الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]

الفصل في الملل والأهواء والنّحل - ج ٢

المؤلف:

أبي محمد علي بن أحمد [ ابن حزم الأندلسي الظاهري ]


الموضوع : الفرق والمذاهب
الناشر: دار الكتب العلميّة
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٠٠
  الجزء ١   الجزء ٢
  نسخة غير مصححة

وقال تعالى حاكيا عن ابني آدم ـ عليه‌السلام ـ أنه قال (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) [سورة المائدة : ٢٩].

وقال تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) [سورة النحل : ٢٥].

وليس هذا معارضا لقوله عزوجل (وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ) [سورة العنكبوت : ١٢].

بل كلا الآيتين متفقة مع الأخرى لأن الخطايا التي نفى الله ـ تعالى ـ أن يحملها أحد عن أحد هي بمعنى أن يحط حمل هذا لها من عذاب العامل لها شيئا ، فهذا لا يكون لأن الله ـ تعالى ـ نفاه.

وأما الحمل لمثل عذاب العامل للخطيئة مضاعفا زائدا إلى عقابه غير حاطّ من عقاب الآخر شيئا فهذا واجب موجود ، وكذلك أخبرنا رسول الله ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أنّ «من سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه مثل وزر من عمل بها أبدا لا يحط ذلك من أوزار العاملين لها شيئا» (١) ولو أن الله ـ تعالى ـ أخبرنا أنه يعذبنا على فعل غيرنا دون أن نسنّه ، وأنه يعذبنا على غير فعل فعلناه ، أو على الطاعة له ، لكان ذلك منه عين الحق والعدل ، ولوجب التسليم له ولكن الله ـ وله الحمد ـ قد أمّتنا من ذلك بقوله ـ عزوجل ـ (لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [سورة المائدة : ١٠٥].

فدل على أننا لا نجزى إلا بما عملنا إذا كنا بمبتدأين له فأمنّا ذلك ـ ولله الحمد ـ.

وقد أيقنا أيضا أنه ـ تعالى ـ يأجرنا على خلقه فينا من المرض والمصائب ، وعلى فعل غيرنا الذي لا أثر لنا فيه كضرب غيرنا لنا ظلما ، وتعذيبهم لنا ، وعلى قتل القاتل لمن قتل ظلما ، وليس هنا من المقتول صبر ولا عمل أصلا ، فإنما أجر على مجرد فعل غيره إذ أحدثه فيه ، وكذلك من أخذ ماله غيره والمأخوذ ماله لا يعلم بذلك إلى أن مات.

وأي فرق بين أن يأجرنا على فعل غيرنا وعلى فعله تعالى في إحراق مال من لم يعلم باحتراق ماله ، وبين أن يعذبنا على ذلك لو شاء عزوجل؟

__________________

(١) رواه من حديث جرير بن عبد الله مسلم في العلم حديث ١٥ ، والزكاة حديث ٦٩. والنسائي في الزكاة باب ٦٤ ، وأحمد في المسند (٤ / ٣٥٧ ، ٣٥٩ ، ٣٦٠ ، ٣٦١) ولفظه كما عند مسلم : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».

١٢١

وأما قولهم : فرض الله عزوجل الرضا بما قضى ، وبما خلق ، فإن كان الكفر والزنى والظلم مما خلق ففرض علينا الرضا بذلك. فجوابنا : أن الله عزوجل لم يلزمنا قط الرضا بما خلق وقضى بكل ما ذكر بل فرض الرضا بما قضى علينا من مصيبة في نفس أو في مال مظن تمويههم بهذه الشبه.

قال أبو محمد : فإن احتجوا بقول الله تعالى : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [سورة النساء : ٧٩].

فالجواب أن يقال لهم وبالله تعالى التوفيق : إن هذه الآية أعظم حجة على أصحاب الأصلح ، وهو جمهور المعتزلة في ثلاثة أوجه ، وهي حجة على جميع المعتزلة في وجهين ، لأن في هذه الآية أن ما أصاب الإنسان من حسنة فمن الله ، وما أصابه من سيئة فمن نفسه ، وكلهم لا يفرقون بين الأمرين ، الحسن والقبيح من أفعال المرء ، كل ذلك عندهم من نفس المرء لا خلق لله تعالى في شيء من فعله لا حسنه ولا قبيحه ، فهذه الآية مبطلة لقولهم جميعهم في هذا الباب.

والوجه الثاني : أنهم كلهم قائلون إنه لا يفعل المرء حسنا ولا قبيحا البتة إلا بقوة موهوبة من الله ـ عزوجل ـ مكنه بها من فعل الخير والشر ، والطاعة والمعصية ، تمكينا مستويا ، وهي الاستطاعة على خلافهم فيها ، فهم متفقون على أن الباري تعالى خالقها وواهبها كانت نفس المستطيع أو بعضها أو عرضا فيه ، وفي الآية فرق كما ترى بين الحسن والسيّئ.

وأما الثالث الذي خالف فيه القائلون بالأصلح خاصة هذه الآية فإنهم يقولون : إن الله تعالى لم يؤيد فاعل الحسنة بشيء من عنده ـ تعالى ـ لم يؤيد به فاعل السيئة.

والآية مخبرة بخلاف ذلك ، فصارت الآية حجة عليهم ظاهرة مبطلة لقولهم.

وأما قولنا نحن فيها فهو ما قاله عزوجل إذ يقول متصلا بهذه الآية دون فصل (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [سورة النساء : ٧٨ ، ٧٩].

ثم قال تعالى إثر ذلك بعد كلام يسير (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [سورة النساء : ٨٢].

فصح بما ذكرنا أن كل هذا الكلام متفق لا يختلف فقدم الله ـ تعالى ـ أن كل شيء من عنده ، فصح بالنص أنه تعالى خالق الخير والشر ، وخالق كل ما أصاب الإنسان ، ثم أخبر ـ تعالى ـ أن ما أصابنا من حسنة فمن عنده وهذا هو الحق ، لأنه لا يجب لنا عليه ـ تعالى ـ شيء.

١٢٢

فالحسنات الواقعة منا فضل مجرد منه لا شيء لنا فيه ، وإحسان منه إلينا لم نستحقه قط عليه.

وأخبرنا عزوجل أن ما أصابنا من سيئة فمن أنفسنا بعد أن قال إن الكل من عند الله ، فصح أننا مستحقون النكال لظهور السيئة منا ، وأننا عاصون بذلك كما حكم علينا ـ تعالى ـ وحكمه عزوجل الحقّ والعدل ولا مزيد ـ وبالله التوفيق.

فإن قالوا : فإذا كان الله عزوجل خالقكم وخالق أفعالكم فأنتم والجمادات سواء.

قلنا : كلا ، لأن الله تعالى خلق فينا علما نعرف به أنفسنا والأشياء على ما هي عليه ، وخلق فينا مشيئة لكل ما خلق فينا مما يسمى فعلا لنا ، فخلق فيه استحسان ما نستحسنه ، واستقباح ما نستقبحه ، وخلق فينا تصرفا في الصناعات والعلوم ، ولم يخلق في الجمادات شيئا من ذلك فنحن مختارون ، قاصدون ، مريدون ، مستحسنون ، أو كارهون ، متصرفون علما ، بخلاف الجمادات.

فإن قيل : فأنتم مالكون لأموركم مفوض إليكم أعمالكم مخترعون لأفعالكم.

قلنا : لا ، لأن الملك والاختراع ليس هو لأحد غير الله ـ عزوجل ـ إذ كل ما في العالم مخترع له وملكه ـ عزوجل ـ والتفويض فيه معنى من الاستغناء بأحد من الله ـ عزوجل ـ وبه نتأيد.

قال أبو محمد : فإذ قد أبطلنا بحول الله وقوته كل شغب المعتزلة في أن أفعال العباد غير مخلوقة لله ـ عزوجل ـ فلنأت ببرهان ضروري إن شاء الله ـ تعالى ـ على صحة القول على أنها مخلوقة لله ـ تعالى ـ وبه التوفيق.

فنقول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم : إن العالم كله ما دون الله ـ تعالى ـ ينقسم قسمين ـ جوهر ، وعرض لا ثالث لهما ، ثم ينقسم الجوهر إلى أجناس وأنواع ، وينقسم العرض إلى أجناس وأنواع ، ولكل نوع منها فصل يتميز به مما سواه من الأنواع التي يجمعها وإياه جنس واحد ، وبالضرورة نعلم أنّ ما لزم الجنس الأعلى لزم كل ما تحته إذ من المحال أن تكون نار غير حارة ، أو هواء راسب بطبعه ، أو إنسان صهّال بطبعه ، وما أشبه هذا.

ثم بالضرورة نعلم أن الإنسان لا يفعل شيئا إلا الحركة والسكون والفكر والإرادة ، وهذه كلها كيفيات يجمعها مع اللون والطبع والمجسّة والأشكال جنس الكيفية ، فمن المحال الممتنع أن يكون بعض ما تحت النوع الواحد والجنس الواحد مخلوقا ، وبعضه غير مخلوق ، وهذا أمر يعلمه باطلا من له أدنى علم بحدود العالم

١٢٣

وأقسامه ، وحركتنا وسكوننا ، بجميع كل ذلك مع كل حركة في العالم وسكون في العالم نوع الحركة ونوع السكون ، ثم ينقسم كل ذلك قسمين ولا مزيد حركة اضطرارية وحركة اختيارية ، وسكونا اختياريا وسكونا اضطراريا ، وكل ذلك حركة تحدّ بحدّ الحركة ، وسكون يحدّ بحدّ السكون ، ومحال أن بعض الحركات مخلوق لله ـ عزوجل ـ وبعضها غير مخلوق ، وكذلك السكون أيضا.

فإن لجئوا إلى قول معمر في أن هذه الأعراض كلها فعل من ظهرت منه بطباع ذلك الشيء ، سهل أمرهم بعون الله ـ عزوجل ـ وذلك أنهم إذا أقروا أن الله ـ تعالى ـ خالق المطبوعات ، ومرتب الطبيعة على ما هي عليه ، فهو تعالى خالق ما ظهر منها ، لأنه تعالى هو رتب كونه فظهوره على ما هو عليه رتبة لا توجد بخلافها ، وهذا هو الحق بعينه ولكنهم قوم لا يعلمون ، كالمتسكّع في الظلمات كما قال ـ تعالى ـ (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) [سورة البقرة : ٢٠]. نعوذ بالله ـ تعالى من الخذلان.

وأيضا فإن نوع الحركات موجود قبل خلق الإنسان فمن المحال البيّن أن يخلق المرء ما كان نوعه موجودا قبله ، وأيضا فإن عمدتهم في الاحتجاج على القائلين بأن العالم لم يزل ، إنما هي مقارنة الأعراض للجواهر ، وظهور الحركات ملازمة المتحرك بها ، فإذا كان ذلك دليلا باهرا على حدوث الجواهر وأن الله تعالى خلقها ، فما المانع أن يكون دليلا باهرا على حدوث الأعراض وأن الله تعالى خلقها ...؟؟ لو لا ضعف عقول القدرية وقلة علمهم ـ نعوذ بالله تعالى ـ مما امتحنهم به ونسأله التوفيق لا إله إلا هو.

وأيضا فإن الله تعالى قال (إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ) [سورة المؤمنون : ٩١].

فأثبت ـ تعالى ـ أن من خلق شيئا هو له إله ، فلزمهم بالضرورة أنهم آلهة لأفعالهم التي خلقوها ، وهذا كفر مجرد إن طردوه ، وإلا لزمهم الانقطاع وترك قولهم الفاسد ، وأيضا فإن من خلق شيئا لم يعنه عليه غيره لكن انفرد بخلقه فبالضرورة نعلم أنه يصرف ما خلق كما شاء ، كما يفعله إذا شاء ، ويتركه إذا شاء ، ويفعله حسنا إذا شاء ، وقبيحا إذا شاء ، فإذ هم خلقوا حركاتهم وإرادتهم منفردين بخلقها فليظهروها إلى أبصارنا حتى نراها أو نلمسها أو ليزيدوا في قدرها أو ليخالفوها عن رتبتها.

فإن قالوا : لا نقدر على ذلك ، فليعلموا أنهم كاذبون في دعواهم خلقها لأنفسهم.

١٢٤

فإن قالوا : إنما نفعلها كما قوّانا ـ تعالى ـ على فعلها ، فليعلموا أن الله ـ عزوجل ـ هو المقوي على فعل الخير والشر ، فإنّ به عزوجل كان الخير والشر ، ولولاه لم يكن خير ولا شر ، فهو كوّنهما وبه كانا وأعان عليهما ، فأظهرهما واخترع كل ذلك وهذا هو معنى خلقه ـ تعالى ـ لها وبالله تعالى التوفيق.

ومن البرهان على أن الباري تعالى خالق أفعال خلقه قوله عزوجل حاكيا عن سحرة فرعون ـ رضي الله عنهم ـ مصدقا لهم ومثبتا عليهم قولهم (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ) [سورة الأعراف : ١٢٦].

فصحّ أنه ـ تعالى ـ خالق ما يفرغه عليهم من الصبر الذي لو لم يفرغه على الصابر لم يكن له صبر.

وأيضا فإن جنس الحركات كلها والسكون كله والمعارف كلها جنس واحد ، وكل ما قيل على الكل قيل على جميع أجزائه ، وعلى كل بعض من أبعاضه ، فنسألهم عن حركات الحيوان غير الناطق وسكونه ومعرفة ما يعرف من مضاره ومنافعه ، في أكله وشربه وغير ذلك ، أكل ذلك مخلوق لله عزوجل أم هو غير مخلوق ..؟

فإن قالوا : كلّ ذلك مخلوق كانوا قد نقضوا هذه المقدمات التي شهد العقل والحسّ بصدقها ، وظهر فساد قولهم في التفريق بين معرفتنا ومعرفة سائر الحيوان وبين حركاتنا وبين حركات سائر الحيوان وبين سكوننا وسكونه ، وهذه مكابرة ظاهرة ودعوى بلا برهان.

وإن قالوا : بل كل ذلك غير مخلوق ألزمناهم مثل ذلك في سائر الأعضاء كلها.

فإن تناقضوا ، كفونا أنفسهم ، وإن تمادوا لزمهم أن الله ـ تعالى ـ لم يخلق شيئا من الأعراض وهذا إلحاد ظاهر وإبطال للحق وكفر ، وكفى بهذا إضلالا ونعوذ بالله ـ تعالى ـ من الخذلان. ويكفي من هذا أن الأفعال تجري على صفات الفاعل ونحن نجد الحكيم لا يقدر على الطيش والبذاء ، والطياش لا يقدر على الحياء والصبر ، والسيئ الأخلاق لا يقدر على الحلم ، والحليم لا يقدر على النزق ، والسخيّ لا يقدر على المنع ، والشحيح لا يقدر على الجود ، قال الله عزوجل (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة الحشر : ٩].

فصح أن من الناس من وقي شح نفسه كان مفلحا ، وأن من لم يوق شح نفسه لم يفلح ، وكذلك الذكي لا يقدر على البلادة ، وذو البلادة لا يقدر على الذكاء ، والحافظ لا يقدر على النسيان ، والناسي لا يقدر على ثبات الحفظ ، والشجاع لا يقدر

١٢٥

على الجبن ، والجبان لا يقدر على الشجاعة ، هكذا في جميع الأخلاق التي تكون عنها الأفعال ، فصح أن كل ذلك خلق الله ـ تعالى ـ لا يقدر المرء على إحالة شيء من ذلك أصلا ، حتى أن مخرج صوت أحدنا وصفة كلامه ، لا يقدر البتة على صرفه عن ما خلق عليه من الجهارة والخفاء ، أو الطيب أو السماحة ، وكذلك خطه لا يمكنه صرفه عما رتبه الله ـ عزوجل ـ عليه ولو جهد. وكذا جميع حركات المرء حتى وقع قدميه ومشيه ، فلو كان هو خالق كل ذلك لصرفه كما شاء. فإذ ليس فيه قوة على صرف شيء من ذلك عن هيئته فقد ثبت ضرورة أنه خلق الله ـ تعالى ـ فيمن نسب في اللغة إليه أنه فاعله ـ وبالله تعالى التوفيق.

قال أبو محمد : وأكثرت المعتزلة في التوليد وتحيّرت فيه حيرة شديدة.

فقالت طائفة : ما تولّد عن فعل المرء مثل القتل والألم المتولد عن رمي السهم ، وما أشبه ذلك فإنه فعل الله ـ عزوجل ـ.

وقال بعضهم : هو فعل الطبيعة.

وقال بعضهم : بل هو فعل الذي فعل ما عنه تولد.

وقال بعضهم : هو فعل لا فاعل له ..

وقال جميع أهل الحق : هو فعل الله عزوجل وهو خلقه.

والبرهان في ذلك هو البرهان الذي ذكرنا في خلق الأفعال من أن الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء ـ وبالله تعالى التوفيق ـ.

١٢٦

الكلام في التعديل والتجوير

قال أبو محمد : هذا الباب هو أصل ضلالة المعتزلة نعوذ بالله من ذلك ، على أننا رأينا منهم من لا يرضى عن قولهم فيه.

قال أبو محمد : وذلك أن جمهورهم قالوا : وجدنا من فعل الجور في الشاهد كان يسمى جائرا ، ومن فعل الظلم كان ظالما ، ومن أعان فاعلا على فعله ثم عاقبه عليه كان جائرا عابثا.

قالوا : والعدل من صفات الله تعالى ، والظلم والجور منفيان عنه ، قال تعالى : (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [سورة فصلت : ٤٦].

وقال تعالى : (وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [سورة البقرة : ٢٧].

وقال تعالى : (فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ) [سورة التوبة : ٧٠]. وقال تعالى : (لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) [سورة غافر : ١٧].

قال أبو محمد : وقد علم المسلمون أن الله تعالى عدل لا يجور ولا يظلم ، ومن وصفه عزوجل بالظلم والجور فهو كافر ، ولكن ليس هذا على ما ظنه الجهال من أن عقولهم حاكمة على الله تعالى في أن لا يحسن منه إلا ما حسّنت عقولهم ، وأنه يقبح منه تعالى ما قبّحت عقولهم ، وهذا هو تشبيه مجرد لله تعالى بخلقه ، إذ حكموا عليه بأنه تعالى يحسن منه ما حسن منّا ، ويقبح منه ما قبح منا ، ويحكم عليه في العقل بما يحكم علينا.

وقال أبو محمد : وهذا مذهب يلزم كل من قال : لما كان الحيّ في الشاهد لا يكون إلا بحياة ، وجب أن يكون الباري تعالى حيا بحياة ، وليس بين القولين فرق ، وكلاهما لازم لمن التزم أحدهما ، وكلاهما ضلال وخطأ ، وإنما الحق هو أن كل ما فعله الله عزوجل أي شيء كان فهو منه عزوجل حق وعدل وحكمة ، وإن كان بعض ذلك منا جورا وسفها ، وكل ما لم يفعله الله عزوجل فهو الظلم والباطل والعبث والتفاوت.

١٢٧

وأما إجراؤهم الحكم على البارئ تعالى بمثل ما يحكم به بعضنا على بعض فضلال بيّن وقول سوء له أصل عند الدّهرية وعند المنّانية وعند البراهمة ، وهو أن الدّهرية قالت : لما وجدنا الحكيم فيما بيننا لا يفعل إلا لاجتلاب منفعة أو لدفع مضرة ، ووجدنا من فعل ما لا فائدة فيه فهو عابث ، هذا الذي لا يعقل غيره. قالوا : ولما وجدنا في العالم خيرا وشرا وعبثا وأوزارا ودودا وذبابا ومفسدين انتفى بذلك أن يكون له فاعل حكيم.

وقالت طائفة منهم مثل هذا سواء بسواء إلّا أنهم زادوا فقالوا : علمنا بذلك أن للعالم فاعلا سفيها غير البارئ تعالى وهو النفس ، وأن الباري الحكيم خلاها تفعل ذلك ليريها فساد ما تخيلته ، فإذا استبان ذلك لها أفسده الباري الحكيم تعالى حينئذ وأبطله ، ولم تعد النفس إلى فعل شيء بعدها.

قال أبو محمد : وإبطال هذا القول يثبت بما يبطل به قول المعتزلة سواء بسواء ولا فرق.

وقالت المنّانية بمثل ما قالت به الدهرية سواء بسواء ، إلا أنها قالت : ومن خلق خلقا ثم خلق من يضلّ ذلك الخلق فهو ظالم عابث ، ومن خلق خلقا ثم سلط بعضهم على بعض ، أو أغرى بين طبائع خلقه فهو ظالم عابث.

قالوا : فعلمنا أن خالق الشر وفاعله هو غير خالق الخير وفاعله.

قال أبو محمد : وهذا نفس قول المعتزلة ، إلا أنها زادت قبحا بأن قالت : إن الله تعالى لم يخلق من أفعال العباد لا خيرا ولا شرا ، وأن خالق الأفعال الحسنة والقبيحة هو غير الله تعالى ، لكن كل أحد يخلق فعل نفسه ، ثم زادت تناقضا فقالت : إن خالق عنصر الشر هو إبليس ومردة الشياطين ، وفعلة كل شر ، وخالق طباعهم على تضادّها هو الله تعالى.

وقالت البراهمة : إن من العبث وخلاف الحكمة ومن الجور البيّن أن يعرّض الله تعالى عباده لما يعلم أنهم يعطبون عنده ويستحقون العذاب إن وقعوا فيه ، يريدون بذلك إبطال الرسالة والنبوات كلها.

قال أبو محمد : وبالضرورة نعلم أنه لا فرق بين خلق الشر وبين خلق القوة ، التي لا يكون الشر إلا بها ، ولا بين ذلك وبين خلق من علم الله عزوجل أنه لا يفعل إلا الشر ، وبين خلق إبليس وإنظاره إلى يوم القيامة ، وتسليطه على إغواء العباد وإضلالهم وتقويته على ذلك وتركه يضلّهم إلا من عصم الله منهم.

١٢٨

فإن قالوا : إن خلق الله تعالى إبليس ، وقوى الشر ، وفاعل الشر ، خير وعدل وحسن صدقوا ، وتركوا أصلهم الفاسد ، ولزمهم الرجوع إلى الحق في أن خلقه تعالى للشر والخير ولجميع أفعال عباده وتعذيبه من شاء منهم ممن لم يهده وإضلاله من أضل ، وهداه من هدى ، كل ذلك حق وعدل وحسن ، وأن أحكامنا غير جارية عليه ، لكن أحكامه جارية علينا ، وهذا هو الحقّ الذي لا يخفى إلّا على من أضلّه الله تعالى ، نعوذ بالله من إضلاله لنا ، ولا فرق بين شيء مما ذكرنا في العقل البتة. وبرهان ضروري :

قال أبو محمد : يقال لمن قال لا يجوز أن يفعل الله تعالى إلا ما هو حسن في العقل منّا ، لا أن يخلق ويفعل ما هو قبيح في العقل فيما بيننا منا : يا هؤلاء إنكم أخذتم الأمر من عند أنفسكم ثم عكستموه ، فعظم غلطكم ، وإنما الواجب إذ أنتم مقرون بأن الله تعالى لم يزل واحدا وحده ليس معه خلق أصلا ، ولا شيء موجود ، لا جسم ولا عرض ، ولا عقل ولا معقول ، ولا سفه ولا غير ذلك ، ثم أقررتم بلا خلاف منكم أنه خلق النفوس وأحدثها بعد أن لم تكن ، وخلق لها العقول وركبها في النفوس بعد أن لم تكن العقول البتة ، ألا تحدثوا على الباري تعالى حكما لازما له من قبل بعض خلقه ، فليس في الجنون أفحش من هذا البتة.

ثم أخبرونا إذ كان الله وحده لا شيء موجود معه ، ففي أي شيء كانت صورة الحسن حسنة ، وصورة القبح قبيحة ، وليس هنالك عقل أصلا يكون فيه الحسن حسنا والقبيح قبيحا ، ولا كانت هنالك نفس عاقلة أو غير عاقلة ، فيقبح عندها القبيح ويحسن الحسن ، فبأي شيء قام تحسين الحسن وتقبيح القبيح وهما عرضان ...؟؟؟ لا بدّ لهما من حامل ، ولا حامل أصلا ولا محمول ولا شيء حسن ولا شيء قبيح ، حتى أحدث الله تعالى النفوس وركّب فيها العقول المخلوقة ، وقبّح فيها على قولكم ما قبّح وحسّن فيها على قولكم ما حسن.

فإذ لا سبيل إلى أن يكون مع الباري تعالى في الأزل شيء موجود أصلا قبيح ولا حسن ، ولا عقل يقبح فيه شيء أو يحسن ، فقد وجب يقينا أن لا يمتنع من قدرة الله تعالى وفعله شيء يحدثه لقبح فيه ، ووجب أن لا يلزمه تعالى شيء لحسنه إذ لا قبح ولا حسن البتة فيما لم يزل ، فبالضرورة وجب أن ما هو الآن عندنا قبيح فإنه لم يقبح بلا أوّل ، بل كان لقبحه أوّل لم يكن موجودا قبله ، فكيف أن يكون قبيحا قبله ...؟؟؟ وكذلك القول في الحسن ولا فرق.

١٢٩

ومن المحال الممتنع جملة أن يكون ممكنا أن يفعل الباري تعالى حينئذ شيئا ثم يمتنع منه فعله بعد ذلك ، لأن هذا يوجب إما تبدل طبيعة ، والله تعالى منزه عن ذلك ، وإما حدوث حكم عليه فيكون تعالى متعبدا وهذا هو الكفر السخيف نعوذ بالله منه.

فإن قالوا : لم يزل القبيح قبيحا في علم الله عزوجل ، ولم يزل الحسن حسنا في علمه تعالى ، قلنا : هبكم أن هذا كما قلتم ، فعليكم في هذا حكمان مبطلان لقولكم الفاسد ، أحدهما : أنكم جعلتم الحكم في ذلك لما في المعقول لا لما سبق في علم الله عزوجل ، فلم تجعلون المنع من فعل ما هو قبيح عندكم إلا لأن العقول قبّحته فأخطأتم في هذا الوجه.

والثاني : أنه تعالى أيضا لم يزل يعلم أن الذي يموت مؤمنا فإنه لا يكفر ، ولم يزل تعالى يعلم أن الذي يموت كافرا لا يؤمن ، فلو جوزتم قدرته على إحالة ما علم من ذلك وتبديله ، ولم تجوزوا قدرته تعالى على إحالة ما علم حسنا إلى القبح وإحالة ما علم قبيحا إلى الحسن ، ولا فرق بين الأمرين أصلا ...؟؟؟

فإذا ثبت ضرورة أنه لا قبيح لعينه ، ولا حسن لعينه البتة ، وأنه لا قبيح إلا ما حكم الله تعالى بأنه قبيح ، ولا حسن إلا ما حكم بأنه حسن ، ولا مزيد.

وأيضا فإن دعواكم أن القبيح لم يزل قبيحا في علم الله تعالى ما دليلكم على هذا؟ لعله تعالى لم يزل عليما بأن أمر كذا يكون حسنا برهة من الدهر ثم يقبحه فيصير قبيحا إذا قبّحه لا قبل ذلك كما فعل تعالى بجميع الملل المنسوخة ، وهذا أصحّ من قولكم لظهور براهين هذا القول وبالله التوفيق.

ولم يزل سبحانه وتعالى عليما أن عقد الكفر والقول به قبيح من العبد إذا فعلهما معتقدا لهما لأن الله قبحهما ، لا لأنهما حركة أو عرض في النفس ، وهذا هو الحق لظهور براهين هذا أيضا ، لا لأن ذلك قبيح لعينه.

ويقال لهم أيضا : أخبرونا من حسّن الحسن في العقول ، ومن قبح القبيح في العقول؟ فإن قالوا : الله عزوجل. قلنا لهم : أفكان تعالى قادرا على عكس تلك الرتبة إذ رتبها على أن يرتبها بخلاف ما رتبها عليه فيحسّن فيها القبيح ، ويقبّح فيها الحسن؟ فإن قالوا نعم أوجبوا أنه لم يقبح شيء إلا بعد أن حكم الله تعالى بقبحه ، ولم يحسن شيء إلا بعد أن حكم الله تعالى بحسنه ، وأنه كان له تعالى أن يفعل بخلاف ما فعل ، وله ذلك الآن وأبدا ، وبطل أن يكون تعالى متعبدا لنفسه وموجبا عليه ما يكون ظالما مذموما إن خالفه.

١٣٠

وإن قالوا : لا يوصف تعالى بالقدرة على ذلك عجّزوا ربّهم تعالى ، ولزمهم القول بمثل قول عليّ الأسواري ، من أنه تعالى لا يقدر على غير ما فعل ، فحكم هذا الرديء الدين والعقل بأنه أقدر من ربه تعالى وأقوى لأنه عند نفسه الخسيسة يقدر على ما فعل وعلى ما لم يفعل ، وربه تعالى لا يقدر إلا على ما يفعل ، ولو علم المجنون أنه جعل ربّه من الجمادات المضطرة إلى ما يبدو منها ولا يمكن أن يظهر منها غير ما يظهر لسخنت عينه ولطال عويله على عظيم مصيبته. نعوذ بالله من الخذلان ، ومن عظيم ما حل بالقدرية المتنطعين بالجهل والعمى والحمد لله على توفيقه إيانا حمدا كثيرا كما هو أهله.

قال أبو محمد : ويقال لهم : هبكم شنعتم في القبيح بأنه قبيح فلم نفيتم عن الله عزوجل خلق الخير كله ، وخلق الحسن كله ، فقلتم : لم يخلق الله تعالى الإيمان ولا الإسلام ، ولا الصلاة والزكاة ولا النيّة الحسنة ، ولا اعتقاد الخير ، ولا إيتاء الزكاة ولا الصدقة ولا البر؟ ألأن خلق هذا قبح أم كيف الأمر؟ فبان تمويهكم بذكر خلق الشر ، وأنتم قد استوى عندكم الخير والشر ، في أن الله تعالى لم يخلق شيئا من ذلك كله ، فدعوا التمويه الضعيف.

قال أبو محمد : وقرأت في مسائل لأبي هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد ابن عبد الوهاب الجبائي (١) رئيس المعتزلة وابن رئيسهم (٢) كلاما له يردد فيه كثيرا

__________________

(١) أبو هاشم الجبائي : من كبار المعتزلة. له كتاب «الجامع الكبير» و «كتاب العرض» و «كتاب المسائل العسكرية» وغير ذلك. توفي سنة ٣٢١ ه‍ ، وله عدة تلاميذ. انظر ترجمته في الفهرست (ص ٢٤٧) وتاريخ بغداد (١١ / ٥٥) والملل والنحل (١ / ٧٨) ووفيات الأعيان (٣ / ١٨٣) وسير أعلام النبلاء (١٥ / ٦٣) وطبقات المعتزلة لابن المرتضى (ص ٩٤) وشذرات الذهب (٢ / ٢٨٩).

(٢) أبو علي الجبائي : هو شيخ المعتزلة ورئيسهم ، وكان متوسعا في العلم سيّال الذهن ، وكان يقف في أبي بكر وعليّ أيّهما أفضل. من مصنفاته : «كتاب الأحوال» و «كتاب النهي عن المنكر» و «كتاب التعديل والتجوير» و «كتاب الاجتهاد» و «كتاب الأسماء والصفات» و «كتاب التفسير الكبير» و «كتاب النقض على ابن الراوندي» و «كتاب الردّ علي ابن كلّاب» و «كتاب الردّ على المنجمين» و «كتاب من يكفر ومن لا يكفر» و «كتاب شرح الحديث» وغير ذلك. توفي أبو علي الجبائي بالبصرة سنة ٣٠٣ ه‍. انظر ترجمته في الفهرست للنديم (ص ٦ من التكملة) ومقالات الإسلاميين (١ / ٢٣٦) والملل والنحل (١ / ٧٨) ووفيات الأعيان (٤ / ٢٦٧) والعبر للذهبي (٢ / ١٢٥) وسير أعلام النبلاء (١٤ / ١٨٣) ودول الإسلام (١ / ١٨٤) والوافي بالوفيات (٤ / ٧٤) وطبقات المعتزلة لابن المرتضى (ص ٨٠) والنجوم الزاهرة (٣ / ١٨٩) وطبقات المفسرين للسيوطي (ص ٣٣) وطبقات المفسرين للداودي (٢ / ١٨٩) وشذرات الذهب (٢ / ٢٤١).

١٣١

دون حياء ولا رقبة : يجب على الله أن يفعل كذا ، كأنه المجنون يخبر عن نفسه أو عن رجل من عرض الناس.

فليت شعري أما كان له عقل أو حس يسائل به نفسه فيقول : ليت شعري من أوجب على الله تعالى هذا الذي قضى بوجوبه عليه؟ ولا بدّ لكل وجوب وإيجاب من موجب ضرورة ، وإلا كان يكون فعلا لا فاعل له ، وهذا كفر ممن أجازه ، فمن هذا الموجب على الله تعالى حكما ما؟ وهذا لا يخلو ضرورة من أحد وجهين لا ثالث لهما : إما أن يكون أوجبه عليه بعض خلقه إما العقل وإما العاقل ، فإن كان هذا فقد رفع القلم عنه ، وأنّ لكل عقل يقوم فيه أنه حاكم على خالقه ومحدثه بعد أن لم يكن ، ومرتبه على ما هو عليه ومصرّفه على ما يشاء.

وإما أن يكون تعالى أوجب ذلك على نفسه بعد أن لم يزل غير موجب له على نفسه ، فإن كان قال بهذا قيل له : فقد كان غير واجب عليه حتى أوجبه ، فإذ هو كذلك فقد كان مباحا له أن يعذب من لم يقدره على ترك ما عذبه عليه ، وعلى خلاف سائر ما ذكرت أنه أوجبه على نفسه ، وإذ أوجب ذلك على نفسه بعد أن لم يكن واجبا عليه فممكن له أن يسقط ذلك الوجوب عن نفسه ، وإما أن يكون تعالى لم يزل موجبا ذلك على نفسه ، فإن قال بهذا لزمته عظيمتان مخرجتان له عن الإسلام وعن جميع الشرائع وهما : أن الباري لم يزل فاعلا ، ولم يزل فعله معه لأن الإيجاب فعل ، ومن لم يزل موجبا فلم يزل فاعلا ، وهذا قول أهل الدهر نفسه.

قال أبو محمد : ولا يمانع بين جميع المعتزلة في إطلاق هذا الجنون ، من أنه يجب على الله أن يفعل كذا ويلزمه أن يفعل كذا ، فاعجبوا لهذا الكفر المحض ، وبهذا يلوح بطلان ما يتأولونه في قول الله تعالى : (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة الروم : ٤٧]. وقوله تعالى : (كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [سورة الأنعام : ١٢]. وقوله عليه‌السلام : «حق العباد على الله ألّا يعذبهم» (١) يعني إذا قالوا لا إله إلا الله ، و «حق على

__________________

(١) روي هذا الحديث بطرق وألفاظ مختلفة. منها ما رواه البخاري في اللباس باب ١٠١ حديث ٥٩٦٧ ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : بينا أنا رديف النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليست بيني وبينه إلا آخرة الرحل ، فقال : «يا معاذ» قلت : لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال : «يا معاذ» قلت : لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال : «يا معاذ» قلت : لبيك رسول الله وسعديك ؛ قال : «هل تدري ما حقّ الله على عباده؟» قلت : الله ورسوله أعلم. قال : «حقّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» ثم سار ساعة ، ثم قال : «يا معاذ بن جبل»

١٣٢

الله أن يسقيه من طينة الخبال» (١) يعني عن شارب الخمر وأن كلّ كل هذا إنما هو أن الله تعالى قضى بذلك وجعله حتما واجبا ، وكونه حقا يوجب ذلك منه تعالى لا عليه ، فأبدلت «من» من «على» وحروف الجر يبدل بعضها من بعض.

ثم نقول لهم : من خلق إبليس ومردة الشياطين والخمر والخنازير والحجارة المعبودة والميسر والأنصاب والأزلام وما أهلّ لغير الله به وما ذبح على النّصب؟ فمن قولهم وقول كل مسلم أن الله تعالى خالق هذا كله ، فنسألهم : أشيء حسن هو كل ذلك أم رجس وقبيح وشر؟ فإن قالوا : بل رجس وقبيح ونجس وشر وفسق صدقوا ، وأقروا أنه تعالى خلق الأنجاس والرجس والشر والفسق وما ليس حسنا ، فإن قالوا : بل هي حسان في إضافة خلقها إلى الله تعالى ، وهي رجس ونجس وشر وفسق بتسمية الله تعالى لها بذلك ، قلنا : صدقتم ، وهكذا نقول إن الكفر والمعاصي هي في أنها أعراض وحركات خلق لله تعالى حسن من خلق الله تعالى كل ذلك ، وهي من العصاة بإضافتها إليهم قبائح ورجس وقال عزوجل : (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ) [سورة المائدة : ٩٠].

وقال تعالى : (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) [سورة الأنعام : ١٤٥].

فليخبرونا بأي ذنب كان من هذه الأشياء وجب أن يسخطها الله تعالى ، وأن يرجسها ويجعل غيرها طيبات ويرضاها؟ هل هاهنا إلا أنه تعالى فعل ما شاء ، وأيّ فرق بين أن يسخط ما شاء فيلعنه مما لا يعقل ويرضى عما شاء من ذلك فيعلي قدره ويأمر بتعظيمه كناقة صالح والبيت الحرام ، وبين أن يفعل ذلك أيضا فيمن يعقل فيقرب بعضا كما شاء ويبعد بعضا كما شاء وهذا ما لا سبيل إلى وجود الفرق فيه أبدا.

ثم نسألهم : هل حابى الله تعالى من خلقه في أرض الإسلام بحيث لا يلقى إلا داعيا إلى الدين ومحسّنا له على من خلقه في أرض الزنج والصين والروم بحيث لا

__________________

قلت : لبيك رسول الله وسعديك ، قال : «هل تدري ما حقّ العباد على الله إذا فعلوه؟» قلت : الله ورسوله أعلم. قال : «حقّ العباد على الله أن لا يعذبهم» ..

(١) روي بطرق وألفاظ متعددة. منها ما رواه مسلم في كتاب الأشربة (حديث رقم ٧٢) عن جابر : أن رجلا قدم من جيشان ـ وجيشان من اليمن ـ فسأل النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر ، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أو مسكر هو؟» قال : نعم. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كل مسكر حرام. إن على الله عزوجل عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا : يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال : «عرق أهل النار. أو عصارة أهل النار».

١٣٣

يسمع إلا ذاما لدين المسلمين مبطلا له وصادّا عنه ..؟ وهل رأوا قط أو سمعوا بمن خرج من هذه البلاد طالبا لصحة البرهان على الدين؟ فمن أنكر هذا كابر العيان والحس ، ومن أذعن لها ترك قول المعتزلة الفاسد.

قال أبو محمد : والقول الصحيح هو أن العقل يعرف بصحته ضرورة أن الله تعالى حاكم على كل ما دونه ، وأنه تعالى غير محكوم عليه ، وأن كلّ ما سواه تعالى مخلوق له عزوجل ، سواء كان جوهرا حاملا ، أو عرضا محمولا ، لا خالق سواه ، وأنه يعذّب من يشاء أن يعذبه ويرحم من يشاء أن يرحمه ، وأنه لا يلزم أحدا إلا ما ألزمه الله عزوجل ، ولا قبيح إلا ما قبح الله ، ولا حسن إلا ما حسن الله ، وأنه لا يلزم لأحد على الله تعالى حق ولا حجة ، ولله تعالى على كل من دونه وما دونه الحق الواجب والحجة البالغة ، لو عذب المطيعين والملائكة والأنبياء في النار مخلدين لكان ذلك له ، ولكان عدلا وحقا منه ، ولو نعّم إبليس والكفار في الجنة مخلدين كان ذلك له وكان حقا وعدلا منه ، وإن كل ذلك إذ أباه الله تعالى وأخبر أنه لا يفعله صار باطلا وجورا وظلما ، وأنه لا يهتدي أحد إلا من هداه الله عزوجل ، ولا يضل أحد إلا من أضله الله عزوجل ، ولا يكون في العالم إلا ما أراد الله عزوجل كونه من خير أو شر أو غير ذلك ، وما لم يرد عزوجل كونه فلا يكون البتة ، وبالله تعالى التوفيق.

ونحن نجد الحيوان لا يسمى عدو بعضها على بعض قبيحا ولا ظلما ولا يلام على ذلك ، ولا يلام على عدوها من ربّى شيئا منها ، فلو كان هذا النوع قبيحا لعينه وظلما لعينه لقبح متى وجد ، فلمّا لم يكن كذلك صحّ أنه لا يقبح شيء لعينه البتة ، لكن إذا قبّحه الله عزوجل فقط.

فإذ قد بطل قولهم بالبرهان الكلي الجامع لأصلهم الفاسد فلنقل بحول الله تعالى وقوته في إبطال مسائلهم وبالله تعالى التوفيق :

فأول ذلك أن نسألهم فنقول : عرّفونا ما هذا القبيح في العقل على الإطلاق؟ فقال قائلون من زعمائهم منهم الحارث بن علي الوراق البغدادي ، وعبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي وغيرهما : إن كل شيء حسن بوجه ما. قلت : يمتنع وقوع مثله من الله تعالى ، لأنه حينئذ يكون حسنا ، إذ ليس قبيحا البتة على كل حال ، وأما ما كان قبيحا على كل حال لا يحسن البتة فهذا منفي عن الله عزوجل أبدا.

قالوا : ومن القبيح على كل حال أن تفعل بغيرك ما لا تريد أن يفعل بك ، وتكليف ما لا يطاق ثم التعذيب عليه.

١٣٤

قال أبو محمد : وظن هؤلاء المبطلون إذا أتوا بهذه الحماقة أنهم قد أغربوا وقرطسوا ، وهم بالحقيقة قد هذوا وهذروا ، وهذا عين الخطأ ، وإنما قبح بعض هذا النوع إذ أقبحه الله عزوجل ، وحسن بعضه إذ حسّنه الله عزوجل ، والعجب من مناقشتهم في دعواهم أن المحاباة فيما بيننا ظلم ، ولا ندري في أي شريعة أم في أيّ عقل وجدوا أن المحاباة ظلم ، وأن الله تعالى قد أباحها إلا حيث شاء؟ وذلك أن الرجل يحب أن ينكح امرأتين وثلاثا وأربعا من الزوجات ، وذلك له مباح حسن ، وأن يطأ من إمائه أي عدد أحب ، وذلك له مباح حسن ، ولا يحب أن ينكح امرأته غيره ولا عبيدها ، وهذا منه حسن.

وبالضرورة ندري أن في قلوبهن من الغيرة كما في قلوبنا ، وهذا محظور في شريعة غيرنا ، والنفار منه موجود في بعض الحيوان بالطبع ، والحر المسلم يحب أن يستعبد أخاه المسلم ، ولعله عند الله تعالى خير من سيده في دينه وأخلاقه وأبوته ، ويبيعه ويهبه ويستخدمه ولا يحب أن يستعبده هو أحد لا عبده ذلك ولا غيره ، وهذا منه حسن ، وقد أحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لنفسه المقدسة ما أكرمه الله تعالى به من ألا ينكح أحد من بعده من نسائه ، أمهاتنا رضوان الله عليهن ، وأحب هو عليه‌السلام نكاح من نكح من النساء بعد أزواجهن ، وكلّ ذلك حسن جميل صواب ، ولو أحب ذلك غيره كان مخطئ الإرادة قبيحا ظالما ، ومثل هذا كثير إن تتبّع كثير جدا إذ هو فاش في العالم وفي أكثر الشريعة ، فبطل هذا القول الفاسد منهم.

وقد نص الله تعالى على إباحة غير العدل الذي هو العدل عند المعتزلة ، بل على الإطلاق وعلى المحاباة حيث شاء ، قال عزوجل : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) [سورة النساء : ١٢٩].

وقال تعالى : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) [سورة النساء : ٣].

فأباح تعالى لنا أن لا نعدل بين ما ملكت أيماننا ، وأباح لنا محاباة من شئنا منهن ، فصح أن لا عدل إلا ما سماه الله عدلا فقط ، وأن كل شيء فعله الله فهو العدل فقط لا عدل سوى ذلك ، وكذلك وجدنا الله تعالى قد أعطى الابن الذكر من الميراث حظّين ، وإن كان غنيا مكتسبا ، وأعطى البنت حظّا واحدا وإن كانت صغيرة فقيرة ، فبطل قول المعتزلة ، وصح أن الله تعالى يحابي من يشاء ويمنع من يشاء ، وأن هذا هو العدل لا ما يظنه المعتزلة عدلا بجهلها وضعف عقولها.

وأما تكليف ما لا يطاق والتعذيب عليه فإنما قبح ذلك فيما بيننا لأن الله تعالى

١٣٥

حرّم ذلك علينا فقط ، وقد علمت المعتزلة كثرة عدد من يخالفهم في أن هذا لا يقبح من الله تعالى الذي لا أمر فوقه ، ولا يلزمه حكم عقولنا ، وما دعواهم على مخالفيهم في هذه المسألة أنهم خالفوا قضية العقل ببديهته إلا كدعوى المجسّم عليهم أنهم خالفوا قضية العقل ببديهته ، إذ أجازوا وجود الفعل ممن ليس جسما ، وإذ أجازوا حيا بلا حياة ، وعالما لا بعلم.

قال أبو محمد : وكلتا الدعوتين على العقول كاذبة ، وقد بينا فيما سلف من كتابنا هذا غلط من ادعى في العقل ما ليس منه ، وبينا أن العقل لا يحكم به على الله الذي خلق العقل ورتبه على ما هو به ، ولا مزيد ، وبالله تعالى التوفيق.

وقال بعض المعتزلة : إن من القبيح بكل حال والمحظور في العقل بكل وجه كفر نعمة المنعم وعقوق الأب.

قال أبو محمد : وهذا غاية الخطأ ، لأن العاقل المميز بالأمور إذا تدبرها علم يقينا أنه لا منعم على أحد إلا الله وحده لا شريك له ، الذي أوجده من عدم ثم جعل له الحواس والتمييز وسخّر له ما في الأرض وكثيرا مما في السماء وخوّله المال ، وأن كل منعم دون الله عزوجل فإن كان منعما بمال فإنما أعطى من مال الله عزوجل ، فالنعمة لله عزوجل دونه ، وإن كان ممرضا ، أو معتقدا أو خائفا من مكروه ، فإنما صرف في ذلك كل ما وهبه الله عزوجل من الكلام والقوة والحواس والأعضاء ، وإنما تصرّف بكل ذلك في ملك الله عزوجل وفيما هو تعالى أولى به منه.

فالنعمة لله عزوجل دونه ، فالله تعالى هو ولي كلّ نعمة ، فإذ لا شك في ذلك فلا منعم إلّا من سماه الله تعالى منعما ، ولا يجب شكر منعم إلا بعد أن يوجب الله تعالى شكره فحينئذ يجب وإلّا فلا ، ويكون حينئذ من يشكره عاصيا فاسقا أتى كبيرة لخلافه أمر الله تعالى بذلك فقط ، ولا فرق بين تولّدنا من مني أبوينا وبين تولدنا من التراب الأرضي ، ولا خلاف في أنه لا يلزمنا برّ التراب ولا له علينا حق ، ليس ذلك إلا لأن الله تعالى لم يجعل له علينا حقا ، وقد يرضع الصغيرة شاة فلا يجب عليه حق لأن الله تعالى لم يجعله لها وجعله للأبوين وإن كانا كافرين أو مجنونين أو لم يتوليا تربيتنا بل اشتغلا عنا بلذاتهما ، ليس هاهنا إلا أمر الله تعالى فقط.

وبرهان آخر : أن امرأ لو زنى بامرأة عالما بتحريم ذلك أو غير عالم ، إلا أنه ممن لا يلحق به الولد المخلوق من نطفته النازلة من ذلك الوطء ، فإن بره لا يلزم ذلك الولد أصلا ويلزمه برّ أمه ، لأن الله تعالى أمره بذلك لها ، ولم يأمره بذلك في الذي

١٣٦

تولد من نطفته فقط ، ولا فرق في العقل بين الرجل والمرأة في ذلك ، ولا فرق في المعقول وفي الولادة تولد الجنين من نطفة الواطئ لأمه بين أولاد الزنى وأولاد الرشدة ، لكن لما ألزم الله تعالى أولاد الرشدة المتولدين عن عقد نكاح أو ملك يمين فاسدين أو صحيحين برّ آبائهم وشكرهم ، وجعل عقوقهم من الكبائر لزمنا ذلك ، ولما لم يلزم ذلك أولاد الزانية ، لم يلزمهم.

وقد علمنا نحن وهم يقينا أن رجلين مسلمين لو خرجا في سفر فأغار أحدهما على قرية من قرى دار الحرب فقتل كلّ رجل بالغ فيها وأخذ جميع أموالهم ، وسبى ذراريهم ثم خمّس ذلك بحكم الإمام العدل ووقع في حظه أطفال قد تولى هو قتل آبائهم ، وسبي أمهاتهم ، ووقعن أيضا بالقسمة الصحيحة في حصته ، فنكحهن وصرف أولادهن في كنس حشوشه (١) ، وخدمة دوابه وحرثه وحصاده ، ولم يكلفهم من ذلك إلا ما يطيقون وكساهم وأنفق عليهم بالمعروف كما أمر الله تعالى فإن حقه واجب عليهم بلا خلاف ، ولو أعتقهم فإنه منعم عليهم وشكره فرض عليهم ، وكذلك لو فعل ذلك بمن اشتراه وهو مسلم بعد.

وأغار الثاني على قرية للمسلمين فأخذ صبيانا من صبيانهم فاسترقّهم فقط ولم يقتل أحدا ولا سبى لهم حرمة فربّى الصبيان أحسن تربية ، وكانوا في قرية شقاء وجهد وتعب وشظف عيش وسوء حال ، فرفّه معاشهم وعلمهم العلم والإسلام وخوّلهم المال ثم أعتقهم ، فلا خلاف في أنه لا حق له عليهم ، وأن ذمّه وعداوته فرض عليهم.

وأنه لو وطئ امرأة منهن وهو محصن وكان أحدهم قد ولي حكما لزمه شدخ رأسه بالحجارة حتى يموت ، أفلا يتبين لكل ذي عقل من أهل الإسلام أنه لا محسن ولا منعم إلا الله تعالى وحده لا شريك له إلا من سماه محسنا أو منعما ، ولا شكر لازما لأحد على أحد إلا من ألزمه الله تعالى وشكره ، ولا حق لأحد على أحد إلا من جعل الله تعالى حقا؟ فيجب كل ذلك إذ أوجبه الله تعالى وإلا فلا.

وقد أجمعوا معنا على أن من أفاض إحسان الدنيا على إنسان إفاضة بوجه حرمه الله تعالى فإنه لا يلزمه شكره ، وأن من أحسن إلى آخر غاية الإحسان فشكره بأن أعانه في دنياه بما لا يجوز في الدّين فإنه مسىء إليه ظالم ، فصح يقينا أنه لا يجب شيء

__________________

(١) الحشوش : جمع الحشّ ، وهو البستان ، والنخل المجتمع ، والكنيف ، والمتوضأ. انظر المعجم الوسيط (ص ١٧٦).

١٣٧

ولا يحسن شيء ولا يقبح شيء إلا ما أوجبه الله تعالى في الدين ، أو حسّنه الله في الدين ، أو قبّحه الله في الدين فقط. وبالله تعالى نتأيد.

وقال بعضهم : الكذب قبيح على كل حال.

قال أبو محمد : وهذا كالأول ، وقد أجمعوا معنا على بطلان هذا القول ، وعلى تحسين الكذب في مواضع خمسة إذ حسّنه الله تعالى ، وذلك نحو إنسان مستتر من إمام ظالم يظلمه ويطلبه ، فسأل ذلك الظالم هذا الذي استتر عنده المطلوب وسأل أيضا كل من عنده خبره وعن ماله ، فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه إن صدقه ودلّه على موضعه وعلى ماله فإنه عاص لله عزوجل ، فاسق ظالم فاعل فعلا قبيحا ، وأنه لو كذبه وقال له لا أدري مكانه ولا مكان ماله فإنه مأجور محسن فاعل فعلا حسنا ، وكذلك كذب الرجل لامرأته فيما يستجرّ به مودتها وحسن صحبتها ، والكذب في حرب المشركين فيما يوجد به السبيل إلى إهلاكهم ويخلص المسلمين منهم ، فصح أنه إنما قبح الكذب حيث قبحه الله عزوجل ، ولو لا ذلك ما كان قبيحا بالعقل أصلا ، إذ ما وجب بضرورة العقل فمحال أن يستحيل في هذا العالم البتة عما رتبه الله عزوجل في وجود العقل إياه كذلك ، فصح كذبهم على المعقول.

وقال بعضهم : الظلم قبيح.

قال أبو محمد : وهذا كالأول ، ونسألهم : ما معنى الظلم؟ فلا يجدون إلا أن يقولوا : إنه قتل الناس وأخذ أموالهم وأذاهم ، وقتل المرء نفسه أو التشويه بها ، أو إباحة حرمة الناس ينكحونهن ، وكل هذا فليس شيء منه قبيحا لعينه ، وقد أباح الله عزوجل أخذ أموال قوم بخراسان من أجل أنّ ابن عمهم قتل بالأندلس رجلا خطأ لم يرد قتله ، لكن رمى صيدا مباحا له ، أو رمى كافرا في الحرب فصادف المسلم السهم وهو خارج من خلف جبل فمات ، ووجدناه تعالى قد أباح دم من زنى وهو محصن ولم يطأ امرأة قط إلا زوجة له عجوزا شوهاء سوداء ، وطئها مرة ثم ماتت ، ولا يجد من أين ينكح ولا من أين يتسرى ، وهو شاب محتاج إلى النساء ، وحرّم دم شيخ زنى وله مائة جارية كالنجوم حسنا ، إلا أنه لم تكن له قط زوجة.

وأما قتل المرء نفسه فقد حسّن الله تعالى تعريض المرء نفسه للقتل في سبيل الله عزوجل وصدمة الجموع التي يوقن أنه مقتول في فعله ذلك ، وقد أمر الله عزوجل من قبلنا بقتل نفسه ، قال تعالى : (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ) [سورة البقرة : ٥٤]. ولو أمرنا عزوجل بمثل ذلك لكان

١٣٨

حسنا كما كان حسنا أمره عزوجل بذلك بني إسرائيل ، وأما التشويه بالنفس فإن الختان والإحرام والركوع والسجود لو لا أمر الله تعالى بذلك وتحسينه إياه لكان لا معنى له ، ولكان على أصولهم تشويها ، ودليل ذلك أن امرأ من الناس لو قام ثم وضع رأسه بالأرض في غير صلاة بحضرة الناس لكان عابثا بلا شك مقطوعا عليه بالهوس ، وكذلك لو تجرّد المرء من ثيابه أمام الجموع في غير حج ولا عمرة وكشف رأسه ، ورمى بالحصى وطاف ببيت مهرولا مستديرا به ، لكان مجنونا بلا شك ، لا سيما إن امتنع من قتل قمله ومن فلى رأسه ، ومن قص أظفاره وشاربه ، لكن لما أمر الله عزوجل بما أمر به من ذلك كان فرضا واجبا وحسنا ، وكان تركه قبيحا وإنكاره كفرا.

وأما إباحة المرء حرمة النكاح فهذا أعجب ما أتوا به ، أما علموا أن الله خلّى بين عبيده وإمائه يفجر بعضهم ببعض وهو قادر على منعهم من ذلك ، فلم يفعل ، بل قوى آلاتهم وقوى شهواتهم على ذلك بإقرار المعتزلة ، فهذا من الله حسن ومن عباده قبيح لأن الله قبحه ولا مزيد ، ولو حسنه تعالى لحسن ، أما شاهدوا نكاح الرجال بناتهم من رجال ، ثم إن طلّق الرجل منهم المرأة من آخر ثم آخر وهكذا ما أمكنهم ، وكذلك إن مات عنها؟ فأي فرق في العقول بين إباحة وطئها بلفظ زوجتك أو أنكحتك ، وبين حظر وطئها بالإطلاق عليه أو بلفظة قم فطأها ، فهل هاهنا قبيح إلا ما قبحه الله عزوجل ، أو حسن إلا ما حسن الله عزوجل ..؟!!.

وقال بعضهم : الكفر قبيح على كل حال.

قال أبو محمد : وهذا كالأول ، وما قبح الكفر إلا لأن الله قبحه ونهى عنه ولو لا ذلك ما قبح ، وقد أباح الله عزوجل كلمة الكفر عند التقية ، وأباح بها الدم في غير التقية ، ولو أن امرأ اعتقد أن الخمر حرام قبل أن ينزل تحريمها لكان كافرا ، ولكان ذلك منه كفرا إن كان عالما بإباحة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها ، ثم صار ذلك الكفر إيمانا وصار الآن من اعتقد تحليلها كافرا ، وصار اعتقاد تحليلها كفرا ، فصح أن لا كفر إلا ما سماه الله عزوجل كفرا ، ولا إيمان إلا ما سماه إيمانا ، وأن الكفر لا يقبح إلا بعد أن قبحه الله عزوجل ، ولا حسن الإيمان إلا بعد أن حسنه الله عزوجل ، فبطل كل ما قالوه في الجور والكفر والظلم ، وصح أنه لا ظلم إلا ما نهى الله عنه ولا جور إلا ما كان كذلك ، ولا عدل إلا ما أمر الله تعالى به أو أباحه أي شيء كان ، وبالله تعالى التوفيق.

فإذ هذا كما ذكرنا فقد صح أنه لا ظلم في شيء من فعل الباري تعالى ، ولو أنه تعالى عذّب من لم يقدره على ما أمر به من طاعته لما كان ذلك ظلما إذ لم يسمه

١٣٩

تعالى ظلما ، وكذلك ليس ظلما خلقه تعالى للأفعال التي هي من عباده عزوجل كفر وظلم وجور ، ولأنه لا آمر عليه تعالى ولا ناهيا ، بل الأمر أمره والملك ملكه.

وقالوا : تكليف ما لا يطاق ثم التعذيب عليه قبيح في العقول جملة ، لا يحسن بوجه من الوجوه فيما بيننا ، فلا يحسن من الباري تعالى أصلا.

قال أبو محمد : نسي هؤلاء القوم ما لا يجب أن ينسى ، ويقال لهم : أليس قول القائل فيما بيننا : اعبدوني ، اسجدوا لي ، قبيحا لا يحسن بوجه من الوجوه ولا على حال من الأحوال ..؟ فلا بد من نعم ، فيقال لهم : أو ليس هذا القول من الله تعالى حسنا وحقا ، فلا بد من نعم ، فإن قالوا : إنما قبح ذلك منّا لأننا لا نستحقه ، قيل لهم : وكذلك إنما قبح منا تكليف ما لا يطاق والتعذيب عليه لأننا لا نستحق هذه الصفة ، وأي شيء أتوا به من الفرق فهو راجع عليهم في تكليف ما لا يطاق ، ولا فرق ، وكذلك الممتن بإحسانه الجبار المتكبر ذو الكبرياء قبيح فيما بيننا على كل حال ، وهو من الله تعالى حسن وحق ، وقد سمى نفسه الجبار المتكبر وأخبر أن له كبرياء وهو تعالى يمتن بإحسانه.

فإن قالوا : حسن ذلك منه لأن الكل خلقه. قيل لهم : وكذلك حسن منه تكليف من لا يستطيع ثم تعذيبه لأن الكل خلقه ، وكذلك فيما بيننا من عذّب حيوانا بالنتف والضرب ثم أحسن علفه ورفهه فهو قبيح على كل حال وجّه ، وفاعله عابث ، وهم يقولون إن الباري أباح ذلك في الحيوان من أكلها وذبحها ثم يعوضها على ذلك ، وهذا منه عزوجل حسن ، إلا أن يلجئوا إلى أنه تعالى لا يقدر على تعويض الحيوان إلا بعد إيلامها وتعذيبها ، فهذا أقبح قول وأبينه كذبا وأوضحه قحة وأتمه كفرا وأذمّه للباري تعالى ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فإن قالوا : إن إيلام الحيوان قد يحسن فيما بيننا مثل أن يسقي الإنسان من يحب ماء الأدوية الكريهة ، ويحجمه ويكويه ليوصله بذلك إلى منافع لو لا هذا المكروه لم يكن ليصل إليها.

قال أبو محمد : وهذا تمويه لم ينفكوا به مما سألهم عنه أصحابنا في هذه المسألة ، ونحن لم نسألهم عمن لا يقدر على نفعه إلا بعد الأذى الذي هو أقل من النفع الذي يصل إليه بعد ذلك الأذى ، وإنما سألناهم عمن يقدر على نفعه دون أن يبتدئه بالأذى ثم لا ينفعه إلا حتى يؤذيه.

قال أبو محمد : وكذلك تكليف من يدري المرء أنه لا يطيقه وأنه إذا لم يطقه عذبه

١٤٠