هداية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٤

حيدر علي المدرّسي البهسودي

هداية الأصول في شرح كفاية الأصول - ج ٤

المؤلف:

حيدر علي المدرّسي البهسودي


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: المؤلّف
المطبعة: مطبعة سيد الشهداء عليه السلام
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٦٣
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤
  نسخة غير مصححة

تعتنوا بالشك فى الجزء السابق قد ذكر الى هنا قاعدتان من القواعد الفقهية.

والثالثة اصالة الصحة مثلا اذا شك فى صحة الصلاة بعد اتيانها بنى عليها وكذا اذا صدر صوت عن الشخص وشك فى كونه سلاما او سبا حمل على السلام لكن لا يجب جوابه لان جواب السلام يجب على من سمعه واما فى المقام فثبت بالاصل فلا يجب جوابه.

ويذكر هنا مثال آخر وهو اذا ـ آجر شخص نفسه لصلاة ميت وشك فى صحتها اى هل اتى الاجير صلاة صحيحة ام لا فيجرى فى هذه المورد اصالة الصحة وقال بعض انه تجرى اصالة الصحة ولكن لا تبرئ ذمة الميت الا على القول بالاصل المثبت لان فراغ الذمة لازم لصحة الصلاة.

والفرق بين قاعدة الفراغ واصالة الصحة : ان الاولى انما تكون فى نفس فعل الشخص. والثانية : انما تكون فى فعل الغير قال شيخنا الاستاد ان هذا الفرق صار اصطلاحا بينهم اى اصطلح عندهم بان قاعدة الفراغ تكون فى نفس فعل الشخص واما اصالة الصحة فتكون فى فعل الغير واما مع قطع النظر عن هذا الاصطلاح فلا مانع عن جريان اصالة الصحة فى فعل نفس الشخص وكذا يصح أن تكون قاعدة الفراغ فى فعل الغير.

الرابعة قاعدة اليد وهذه القاعدة مختصة فى الملكية مثلا اذا كان المال فى يد شخص حكم فى كونه ملكه ذكر فى الرسائل اذا كان مال فى يد شخص فهل يجوز شرائه اى سئل عن الامام عليه‌السلام قال لا بأس وايضا سئل عنه (ع) هل يجوز الشهادة

٢٦١

بتوسط اليد على ان هذا المال لذى اليد قال (ع) هذه الشهادة صحيحة اما الرواية الاخرى فتدل على عدم جواز الشهادة باليد لان الضابط فى الشاهد هو حصول العلم القطعى فى مقام اداء الشهادة واما الملكية فهى ثابتة بالقاعدة اليد بلا اشكال.

الخامسة القرعة اى جعلها الشارع من القواعد فى مورد الجهل قد ذكر اختصاص القواعد الخمسة فى الشبهات الموضوعية وايضا ذكر ان القواعد الخمسة المذكورة من القواعد الفقهية.

ويذكر الآن ان النسبة بينها وبين الاستصحاب ما هى فيقال ان النسبة بينهما العموم المطلق اى الاستصحاب اعم مطلق والقواعد المذكورة اخص مطلق وايضا كان بينه وبين بعضها العموم من وجه فاذا كان الاستصحاب مع هذه القواعد المذكورة فتقدم عليه اى تتقدم القواعد على الاستصحاب من باب تقدم الخاص على العام.

ولا يخفى ان البحث فى المورد الذى كان الاستصحاب فيه مخالفا للقواعد المذكورة مثلا اذا شك فى سجدة فى حال القيام فقد جمع فى هذا المورد قاعدة التجاوز مع الاستصحاب فيقول انك لم تأتها لان الاشياء الحادثة مسبوقة بالعدم فيستصحب عدم اتيان السجدة واما القاعدة فتقول ابن على اتيانها فتقدم هذه القاعدة على الاستصحاب.

وكذا تقدم قاعدة الفراغ عليه مثلا اذا شك فى اتيان التشهد بعد الصلاة فالقاعدة تقول انك أتيته واما الاستصحاب فيقول انك لم تأته اى يستصحب عدم اتيانه : وايضا اصالة الصحة مقدمة على الاستصحاب : وكذا قاعدة اليد مثلا اذا ـ اشتريت شيئا من

٢٦٢

السوق فهذه القاعدة تحكم بان هذا الشيء ملك البائع واما الاستصحاب فيقول ليس هذا ملكا له اى يستصحب عدم ملكيته له لان كل الحادث مسبوق بالعدم.

واعلم انه لا كلام فى تقديم هذه القواعد الاربعة المذكورة على الاستصحاب انما الكلام فى لم اى لم : تقدم هذه القواعد المذكورة عليه فيقال تارة ان قاعدة التجاوز وغيرها من الامارات فيصح لم : فى هذه الصورة اى مع وجود الامارة لا تصل النوبة الى الاصول.

ويقال تارة اخرى ان النسبة بين القواعد والاستصحاب الاعم والاخص مطلقا اعنى لا تنقض اليقين بالشك يقول لا تنقض مطلقا اى لا يجوز نقض اليقين سواء كان فى الشبهة الحكمية ام الموضوعية واما القواعد فهى مختصة بالشبهات الموضوعية ولا شك فى تقدم الخاص على العام فكانت القواعد مقدمة على الاستصحاب من باب التخصيص.

ان قلت سلمنا تقديم القواعد على الاستصحاب اذا كانت النسبة بينهما الاعم والاخص مطلقا من أن تكون القاعدة اخص مطلقا والاستصحاب اعما مطلقا واما اذا كان بينهما العموم من وجه فلم يصح كون القاعدة مخصصة للاستصحاب.

توضيح الاعم من وجه بالمثال مثلا مادة الاجتماع بين اليد والاستصحاب فى مورد كان المال فى يد شخص فتقول قاعدة اليد ان هذا ملكه واما الاستصحاب فيقول ليس هذا ملكه لان الشيء الحادث مسبوق بالعدم ومادة الافتراق عن جانب الاستصحاب هى

٢٦٣

فيما اذا كان فى غير مورد الملكية فلم يكن فى هذا المورد قاعدة اليد لانها مختصة فى الباب الذى هو مختص لاثبات الملكية : والافتراق عن جانب اليد هو فيما اذا علمنا ان المال لزيد فى هذا الزمان وكان عارية عنده فى زمان آخر فلا يجرى استصحاب عدم الملكية فى هذا المورد.

الحاصل انه قد تكون النسبة بين القاعدة والاستصحاب عموما من وجه فلا يصح تقديمها عليه قال المصنف فى جواب الاشكال انها تقدم عليه بوجهين : الاول هو عدم القول بالفصل بين عموم من وجه وعموم مطلق اى كل من قال بتقديم القاعدة على الاستصحاب فى صورت اعم مطلق فهو يقول بتقديمها عليه فى صورت اعم من وجه ايضا.

الثانى اى الوجه الثانى لتقديم القواعد على الاستصحاب هو عدم ورود الاشكال فى تقديمها واما اذا قلنا بتقديمه عليها فيلزم التخصيص المستهجن اى التخصيص الاكثر الذى هو مستهجن اى اذا قلنا ان الاستصحاب مخصص للقواعد لزم تخصيص الاكثر الا ما قل اعنى موارد القواعد لا يخلو عن الاستصحاب الا ما شذ فان قلنا بكونه مخصصا فيلزم تخصيص جميع القواعد إلا ما قل اى المورد الذى لم يكن فيه الاستصحاب وهذا المورد نادر.

وقد ذكر الى هنا تقديم القواعد الاربعة على الاستصحاب وايضا علم وجه تقديمها عليه اى قال ان القواعد من الامارات وهى مقدمة على الاصول وايضا ان قدم الاستصحاب عليها فيلزم التخصيص المستهجن فيبحث من القرعة والاستصحاب اى ايهما

٢٦٤

يقدم على الآخر.

واعلم ان القرعة انما تكون فى الموضوعات لا فى الاحكام فان كانت فيها سد باب الاجتهاد اى لا يحتاج المكلف اليه وايضا القرعة انما تكون فى الموارد التى عمل فيها الاصحاب بها احدها مسئلة الوطى اى اذا ـ اشتبهت الشاة الموطوءة بين القطيع من الغنم عمل الاصحاب فى تعيينها بالقرعة.

وكذا عمل بالقرعة فى مورد تعيين المطلقة اى طلق شخص زوجته فاشتبهت المطلقة بين زوجات اخر فلم يكن طريق آخر الى تعيينها فيرجع الى القرعة والظاهر ان الرواية فى المورد الذى كانت المطلقة فيه معينة ابتداء ولكن صارت مجملة بعدا فعمل الاصحاب فى تعيينها بالقرعة.

وايضا عمل بالقرعة فى تعيين الولد اى كان لشخص زوجتان فتولد ابن فى ليلة وقالت كلاهما هذا الابن لى فصار مجملا فامر پيغمبر صلى‌الله‌عليه‌وآله بالقرعة لكن وردت هذه المسألة فى اقضية على عليه‌السلام على نحو آخر اى قال (ع) لقنبر جئنى بسيف فسئل عنه لم : قال (ع) احص هذا الطفل بحصتين لتأخذ كلتاهما نصيبهما فقالت المرأة التى كانت اما له ليس هذا الولد منّا.

واعلم ان اقضية كانت للرسول (ص) واقضية كانت لعلي عليه‌السلام فيعمل باقضية الرسول وجعلت سندا للناس واما اقضية علي (ع) لا يعمل بها لانها خلاف القاعدة والمصلحة فى هذه الاقضية عنده (ع).

فلما عرفت مورد العمل بالقرعة فيرجع الى محل البحث وهو

٢٦٥

بيان جهة تقديم الاستصحاب على القرعة فيقول الاستصحاب قدم على القرعة بالاوجه الثلاثة الاول ان دليلها عام اى سواء كانت فى الاحكام ام الموضوعات ولم يشترط فيها الحالة السابقة ودليل الاستصحاب خاص لانه مختص بالاحكام الشرعية والموضوعية فيما كانت لها الحالة السابقة ولا يخفى ان القرعة غيرت من الوضع الاولى بالدليل الخارجى اى قام الاجماع على كونها مختصا بالموضوعات واما اصل دليلها عام اعنى القرعة لكل امر مشكل.

ووجه اعميتها بعبارة اخرى ان دليلها ظاهر فى اعتبارها مطلقا اى سواء كان العلم بالحالة السابقة ام لا واما الاستصحاب فمورده خصوص العلم بالحالة السابقة والظاهر ان مقتضى قاعدة تخصيص العام بالخاص هو تخصيص عموم القرعة بدليل الاستصحاب.

واعلم ان القرعة كانت اولا لمعنى العام والتخصيص بالموضوعات انما يجيء عن دليل خارج ولحاظ النسبة بينها وبين الاستصحاب انما يكون بلحاظ المعنى العام الذى كان قبل التخصيص ولا يصح لحاظها بعده للزوم انقلاب النسبة اى كانت القرعة عاما فى الزمان الاول فخصصت بالدليل الخارج فان كان لحاظ النسبة باعتبار هذا التخصيص لزم انقلاب النسبة اعنى كانت بين القرعة والاستصحاب عموما مطلقا بلحاظ اصلها واما ان كان اعتبار النسبة بينهما بلحاظ بعد تخصيصها فتصير بينهما عموما من وجه.

هذا بيان لانقلاب النسبة فلا يكون هذا الدليل الخارجى

٢٦٦

موجبا لخصوصية القرعة فى الشبهات الموضوعية.

واما ان قلنا بانقلاب النسبة فتصير النسبة بينها وبين الاستصحاب عموما من وجه اى دليل الاستصحاب يقول ان الشرط فى جريان الاستصحاب هو وجود الحالة السابقة المتيقنة سواء كان فى الشبهات الحكمية ام الموضوعية واما القرعة فلم تشترط فيها الحالة السابقة المذكورة فمورد اجتماعهما هو فيما تكون فيه الحال السابقة المتيقنة مع كون الشبهة موضوعية : ومادة الافتراق عن جانب الاستصحاب فيما كانت الحالة السابقة مع كون المورد من الاحكام الشرعية واما مادة الافتراق عن جانب القرعة فهى فيما كانت الشبهة فيه موضوعية اى كان المورد من الموضوعات الخارجية مع عدم الحالة السابقة.

الحاصل انه اذا لاحظت النسبة بين القرعة والاستصحاب بعد تخصيصها بالموضوعات ثبت العموم من وجه بينهما فيقدم عليها فى هذا المورد ايضا لان دليل القرعة موهون اى يعمل بها فى المورد الذى عمل الاصحاب بها فيه او يكون النص الخاص فى العمل بها.

وبعبارة اخرى ان قدمت القرعة على الاستصحاب فى صورة كون النسبة بينهما العموم من وجه فيلزم كثرة التخصيص اى يلزم التخصيص المستهجن اعنى لا يعمل بالقرعة لوهن دليلها الا فى المورد الذى عمل الاصحاب بها فيه او اقام النص الخاص لاجل العمل بها فتخرج الموارد التى لم يعمل الاصحاب فيها بها.

ان قلت اذا كانت القرعة من الامارات فلا اشكال فى تقديمها على الاستصحاب : قلت لا تقل هذا اى سلمنا تقديم الامارة على

٢٦٧

الاصل اذا كان موضوعها باقيا بكل عنوانه اعنى بالعنوان الاولى والثانوى واما فى مورد البحث فلا يبقى موضوع القرعة فى المورد الذى يجرى فيه الاستصحاب لان موضوعها كون الشيء مجهولا من حيث الواقع والظاهر واما الاستصحاب فيقول ان هذا الحكم الظاهرى نزل منزلة الحكم الواقعي فلم يكن الحكم مجهولا اى يقال ان الحكم الواقعى وان كان مجهولا واما الحكم الظاهرى فلم يكن مجهولا.

قد ذكر تقديم الاستصحاب على سائر الاصول لانها تمكن أن تكون مجهولة من جميع الوجوه مثلا البراءة انما تكون فى المورد الذى كان مجهولا من جميع الوجوه وكذا القرعة اى انها وان كانت من الامارات فلا تقدم على الاستصحاب لانها لكل امر مشكل فيكون موردها مختصا فيما كان مجهولا من جميع الوجوه واما بعد جريان الاستصحاب فلم يكن الحكم الظاهرى مجهولا فمع وجود هذا الحكم ينتفى موضوع القرعة.

قوله : لا يقال كيف يجوز تخصيص دليلها بدليله الخ.

قد ذكر مقصود هذه العبارة بعبارة ان قلت ويذكر هنا مكررا لتوضيحها اى اشكل فى تقديم الاستصحاب على القرعة بانها من الامارات وقد ثبت فى موضعه ان الامارة رافعة للشك الذى هو موضوع الاصول العملية فيرفع موضوع الاستصحاب بالقرعة فلا وجه لتقديمه عليها.

فتقديم الاستصحاب على القرعة يكون من دوران الامر بين التخصيص بلا وجه او على وجه دائر اعنى تقديمه عليها يحتاج

٢٦٨

الى تخصيص دليلها فهذا مستلزم للدور لان مخصصية دليل الاستصحاب لدليل القرعة موقوفة على اعتباره وايضا اعتبار الاستصحاب موقوف على مخصصية دليله هذا مراد من لا يقال.

قوله : فانه يقال ليس الامر كذلك الخ.

هذا جواب الاشكال توضيحه ان قياس القرعة بسائر الامارات فاسد هذا يحتاج الى بيان موضوعهما فنقول ان الموضوع فى القرعة ما كان مجهولا بكل العنوان اى سواء كان العنوان الاولى او الثانوى.

واما موضوع سائر الامارات فهو مجهول بالعنوان الاولى والواقعى واما بالعنوان الثانوى والظاهرى فهو معلوم مثلا اذا قامت امارة على حرمة شرب التتن فهى رافعة للشك الذى هو شرط فى جريان الاستصحاب قد مر ان الشرط فى جريانه اليقين السابق والشك اللاحق فبعد قيام الامارة يرتفع الشك فلم يبق موضوع الاستصحاب فيثبت تقدم سائر الامارات على الاستصحاب بنحو الورود.

واما القرعة فموضوعه ما كان مجهولا بكل عنوانه اى سواء كان الحكم بالعنوان الاولى ام الثانوى بعبارة اخرى سواء كان الحكم الواقعى او الظاهرى فلو علم الحكم بالاستصحاب لارتفع ما هو موضوع القرعة لان الحكم الظاهرى لم يكن مجهولا اعنى يثبت هذا الحكم بالاستصحاب فينتفى موضوع القرعة لان موضوعها ما كان مجهولا بكل من العنوان الواقعى والظاهرى فيقدم الاستصحاب عليها.

٢٦٩

ولا يخفى ان اختلاف الموضوع فى القرعة وسائر الامارات اوجب الفرق بينهما فى تقدم الاستصحاب على القرعة وتقدم سائر الامارات على الاستصحاب.

قد تم ما وفقنى الله تعالى له بفضله ورحمته من شرح باب الاستصحاب واسأله تعالى بمحمد وآله الطاهرين ان يوفقنى شرح مبحث التعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد.

٢٧٠

بسم الله الرحمن الرحيم

مبحث التعادل والتراجيح

قوله : المقصد الثامن فى تعارض الادلة والامارات.

قد عنون بعض فى التعادل والتراجيح ولكن المصنف عنون بالتعارض قال شيخنا الاستاد الاولى هو عنوان التعارض لانه قدر جامع اى المراد من التعارض هو التنافى بين الدليلين فان كانا متساويين سميا تعادلا واما ان كان المرجح لاحدهما فسميا تراجيحا.

وقال بعض خاتمة فى التعادل والتراجيح اعنى لم يجعلوا هذا المبحث من مقاصد الكتاب لكن اشكل على هذا القول بان هذا المبحث من المقاصد كحجية خبر الواحد فعنونه المصنف بالمقصد الثامن فى التعارض اعنى جعله من المقاصد.

بعبارة اخرى جعله من المسائل الاصولية والمراد منها ما وقع كبرى القياس واما شيخنا الاستاد فلم يقبل ما ذكر اى جعل هذه المسائل كذلك مشكل لعدم جعل المسائل الاصولية كبرى القياس بسهولة بل يصح ذلك بنحو القياس الاستثنائى فى باب الملازمات العقلية فالاحسن ان يقال ان المسألة الاصولية ما تقع نتيجتها فى جواب

٢٧١

لم : فى قول سائل قد مر ذلك فى اول المجلد الاول وكان التكرر من باب المتابعة لشيخنا الاستاد.

فمبحث التعارض من المسائل الاصولية لا المبادى التصديقية والمراد من هذه المبادى هى الادلة التى توجب التصديق بثبوت المحمولات للموضوعات بعبارة اخرى يقال ان المقدمة واجبة لان الملازمة بين وجوب ذى المقدمة ووجوب المقدمة ثابتة اى ان المبادى التصديقية تقع فى جواب لم : مثلا يقول السائل لم : ثبت هذا المحمول فما يقع فى جواب هذا السؤال يسمى المبادى التصديقية.

والظاهر ان علم اصول الفقه مبادى تصديقية للمسائل الفقهية والدليل لهذا ما ذكر فى كتاب القضاء اى يشترط فى القاضى ان يكون مجتهدا فى الاحكام الشرعية ويتحقق الاجتهاد بمعرفة المقدمات الست وهى الكلام والاصول والنحو والتصريف ولغة العرب والمنطق والاصول الاربعة وهى الكتاب والسنة والاجماع والعقل فيقال والمعتبر من الاصول ما يعرف به ادلة الاحكام فثبت من هذا البيان ان علم اصول الفقه مبادى تصديقية للمسائل الاحكامية.

فيرجع الى محل البحث اى قال صاحب الكفاية المقصد الثامن فى تعارض الادلة وقال شيخنا الاستاد هذا التعبير اولى من تعبير من قال خاتمة فى التعادل والتراجيح وجه اولوية تعبير المصنف هو جعل هذا المبحث من المسائل الاصولية واما غيره جعل المبحث المذكور من ملحقات المسائل الاصولية.

واعلم ان المراد من التعارض هو تنافى الدليلين فى صورة

٢٧٢

عدم الوجه للتوافق واما المشهور فيقول ان التعارض هو تنافى المدلولين لكن رد المصنف هذا القول لامكان تنافيهما مع عدم تعارضهما سيجىء بيانه.

ولا يخفى ان التنافى بين الدليلين اما يكون بنحو التناقض اى الايجاب والسلب مثلا يقول احد الدليلين هذا واجب ويقول الآخر هذا ليس بواجب واما يكون بنحو ايجابى فهو تضاد مثلا يقول احدهما هذا واجب ويقول الآخر هذا حرام اى اذا كان التنافى بين الدليلين بنحو ايجابى فيسمى تضادا فالتعارض الحقيقي يقول احد الدليلين هذا واجب ويقول الآخر هذا ليس بواجب.

وقد يكون التعارض بالعرض مثلا يقول احدهما صلاة الجمعة واجبة ويقول الآخر صلاة الظهر واجبة وجاء دليل من الخارج بكذب احدهما فالتعارض بين دليل صلاة الجمعة ودليل صلاة الظهر انما يكون بالعرض اى ثبت التنافى بعد مجىء الدليل من الخارج بكذب احدهما وهذا مراد من التنافى بالعرض.

واما بالذات فيمكن وجوب كل من صلاة الجمعة والظهر ولكن المنافاة بين الدليلين كانت بالعرض بعد مجىء الدليل الخارجى بكذب احدهما اى فلما حكم من الخارج بكذب احد الدليلين فيقول كل منهما انا صادق وليس غيرى صادقا.

قوله : وعليه فلا تعارض بينهما بمجرد تنافى مدلولهما الخ.

اى ذكر : ان التعارض هو تنافى بين الدليلين وعليه فلا تنافى بينهما فى اكثر موارد اى قد يكون احد الدليلين حاكما ومفسرا

٢٧٣

للآخر او يمكن الجمع العرفى بينهما فينتفى التعارض هنا مثلا يقال اذا شككت فابن على الاكثر فيقال لا شك لكثير الشك فالجملة الثانية حاكمة ومفسرة للاولى فلا تنافى بينهما.

وكذا لا تعارض بين الدليلين اذا امكن الجمع العرفى بينهما مثلا ادلة الاحكام بعناوينها الاولية تقول الوضوء واجب للصلاة واما الادلة النافية للعسر والحرج والضرر فتقول لا يجب الوضوء فى الموارد المذكورة فلا تنافى بين وجوب الوضوء وعدم وجوبه لتقدم العناوين الثانوية على العناوين الاولية من باب التوفيق العرفى.

ويمكن ان يقال ان تقدم العنوان الثانوى على الاولى من باب الحكومة اى العنوان الثانوى حاكم ومفسر للعنوان الاولى.

ومثال الآخر للجمع العرفى يقال بيع العذرة سحت ويقال بعد هذا لا بأس فى بيع العذرة فنرفع اليد عن ظهور كل منهما بنص الآخر فيحمل السحت على عذرة الانسان ويحمل الجواز على حيوان مأكول اللحم اى ورد النص على حرمة بيع عذرة الانسان وكذا ورد على جواز بيع عذرة الحيوان المأكول فيرفع اليد عن ظهور كل منهما بالنص الذى فيهما فبعد رفع اليد عن ظهور كل من الجملتين ينتفى التعارض بينهما هذا مثال للجمع العرفى.

وكذا يدفع التعارض فى قوله افعل ولا تفعل ان قلنا ان افعل للوجوب ولا تغفل للحرمة فهذا تعارض واما ان حمل افعل على الاستحباب ولا تفعل على الكراهة فلا تعارض بينهما.

الحاصل ان التعارض انما يكون فى المورد الذى لا يمكن

٢٧٤

الجمع والتوفيق فيه بين الدليلين واما بعد التوفيق فلا تعارض بين الدليلين وان وجد التنافى بين المدلولين والظاهر ان الادلة والامارات عطف تفسيرى فى هذا المورد وان قيل ان الادلة فى الاحكام والامارات فى الموضوعات لكن فى هذا المقام لا يبحث عن الموضوعات واما اذا كان البحث فى كل من الاحكام والموضوعات فيصح ان يقال ان الادلة فى الاحكام والامارات فى الموضوعات.

واعلم انه اذا كان احد الدليلين حاكما على الآخر فلم يكن التعارض بينهما فيقول الشيخ اذا تقدم احد الدليلين على الآخر من باب الحكومة فالدليل الحاكم مؤخر عن الدليل المحكوم فقال المصنف فلا تعارض بين الدليلين بان يكون احدهما حاكما ومفسرا للآخر سواء كان مقدما ام مؤخرا هذا تعريض على الشيخ حيث قال ان الدليل الحاكم مؤخر عن الدليل المحكوم.

لكن المصنف يقول لا فرق فى ان يكون الحاكم مقدما أو مؤخرا لان مراده من التقدم هو التقدم بالقوة وكذا المراد من التأخر اى الدليل المحكوم مقدم بالقوة والدليل الحاكم مؤخر بالقوة وليس المراد هو التقدم الزمانى قال شيخنا الاستاد ان مراد الشيخ من التقدم هو التقدم الرتبى وليس مراده التقدم الزمانى فلا يرد الاشكال عليه.

قوله : ولذلك تقدم الامارات المعتبرة على اصول الشرعية الخ.

قد ذكر ان التعارض هو التنافى الدليلين فى مقام الاثبات والحجية فان امكن الجمع العرفى فلا تنافى بينهما مثلا اذا اجتمع العناوين الاولية والثانوية فالعنوان الاولى هو المقتضى والعنوان

٢٧٥

الثانوى هو المانع فينتفى التعارض فى هذا المورد لتقدم المانع على المقتضى وعدم التحير هنا قال المصنف ولذلك تقدم الامارات اى لاجل دفع التحير ثبت التقدم المذكور مثلا اذا قال الاستصحاب ان هذا الشيء حلال وقالت الامارة انه حرام فالامارة مقدمة على الاستصحاب.

فقال الشيخ ان تقديمها على الاصول الشرعية انما يكون من باب الحكومة وقال المصنف ان تقديمها عليها انما يكون من باب التوفيق العرفى اعنى يقول العرف اذا وجدت الامارة فلم يبق التحير لكن قال المصنف سابقا ان الامارة تقدم على الاصول من باب الحكومة وان لم يكن الفرق بين قوليه مصداقا فقال المصنف انه لا اشكال فى تقديم الامارة على الاصول.

واما تقديم الاصول على الامارة فيحتاج الى التخصيص فيكون هذا التخصيص بلا وجه اى ان خصصت ادلة الامارة من دون مخصص فهذا تخصيص بلا وجه وان قلنا ان ادلة الاصول مخصصة لادلة الامارات فهذا تخصيص بوجه دائر قد ذكر هذا فى اواخر مبحث الاستصحاب اى ذكر هناك تقدم الامارة المعتبرة على الاستصحاب وقال المصنف انه لا محذور فى الاخذ بدليلها بخلاف الاخذ بدليله اعنى تقديم دليل الاستصحاب على دليل الامارة انما يكون بلا وجه او يكون على وجه دائر.

وكذا فى مقام البحث اعنى ان قلنا بتقدم الامارات المعتبرة على الاصول الشرعية فلا اشكال فيه اصلا واما ان قلنا بتقدمها على الامارات المذكورة فيكون هذا التقديم بلا وجه او يكون على وجه دائر.

٢٧٦

بعبارة اخرى ان تقديم الاصول على الامارات يحتاج الى تخصيص ادلتها بادلة الاصول الشرعية فان خصصت ادلة الامارات من دون مخصص فهو تخصيص بلا وجه ولكن ان قلنا ان ادلتها خصصت بادلة الاصول فهو مستلزم للدور لان مخصصية ادلة الاصول متوقفة على اعتبار وحجية هذه الاصول وحجيتها متوقفة على مخصصية ادلتها لادلة الامارات هذا دور مصرح فثبت تقدم الامارات المعتبرة على الاصول الشرعية بلا اشكال.

لكن الشيخ يقول ان تقدمها عليها انما يكون من باب الحكومة واما صاحب الكفاية فيقول ان الحكومة لا تصح فى تقديم الامارات على الاصول لان الحاكم ما كان مفسرا للمحكوم عليه بعبارة اخرى ان الحاكم ما كان مفسرا بمنزلة اى واعنى واما الامارات فلم تكن كذلك بالنسبة الى الاصول.

واما القائلون بالحكومة فيقولون ان الامارة متعرضة لبيان حكم مورد الاصول الشرعية مثلا تقول الامارة ان هذا حرام فثبت كون الامارة ناظرة الى مورد الاصول فكان تقديمها على الاصول من باب الحكومة والجواب ان كان الامر كذلك فيثبت الحكومة بين كل من المتنافيين لان كل منهما متعرض للآخر ولكن لم يقل احد بالحكومة بين المتنافيين.

فالوجه لعدم الحكومة بينهما هو عدم كون احد المتنافيين ناظرا ومفسرا للآخر وايضا يقال فى الجواب ان كان المتعرضية سببا للحكومة فان الاصول متعرضة لمورد الامارة أيضا فلم : لم يعكس الامر اى لم : لم تجعل الاصول ناظرة ومفسرة للامارات.

فعلم من البيان المذكور ان المتعرضية لم تكن موجبة

٢٧٧

للحكومة لان المراد منها ما كان الحاكم مفسرا بالمطابقة او بالالتزام والمراد من المفسرية بالالتزام ما كان على نحو اللازم البين اى اذا وجد الملزوم وجد اللازم فيصير تصور الملزوم سببا لتصور اللازم ولا يخفى ان المقصود من المفسر بالالتزام ما كان بسبب اللفظ واما الالتزام العقلى وحده فلا يسمى دلالة التزامية.

وقد اجيب الاشكال على وجه آخر وهو الرجوع الى دليل الامارة اى صدق العادل فيسأل هل يقول هذا الدليل انه يجعل الحكم المماثل بالامارة او يقول ألغ احتمال الخلاف او يسوى الدليل المذكور الحجية واعلم ان دليل الامارة مثلا صدق العادل اما يدل على جعل الحكم المماثل واما يد على ان يجب العمل بالامارة من باب الطريقية اى يسوى الدليل المذكور حجية للامارة.

فيقول هذا الدليل ان المنافاة ثابتة بين الامارة والاصل مثلا يحكم الامارة على وجوب الشيء والاستصحاب يحكم على حرمته فلازم الحجية المنجزية والمعذرية اى العقل يحكم بهما فلا يكون دليل الامارة مفسرا لدليل الاصل فى صورة جعل الحكم المماثل بها اى الحكم الذى ينافى للاصل وكذا لم يكن دليل الامارة مفسرا فى صورة جعل الحجية لها قد علم انه لم يجعل الحكم فى هذه الصورة بل لازم جعل الحجية هو المنجزية والمعذرية.

واما ان كان صدق العادل دالا على ألغ احتمال الخلاف فيصح كون هذا الدليل مفسرا لدليل الاصول لان فى هذه الصورة يزول

٢٧٨

احتمال الخلاف تعبدا لاجل العمل بالامارة ولكن قد ذكر ان مفاد الدليل المذكور اما يكون جعل الحكم المماثل بالامارة واما يكون جعل الحجية للامارة ولم يفهم من الدليل المذكور ألغ احتمال الخلاف واشار الى هذا المصنف.

بقوله : بل ليس مقتضى حجيتها الا نفى ما قضيته عقلا الخ.

قد ذكر ان ادلة الامارات ليست ناظرة الى الادلة الاصول حتى تكون مفسرة لها بل تقول ادلة الامارات ان مقتضى حجيتها هو نفى مقتضى الاصول عقلا اى لا يفهم هذا النفى لفظا وان فهم من ادلة الامارات وجوب العمل بها شرعا وكذا يفهم ان الشارع جعل الامارات حجة.

فثبت ان ادلة الامارة لم تكن مفسرة لادلة الاصول بل نفس الامارة لا دلالة لها الاعلى الحكم الواقعى واما مقتضى حجيتها فهو لزوم العمل على وفقها شرعا فيحكم العقل بعد ما ذكر ان العمل بالمقتضى الامارات ينافى العمل بمقتضى الاصول فظهر من البيان المذكور ان الامارات لم تكن ناظرة شرعا الى الاصول فلم تكن مفسرة لها.

قوله : وكيف كان ليس مفاد دليل الاعتبار هو وجوب احتمال الخلاف تعبدا الخ.

قد علم ان مفاد دليل الاعتبار اما ان يكون يجب العمل واما ان يكون جعل الحجية فلم يكن هذا الدليل بكل من المعنيين ناظرا الى دليل الاصول لا بالمطابقة ولا بدلالة الالتزامية اللفظية

٢٧٩

فلم يكن مفسرا.

بعبارة اخرى لا يعلم من كل هذين المعنيين ألغ احتمال الخلاف حتى يصح الحكومة لكن بناء على الاول يمكن الحكومة اى ان قلنا ان مفاد دليل الاعتبار هو يجب العمل فيمكن ان يقال ان الدليل يقول ان الحكم هو هذا وليس غيره فيصح الحكومة على هذا النحو واما ان كان مفاد صدق العادل جعل الحجية فالمراد هو المنجزية والمعذرية.

فالظاهر ان هما حكم عقلى فلا بد من ان يكون الشيء اولا ورتب حكم العقل بعده فلا معنى لإلغاء احتمال الخلاف مع جعل الحجية فثبت الى هنا ان تقدم الامارات على الاصول لم يكن من باب الحكومة.

واما تقدمها عليها على قول الشيخ فهو على الحكومة مثلا البينة تقول هذا حرام فتجعل منزلة اليقين ويجعل الشك فى مقابله كالعدم فيرتفع موضوع لا تنقض اليقين بالشك اى لم يكن بعد اقامة البينة نقض اليقين بالشك بل كان نقض اليقين باليقين فتكون حكومة الامارة من هذه الجهة على مذهب الشيخ.

وقد ذكر سابقا الاشكال فى حاشية منه بان لا يفهم ألغ احتمال الخلاف من دليل الاعتبار اى من اين يجيء ويفهم هذا ولا تدل الامارة عليه فيقال الاحسن هو قول المصنف اى عدم دلالة الامارة على ألغ احتمال الخلاف فان علم من دليل الامارة هذا فيصح الحكومة لان الاصول انما يكون فى المورد الذى كان فيه احتمال الخلاف.

واعلم ان الاصل انما يكون فى مورد الشك ولا فرق بين كونه

٢٨٠