المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]

المطالب العالية من العلم الإلهي - ج ٤

المؤلف:

محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري [ فخر الدين الرازي ]


المحقق: الدكتور أحمد حجازي السقا
الموضوع : الفلسفة والمنطق
الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٣١
  نسخة غير مصححة

الفصل الثامن

في

الكلام على التناسخ

اعلم : أن القوم زعموا : أن هذه الآلام الموجودة في هذا العالم ، إنما حصلت بتخليق [الله تعالى (١)] وثبت : أنه رحيم ناظر لعباده ، فوجب أن يقال : إن هذه الآلام عقوبات أوصلها الله إليهم ، جزاء على ذنوب صدرت منهم ، قبل ذلك. ولما [رأينا (٢)] أنه لم يصدر عنهم الذنوب ، حال كونهم في هذه الأبدان ، علمنا : أن هذه الأرواح كانت في أبدان أخرى. فأقدموا على الذنوب هناك ، فاستوجبوا العذاب عليها ، فنقلت تلك الأرواح إلى هذه الأبدان ، وأوصلت هذه الآلام إليها ، عقوبة على تلك الجنايات.

فإذا قيل لهم : يقتضي أنهم أقدموا على المعصية في تلك الأبدان السابقة. والإقدام على المعصية مشروط بسبق التكليف ، والتكليف أضرار. فهذا يقتضي أن الإله الحكيم أوصل الضرر إليهم ابتداء. فإن جاز ذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى يوصل المضار إليها في هذه الحياة ، من غير سبق هذه الأمور التي تذكرونها ، وإن لم يجز هذا فقد فسد قولكم؟

فعند هذا انقسم القائلون بالتناسخ إلى قسمين :

__________________

(١) من (ت).

(٢) من (ط).

٤٢١

منهم من يقول : كل ضرر يصل إلى العبد ، فإنه مسبوق بذنب صدر منه ، وكل ذنب صدر منه ، فإنه مسبوق بتكليف هو أضرار ، وهكذا كل واحد منها قبل الآخر. لا إلى أول.

فقال هؤلاء : بقدم العالم ، وبحوادث لا أول لها.

ومنهم من قال : إنه لا حاجة إلى التزام قدم العالم ، بل نقول : إنه إذا اتفق أن وقعت الأحوال على وجه لا بد فيه من التزام أحد الضررين. فههنا الواجب على العاقل : التزام أخفهما ، ودفع أكملهما. إذا ثبت هذا فنقول : أول ما خلق الله العبد. فإنه أباح له : كل ما أراد واشتهى ، فهذا يقتضي أن يكون مأذونا في قتل غيره ، ونهب ماله إذا اشتهى ذلك. ثم إن ذلك الآخر يفعل في حقه مثل ذلك [وذلك (١)] يفضي إلى حصول المضار العظيمة. فيثبت : أن الحكمة الإلهية تقتضي منع العباد في أول الأمر عن الظلم والبغي والعدوان. فهذا التكليف ، وإن كان اضرار ، إلا أنه لا بد من التزامه دفعا للضرر ، الذي هو أعظم منه.

وإذا ثبت جواز الابتداء بهذا التكليف ، فعند هذا نقول : كل من عصى الإله تعالى. فبه استوجب العقاب. وذلك يحصل بأن ينقله إلى بدن آخر ويعذبه فيه بمقدار ذلك الذنب.

فهذه حكاية [قول (٢)] أهل التناسخ : وهو (٣) أيضا مبني على [جريان (٤)] تحسين العقل وتقبيحه في أفعال الله وفي أحكامه. ومبني أيضا على أن الإنسان شيء غير الجسد ، وأنه موجود قبل حدوث هذا الجسد [والله أعلم (٥)].

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (ط).

(٣) فهذا (ت).

(٤) من (ط).

(٥) من (ط).

٤٢٢

الفصل التاسع

في

حكاية مذهب القائلين بالأعواض

اعلم : أن المعتزلة لما اعتقدوا جريان حكم تحسين العقل وتقبيحه في أفعال الله وفي أحكامه. قالوا : إنا نشاهد حصول هذه الآلام في العباد. والعقل حكم بأن إيصالها إلى الحيوان من غير سبب : قبيح. وهذا يقتضي امتناع صدوره عن الإله الرحيم الحكيم. فحسنها إما أن يكون للجناية السابقة ، على ما هو قول أصحاب التناسخ. وقد ثبت بطلانه. فوجب أن يكون حسنها لأجل [أن الإله (١)] الحكيم الرحيم ، يعطي أعواضا وافية جابرة لجهات مضارها.

ثم المحققون منهم قالوا : لا بدّ من العوض ، لتخرج هذه المضار عن كونها [ظلما. ولا بد من الاعتبار لتخرج هذه المضار عن كونها (٢)] عبثا. فإنه لو استأجر رجل [رجلا (٣)] على نزح ماء البحر ، وصبه في الجانب الآخر ، بمقدار من الأجرة ، ولم يكن في ذلك العمل شيء من المنافع والمصالح ، فذلك العمل يخرج عن كونه ظلما. إلا أنه يكون عبثا ، ويكون فاعله سفيها. فلهذا قالوا : هذه الآلام إنما تحصل (٤) لمجموع الأمرين : العوض والاعتبار. فإذا قيل

__________________

(١) من (ط).

(٢) من (ط ، ت).

(٣) من (م).

(٤) تحسين (م ، ت)

٤٢٣

لهم : إن الحيوانات التي تكون في غاية الصغر ، قد تتولد في قعور (١) البحور ودواخل الأرض، بحيث لا يطلع عليها أحد ، فكيف يحصل الاعتبار بإيصال الآلام إليها؟

أجابوا : بأن الملائكة والجن والشياطين يشاهدونها ، فيحصل لهم أنواع من الاعتبارات(٢) في الدين. ثم إن القائلين بهذا القول ، أوجبوا على الله تعالى : حشر جميع البق والبراغيث والقمل والديدان ، وإيصال الأعواض إليها. وزعموا : أنه لو أخل بإعادة شيء منها لصار سفيها ومعزولا عن الإلهية.

واعلم : أن هذا من تفاريع تحسين العقل وتقبيحه. وقد علمت ضعفه وسقوطه. وقال بعض المحققين : إنه إذا وصل الضرر إلى حيوان ، ثم إنه يعاد ذلك الحيوان بعد عشرة آلاف سنة ، وتلك الحالة قد نسيها ذلك الحيوان ، ولم يبق له بها شعور ، كان ذلك الإنعام جاريا مجرى الإنعام المبتدأ ، ويصير منقطع التعلق عما مضى.

ولما طال كلام المعتزلة في تفاصيل هذا الباب طولا مقرونا بالضعف والرخاوة. لا جرم آثرنا الاختصار فيه [والله أعلم (٣)].

__________________

(١) قعر البحر وداخل الأرض (م).

(٢) أنواع من الاعتبار (م).

(٣) من (ط).

٤٢٤

الفصل العاشر

في

حكاية قول من أثبت للعالم إلها فاعلا

مختارا مع أنه يفعل ما يشاء ويحكم

ما يريد. لا يلتفت إلى مصالح الخلق ومفاسدهم

اعلم : أن هؤلاء لما نفوا التحسين والتقبيح في أفعال الله وأحكامه امتنعوا أن يقولوا : إنه ـ تعالى ـ خصص إحداث العالم بوقت معين ، لأن تخصيص ذلك الوقت بالإحداث والتكوين ، أصلح للمكلفين ، وأنفع لهم.

والذي يدل على ذلك وجهين :

الحجة الأولى : إن الفعل موقوف على الداعي. ومتى كان الأمر كذلك [كانت المضار والفواحش والقبائح بأسرها ، بقضاء الله تعالى وقدره. ومتى كان الأمر كذلك (١)] امتنع توقيف صدور الفعل من الله تعالى على رعاية المصالح [والمنافع (٢)].

الحجة الثانية : إن اختصاص ذلك الوقت بتلك المنفعة الزائدة. إما أن يكون لذاته ، أو لشيء من لوازم ذاته ، أو لا لذاته ، أو لا للوازم ذاته. والأول باطل. وإلا لكان الوقت المعين صالحا لاقتضاء الآثار والخواص لذاته. ولو جاز ذلك ، لجاز إسناد كل حادث يحدث إلى الوقت المعين. وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحدوث الحوادث على وجود الصانع. وكذا القول إذا قلنا : بأن

__________________

(١) سقط (ط).

(٢) سقط (ط).

٤٢٥

المقتضى لتلك الخاصية ، شيء من لوازم ذلك الوقت ومن مقتضياته. والثالث باطل. لأنا كما قلنا : ما المقتضى لاختصاص ذلك الوقت [بحدوث العالم فيه؟ وكذلك ما المقتضى لاختصاص ذلك الوقت (١)] بتلك الخاصية؟ ويلزم التسلسل. إما دفعة واحدة ، وإما واحدا قبل آخر ، لا إلى أول. وذلك يقتضي حدوث حوادث لا أول لها. فثبت : أن القائلين بنفي تحسين العقل وتقبيحه ، يلزمهم أن يقولوا : إنه تعالى خصص إحداث العالم بذلك الوقت المعين ، لا لمخصص أصلا البتة.

وهذا تمام المباحث في هذا الباب.

واعلم : أن هذه المذاهب لما تلخصت على هذا الوجه ، وظهر ما في كل واحد منها من المدائح والقبائح (٢). فعند هذا قال : أصحاب الحيرة والدهشة : إن هذه الدلائل ما بلغت في الوضوح والقوة ، إلى حيث تزيل الشك ، وتقطع العذر ، وتملأ (٣) بقوتها ونورها : العقل. بل كل واحد منها يتوجه فيه نوع غموض. واللائق بالرحيم الكريم أن يعذر المخطئ في أمثال هذه المضائق.

[قال مولانا الداعي إلى الله تعالى (٤)] : وعند هذا أتضرع وأقول :

إلهي حجتي : حاجتي. وعدتي : فاقتي. ووسيلتي إليك : نعمتك عليّ. وشفيعي عندك : إحسانك إليّ.

إلهي أعلم أنه لا سبيل إليك ، إلا بفضلك. ولا انقطاع عنك إلّا بعدلك.

إلهي لي علم كالسراب. وقلب من الخوف خراب. وأنواع من المشكلات بعدد الرمل والتراب. ومع هذا ، فأرجو أن أكون من الأحباب. فلا تخيب رجائي. يا كريم يا وهاب.

__________________

(١) من (ط).

(٢) القبائح والمدائح (ط).

(٣) بقوته ونوره (م ، ط ، ت).

(٤) سقط (ط).

٤٢٦

إلهي إنك تعلم أن كل ما قلته وكتبته ، ما أردت به إلّا الفوز بالحق والصواب ، والبعد عن الجهل والارتياب.

فإن أصبت فاقبله مني بفضلك ، وإن أخطأت فتجاوز عني برحمتك وطولك. يا ذا الجود ، يا مفيض الوجود.

وهاهنا آخر الكلام [في هذا الباب.

قال مصنف هذا الكتاب : وقد تم ليلة الأربعاء من جمادى الأولى سنة خمس وستمائة (١)] والحمد لله وحده (٢) [وصلواته على النبي ، سيدنا محمد وآله.

تم الكتاب الرابع من «المطالب العالية» للفخر الرازي. ويليه الكتاب الخامس في البحث عن «الزمان والمكان».

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي ، الطاهر الزكي ، وعلى آله وصحبه ، وسلم وشرف وكرم وعظم. آمين (٣)].

__________________

(١) من (ط).

(٢) على آلائه (ط).

(٣) من (م).

٤٢٧
٤٢٨

فهرست الجزء الرابع

القسم الاول من الجزء الرابع

في مباحث القائلين بالقدم....................................................... ٥

المقالة الأولى في المقدمات التي لا بد من تقديمها................................ ٧

المقدمة الأولى في تفسير العالم................................................... ٩

المقدمة الثانية في تفسير الحدوث............................................... ١٣

المقدمة الثالثة في شرح مذاهب الناس في هذه المسألة.............................. ١٩

المقدمة الرابعة في أن الكتب الإلهية تثبت حدوث العالم............................ ٢٩

المقدمة الخامسة في أن هذا العالم. هل له أول أم لا؟.............................. ٣٥

المقدمة السادسة في ذكر دلائل أصحاب القدم ودلائل أصحاب الحدوث............ ٤١

المقالة الثانية في تقرير الوجوه المستخرجة من اعتبار حال الفاعلية ، والمؤثرية..... ٤٣

الفصل الأول في حكاية الحجة القوية التي لهم في هذا الباب........................ ٤٥

الفصل الثاني في تقرير وجوه أخرى من الدلائل متفرعة على فاعلية المبدأ الأول........ ٨٩

المقالة الثالثة في الدلائل المستنبطة من صفة القدرة............................. ٩٩

المقالة الرابعة في الدلائل المستنبطة من صفة الإرادة........................... ١٢٥

المقالة الخامسة في الدلائل المستنبطة من الحسن والقبح والحكمة والعبث...... ١٣٥

٤٢٩

المقالة السادسة في الدلائل المستنبطة من صفة العلم............................. ١٥٣

المقالة السابعة في الوجوه المستنبطة من العلة المادية وهي كون العالم ممكن الوجود لذاته ١٦٧

المقالة الثامنة في الوجوه المستنبطة من الحركة والتغير والحدوث...................... ١٨٥

المقالة التاسعة في الوجوه المستنبطة في هذا الباب من الزمان....................... ١٩٥

المقالة العاشرة في الوجوه المستنبطة في هذا الباب مما يتعلق بالمكان................. ٢١١

المقالة الحادية عشر في بيان أنه يجب أن يكون العالم أبديا ، ثم بيان أنه لما وجب كونه أبديا ، وجب كونه أزليا ،    ٢١٩

المقالة الثانية عشر في بيان أن كون العالم أزليا ، لا يقتضي استغناؤه عن المؤثر...... ٢٢٩

القسم الثاني من الجزء الرابع

في مباحث القائلين بالحدوث................................................ ٢٤١

المقالة الأولى في تقرير الدلالة المبنية على الحركة والسكون.................... ٢٤٣

الفصل الأول في تقرير هذه الحجة........................................... ٢٤٥

الفصل الثاني في إقامة الدلالة على أن الجسم يمتنع أن يكون متحركا في الأزل.. ٢٤٩

الفصل الثالث في بيان أن الجسم يمتنع أن يكون ساكنا في الأزل............... ٢٨١

المقالة الثانية في تقرير دلائل أخرى في اثبات حدوث العالم.................... ٣٠٧

المقالة الثالثة في تقرير الوجوه الدالة على أن إله العالم ، فاعل بالاختيار ، لا موجب بالذات   ٣٢٣

القسم الأول من هذه المقالة

في الاعتبارات المأخوذة من أصول الحكمة ، الدالة على أن مدبر العالم يجب أن يكون فاعلا مختارا ، لا علة موجبة   ٣٢٩

الفصل الأول في شرح منافع الشمس.......................................... ٣٣١

الفصل الثاني في منافع القمر................................................. ٣٤١

الفصل الثالث في أحوال سائر الكواكب...................................... ٣٤٧

الفصل الرابع في آثار حكمة الله في العالم الأسفل............................... ٣٥١

٤٣٠

القسم الثاني من هذه المقالة

في الدلائل المستنبطة من القرآن المجيد في اثبات أن إله العالم قادر حكيم مختار رحيم. ٣٥٣

أنواع الدلائل على أن إله العالم قادر حكيم ، مختار رحيم...................... ٣٥٥

المقالة الرابعة في ضبط مذاهب أهل العلم في الفعل والفاعل................... ٣٦١

الفصل الأول في ضبط تلك المذاهب بحسب التقسيم........................... ٣٦٣

الفصل الثاني في الرد على الدهرية............................................ ٣٦٩

الفصل الثالث في الكلام على القائلين بالموجب................................ ٣٧٣

الفصل الرابع في أن الصادر الأول عن الله. ما هو؟ على قول من يقول : الواحد ، لا يصد عنه الا الواحد  ٣٨١

الفصل الخامس في شرح مذهب هؤلاء الفلاسفة في أن ذلك الصادر الأول. كيف تصدر عنه الكثرة الحاصلة في الممكنات؟   ٣٩١

الفصل السادس في الرد على القائلين بأن للعالم إلهين أحدهما خيّر ، والاخر شرير... ٣٩٩

الفصل السابع في حكاية قول من يقول : ان سبب حدوث هذا العالم : عشق النفس على الهيولى ٤٠١

المقدمة الأولى.............................................................. ٤٠٣

المقدمة الثانية.............................................................. ٤٠٥

المقدمة الثالثة.............................................................. ٤٠٧

المقدمة الرابعة.............................................................. ٤١١

الفصل الثامن في الكلام على التناسخ......................................... ٤٢١

الفصل التاسع في حكاية مذهب القائلين بالأعواض............................. ٤٢٣

الفصل العاشر في حكاية قول من أثبت للعالم إلها فاعلا مختارا مع أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. لا يلتفت إلى مصالح الخلق ومفاسدهم................................................................ ٤٢٥

فهرس المواضيع............................................................. ٤٢٩

٤٣١