت المعتزلة من قبول قول كلام ربهم ، وكلام نبيهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكلام إبراهيم ويوسف وشعيب ، وسائر الأنبياء صلّى الله عليهم وسلم ، وأبت أيضا من قبول اللغة ، وما أوجبته البراهين الضرورية ممّا شهدت به الحواسّ والعقول من أنّ الله تعالى لو لم يرد كون ما هو موجود كائن لمنع منه ، وقد قال تعالى : (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ) [سورة الأعراف : آية رقم ٩٢].

فشهد الله تعالى بتكذيبهم ، واستعاضته من ذلك بأصول المنّانية أن الحكيم لا يريد كون الظلم ، ولا يخلقه ، (وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [سورة البقرة آية رقم ١٠٢].

ولقد لجأ بعضهم إلى أن قال : إن لله تعالى في هذه الآيات معنى ومرادا لا نعلمه.

١٧٦

قال أبو محمد : وهذا تجاهل ظاهر ، وراجع لنا عليهم سواء بسواء في خلق الله تعالى أفعال عباده ثم يعذبهم عليها ، ولا فرق. فكيف وهذا كله لا معنى له بل الآيات كلها حق على ظاهرها ، لا يحل صرفها عنه لأن الله تعالى قال : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) [سورة محمد : ٢٤].

وقال تعالى : (قُرْآناً عَرَبِيًّا) [سورة يوسف : ٢].

وقال تعالى : (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) [سورة النحل : ٨٩] وقال تعالى : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ) [سورة العنكبوت : ٥١].

وقال تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) [سورة إبراهيم : ٤].

فأخبر تعالى أن القرآن تبيان لكل شيء.

فقالت المعتزلة : إنه لا يفهمه أحد وأنه ليس تبيانا نعوذ بالله من مخالفة الله عزوجل ومخالفة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

قال أبو محمد : ولا فرق بين ما تلونا من الآيات في أن الله تعالى شاء كون الكفر والضلال وبين قوله تعالى : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ) [سورة آل عمران : ٢٦].

وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) [سورة الحج : ١٨].

وقوله تعالى : (يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) [سورة آل عمران : ١٧٩].

وقوله : (يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) [سورة البقرة : ٢١٢].

وقوله تعالى : (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) [سورة البقرة : ١٠٥].

وقوله تعالى : (فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) [سورة هود : ١٠٧ ، البروج : ١٦].

فهذا العموم جامع لمعاني هذه الآيات ونص القرآن وإجماع الأمة على أن الله عزوجل حكم بأن من حلف فقال : إن شاء الله أو إلا أن يشاء الله على أي شيء حلف فإنه إن فعل ما حلف عليه لا يفعله فلا حنث عليه ولا كفارة تلزمه لأن الله تعالى لو شاء لأنفذه.

وقال عزوجل : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) [سورة الكهف : ٢٣].

١٧٧

قال أبو محمد : فإن اعترضوا بقول الله عزوجل : (وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) [سورة الزخرف : ٢٠].

فلا حجة لهم في هذه الآيات لأن الله عزوجل لا يتناقض كلامه بل يصدق بعضهم بعضا وإذ قد أخبر تعالى أنه لو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وأنه لو لم يشأ أن يشركوا ما أشركوا وأنه شاء إضلالهم وأنه لا يريد أن يطهّر قلوبهم فمن المحال الممتنع أن يكذّب الله عزوجل قوله الذي أخبر به وصدقه فإذ لا شك في هذا فإنّ في الآية التي ذكروا بيان نقض اعتراضهم بها بأوضح برهان وهو أنه لم يقل تعالى إنهم كذبوا في قولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم فكان يكون لهم حينئذ في الآية متعلق وإنما أخبر تعالى أنهم قالوا ذلك بغير علم عندهم لكن تخرصا ليس في هذه الآية معنى غير هذا أصلا وهذا حق وهو قولنا إن الله تعالى لم ينكر قط فيها ولا في غيرها معنى قولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم بل صدّقه في الآيات الأخرى وإنما أنكر عزوجل أن قالوا ذلك بغير علم لكن بالتخرص وقد أكذب بالله عزوجل من قال الحق الذي لا حق أحق منه إذ قاله غير معتقد له.

قال عزوجل : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) [سورة المنافقون : ١].

قال أبو محمد : فلما قالوا أصدق الكلام وهو الشهادة لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه رسول غير معتقدين لذلك سمّاهم الله تعالى كاذبين وهكذا فصل عزوجل في قولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم ، لما قالوا هذا الكلام الذي هو الحق غير عالمين بصحته أنكر تعالى عليهم أن يقولوه متخرصين وبرهان هذا قوله قول الله تعالى إثر هذه الآية نفسها : (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [سورة الزخرف : ٢١ ، ٢٢].

فبين تعالى أنهم قالوا ذلك بغير علم من كتاب أتاهم وأن الذين قالوا معتقدين له إنما هو أنهم اهتدوا باتباع آثار آبائهم ، فهذا هو الذي عقدوا عليه وهذا أنكره تعالى عليهم لا قولهم لو شاء الرحمن ما عبدناهم فبطل أن يكون لهم في الآية متعلق أصلا والحمد لله رب العالمين. فإن اعترضوا بقول الله عزوجل (وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) [سورة النحل : ٣٥].

قال أبو محمد : فإن سكتوا هاهنا لم يهمهم التمويه. وقلنا لهم : صلوا القراءة وأتموا معنى الآية فإن بعد قوله تعالى : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) متصلا به :

١٧٨

(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) [سورة النحل : ٣٦].

قال أبو محمد : فآخر هذه الآية تبين أوّلها وذلك أن الله تعالى أيضا لم يكذبهم فيما قالوه من ذلك بل حكى عزوجل أنهم قالوا : (لَوْ شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) [سورة النحل : ٣٥] ولم يكذبهم في ذلك أصلا بل حكى هذا القول عنهم كما حكى تعالى أيضا قولهم : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [سورة لقمان : ٢٥] ولو أنكر عزوجل قولهم ذلك لأكذبهم فإذ لم يكذبهم فلقد صدقهم في ذلك والحمد لله رب العالمين.

قال أبو محمد : فإن اعترضوا بقول الله تعالى : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) [سورة الأنعام : ١٤٨ ـ ١٥١].

قال أبو محمد : إنما تلونا جميع الآيات على نسقها في القرآن واتصالها خوف أن يعترضوا بالآية ويسكتوا عند قوله «تخرصون» فكثيرا ما احتجنا إلى بيان مثل هذا من الاقتصار على بعض الآية دون بعضها من تمويه من لا يتقي الله عزوجل.

قال أبو محمد : فهذه الآية من أعظم حجة الله على القدرية لأنه تعالى لم ينكر عليهم قولهم ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ولو أنكره لكذبهم فيه وإنما أنكر تعالى قولهم ذلك بغير علم وإن وافقوا الصدق والحق كما قدمنا آنفا وقد بين تعالى أنه إنما أنكر عليهم ذلك بقوله عزوجل في الآية نفسها (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ).

ثم لم يدعنا تعالى في لبس من ذلك بل وأتبع ذلك نسقا واحدا ، بأن قال : (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ).

فصدقهم عزوجل في قولهم أنه لو شاء ما أشركوا ولا آباؤهم ولا حرموا ما حرموا ، وأخبر تعالى أنه لو شاء لهداهم فاهتدوا وبين تعالى أن له الحجة عليهم في ذلك ولا حجة لأحد عليه تعالى ، وأنكر عزوجل أن أخرجوا ذلك مخرج العذر

١٧٩

لأنفسهم أو مخرج الاحتجاج على الرسل عليهم‌السلام كما تفعل المعتزلة ثم بين تعالى أنه إنما أنكر أيضا تكذيبهم رسله بقوله تعالى : (كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) [سورة الأنعام : ١٤٨] بالذّال المشددة بلا خلاف من القرّاء ، ودعواهم أن الله تعالى حرّم ما ادعوا تحريمه وهم كاذبون ، بقوله تعالى : (قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا) [سورة الأنعام آية رقم ١٥٠].

فوضح بكل ما ذكرنا بطلان قول المعتزلة والجهال وبان صحة قولنا أن الله تعالى شاء كل ما في العالم من إيمان وشرك وهدى وضلال وأن الله تعالى أراد كون ذلك كله وكيف يمكن أن ينكر تعالى قولهم لو شاء الله ما أشركنا وقد أخبرنا عزوجل هذا نصا في قوله في السورة نفسها : (اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا) [سورة الأنعام ١٠٥ ، ١٠٦] فلاح يقينا صدق ما قلنا من أنه تعالى لم يكذبهم في قولهم لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء وهذا مثل ما ذكر الله تعالى من قولهم (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) [سورة يس : ٤٧] فلم يورد الله عزوجل قولهم هذا تكذيبا له بل صدقوا في ذلك بلا شك ولو شاء الله لأطعم الفقراء والمجاويع.

وما نرى المعتزلة تنكر هذا وإنما أورد الله تعالى قولهم هذا لاحتجاجهم به في الامتناع من الصدقة وإطعام الجائع وبهذا نفسه احتجت المعتزلة على ربها ، إذ قالت يكلفنا ما لا يقدرنا عليه ، ثم يعذبنا بعد ذلك على ما أراد كونه منا ؛ فسلكوا مسلك القائلين لم كلفنا الله عزوجل إطعام هذا الجائع ولو أراد إطعامه لأطعمه ...؟

قال أبو محمد : تبا لمن عارض أمر ربه تعالى واحتج عليه بل لله الحجة البالغة ولو شاء لأطعم من ألزمنا إطعامه ، ولو شاء لهدى الكافرين فآمنوا ، ولكنه تعالى لم يرد ذلك بل أراد أن يعذب من لا يطعم المسكين ومن أضله من الكافرين لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقالت المعتزلة : معنى قوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) [سورة الأنعام : ٣٥] وسائر الآيات التي تلوتم إنما هو لو شاء عزوجل لاضطرهم إلى الإيمان فآمنوا مضطرين فكانوا لا يستحقون الجزاء بالجنة.

قال أبو محمد : وهذا تأويل جمعوا فيه بلايا جمّة أولها : أنه قول بلا برهان ودعوى بل دليل وما كان هكذا فهو تناقض ويقال لهم : ما صفة الإيمان الضروري الذي لا يستحق عليه الثواب عندكم وما صفة الإيمان غير الضروري الذي يستحق به الثواب عندكم؟ فإنهم لا يقدرون على فرق أصلا إلا أن يقولوا بمثل ما قال الله عز

١٨٠