المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

١
٢

٣
٤

القسم الاول

من الجزء الرابع

في

مباحث القائلين بالقدم

٥

٦

المقالة الأولى

في

المقدمات التي

لا بد من تقديمها

٧
٨

المقدمة الأولى

في

تفسير العالم

أعلم (١) أن الموجود إما أن يكون متحيزا ، وإما أن يكون حالا في المتحيز ، وإما أن لا يكون متحيزا ولا حالا في المتحيز [أما المتحيز (٢)] فإما أن يكون قابلا للقسمة ، وهو الجسم. وإما أن لا يكون وهو الجزء الذي لا يتجزأ ، عند من يقول بإثباته. وأما الحال في المتحيز فهو الأعراض القائمة بالأجسام والجواهر ، وقد عرفت أن الأعراض عند الحكماء [أجناس (٣)] تسعة :

أحدها : الكيف : ونقول : انه نوعان :

أحدهما : الأعراض التي يصح (٤) حلولها في غير الأحياء.

والثاني : الأعراض التي لا يصح حلولها إلا في الأحياء.

__________________

(١) نص (س) : «بسم الله الرحمن الرحيم ، رب يسر وتمم. الكتاب الرابع من إلهيات «المطالب العالية» في مباحث الحدوث والقدم ، وأسرار الدهر والأزل ، وفيه مقالات : المقالة الأولى في المقدمات التي لا بد من تقديمها ، وهي ستة. المقدمة الأولى في تفسير العالم. اعلم : أن ... الخ) وفي ط : في مباحث القدم واسرار الدهر .. الخ.

(٢) من (ط ، س)

(٣) سقط (س)

(٤) لا يصح (ت)

٩

أما القسم الأول : فنوعان :

أحدهما : الأعراض المحسوسة بإحدى الحواس الخمس إحساسا أوليا.

والثاني : الأكوان.

أما القسم الأول : فعلى خمسة أقسام :

فالأول : المدركة بالقوة الباصرة ، وهي الألوان والأضواء.

والثاني : المدركة بالقوة السامعة ، وهي الحروف والأصوات.

والثالث : المدركة بالقوة الذائقة ، وهي الطعوم التسعة.

والرابع : المدركة بالقوة الشامة وهي الروائح.

والخامس : المدركة بالقوة اللامسة ، وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وما يتولد من اجتماعهما.

وأما القسم الثاني : وهو الأكوان :

فالكون عبارة عن حصول الجوهر في الحيز. وتفسير الحيز سيأتي في باب الفضاء (١) والجهة ثم إن الكون جنس تحته أربعة أنواع :

فالأول : [هو (٢)] الحركة. [وهي (٣)] الحصول الأول [في (٤)] الحيز الثاني.

والثاني : السكون : وهو عبارة عن الحصول الثاني في الحيز الأول.

والثالث : الاجتماع وهو عبارة عن حصول متحيزين في حيزين [بحيث (٥)] لا يتخللهما فضاء وخلاء.

__________________

(١) الفرض (ت)

(٢) سقط (ط)

(٣) وهو (ت)

(٤) سقط (ت)

(٥) من (ط ، س)

١٠

والرابع : الافتراق. وهو عبارة عن حصول متحيزين في حيزين [بحيث (١)] يتخللهما فضاء وخلاء.

وأما القسم الثاني من قسمي العرض ، فهو العرض الذي يمتنع قيامه إلا بالحي. وهو أقسام :

فأحدهما : الحياة ، وثانيهما : الصفات التي تكون مشروطة بالحياة وهي قسمان : أحدهما : الصفات المعتبرة [في الإدراك. والثاني الصفات المعتبرة (٢)] في الفعل. أما الصفات التي تفيد الإدراك فقسمان : الأول : الاعتقادات. وهي إما تصورات أو تصديقات. والتصديقات : إما أن تكون جازمة أو غير جازمة. أما الجازمة فإما مطابقة أو غير مطابقة ، والمطابقة إما أن تكون علوما ضرورية أو نظرية أو تقليدية.

أما الضروريات. فإما أن تكون مستفادة من إحدى الحواس الخمس ، وإما أن تكون أولية بمعنى أن مجرد تصور موضوعها ومحمولها ، يوجب التصديق بإسناد محمولها إلى موضوعها ، أو بسلبه (٣) عنه.

وأما النظريات فمعلومة ، وأما التقليديات فهو أن يعتقد الإنسان اعتقادا جازما في الشيء من غير دليل ولا شبهة. وأما الاعتقاد الجازم [وهو (٤)] الذي لا يكون مطابقا ، فهو الجهل المركب ، وأما الاعتقاد الذي لا يكون جازما. فإن كان التردد في الطرفين على السوية ، فهو الشك ، وإن كان أحدهما أقوى من الآخر ، فالراجح هو الظن ، والمرجوح هو الوهم.

والقسم الثاني من هذا الباب : الإدراكات [الحاصلة (٥)] بالحواس الخمسة ، وهي معلومة.

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (ط)

(٣) سلبية (ط)

(٤) من (ت)

(٥) من (ط)

١١

والقسم الثالث من هذا الباب : النظر والتفكر. وفيه خلاف في أنه هل هو من جنس الاعتقادات ، أو هو قسم مغاير لها؟

والقسم الرابع : الألم واللذة. وفيه خلاف. وهو أن الألم هل هو نفس إدراك المنافي ، أو حالة زائدة؟

وأما الصفات التي تفيد المكنة من الفعل ، فهي أنواع :

الأول : القدرة ، والثاني : الإرادة والكراهية : والثالث : الشهوة والنفرة. وفيه خلاف في أن الشهوة والنفرة (١) هل هما نفس الإرادة والكراهة ، أو جنسان مغايران للإرادة والكراهة ، فهذا هو الإشارة المختصرة إلى نوع الأعراض.

وأما القسم الثالث من أقسام الموجودات ، وهو الموجود الذي لا يكون متحيزا ، ولا حالا في المتحيز. فقد ثبت بالدلائل اليقينية : أن الله سبحانه كذلك. وهل حصل في الممكنات موجود هذا شأنه ، أم لا؟ فالحكماء [أثبتوه (٢)] والمتكلمون أنكروه. وليس مع المتكلمين دليل يدل على فساد هذا القسم ، ودليلهم على حدوث العالم إنما يتناول المتحيزات والأعراض القائمة بها ، ولا يتناول هذا القسم الثالث ، فعلى هذا دعواهم أن كل ما سوى الله محدث ، إنما يتم [إما (٣)] بإبطال هذا القسم الثالث ، أو بذكر دليل [يدل (٤)] على حدوث هذا القسم الثالث بتقدير ثبوته. ولما لم يذكروا شيئا في هذين المقامين ، بقي كلامهم غير تام في المقصود.

__________________

(١) والقدرة (ت)

(٢) سقط (ط ، س)

(٣) من (ط)

(٤) من (ط).

١٢

المقدمة الثانية

في

تفسير الحدوث

نقول : لا شك أنه لا يمكن تفسير المحدث ، إلا بأنه الذي سبقه غيره. ثم إما أن يكون [ذلك (١)] السابق عدما أو وجودا ، فإن كان عدما فحينئذ يقال : إن المحدث هو الذي [يكون وجوده مسبوقا بالعدم ، وإن كان ذلك السابق وجودا فحينئذ يقال : إن المحدث هو الذي (٢)] سبقه وجود شيء آخر ، والتفسير الأول أولى ، لأن المحدث من حيث إنه محدث [يجب (٣)] أن يكون وجوده مسبوقا بعدمه ، ولا يجب من حيث هو محدث أن يكون وجوده مسبوقا بوجود غيره ، لأنه ما لم يثبت بالدليل أن المحدث يمتنع أن يحدث إلا لمحدث وموجود ، فإنه لا يثبت أن المحدث لا بد وأن يكون مسبوقا بوجود غيره. أما سواء قلنا : إن المحدث يحدث لنفسه أو لغيره ، أولا لنفسه ولا لغيره ، فإنه يجب أن يكون مسبوقا بالعدم. فيثبت : أن التفسير المحدث بأنه الذي يجب أن يكون مسبوقا بالعدم أولى من تفسيره بأنه الذي يجب أن يكون مسبوقا بغيره ، وإذا عرفت هذا فنقول : قد عرفت في كتاب : أحكام الموجودات : أن السبق والتقدم على أقسام خمسة : أحدها : التقدم بالعلية. وثانيها : بالذات. وثالثها : بالشرف. ورابعها : بالمكان. وخامسها : بالزمان.

__________________

(١) من (ت)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ط ، س)

١٣

وإذا ثبت هذا فنقول : إن كان المراد بكون العدم سابقا على وجود (١) التقدم بالعلية فهذا محال : لأن العدم لا يكون علة للوجود.

وإن كان المراد به التقدم بالذات ، فهذا مسلّم. لأن العالم عندنا ممكن ، والممكن ليس له من ذاته إلا عدم الاستحقاق ، وله من غيره ثبوت الاستحقاق. وما له من ذاته ، سابق على ما له من غيره ، سبقا بالذات ، وأما التقدم : بالشرف والمكان ، فظاهر الامتناع. بقي التقدم بالزمان [فنقول : التقدم بالزمان (٢)] لا يحصل إلا مع حصول الزمان ، فإذا كان تقدم عدم العالم على وجوده ، تقدما لا أول له ، وثبت أن هذا التقدم ليس إلا بالزمان ، وثبت أن التقدم بالزمان لا يحصل إلا مع حصول الزمان ، فهذا يقتضي قدم الزمان. ثم ثبت في الطبيعيات : أن الزمان من لواحق الحركة ، التي هي من لواحق الحسم ، فيلزم من قدم الزمان قدم الجسم. فيثبت : أن تفسير حدوث الأجسام بما ذكرتموه يوجب القول بقدم الأجسام ، فكان ما ذكرتموه من التفسير باطلا. هذا إذا فسرتم أن المحدث بأنه الذي يكون مسبوقا بالعدم. أما إذا فسرتموه بأنه الذي يكون مسبوقا بوجود غيره ، فنقول : إن أردتم به السبق بالعلية أو بالذات أو بالشرف ، فالكل مسلم. لأن عندنا العالم ممكن لذاته ، واجب لوجوب (٣) علته ، فتكون تلك العلة سابقة على العالم بالعلية وبالذات وبالشرف. وأما بالمكان فباطل بالاتفاق ، وبتقدير ثبوته ، فإنه لا ينافي القول بقدم العالم ، لأنه لا يمتنع في أول العقل (٤) وجود موجود فوق هذا العالم بالمكان ، ويكون دائم الوجود مع دوام هذا العالم. بقي السبق بالزمان فيعود ما ذكرناه من أنه [لما (٥)] كان سابقا على العالم بالزمان ، وكان سبقه على العالم سبقا لا أول له ، فحينئذ يلزم الاعتراف بأن الزمان لا أول لوجوده ، وحينئذ يلزم المحال المذكور.

__________________

(١) الوجود (ت ، ط).

(٢) سقط (ت).

(٣) يوجب (ت).

(٤) الفعل (ت).

(٥) من (ط ، س).

١٤

وأجيب عن هذا السؤال فقيل : إنا نقيم الدلالة على أن عدم الشيء قد يتقدم على وجوده بنوع سادس ، مغاير لهذه الأقسام الخمسة. وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل.

والذي يدل على حصول هذا القسم السادس وجوه :

الحجة الأولى : إن الزمان أمر لا يوجد إلّا بتعاقب أجزائه ، وتلاحق أقسامه ، فإذا فني منه جزء ، فالجزء الذي يحدث بعده إما أن يكون واجب الوجود لذاته ، وإما أن لا يكون. والأول باطل ، لأن واجب الوجود لذاته ، هو الذي لا تكون ماهيته قابلة للعدم ، وهذا الجزء الذي حدث الآن بعد أن كان معدوما كان قابلا للعدم ، فيمتنع كونه واجب الوجود لذاته. وإذا بطل هذا وجب أن يكون ممكن الوجود لذاته ، وكل ما كان كذلك فإنه لا يلزم من فرض عدمه من حيث هو هو [محال (١)] فلنفرض : أن الجزء الأول (٢) من الزمان فني (٣) ولم يحدث عقبه جزء آخر من الزمان ، فهناك حصل العدم بعد الوجود ، وليست تلك البعدية [بالزمان ، لأنا فرضنا عدم الزمان مطلقا ، فههنا قد حصلت القبلية والبعدية (٤)] من غير اعتبار الزمان ، فإذا عقل ذلك ، فليعقل أيضا حصول القبلية والبعدية بين وجود الحادث وبين عدمه لا بالزمان أيضا. وذلك هو المطلوب.

الحجة الثانية : لا شك أن الزمان عبارة عن أقسام متلاحقة ، وأجزاء متعاقبة. فنقول: كل واحد من تلك الأجزاء قد حدث بعد عدمه ، وكل ما كان كذلك فهو ممكن لذاته [وكل واحد من أجزاء الزمان ممكن لذاته (٥)] وكل ما كان كل واحد من أجزائه ممكنا لذاته، فإن مجموعه أيضا ممكن لذاته.

__________________

(١) من (ط).

(٢) الذي (ت).

(٣) وإن لم (ت).

(٤) من (ط ، س).

(٥) من (ط).

١٥

ينتج : أن مجموع الزمان ممكن لذاته ، وكل ممكن لذاته فله مؤثر ، فلمجموع الزمان : مؤثر ، وذلك المؤثر إما موجب أو مختار ، والأول باطل. وإلا لدام (١) المعلول بدوام ذات العلة ، فكان يلزم أن يكون الزمان موجودا ، مستقر الذات ، مبرأ عن التبدل والتلاحق ، وكل ما كان كذلك ، فهو ليس بزمان ، ينتج : أنه لو كان المؤثر في وجود الزمان موجبا بالذات ، لزم أن لا يكون الزمان زمانا. وذلك محال.

فيثبت : أن المؤثر في الزمان فاعل مختار ، والفاعل المختار لا بد وأن يتقدم على فعله. ينتج : أن فاعل الزمان متقدم على وجود الزمان. وذلك التقدم ليس بالزمان وإلا لزم أن يكون الزمان موجودا ، حال عدمه. وذلك محال. فهذا نوع من التقدم ، مغاير للتقدم بالزمان ، ومغاير لسائر الأقسام المذكورة. وهو المطلوب.

الحجة الثالثة : الزمان إما أن يكون حادثا أو قديما ، فإن كان حادثا كان عدمه سابقا على وجوده ، وذلك السبق ليس (٢) إلا بالزمان ، فقد حصل سبق العدم على الوجود من غير حصول الزمان ، وإن كان قديما كان استمراره ليس بالزمان ، وإلا لزم افتقار الزمان إلى زمان آخر ، وإذا عقل استمرار الشيء لا بسبب الزمان ، فلم لا يعقل أيضا حدوثه لا بسبب الزمان؟

الحجة الرابعة : وهو أنه لا شك في أن الأمس متقدم على اليوم ، فتقدم الأمس على اليوم ليس بالعلية. ويدل عليه وجهان :

الأول : إن أجزاء الزمان متشابهة ، فلو كان جزء منها علة للثاني ، لزم كون الثاني علة للأول ، ولزم كون كل واحد منها علة لنفسه. لما ثبت أن الأشياء المتساوية في الماهية ، يجب أن يكون حكمها في اللوازم متساويا.

والثاني : إن العلة واجبة الحصول عند حصول المعلول ، فلو كان الجزء

__________________

(١) لزم (ت).

(٢) ليس بالزمان (ط).

١٦

الأول من الزمان ، علة للجزء الثاني منه ، لزم حصولهما معا. فحينئذ لا يكون الزمان زمانا. هذا خلف.

وبهذا الدليل أيضا ثبت أنه لا يجوز أن يكون تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض بالذات أو بالشرف أو بالمكان. بقي أن يكون بالزمان. فنقول [هذا (١)] أيضا محال. لأن التقدم بالزمان عبارة عن كون المتقدم حاصلا في زمان ما كان المتأخر حاصلا فيه ، ثم حصل زمان آخر يحصل فيه ذلك المتأخر ، فلو كان بعض أجزاء الزمان متقدما على البعض بالزمان ، لزم أن يكون كل جزء من أجزاء الزمان حاصلا في زمان آخر ، بحيث يكون أحدهما ظرفا للآخر ووعاء له. ثم الكلام في أجزاء ذلك الوعاء كالكلام في الأول ، فيلزم أن يكون كل زمان حاصلا في زمان آخر إلى غير النهاية ، وتكون كلها موجودة معا دفعة واحدة وذلك أيضا باطل لوجهتين :

الأول : إنه يلزم أن لا تكون هذه الساعة الحاضرة ساعة واحدة ، بل ساعات غير متناهية ، وذلك مدفوع في بديهة العقل.

والثاني : إن مجموع الأمسيات (٢) الغير المتناهية ، متقدم على مجموع الأيام الحاضرة ، وتقدم ذلك المجموع على هذا المجموع بالزمان والظرف مغاير للمظروف ، فذلك الذي هو ظرف المجموع ووعاؤه ، لا بد وأن يكون خارجا عن ذلك المجموع ، لوجب كون الظرف والوعاء مغاير للمظروف ، ويجب أن لا يكون خارجا عنه ، لوجوب أن يكون الفرد من أفراد الشيء داخلا في مجموعه ، فهذا يقتضي أن يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى المجموع الواحد ، داخلا فيه وخارجا عنه ، وذلك محال. فيثبت بهذا البرهان : أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض قسم سادس مغاير للأقسام الخمسة ، وإذا عقل ذلك فليعقل مثله في تقدم عدم الحادث على وجوده.

الحجة الخامسة في تقرير هذا المطلوب : أن نقول : صريح العقل

__________________

(١) من (ط)

(٢) الامتياز (ت)

١٧

حاكم (١) بأن كل أمرين يشير العقل إليهما ، فإما أن يكون أحدهما سابقا على الآخر ، أو معه أو بعده. فأما أن يكون خارجا عن الأقسام الثلاثة ، فهذا غير معقول ، بل هو مدفوع في بديهة العقل. إذا ثبت هذا فنقول : البارئ والعالم لا بد وأن يكونا على أحد هذه الأقسام الثلاثة. إذا ثبت هذا فنقول : إن كانت القبلية والمعية والبعدية مما لا يحصل إلا بسبب الزمان ، وقد دللنا على أن ذات الله يمتنع خلوها عن هذه الأحوال الثلاثة ، فحينئذ تكون ذات الله تعالى مفتقرا في بعض لوازمه إلى وجود غيره [وكل ما كان مفتقرا في وجوده إلى وجود غيره (٢)] كان ممكنا لذاته ، فيلزم أن يكون واجب الوجود لذاته ممكن الوجود لذاته ، وهو محال. فيثبت : أن حصول القبلية والمعية والبعدية [لا (٣)] يفتقر البتة إلى الزمان. وذلك هو المطلوب.

الحجة السادسة : إن التقدم والمعية [والبعدية (٤)] وإن كان لا يعقل حصولها إلا بسبب الزمان ، فلا شك أن ذلك الشيء الذي حصل في ذلك الزمان يكون حاصلا مع ذلك الزمان ، وكونه [حاصلا (٥)] مع الزمان ، ليس لأجل زمان آخر. فقد عقلنا حصول المعية لا بسبب الزمان (٦) وإذا عقل ذلك ، فلم لا يعقل حصول القبلية والبعدية ، لا لأجل الزمان؟ فهذه جملة المباحث في هذا الباب [والله أعلم (٧)]

__________________

(١) عالم (ط)

(٢) من (ت)

(٣) من (ط)

(٤) من (ط ، س)

(٥) من (ط)

(٦) الزمان. ولا شك إذا ... الخ (ت).

(٧) من (ط ، س)

١٨

المقدمة الثالثة

في

شرح مذاهب الناس في هذه المسألة

اعلم أن هذا العالم الجسماني المحسوس ، لا شك أنه جسم موصوف بصفات مخصوصة ، وذلك الجسم هو المادة ، وتلك الصفات هي الصورة. فنقول : العالم إما أن يكون محدثا بمادته [وصورته ، وإما أن يكون قديما بمادته وصورته ، وإما أن يكون قديما بمادته ومحدثا بصورته ، وإما أن يكون محدثا بمادته (١)] وقديما بصورته ، وإما أن يتوقف في هذه الأقسام. فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب.

أما القسم الأول وهو أن يقال : العالم محدث بمادته وصورته. فهذا قول أكثر أرباب الملل والنحل من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس.

وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : العالم قديم بمادته وصورته ، فهذا هو قول أرسطاطاليس وأتباعه من المتقدمين والمتأخرين ، ومنهم أبو نصر الفارابي ، وأبو علي بن سينا. وتفاصيل هذا المذهب : أن الأجسام إما فلكية ، وإما (٢) عنصرية.

أما الأجسام الفلكية فهي أزلية أبدية في ذواتها ، وفي جميع صفاتها ، وهي

__________________

(١) من (ط)

(٢) أو (ط)

١٩

متحركة حركة واحدة دائمة متصلة من الأزل إلى الأبد من غير سكون أصلا. وأما الأجرام العنصرية فموادها باقية أزلا وأبدا ، وأما صورها فهي قابلة للسكون والفساد ، فكل صورة مسبوقة بصورة أخرى ، لا إلى أول. ثم قالوا : إن هذه الأجسام سواء كانت فلكية أو عنصرية ، فهي ممكنة الوجود لذواتها ، واجبة لأجل وجوب علتها ، فيلزم من دوام علتها دوامها.

وأما القسم الثالث : وهو أن يقال : هذا العالم قديم المادة ، محدث الصورة. فهذا البحث مبني على أن المادة الأولى ما هي؟ فقال الجمهور الأعظم من أهل العلم : إن المادة الأولى هي الجسم [فالجسم (١)] ، ذات قابلة للصفات المختلفة. ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال : الأجسام متماثلة في تمام الماهية والحقيقة ، وإنما يخالف بعضها بعضا بسبب الصفات القائمة بها. ومنهم من قال : جسم النار مخالف بالماهية لجسم الأرض ، فحرارة النار عين ذاتها المخصوصة ، وبرودة الأرض عين ذاتها المخصوصة.

أما الأولون وهم القائلون بأن الأجسام متساوية في تمام ماهياتها. فقد اختلفوا في هذه الصفات التي هي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. فمنهم من قال : إن هذه الصفات عبارة عن وقوع تلك الأجسام على أشكال مخصوصة. فالشكل الأرضي هو الذي يحيط به ست مربعات. وهو المكعب ، فإنه إذا كان واقعا على هذا الشكل ، امتنع كونه غائصا [في غيره (٢)] وذلك هو الكثافة والأرضية. والشكل الناري هو الذي يحيط به أربع مثلثات متساويات، ومتى كان كذلك ، نفذ في غيره برأسه ، وإذا نفذ في غيره ، لزم أن يفرق اتصال ذلك الغير ، وهذا هو الإحراق والتفريق. فكل جسم كان شكله هو المكعب ، لزم كونه كثيفا وهو الأرض. وكل جسم كان شكله هو [هذا (٣)] الشكل المذكور ، لزم كونه نفاذا في غيره (٤) ومفرقا لأجزاء ذلك الغير ، فيكون محرقا

__________________

(١) من (ط)

(٢) من (ط ، س)

(٣) من (ت)

(٤) نفاذا غواصا في الغير ، مفرقا ... الخ (ت)

٢٠